الاستِثْنَاءَاتُ إِذَا تَعَدَّدَتْ: فَإِنْ كَانَ البَعضُ مَعطُوفًا عَلَى البَعضِ بِحَرْفِ الْعَطفِ - كَانَ الكُلُّ عَائِدًا إِلَى المُسْتَثنى مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ: "لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلا خَمْسَةَ وَإِلَّا أَربَعَةً".
===
لا بُدَّ من تقديم تَؤطِئَةٍ لهذه المسألة وهي:
أَنَّ الاستثناءَ المُستَغرَقَ لا يَصِحُّ بالإجماع؛ لأنه نَقضٌ، واستثناءُ الأَقَلِّ صحيحٌ بالإِجماعِ.
واستثناءَ المُسَاوي صحيحٌ عند الأكثرين، خلافًا لابن درستويه من النحاة، وأحمد بن حنبل، وعبد الملك بن الماجشون من الفقهاء، والقاضي من الأُصوليين.
واستثناءُ الأكثرِ بَاطِلٌ عند النُّحَاةِ، صحيحٌ عند جمهورِ الفقهاءِ.
وَمَن مَنَعَ المُسَاويَ، مَنَعَ الأكثرَ بطريق الأولى.
واحتجَّ المانِعون للمساوي وللأكثر: بأنه لم يُوجَدْ في كلام العَرَب، وما لا يوجد في كلامهم لا يكون من لُغَتِهِم.
قال القاضي: ولأنَّ الاستثناءَ على خلافِ الأصل، خالفناه في الأَقَلِّ؛ لأنه في مَظِنَّةِ النسيان لحاجة الاستدراك.
[ ١ / ٤٨٨ ]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ -فَالاسْتِثنَاءُ الثانِي: إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الأوَّلِ، أَوْ مُسَاويًا لَهُ- عَادَ أَيضًا إِلَى الأَوَّلِ؛ كَقَوْلِكَ: "لِفُلانٍ عَلَى عَشَرَةْ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا خَمْسَة".
===
وهذا المعنى لا يتحقق في المساوي؛ فوجب البقاءُ على الأَصل.
احتج المُجَوِّزُونَ: بأنه لو قال: له على عشرةُ دراهمَ إلَّا تسعةً- لزمه دِرْهَمٌ واحد بإجماع علماءِ الأمصارِ.
ورُدَّ: بأنه تفريعٌ على هذا المَذهَبِ، واستَبعَدَ دعْوى الإجماع مع خلافِ أَحمَدَ وَغَيرِهِ.
قوله: لو صحَّ تخصيصُ الأكثر فيصحُّ استثناؤه؛ لأنَّ معناهما واحد.
ورُدَّ: بأنه قياسٌ في اللُّغَةِ.
قالوا: قد سُمِعَ من العرب قولُ الشاعر [من البسيط]
أَدُّوا الَّتِي نَقَصَت تِسعِينَ مِن مائَةٍ ثُمَّ ابعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالًا
هو في معنى الاستثناء.
ورُدَّ: بأَنهُ قياس، وأيضًا فلا تَثْبُتُ هذه القاعِدَةُ ببيتِ شعرٍ غيرِ صريح.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢ - ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ [الحجر: ٤٢]؛ حيث استثنى الغاوين مَرَّةً والمُخْلَصِينَ مَرَّةً.
وأيَّامًا كان أكثر لَزِمَ استثناءُ الأكثرِ من الأَقَل، كيف والغاوون أَكْثَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
ورُدَّ عليه: أن قوله تعالى: ﴿وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] المُرَادُ منه ذُرِّيَّهُ آدَمَ -﵇-؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]، وأن المخلصين إما المَعصُومُونَ وهم الأنبياءُ، وإما الصالحون.
وأيًّا ما كان، فهو استثناءُ الأَقَلِّ.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢]، فظاهِرٌ أَنَّ إضافَةَ العِبَادِ ها هنا: إضافَةُ تشريف، وهم المخلصون.
وحينئذ: يتعيَّنُ أن يكونَ قوله: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ [الحجر ٤٢] استثناء مُنقَطِعًا؛ كقولك: مِن أَين أتيت؟ .
فإن قيل: فقد مَنَعَ قَوْمٌ وقوعَ الاستثناءِ المُنْقَطِعِ في القرآن والشِّعْرِ، ورَدُّوا جَمِيعَ ذلك إلى المُتَّصِلِ.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وإنْ [كَانَ] أَقَلَّ مِنَ الأَوَّلِ؛ كَقَولِكَ: "لِفُلانٍ عَلَى عَشَرَةَ إلا خَمسَةَ إلا أَربَعَةَ" - فَالاستِثنَاءُ الثَّانِي: إِمَّا يَكُونُ عَائِدًا إِلَى الاستِثْنَاءِ الأوَّلِ فَقَط، أَوْ عَائِدًا إِلَى الْمُستَثْنَى مِنْهُ فَقَطْ، أَو إِلَيهِمَا مَعًا، أَو لا إلى وَاحِدٍ مِنهُمَا:
===
قلنا ذلك تَعَسُّفٌ وتَكَلُّفٌ، ولا نزاعَ في أنه وَرَدَ بعد "إلَّا" ما لا يَندَرجُ فيما قبلها.
وإنما الخلاف في أمور:
منها: أنه هل يكونُ استثناءَ حقيقةٍ أو مجازٍ؟: والصَّحِيحُ أنه مجازٌ؛ لأنهُ مُشْتَقٌّ إمَّا من التَّثَنِّي تقول: ثَنَيت من عنان الفَرَسِ إذا رَدَدتَهُ ومنعته عن صَوبهِ، ولا يَتَحَقَّقُ هذا المعنى إلَّا مع الاتصال.
أو مشتق من التثنية وذلك لتثنية الخبر ولا يتحقق ذلك أيضًا إلا بتقدير دُخُوله في الخَبَرِ الأَوَّلِ بالإثبات مثلًا وبالنفي في الثاني، وبالعكس.
ومنها: أن حُكمَهُ النَّصبُ أو البَدَلُ فيما يَتبَعُ الجنس عند بني تميم، وهذا بَحثٌ نَحويٌّ.
ومنها: أنه إذا قال: له عليَّ مائة دينار إلا ثوبًا فأبو حنيفةَ يُلْزِمُهُ المائَةَ، وقوله: "إلَّا ثوبًا، لاغٍ، والشَّافِعِيُّ ينظر إلى قِيمَةِ الثوبِ، فإِن كانت مُسَاويَة للمائة أو أكثر أَلغَاهُ، وإن كانت أَقَلَّ استثنى القيمةَ من المائةِ.
فَوَجْهُ المجازِ فيه: أنه بتقدير حرفٍ مضافٍ كأنه قال: له عَلَيَّ مائةُ دينارٍ إلَّا قيمةَ ثوبٍ، والمَصِيرُ إليه أولى من التعطيلِ.
وما ذكره أبو حنيفةَ: قياس الاستثناء من غير الجِنسِ فهو مُقَدَّرٌ بـ"لكن"، إلَّا أنه ناقضه في استثناء الموزون من المَكِيلِ، والمَكِيل من الموزون.
عدنا إلى المسألة:
قوله: "إذا تَعَدَّدَت فإن كان البعضُ معطوفًا على البعضِ بحرف العطف، كان الكُلُّ عائدًا إِلَى المُستَثنَى منه"- ظاهِرٌ؛ فإنَّ مُقتَضَى العَطفِ جَعلُ المُتَعَدِّد كالواحد، فَيَعُودَانِ معًا إلى الأَوَّلِ بشرط عَدَمِ الاستغراق.
قوله: "كقولك: لفلان عليَّ عشرة إلَّا خمسة وإلا أربعة" يعني: فيلزمه واحد؛ وهذا تقريع على صِحَّةِ استثناءِ الأكثرِ، ومَن مَنَعَ كان الجَمِيعُ عنده لاغيًا، أو الثاني.
قوله: "وإن لم يكن كذلك فإنَّ الاستثناءَ الثاني إن كان أكثرَ من الأَوَّل أو مساويًا- عاد أيضًا إلى الأول؛ كقولك: لفلانٍ على عشرة إلَّا أربعة إلَّا خمسة" يعني: لِتَعَذُّرِ استثناءِ الخمسة من الأربعة.
قوله: "وإن كان أَقَلَّ منه؛ كقولك: عليَّ عشرةٌ إلَّا خمسة إلَّا أربعةَ، فالاستثناءُ الثاني إمَّا أَن يكونَ عائدًا إلى الاستثناءِ الأول فقط " إلى آخره.
يعني: أنَّ الأصلَ اعتبارُ القُرب، وإخراجُ الأَربعةِ من الخمسة مُمكِنٌ؛ فقد استَثنَى بخمسةٍ أَخرَجَ منها أربعةً، فيكونُ الاستثناءُ بوَاحدٍ، فتبقى تسعةٌ.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وَالأوَّلُ: هُوَ الْحَقُّ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُرْبَ يُوجِبُ الرُّجْحَانَ.
وَالثَّالِثُ: بَاطِلٌ أَيضًا؛ لأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ الاسْتِثْنَاءِ الأَوَّلِ -لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا نَفْيًا وَالآخَرُ إِثْبَاتًا، فَالاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي لَوْ عَادَ إِليهِمَا مَعًا- وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنَ الإِثْبَاتِ نَفْيٌ-: فَيَكُونُ الاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي قَدْ نَفَى عَنْ أَحَدِ الأَمْرَينِ
===
قوله: "إن عوده إليهما باطل " يعني بالوجهين المُشَارِ إليهما:
أحدهما: أن الاستثناءَ من النفي إِثباتٌ، ومن الإِثباتِ نَفْيٌ، ولو عَادَ إِليهما لَزِمَ أَنْ يكونَ نفيًا وإثباتًا معًا.
ورُدَّ عليه: بأنه لا مانِعَ من ذلك بالنسبة إلى أمرين.
والثَّانِي: أنَّه إذا نفى عن أحدهما عين ما أثبته الآخر، فينجبر النقصان بالزيادة، وصار الاستثناء لغوًا.
ومِمَّا يَتَّصِلُ بالتخصيص:
التخصيص بالشرط وقد اخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ:
قال الغزاليُّ: "هو ما يَتَوقَّفُ المشروطُ عليه، ولا يَلْزَمُ من وُجُودِهِ وُجُوده".
واعْتُرِضَ عليه: بأن أَخْذَ المشروطِ فِي بيانِ الشرط دَوْرٌ، وبأنه ينتقض بجزء المَاهِيَّةِ، وجُزْءِ السَّبَبِ.
وقال الفَخْرُ: هو ما يَتَوَقَّفُ تأثيرُ المُؤَثِّرِ عليه، لا ذاتِهِ.
واحْتَرَزَ بقوله: "لا ذاته" من جزء الماهية.
وما ذكره لا ينعكس، فَإنَّ الحياةَ شَرْطٌ فِي وجودِ العلم ولا تأثيرَ.
والأَوْلَى أنْ يُقَال: هو ما يلزم من انتفائه انتفاءُ الشيءِ وليس بمقوم.
وينقسم إلى: عَقلِيٍّ: كالحياةِ فِي العلم، وشرعِيٍّ: كالطهارة فِي الصلاة، ولُغَويٍّ: وهو ما
[ ١ / ٤٩١ ]
السَّابِقَينِ عَلَيهِ، عَينَ مَا أَثْبَتَهُ الآخَرُ؛ فَيَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالزِّيَادَةِ، وَيَبْقَى مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الاسْتِثْنَاءِ؛ فَيَصِيرُ [الاسْتِثْنَاءُ] الثَّانِي لَغْوًا.
وَاعْلَمْ: أَنَّ هَذَا الكَلَامَ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
الرَّابعُ -وهُوَ أَلَّا يَرْجِعَ الاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي لَا إِلَى الاسْتِثْنَاءِ الأوَّلِ، وَلَا إِلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ-: فَهُوَ بَاطِل بِالاتِّفَاقِ.