فِي بَيَانِ أَنَّ الأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْقَرِينَةِ: فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ وَهُوَ الْمَطلُوبُ. أَوْ عَلَى مَجَازِهِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ مَجَازًا: أَلَّا يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيهِ إلا لِقَرِينَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ أَمَرَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيهِ -عِنْدَ تَجَرُّدِهِ- عَلى ذَلِكَ المَعْنَى، لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيهِ؛ إذ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلا ذَلِكَ. أَوْ عَلَيهِمَا، مَعًا؛ وَهُوَ -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْوَاضِعَ لَوْ قَال: "احْمِلُوا هَذَا اللَّفْظَ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَلَيهِمَا مَعًا" -لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ قَال: "احْمِلُوهُ: إِمَّا عَلَى هَذَا أَوْ عَلَى ذَاكَ"- لَكَانَ ذَلِكَ مُشتَرَكًا بَينَهُمَا، أَوْ لَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْبتَّةَ؛ وَحِيَنئِذٍ: يَصِيرُ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ: مِنَ المُهْمَلَاتِ لَا مِنَ المُسْتَعْمَلَاتِ.
فَلَمَّا بَطَلَت هَذِهِ الأَقْسَامُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الأَوَّلُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَقَطْ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الحَقُّ.
===
وأُجِيبَ عن الأَوَّل بأَنَّ فائدته البيان الإِجماليُّ، وهو مقصُودٌ فِي بعْضِ الأحوالِ؛ كقول أبي بكرِ الصِّدِّيق - ﵁ - لَمَّا سُئِلَ عن النبيِّ - ﷺ -، فقيل له: مَنْ هَذَا؟ وَهُوَ مَطلُوبٌ، فقال: "هَادٍ يهْدِينِي إِلَى الطَّرِيق".
[ ١ / ١٨٠ ]
الثانِي: أن وَاضِعَ اللَّفْظِ لِلْمَعنَى، إِنمَا يَضَعُهُ لَهُ لِيُكتَفى بِهِ فِي الدلالةِ عَلَيهِ؛ فَصَارَ كَأنهُ قَال: "إِذَا سَمِعتُمُونِي تَكلمتُ بِهذَا اللفْظِ، فَاعلَمُوا أَنِّي عَنَيتُ بِهِ هذَا الْمعنى، وَكُل مَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتي، فَلْيَعنِ بِهِ هذَا الْمعنَى"؛ فكُل مَنْ تكلمَ بِلُغَتِهِ، وَجَبَ أَن يُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ المَعنى.
===
وينتقضُ ما ذَكَرُوهُ [باستعمال] أسماء الأجناسِ.
وعن الثاني: قوله: "إن القرينَةَ إِن، قارنته أغنتْ عنه"- غَيرُ لازمٍ؛ لأن القرينةَ قَد تَكُونُ حالية.
قولهم: "ومع تأَخُّرها تجهيلٌ بالمراد"- لَا يُسلَّم؛ فإن غايته تأخيرُ البَيَانِ إلَى وقت الحاجةِ عِنْدَنَا، عَلَى ما سيأتِي إِن شاء الله تعالى.
حَدُّ الحقيقةِ: هو اللفظُ المستعملُ في موضوعِهِ الأولِ، والمجازُ: هو اللفظُ المستعمَلُ في غَيرِ موضوعِهِ الأولِ؛ لِضَرب من المناسبة.
[ ١ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقولنا: "لِضَربٍ مِنَ المُنَاسَبَة": يخرج ما نُقِلَ لغير مناسَبَةٍ، وجعل لَقَبًا؛ كالتسمية بـ"أسيد"، "وثور".
وقيلَ: الحقيقةُ: هو اللفْظُ المستعمَلُ في معناه الأولِ في وضع التخاطُب، والمجازُ: عَكسُهُ.
"فعلى الأول: تكون الأسمَاءُ الشرعيةُ؛ كالصلاةِ، والزَّكَاةِ، والعرفيَّةُ العامةُ؛ كالدَّابة، والغائِطِ، والخاصَّةُ أيضًا- مجازاتٍ راجحة".
[ ١ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعلَى الثاني: تكونُ حقائقَ؛ فتنقسم الحقيقةُ عَلَى هذا إلى: لُغَويةٍ، وشرعية وعرفية، والخلافُ لفظِيٍّ، وإذا فُهِمَ المجازُ، فهو جائز وواقعٌ لغة وشرعًا.
ومَنَعَ الأُستَاذُ أبو إسحاق وقوعه لُغَةً، قال: لأن "الأسد" إِذا استعملَتهُ العَرَبُ
[ ١ / ١٨٣ ]
الثالِثُ: أَنا نَجِدُ بِالضرُورَةِ مِنْ أَنفُسِنَا: أَنَّ مُبَادَرَةَ الذهنِ إِلَى فَهمِ الحَقِيقَةِ، أَقوَى مِنْ مُبَادَرَتِهِ إِلَى فهمِ المَجَازِ؛ وَذَلِكَ يَدُل عَلَى مَا قُلنَاهُ مِنْ الرُّجحَانِ.
===
لـ "البهيمة" بدُون القرينَةِ، ولـ "الشجاع" مع القرينة- كانا حَقِيقَتَينِ، وهذا نزاعٌ لفظيٌّ؛ فإنا لا نعني بالمجازِ إلا ما تتوقف دلالتُهُ على القَرِينَةِ منهُما.
ولا يلزم أن تكُونَ القرينةُ بالوضحِ؛ فإنها قد تكونُ حالِيةً، وهو واقعٌ في القرآنِ أيضًا؛ خلافًا لأهل الظاهر، والشيعة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
[ ١ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
[الإسراء ٢٤]، [وقوله تعالى]: ﴿وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣].
وقولهم: إِنه يلزمُ منه إِبهامُ الكَذِبِ: غَيرُ لازم؛ بعد قيامِ القاطِعِ على وجوبِ الصدْقِ للهِ -تعالى- ولرسوله.
وقولُهُم: إنه يلزم أن يُسمَّى البارئُ بسبحانه وتعالى تَجَوُّزًا -: غيرُ لازم؛ فإن أسماءَ الله -تعالى- توقيفية.
[ ١ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: "الأصلُ في الكلامِ الحَقِيقَة".-: يحتمل تفسيرُ الأصلِ بما مضَى من الوجوهِ الثلاثةِ؛ لأنا إِن قُلْنا: إن الأصلَ هو الدليلُ، أو القاعدةُ المستمرة، وقد تقرَّر أن وضعَ الألفاظِ للتفاهُمِ، فتوقف المجاز على قرينة قد تخفَى منحل بذلك، وإن قُلْنَا: إن الأصلَ بمعنى الغَالِبِ- فَلا يخفى أن الحقيقةَ أغْلَب؛ لأن لكلِّ مجازٍ حقيقة، ولا يَنْعَكِسُ.
ومن زعم أَنه يتصور المجاز بدُونِ الحقيقة؛ لأن شَرطَ الحقيقةِ الوضعُ، لا الاستعمال، فقد يُوضَع اللفظُ لمعنى، ولا يستعمَلُ فيه، ثم يُنقَلُ لغيره، لضرب من المناسبَةِ؛ فيكون مجازًا لا حقيقَةَ له:
يقالُ له: هذا تجويز عقلي، والبحثُ في الواقع، ونحن لا نَعلَمُ دلالاتِ الألفاظ إلا باستقراءِ استعمالِها؛ فإِنا لم نعلَم عَينَ الواضِع مِنْ مُوَقف، أو مُصطَلِح، فينقَلَ عنه. وأما الأدلَّة الثلاثة التي ذَكَرها، فظاهِرٌ الاعتراضُ عليها.
وحاصلُ الأول: راجع إلى تعيين الحَقيقَة بعَدَم إرادة ما سِوَاها؛ لأنها لو لم تَكُنْ مُرادَة -لزم: إما ثبوتُ المشرُوطِ بدونِ الشرطِ، أو تغييرُ الوضْع، أو الإِهمَالُ؛ والكل محال.
وحاصلُ الثاني: تعيينُ الحقيقةِ بِحدِّها.
وحاصلُ الثالِثِ: تعيينُ الحقيقةِ بخاصتها؛ وهو السبقُ إِلى الفهمِ، والله أعلَمُ.
وَأعلَم: أنه لا بُد في صِحة المجازِ من مناسبة وارتباطٍ:
فمِن ذلك: إطلاقُ السبَب على المسبَّب؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، والمسبَّب على السبب؛ كتسمية المَرَضِ مَؤتًا، والكُل على البَعضِ؛ كإطلاق العام وإرادَةِ الخَاصِّ، والبعض على الكُل؛ كتسميةِ الزنجِي أسوَد، مع بياضِ عينيهِ وأسنانِهِ، أو تسميةِ الشيء بما كان علَيهِ؛ كتسمية الضارِب أمس ضاربًا، أو بما يصيرُ إليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، أو بزيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: فبرحمة من الله، وَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ على رأْي من زعم أن الكافَ زائدةٌ أو بالنقصان؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
[ ١ / ١٨٦ ]