قَال الشافِعِي -﵁-: إِذَا كَانَ مَذهَبُ الراوي بِخِلافِ رِوَايَتِهِ، لَمْ يَلزَم مِنهُ طَعْن فِي الحَدِيثِ. وَقَال الأكثَرونَ: يُوجِب الطعنَ لَهُ.
لَنَا: أَنهُ لَو لَم يكنْ فَاسِقًا، وَجَبَ أَن تَكُونَ رِوَايَتُهُ مَقْبُولَة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجُرَاتُ: ٦]، وَالْمُعَارِضُ الْمُوْجُودُ -وَهُوَ مُخَالفَةُ الراوي- لَا يَصلُحُ مُعَارِضًا لَهُ؛ لاحتِمَالِ أَن تَكُونَ تِلْكَ المُخَالفَةُ لأجلِ أَنهُ أعتَقَدَ وجُودَ دَلِيلِ آخَرَ أَقْوَى مِنَ الأَولِ؛ وَلَا يَكُونُ كَذلِكَ.
===
[المسألة التاسعة]
[قوله]: "قال الشافِعِي: إذا كَانَ مَذهَبُ الراوي بِخِلافِ رِوَايَتِهِ، لم يَلزَم منه الطعنُ في الرواية، وقال الأَكثَرُونَ: يوجب.
لنا أنه لما لم يكن فَاسِقًا، وَجَبَ أن تَكُونَ رِوَايَتُهُ مَقبُولَة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الآية: الحجرات ٦] الآية.
والمُعَارِضُ المَوجُودُ -وهو مخالفة الراوي- لَا يَصلُحُ مُعَارِضًا؛ لاحتمال أن تكون تلك المُخَالفَةُ لأجل أنه اعتَقَدَ وُجُودَ دليل أقوى":
الحَاصِلُ: أن المُقتَضِي للعمل قَائِمٌ، وهو جَزْمُ العَدلِ بالرواية، والمُعَارِضُ المَوجُودُ لا يقوى لِمُعَارَضَتِهِ؛ فإنه مُتَرَدِّدٌ؛ إذ يحتمل أنه خالف قبل الرواية، أو بعدها مع النِّسيَانِ، أو مع الذكرِ؛ لدليل راجح في نَظَرِهِ؛ كمخالفة مَالِك لحديث: "المُتَبايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا"؛
[ ٢ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لاعتقاد أن الإجماع أَهلِ "المدينة" حُجة، وأنه أَقوَى، وكمخالفة أبي حنيفة الحديث للقياس الجَلِي، ولا يَلزَمُنَا تَقلِيدُهم في اجْتِهَادِهِم؛ فإن الحُجَّةَ فيما رَوَوهُ، لا فيما رَاوهُ، ولا يلزم مجتهدًا تَقلِيد مُجتَهِد، وكذلك التَّأويل المُخَالِفُ لِظَاهِرِهِ مَردُود عند الشَّافِعِي لذلك.
أما تفسيره للفظ المُحمَلِ كَحمل ابْنِ عمر قَولَهُ - ﵇ -: "الذَّهب بالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاء" على القَبضِ في المَجلِسِ-فهو أَولَى من غَيرِهِ؛ لأنه أعرَفُ بِقَرَائِنِ الأَحوَالِ، وَلَيسَ في العَمَلِ به مُخَالفَةُ ظَاهِر.
ومما يلحق بهذا الأصلِ؛ أعني: ما وجد المُقتَضِي فيه لِوُجُوبِ العَمَلِ، وتخيل فيه المَانِعِيةُ، وإن عدمه شرط، وليس كذلك- أمور:
الأول: رِوَايَة الحَدِيثِ بالمَعنَى: وقد أوجب المُحَدِّثُونَ نَقلَ ألفَاظ الرسول - ﷺ - على وَجهِهَا، حتى غَلَوا، ومَنَعُوا إِبدَال اسم الله -تعالى- باسم آخَرَ من أسمائه تَمَسكًا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].
قيل: المراد بـ "الحِكمَةِ" ها هنا السُّنَّةُ، وكما يتعين نَقلُ ألفَاظِ القرآن، فكذلك السنةُ، ولقوله - ﵇ -: "نَضَّرَ اللهُ امرأ سَمِعَ مَقَالتِي فَوَعَاهَا، وَأَداهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُب مُبَلغ أوعَى مِن سَامِع، وَرُب حَامِلِ فِقه غيرُ فَقِيه، وَرُب حَامِلِ فِقه إلَى من هُوَ أفقَهُ مِنهُ".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحق: أنه إذا لم يَتَعَلَّق تَعَبد بلفظه؛ كحديث التشَهْدِ، وَالقُنُوتِ، والأذان، ونحو ذلك، فَيَجُوزُ بِشَرطِ أن يَكُونَ الناقِلُ على ثَبْت من تبقية المَعنَى لوجهين:
أحدهما: أن الصحَابَةَ رَوَتِ القِصةَ الوَاحِدَةَ بألفاظ عَدِيدَة، مع اتحاد المَعنَى؛ كقوله - ﵇ -: "إذَا قَامَ أَحَدُكُم مِن نَومِه وإذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ فَلَا يَغمس يَدَهُ وَلَا يُدخِل يَدَهُ"، ونحو ذلكَ، ومن المَعلُومِ أن الصحَابَةَ كَانَت تَسمَعُ الحديث ولا ترويه إلا عند
[ ٢ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحَاجَةِ إليه، هذا أَبُو بَكر - ﵁ - مع مُلازَمَتِهِ لرسول الله - ﷺ - مُدَّةَ حياته، قيل: إنه لم يَرو سِوَى اثنَي عَشَرَ حَدِيثا؛ لدعاء الحَاجَةِ إليها، ومع طُولِ الزّمَانِ العَادَةُ تقضي أنه لا تَبقى تلك الألفَاظُ بعينها.
الثاني: أن تَرجَمَتَهُ بالفَارِسِيَّةِ وغيرها مَقبُولَة بالإجمَاعِ، فالعربية أَولَى، وأما قيَاسُ الحَدِيثِ
[ ٢ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على الكِتَاب، فبعيد؛ لأن القُرآن مُعجِزَة، وإعجَازُهُ في نَظمِهِ؛ ولأنه مُتَعَبد بِتِلاوَتهِ، وأما الحَدِيثُ المُتَمَسِّكُ به فمحمول على الأَولَى، وعلى الحَثِّ على التثَبُّتِ في الروَايَةِ، ومن أدى المَعْنَى بِتَمَامِهِ، فَقَد أَدى مَا وَعَى، كيف ونَفسُ هذا الحَدِيثِ قد رُويَ بألفاظ مُختَلِفَة مع اتحَادِ المَعنَى.
ومنها: الإكثار في الرواية لا يَمنع إلا إذا كَثُرَ مع قِصَرِ المُدةِ كَثرَة لا تَحتَمِلُهَا المدةُ؛ فيرد الجميع.
ومنها: انفِرَادُ العَدلِ بالزيادة، وهي مَقبُولَة، كما لو انفَرَدَ بأصلِ الحَدِيثِ؛ ولإمكان الجمع بين صِدْقِهِ، وصدقهم باحتمال نِسيَانِهِم واتصاله بالجَمَاعَةِ قبل إِتمَامِ الحَدِيثٍ، أو الغفلة عنها، وطروء شَاغِلٍ، إلا أَن تَكُونَ الزِّيَادَةُ مغيرة للإعراب؛ كقول الجَمَاعَةِ: "في أربَعَينَ شَاة شَاةٌ" فيروى وَاحِد نِصفَ شَاةٍ، فلا يمكن الجَمعُ، وقد تُعُجبَ من رَدِّ الحنفية زِيادَةَ العَدلِ، وقَبُولِ القِرَاءَةِ الشاذةِ المقتضية للزيادة؛ كقراءة ابن مسعُود: "فَصِيَامُ ثَلاثةِ أيام مُتَتَابِعَات" مع أن طَرِيقَ إِثبَاتِ القُرآنِ التوَاتُرُ.
ومنها: انفرادِ العَدلِ بما تَعُمُّ به البَلوَى، فإنه مَقبول عندنا، خلافا لِلكَرخِي وبعض الحَنَفِيةِ ولابن داود؛ لأن أدِلةَ العَمَلِ شَامِلَة، وقد عمل المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ برواية عَائِشَةَ: "إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ، وَجَبَ الغسلُ"، قالوا: لو كان صَحِيحًا؛ لَتَوَاتَرَ لِوُجُوبِ إِشَاعَتِهِ عليه -صلوات الله عليه- ولكثرة السؤال عنه والجواب، والعَادَة تَقتضِي في مِثلِ ذلك التواتر، فحيث لم يَتَوَاتَر دَلَّ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على عَدَمِ صحته.
وأُجِيبَ بِمَنْعِ العَادَةِ مع العِلمِ باكتفاء رَسُولِ الله - ﷺ - فِي بَيَانِ تَفَاصِيلِ الأَحكَامِ بالآحَادِ؛ فإنه لم يَتَكَلف أن يُرسِلَ إلى كل جِهَةٍ في تَعلِيم ذلك عَدَدَ التواتر، بل اكتَفَى فيه بِخَبَرِ الآحاد والأقيسة، ثم ما أَصَّلُوهُ نَقَضُوهُ في نقض الوُضوء بِالقَيءِ والرُّعَافِ، والقهقهة في الصلاة،
[ ٢ / ٢٤١ ]