الْمُخْتَارُ -عِنْدَنَا-: أَن النَّهْيَ في العِبَادَاتِ يَدُل عَلَى الفَسَادِ، وَفِي الْمُعَامَلاتِ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ:
===
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ]
لا بُدَّ من تقديم مُقَدِّمةٍ -قبلَ البحث في هذهِ المسألة- في بيان معنى الصِّحَّةِ والفسادِ:
فالصِّحَّةُ في العِبَادَاتِ عند المتكلمين: عبارة عن مُوَافَقَةِ الأَمرِ، سَقَطَ القَضَاءُ أو لم يسقط.
[ ١ / ٣٩٣ ]
أَمَّا الأَوَّلُ: فَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن الفِعلَ الوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَأمُورًا بِهِ وَمَنهِيَّا عَنهُ؛ فَالَّذِي يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنهُ، يَكُونُ مُغَايِرًا لِلمَأمُورِ بِه.
===
وعند الفُقَهَاءِ: مع شَرطِ إسقَاطِ القَضَاءِ.
والفَسَادُ فيها عند الفريقين مقابلاهما على التفسيرين.
والصحة في المعاملات: عبارَة عن تَرَتُّبِ أَثَرِ الشيءِ عليه، واعتبارِهِ سببًا بحكم آخر.
ولا فَرقَ عند الشافعي -رحمه الله تعالى- بين الفاسد، والباطل.
[ ١ / ٣٩٤ ]
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: إِذَا أتَى بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وَاقتَصَرَ عَلَيهِ - كَانَ تَارِكًا لِلمَأمُورِ بِهِ وَتَارِكُ المَأمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَالعَاصِي يَستَحِقُّ العِقَابَ؛ لِقَولِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ
===
وقال أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى-: الفَاسِدُ هو المَشرُوعُ بِأصلِهِ، دُونَ وَصفِهِ؛ كَبَيعِ الدِّرهَمِ
[ ١ / ٣٩٥ ]
ورسوله فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وَلَا مَعْنَى لِقَولِنَا: "النَّهيُ في الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ" إِلَّا ذلِكَ.
وَأَمَّا الثانِي: فَيَدُلُّ عَلَيهِ: أَنهُ لَا يَمتَنِعُ في الْعُقُولِ أنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: "لَا تَفْعَلْ هذَا الفِعلَ؛ لَكِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَهُ، أَفَادَ الْمِلْكَ".
===
بالدرهمينِ؛ فَإِنهُ مَشرُوعٌ، مِن حيثُ إِنه بَيعٌ، مَنهِيٌّ عنه؛ لأجل الزِّيَادَةِ، فلو اتَّفَقَا على إِسقاطها، صَحَّ البيعُ.
والباطِلُ: ما ليس مشروعًا بأصله، ولا وصفه؛ كبيع المَلاقِيحِ، والمَضَامِينِ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فقد اختلف العُلَمَاءُ في النهي المُطلَقِ، أعني العَارِيَ عنِ القَرَائِنِ: هل يَدُلُّ على الفساد أو لا؟
فذهب أكثرُ الفقهاءِ: إلى أنه يَدُلُّ على الفساد مطلقًا، أعني: في العبادات والتَّصَرُّفَاتِ.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وَالْفَرقُ بَينَ هذِهِ الصُّورَةِ وَبَينَ مَا قَبلَهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالفَسَادِ في الْعِبَادَاتِ: الْبَقَاءُ في عُهدَةِ التَّكلِيفِ، والْمُرَادَ بِالْفَسَادِ في الْمُعَامَلاتِ: هُوَ أَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيهِ أَثَرُهُ، وَقَد بَيَّنَّا أَنَّ
[ ١ / ٣٩٧ ]
المُقتَصِرَ عَلَى الإِتيَانِ بِغَيرِ المَأمُورِ بِهِ -تَارِكٌ لِلمَأمُورِ بِهِ؛ فَيَكُونُ عَاصِيًا؛ فَيَكُونُ مُستَحِقًا لِلعِقَابِ.
===
وهؤلاءِ اختلفوا فمنهم مَن قال: يَدُلُّ عليه لُغَة، وهو ضَعِيفٌ؛ إِذ معنى الفساد: سَلبُ الأَحكَامِ الشَّرعِيَّةِ، وَاللُّغَةُ لا تُفِيدُ ذلِكَ.
[ ١ / ٣٩٨ ]
أَمَّا الإِتْيَانُ بِالْمَنهِيِّ عَنهُ: فَإنَّهُ لَا يَمنَعُ مِن تَرَتُّبِ أَثَرٍ آخَر؛ فَظَهَرَ الفَرقُ بَينَهُمَا.
===
ومنهم مَن قال: يَدُلُّ عليه شرعًا.
[ ١ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتجُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَة - ﵃ - لم يزالوا يحتجُّونَ على الفساد بالنَّهْيِ؛ كَاحْتِجَاجِهِمْ على تحريمِ نكاح المُتعَةِ،
[ ١ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ونِكَاحِ الشِّغَارِ، وعُقُودِ الرِّبَا وغيرِ ذلك من المَنَاهِي.
[ ١ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودَعْوَى أَنَّ ذلك لِقَرِينَةٍ خلافُ الأَصْلِ، وهو كدعوى أَنَّهُم إِنَّمَا عَمِلُوا بخبر الواحد؛ لاقترانِهِ بِقرائِنَ أفادت العِلْمَ. أو أنهم إِنَّما عَمِلُوا بقياسٍ أَمَرَ الشَّرْعُ بالعملِ بعينه.
وذهب آخرونَ: إلى أَنَّهُ لا يَدُلُّ على الفساد مُطْلَقًا؛
قالوا: لأنه لو دَلَّ عليه، فَإِمَّا أَنْ يدلَّ عليه بِلَفْظِهِ، وهو باطل بما سبق.
[ ١ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو بمعنا، وهو باطل؛ لأنه لو دَل عليه بمعناه، لما حُكِمَ بِصِحة الصَّلاةِ في الدَّارِ المغصوبة، ولَمُنِعَ نهْيُ الكَرَاهةِ؛ لأن ما يَدُلُّ بمعناه مِنْ شَرطِهِ اللزُومُ.
ورُد عليهم: بتعديدِ الجِهةِ.
وذهب أبو الحسين البَصرِي من المعتزلة: إلى أنه يَدُل على الفساد في العبادات دون المُعَامَلاتِ، وهو اختيارُ المُصَنفِ.
قوله: "والدليل عليه أن الفعل الواحد لا يكون مأمورًا منهيًا عنه .. " إلى آخره:
حَاصِلُهُ: أنه إِذا أتى بالمَنهِي عنه فقط، فالمَأتِي به غَيرُ المأمورِ به؛ لأن المَنهِي عنه لا يكونُ مأمورًا به، وإِذا كان المَأتِي به غَيرَ المأمورِ به فلا صِحةَ؛ إِذِ الصحةُ مُوَافَقَةُ الأَمرِ، وإذا انتفتِ
[ ١ / ٤١٤ ]
إِذَا عَرَفتَ هذَا، فَنَقُولُ: أَجْمَعُوا عَلَى أن النهيَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لا يُفِيدُ نَفْيَ المِلْكِ فِي جَمِيعِ الصوَرِ، بَل يُفِيدُهُ تَارَةً، وَتَارَة لَا يُفِيدُ [هـ]؛ وَالضابِطُ فِيهِ: أَن المَنْهِي عَنهُ: إِمَّا أَن يَكُونَ تَمَامَ المَاهِيةِ، أَوْ جُزءًا مِنْها، أو خَارِجًا لازِمًا، أَوْ خَارِجًا مُفَارِقًا:
===
الصحةُ تَحَققَ الفَسَادُ؛ لاستحالةِ الخُلوِّ عَنِ النقِيضَينِ.
قوله: "وأما الثاني -يعني: أَنَّهُ لا يَقْتَضِي الفسادَ في المُعَامَلاتِ-[فيدل عليه] أنه لا يَمتَنِعُ في المعقولِ أَن يقولَ الشارعُ: لا تَفعَل هذا الفِعلَ، لَكِنَّكَ إِن فَعَلتَهُ أفادَ المِلْكَ".
حاصِلُ دَلِيلِهِ: أن الصحةَ في المُعَامَلاتِ إذا فسدت بترتيبِ الأَثَرِ، واعتبارِ الفِعلِ سببًا لِحُكم آخَرَ- فالنهيُ لا يُشعِرُ بذلك لَفظًا، ولا معنى.
أَما أنه لا يُشعِرُ به لفظًا، فظاهِرٌ. وأما أَنه لا يشعرُ به معنى؛ فلأنه لو أَشعَرَ به معنى، لَنَاقَضَ التصريحَ به شرعًا.
ولا مَانعَ أن يقولَ الشارعُ: لا تُرسِلِ الطلاقَ الثلاثَ، وإنّ أرسلتَ نَفَذَ، ولا تُطَلَّق في الحَيضِ، وإن طَلَّقتَ وَقَعَ، ولا تَذبَح بِسِكينِ الغَيرِ، وإن ذَبَحتَ حَلَّ.
واحتجَّ مَن ادَّعَى الفسادَ: بأن الأَسبَابَ الشرعِيةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ مُنَاسِبَة لأَحكَامِها، والمُنَاسِبُ: هو الذِي يُتَوقعُ من إِثبَاتِ الحُكمِ في مَجرَاهُ حُصُولُ المَنفَعَةِ بِاعتِبَارِهِ غَالِبًا؛ فإذن شرط اعتبار الوصف سبب حُصُولِ المصلحة منه غالبًا. والمَنْهِيُّ عنه إنمَا تَحصُلُ المصلحةُ منه نادرًا؛ لأنه إِنما تَحصُلُ المَصلَحَةُ بتقدير ارتكابِ المُخَالفَةِ.
فَالظاهِرُ مِنْ حَالِ المُؤمِنِ أَنهُ لا يرتكِبُ محظورَ دِينِهِ؛ فلا يُعتَبَرُ سببًا.
ومِمَّا يُتَمَسكُ به في أَن النهيَ يدل على الفساد: أن العُقُودَ في الواقع إِنمَا تُشْرَعُ لتحصيلِ مصالح العِبَادِ، وإنما ينهى عن الشيء لاشتماله على مفسدة خالصة، أو راجحة، أو لخلوه عن المصلحة فبين النهي عن الشيءِ واعتباره، تناقض باعتبارِ الدَّوَاعِي والصوَارِفِ فلا يجتمعانِ.
ومِمَّا احتج به: قوله -﵊-: "مَنْ أَدخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدَّ"، و: "من عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
واعتُرِضَ عليه: بالقولِ بموجبه، فقالوا: نُسَلِّمُ أنه رَدَّ في نَفْسِهِ، فَلِمَ كان اعتبارُهُ سببًا لِغَيرِهِ رَدًّا؟
وحمل الحَدِيثِ على مِثلِ هذا بَعِيد، يَكَادُ يُخرِجُه عن كونِهِ مفيدًا؛ فَيَتَعينُ حَملُ الرّدّ على نفي الثمَرَةِ والمقصودِ.
قوله: "إِذا عرفت هذا فنقول: أجمعوا على أَن النهيَ في المعاملات [لا] يفيد المِلْكَ في
[ ١ / ٤١٥ ]
أما الأَوَّلُ وَالثانِي: فَكانهُمَا يَقْتَضِيَانِ بُطلانَ انعَقدِ؛ لأنّ عَلَى هذَا التقدِيرِ: تَكونُ المَفسَدَةُ مُتَمَكِّنَةَ فِي جَوهرِ المَاهِيَّةِ.
أَمَّا الْقِسمُ الثالِثُ -وَهُوَ أَن يَكُونَ مَنشأُ الْمَفسَدَةِ أَمرًا خَارِجًا عَنِ الماهية لازِمًا لَها-: فَههُنَا قَال أَبو حَنِيفَةَ -﵀-: وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ العقد مَع وَصفِ الْفَسَادِ؛ لأنَّ مَاهِيةَ هذَا الْعقدِ وَجَمِيعَ أَجزَاءِ مَاهِيتها، إِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنِ الْمَفسَدَةِ، وَكَانَ مَنْشَأُ المفسدة الوصف الخَارِجِيَّ: فَلَو حَكَمنَا فِيه بالبُطْلانِ الْمُطْلَقِ -لَكُنا قَدْ رجحنَا مُقتَضَى الأَمرِ
===
سائر الصور، بل يفيده تارة، وتارة لا يفيد. والضابط فيه: أن المنهي عنه، إما أن يكون تمام الماهية، أو جزءًا منها، أو خارجًا لازمًا، أو خارجًا مفارقًا:
أما الأول والثاني: فَإنهُما يقتضيانِ بُطلانَ العَقدِ؛ لأَن على هذا التقديرِ تكونُ المفسَدَةُ مُتَمَكنَة في جوهر المَاهِيةِ":
هذانِ القسمان ممَا ساعدَ الحَنَفِي على أنهما يَدُلَّانِ على الفساد.
وإنما يُخَالِف الشافِعِي، ومالكًا -رحمهما الله تعالى- في أنهما يقولانِ: إِن إِطلاقَ النهي يقتضي الفَسَادَ بظاهِرِهِ في نفس ما أَضِيفَ إِليه، ولا يَنصَرِفُ عنه إلا بدليل منفَصِل يَضرِف النهي إلى المُجَاورِ المُفَارِقِ.
وأبو حنيفةَ -﵀- يَزعُمُ أن مُقتَضَى الإِطلاقِ في النهي مَحمُول على المُفَارِقِ، ولا يَنْصَرِفُ إلى ما أُضِيفَ إِليه إلَّا بدليل، وهو بَعِيدٌ؛ فإنه يُقَدرُ غيرَ المنطوق به ظاهرًا، والمنطُوق به ليس بظاهرٍ؛ وإنما حَمَلَهُ على ذلك: اعتقادُ أَن الشارعَ غَيرَ الأَلفاظَ، فهو إِذا أضاف المَنهِي إِلى بيع، أو صوم، أو نكاح مثلًا- فالمراد به المَاهية الشرعِية، والماهِياتُ الشرعيةُ تَستلزِمُ الصحةَ، فَإِضافَةُ النهيِ إِلَيها يُنَاقِضُ مَشرُوعِيتَها، فاحتاج إلى أنّ يَصرِفَ النهيَ لغيرها.
ونحن نقول: إِن المَاهياتِ الشرعيةَ يَنبَغِي أَن تؤخَذَ عَرِية عن قَيدَي الصّحّة والفَسَادِ، وحينئذٍ يَصِح اعتوار الحكمين عليها.
أو يقال: إِن المَاهِيةَ الشرعِيةَ إِذا كانت باعتبارِ الجَعلِ، فتؤخذُ من المَنهِي عنه إِضافة قيدٍ في المشروع؛ لِدَفع التناقُضِ.
قوله: "وَأما القسم الثالث: وهو أن يكون منشأ المفسدة أمرًا خارجًا عن الماهية لازمًا، فههنا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى: وجب أن ينعقد العقد مع وصف الفساد " إِلى آخره:
حاصِلُ ما ذَكَرَهُ: أن أبا حنيفةَ -﵀- يَزْعُمُ أن النهيَ مَتَى لم يرجع إِلى مَاهِيةِ الشيءِ أو جُزئهِ- كان ذلك الشيءُ مشروعًا بأصله دون وَصفِهِ.
وَبَنَى على هذا مَسَائِلَ:
منها: لو نَذَرَ صومَ يومِ العِيدِ، وصامه - أَجزَأَهُ وزعم أَن الصومَ بما هو صَومٌ: مَشرُوعٌ، وإضَافَتهُ إِلى اليومِ المخصوصِ غَيرُ مشروع؛ فيكونُ مُطِيعًا بأصلِ الصومِ، عاصيًا بالإِضَافَةِ.
[ ١ / ٤١٦ ]
الخَارِجِي عَلَى مُقتَضَى الأَمرِ الذاتِي؛ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِن حَكَمنَا فِيهِ بِالصِّحةِ الْمُطلَقَةِ- لكُنا قَد سَوينَا بَين الْخَارِجِي اللازِمِ وَبَينَ الْخَارِجِي المُفَارِقِ؛ وَهُوَ -أيضًا- بَاطِلٌ؛ فَلَم يَبْقَ إلا أَن يُقَابَلَ الأصلُ بِالأَصلِ، وَالْوصفُ بِالوْصفِ:
فَنَقُولُ: لَما كَانَتِ المَاهيةُ خَالية عن مع المفسدة -حصل الانعقاد. ولما كان الوصف الْخَارِجِي مَنْشَأَ المَفْسَدَةِ- كَانَ العَقْد فاسدًا.
فهذَا تَدقِيقٌ حَسَنٌ؛ إلا أَنهُ يُقَالُ: الجمع بَينَ كَوْنِ الْمَاهيةِ وَجَمِيعِ أَجزَائها خَالِيًا عَنِ الْمَفسَدَةِ، مَعَ كَونِ لازِمِها مَنشَأَ الْمَفْسَدَةِ- مُحَالٌ؛ لأَن المُوجِبَ لِذلِكَ اللَّازِمِ الْخَارِجِي هُوَ
===
وكذلك يقول إِن الطوَافَ مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فَإِذَا نُهِيَ عَنْ طوافِ المحدِثِ فأوقعه- كان مُطِيعًا بالطوَافِ عَاصِيًا بالحَدَثِ.
وكذلك البَيعُ: مشروع بأصله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ وَبَيعُ الدرهمِ بالدرهمَينِ منهيٌّ عنه، فإِذا وَقَعَ ذَلِكَ قَال: هو مُنعَقد بِأصلِهِ دُونَ وصفِهِ على معنى: أنهما لو اتفَقَا على إِسقاطِ الدرهم الزائِدِ، لَصحَّ العَقدُ.
وَمَأخَذُهُ في جميع ذلك اعتِقَادُهُ تفرّد الجهة؛ كالصلاة في الدَّارِ المغصوبة.
والشافِعِي ومالِك -رحمهما الله- يقولان: إنه متى وَرَدَ الأَمرُ بِمُطلق ثم نُهِيَ عن وصفه- كان نقيضُ ذلك الوصف شرطًا في المَشْرُوعِ.
فإذا أُمِرَ بالطوَافِ ثُمَّ نُهِي عن طوافِ المُحدِثِ- كان ذلك مُقَيدًا لأمرِ الطواف بالطهارة، وإذَا أَتَى به بدون الطهارَةِ كان آتيًا بغير المأمورِ به؛ فيكونُ فاسدًا.
وكذلك إِذا قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ثم نَهى عن بَيع المَيتَةِ- كان ذلك مُقيدًا لِلمَبِيعِ بالطهارة، إلى غيرِ ذلك.
وَصرف المسألةِ من حيثُ المعقولُ: أنهُ لا يُتَصوَّرُ النهيُ عن الوَصفِ مع مشروعِيةِ الأصلِ في مَحَل الوصف.
فإنه لو قال: "خِطْ هذا الثوبَ، ولا تَخِط وقتَ الزوالِ" فلا يُتَصورُ أَن يُقال: إن الخِيَاطَةَ مشروعةٌ وقتَ الزوالِ؛ بل يَلزَمُ منه تقييدُ الأمر بِالخِيَاطَةِ بما عدا وقت الزوال.
أَما قولُ صاحب الكتاب في توجيهِ مذهب أبي حنيفةَ -رحمه الله تعالى-: "إنّا لو حَكَمنا بالبُطلانِ المُطلقِ لكنَّا قد رَجَّحنَا مُقتَضَى اللازِمِ الخارِجِي على مُقتَضَى اللازِمِ الذاتِيِّ؛ وهو باطل.
ولو حكمنا بالصحة مطلقًا، لكنا قد سوينا بين الخارجي اللازم، وبين الخارجي المفارق وهو أيضًا باطل" فهو بعيد عن مَأخَذِ الإمام أبي حنيفةَ -رحمه الله تعالى- فإن الخارِجِي إِذا لم يفارق يؤدي إلى التناقض.
قوله: "وهو تدقيق حَسَنٌ، إلا أنهُ يُقَالُ: الجمعُ بَينَ كَونِ المَاهيةِ وجميعِ أجزائها خاليًا عنِ المَفسَدَةِ، مع كونِ لازِمِها مَنشأَ المفسدة- مُحَالٌ؛ لأَن المُوجِبَ لذلك اللازِمِ الخَارِجي هو تِلكَ
[ ١ / ٤١٧ ]
تِلْكَ الماهية، أو جُزءٌ مِنْ أَجزَائها، فَلَو كَانَتِ الماهية مَع جَمِيعِ أَجزَائها مُشتَمِلَةَ عَلَى الْمصلَحَةِ، ثُمَّ إِنها صَارت مُوَجِّهة لِلوَصفِ الخَارِجِي المُشتَمِلِ عَلَى المفسدة -لَزِمَ كَونُ المصلحة مُوَجهةً للمَفسَدَةِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَ هذَا الوصف الْخَارِجيِّ اللازِمِ مَنْشَأَ المَفْسَدَةِ-: يَدل عَلَى تَمَكُّنِ المفسدة فِي جوهرِ المَاهِيَّةِ؛ وَحِينئذ: يَجِبُ الحُكْمُ بِالبُطْلانِ.
وَأما القسمُ الرابع -وَهُوَ أن يَكُونَ مَنشَأ الْمَفسَدَةِ أَمرًا خَارِجًا عَنِ الماهية، مُفَارِقًا لَها-: فَهذَا لَا يمنَعُ مِنْ صحةِ الْفِعلِ؛ كَالْوُضوءِ بِالمَاءِ المَغصُوبِ، وَالاصطِيَادِ بِالقوسِ المَغصُوبِ.
إِذَا عَرَفْتَ هذَا، فَلْنَذْكُر مِثَالًا وَاحِدًا؛ لَيَحصُلَ التنبِيهُ عَلَى المَقْصُودِ:
قَال الشافِعِي -﵀- فِي "مَسألَةِ الإِرسالِ": لَوْ حَرُمَ الجَمعُ لَمَا نَفَذَ، وَقَدْ نَفَذَ؛ فَلَا يَحرُمُ:
بَيَانُ المُلازَمَةِ: أَن بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجمع حَرَامًا- كَانَ الآتِي بِالْجَمعِ آتِيًا بِنفسِ المحرم؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالبُطلانِ.
فَإِنْ قِيلَ: "يُنقَضُ هذَا بِالطلاقِ فِي زَمَانِ الحَيضِ":
===
المَاهِيةُ، أو جُزء من أجزائها"، وهو أيضًا فَاسِد؛ فإنهُ مَبنِيٌّ على التعليلِ العقلي، وهو مَذهبُ الحُكَمَاءِ.
واعتقادُ أَهلِ الحَقِّ: أَنْ جميعِ الكائنات واقعةٌ بِقُدْرَةِ الله تعالى، ثم لو سُلمَ له الإيجابُ العقلي، فلا يَتَعيَّنُ أن يكونَ المُوجِبُ اللازِمُ للمَاهِيةِ نفسَ الماهية، أو جُزأها؛ بل قد يكَونُ من أمر خارج، فكثير من المُتَلازِمَاتِ وَاقِعَة مع عَدَمِ تأثيرِ أَحَدِها في الأُخرَى؛ كالأُبوةِ، والبُنوَّةِ، وغيرِ ذلك.
قوله: "وأما القسم الرابع، وهو: أن يكونَ مَنشأُ المفسدة أمرًا خارجًا عن المَاهِيةِ، مُفَارِقًا لها- فهذا لا يمنعُ صِحةَ الفعل؛ كالوُضوءِ بالماءِ المَغْصُوبِ، والاصطيادِ بالفَرَسِ المغصوب".
هذا القسم مُتفَق عليه أيضًا من الأَئمةِ: وهو: أنه مَتَى كان النهيُ لِمُجَاور مُفَارق؛ فَإِنَّهُ لا يَمنَعُ الصِّحَّةَ؛ وإنما يَقَعُ النزَاعُ في بعضِ المَوَاطِنِ في تحقيقِ مَنَاطِ أنه مُفَارِق أَوْ لَا، كالبَيعِ وَقتَ النداءِ عندنا، وعندَ مالكٍ، رحمه الله تعالى.
قوله: "إذا عرفتَ هذه القاعِدة فنذكر منها مثالًا واحدًا، ليحصُلَ التنبيه على المقصود:
قال الشافِعِي -رحمه الله تعالى- في مسألة الإرسال: لو حَرُمَ الجَمعُ لَمَا نَفَذَ؛ وقد نفذ فَلَا يَحرُم".
حَاصِلُهُ: الاستدلالُ بأن مُقْتَضَى النهي الفَسَادُ، وحيثُ لا فسادَ فلا تحريمَ.
واعتُرِضَ عليه: بالطلاقِ في الحَيض؛ فَإنهُ حَرَامٌ مع النفُوذِ.
[ ١ / ٤١٨ ]
قُلْنَا: الْفَرقُ ظَاهِر؛ لأنّ الطلاقَ فِي زَمَانِ الْحَيضِ وَاقِع بِفعلِهِ وَعَمَلِهِ، وإِيقَاعُ الطلاقِ غَيرُ منهِي عنهُ؛ إلا أن فِي هذِهِ الصُّورَةِ: لَما وَقَعَ الطلاقُ عَلَيها، وَكَانَ الحَيضُ حَاصِلًا فِي ذلِكَ المَحَلِّ؛ فَحِينَئذ: يَلزَمُ مِنْ إِيقَاعِ الطلاقِ عَلَيها حُصُولُ المقَارَنَةِ بَينَ الطلاقِ وَبَينَ الحَيضِ، فِي ذلِكَ المَحَلِّ، وَهذِهِ الْمُقَارَنَةُ هِيَ الْمَنْشَأُ لِلمَفسَدَةِ، وَهذِهِ المُقَارَنَةُ لَيسَتْ فِعلًا لِلْمُكلفِ، وإِنمَا لوَاقِعُ بِفعلِهِ هُوَ الطلاقُ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ الطلاقِ: حَصَلَت هذِهِ المُقَارَنَةُ؛ بِسَبَبِ قِيَامِ الْحَيضِ فِي المَحَلِّ.
فَثَبَتَ أَن -ههُنَا- مَا هُوَ المَنْشَأُ لِلْمَفْسَدَةِ غَيرُ وَاقِع بِفِعلِ المُكَلفِ؛ بِخِلافِ مَا إِذَا قُلْنَا: إِن الجَمعَ حَرَامٌ؛ فَإِنَّ المُكَلفَ إِذَا أَتَى بِالْجَمعِ- كَانَ ذلِكَ الجَمعُ وَاقِعًا بِفِعلِ المُكَلفِ؛ فَفِي مَسأَلَةِ الجَمعِ: مَا هُوَ الْمنشَأُ لِحُصُولِ المفسدة وَاقِع بِفِعلِهِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الطلاقِ فِي زَمَانِ الْحَيضِ: مَا هُوَ المنشَأُ لِحُصُولِ المفسدة غَيرُ وَاقِع بِفِعلِهِ؛ فَكَانَ الأَوَّلُ أَقوَى؛ فَظهرَ الفرق.
===
وأجاب بأن الإرسال مَحضُ فِعلِهِ، ولو حَرُمَ لما نَفَذَ، بخلاف الطلاقِ عند الحيض؛ فَإن المنسوبَ إِلى فعلِهِ نَفسُ الطلاقِ، ومَنشَأُ المفسدة الحَيضُ، وليس مِنْ فِعلِهِ، وهذا ضعيف؛ فإن الأَفعَال تَتَقيَّدُ بالنسبة إلى الزمانِ والمكان، وإن لم يكونا من فِغلِ المُكَلْفِ، وَيُؤمَرُ بها، ويُنهى عنها باعتبارهما.
وإنما الفرق إِن امتنع كان الأمر مفارقًا، وهو الاطرَاد بتطويل العِدةِ، أو خشية الندم بالشك في لحوق الولد،، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٩ ]