إِذَا قَال بَعضُ أَهْلِ الْعَصْرِ قَوْلًا، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنِ الإِنْكَارِ: فَمَذهَبُ الشَّافِعِيُّ -﵁- أَنَّهُ لَيسَ بِحُجَّةٍ؛ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَال الْبَاقُونَ: إِنَّهُ حُجَّةٌ.
لَنَا: أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرَى سِوَى الرِّضَا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَكَتَ لِلتَّقِيَّةِ.
===
أَن كُلَّ حُسْنٍ يَصِحُّ من الله -تعالى- فِعْلُهُ، والمتكلم عِنْدَكَ من قبل الكلام، فيكون البَارِي -تعالى- مُتَكلِّمًا به قبله، ولم يحر جوابًا. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأنه لا يَلْزَمُ بالنِّسبَةِ إلى الله -تعالى- فإن له غُنْيَةً عنه، فإنه قَادِرٌ على مَنْعِهِ منه.
وأما المُنَاقَضَةُ العقلية: فهو أن القتل قصاصًا كالقتل ابتداء في الصورة والصِّفَاتِ؛ بدليل أن الغَافِلَ عن المستند فيهما لا يُفَرِّق بينهما، وقد حكمتم بِقُبحِ أَحَدِهِمَا وَحُسنِ الآخر، وحكم المثلين وُجُوبُ اشْتِرَاكِهِما فيما يَجِبُ، ويجوز، ويمتنع.
وأما البُرْهَانُ القَاطِعُ: فهو أن الحُكمَ بذلك حُكمٌ بالعقل بوقوع جَائز، وهو غَيبٌ عنَّا، والعقل لا جَرَيَانَ له في ذلك، بل حَظُّ العَقلِ في الجَائِزِ الحُكْمُ بجوازه، أما وُقُوعُهُ فلا يُعْرَفُ إلا بِحِسٍّ، أو وجْدَانٍ، أو عادة، أو إخبار صَادِقٍ، وإذا بَطَلَتْ قَاعِدَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْليّ- بَطَلَ ما بَنَوْهُ من الإِيجَابِ العَقْلِيِّ، والصلاح والأصلح.
وإنما ذكرنا هذه النبذة ها هنا؛ لأن هذِهِ القَاعِدَةَ ينبني عليها كَثِيرٌ من مَسَائِلِ الأصول عند الخُصُومِ، ولم يذكرها في هذا المُخْتَصَرِ، اكتفاء منه بِذِكرِهِا في "معالم أصول الدين" على وَجْهِ يكتفي به المحصل، والله أعلم.
المسألة الثالثة:
[قوله]: "إِذَا قَال بَعْضُ أَهْلِ العَصْرِ قَوْلًا، وسَكَتَ البَاقُونَ عن الإِنْكَارِ- فَمَذْهَبُ الشَّافِعيِّ أنه لَيسَ بِحُجَّةٍ، وهو المُخْتَارُ".
اعْلَم أن لنا صُوَرًا ثَلَاثَةً:
[ ٢ / ١٢١ ]
ثَانِيهَا: أَنَّهُ حَضَرَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِإِظْهَارِ الإِنْكَارِ.
ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيرَهُ أَظْهَرَ ذلِكَ الإِنْكَارَ؛ فَسَقَطَ ذلِكَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ؛ لأَنَّ إِظْهَارَ الإِنْكَارِ عَلَى الْبَاطِلِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَإِذَا أَتَى بِهِ وَاحِدٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ فَيَجُوزُ لِذلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ
===
الأُولَى: أن يُفْتِيَ بَعضُهُمْ، ولا ينتشر لأَهْلِ عصره، ولكنه لا يُعْرَفُ له مُخَالِفٌ، فالأكثَرُونَ على أنه لَيسَ بإِجْمَاعٍ، ولا حُجَّةٍ؛ لأنه يَجُوزَ أن لا قَوْلَ لغيره فيها؛ لِعَدَم ظُهُورِهَا، أو له قَوْلٌ مُخَالِفٌ.
الصورة الثانية: أن يَنْتَشِرَ ذلك القَولُ، وَيشْتَهِرَ، ويتكرر، وتَتَوَالى عليه الأَزْمِنَةُ من غَيرِ إِنْكَارٍ؛ كعمل الصَّحَابَةِ بأخبار الآحَادِ والقياس، فهذا حُجَّةٌ وإجماع، فإن العَادَةَ -والحَالةُ هذه- تُحيلُ السُّكُوتَ إلا عن مُوَافَقَةٍ، وجميع ما ذكر من الاحتمالات لا يبقى مع التَّكْرَارِ وتَوَالِي الأَزمِنَةِ.
الثالثة: صورة مَسْأَلَةِ الكتاب، وهو إذا أَفْتَى بَعْضٌ، أو عمل وعرفوا ذلك، وسَكَتُوا، ولم ينكروا، ولم يَتَكَرَّرْ- فَمَذهَبُ الشافعي: أنه ليس بإجماع، ولا حجة.
وقال أحمدُ وأكثر الحنفية وبعضُ أصحاب الشافعي: إنه إجماع وحجة.
وقال الجبائي: إنه إجماع بشرط انْقِرَاضِ العَصْرِ.
وقال أبو هَاشِمٍ: إنه حُجَّةٌ، وليس بإجْمَاع.
وقال ابن أبي هريرة: إنه إِجْمَاعٌ في الفَتْوَى دُونَ الحُكْمِ.
حجة أحمد وأكثر الحَنَفِيَّةِ: أن ظَاهِرَ السُّكُوتِ يَدُلُّ على المُوَافَقَةِ، والغالب من حَالِ الصَّحَابَةِ أنهم لا يَسْكُتُونَ مع المُخَالفَةِ؛ كقول عَلِيٍّ لعمر لَمَّا رأى جَلْدَ أبي بكرة: إِنْ جَلَدتَّهُ
[ ٢ / ١٢٢ ]
اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمِصيبَ وَاحِدٌ، لَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ، فَيُعفَى عَنْهُ.
خَامِسُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الرَّجُلُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ، فَلَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ حَقًّا أَوْ بَاطِلا؛ فَلَا جَرَمَ: كَانَ فَرْضُهُ السُّكُوتَ.
فَعُلِمَ أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرَى سِوَى الْمُوَافَقَةِ، وَهذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ -﵁-: لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ.
===
فَارْحَمْ صَاحِبَكَ، وقول مُعَاذٍ لما هَمَّ عُمَرَ بِجَلْدِ الْحَامِلِ: مَا جَعَلَ الله لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا، فقال: لَوْلَا مُعَاذٌ لهلك عُمَرُ، وقول امرأة له لما نهى عن المُغَالاةِ في المُهُورِ: أيعطينا الله بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ويمنعنا عمر؟ ! فقال: امْرَأَةٌ خَصَمَت عُمَرَ. وقول عَبِيدةَ السلماني لعلي لما قال: تجدد رأيي في بَيع أُمَّهَاتِ الأولاد-: رَأْيُكَ مع الجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَينَا من رأيك وَحْدَكَ:
والجَوَابُ: أنا لا نُسَلِّمُ أن ظاهر سُكُوتِهِمْ المُوَافَقَةُ؛ لما سنذكره من الأَسْبَابِ المُتَعَدِّدَة للسكوت غَير المُوَافَقَةِ، ووقوع وَاحِدٍ من أشياء مُتَعَدُدَةٍ، أَقْرَبُ من وُقُوعِ وَاحِدٍ بعينه منها.
وحجة الجبائي: أن الانقراض يؤكد احتمال الموافقة، وجوابه: منع ذلك مع عدم التكرار.
وحجة من قال: هو حجة، وليس بإجماع أن الظاهر الموافقة، فيكون حُجَّةً:
و[الجواب]: سلب القطع لما سنذكره من الاحتمالات.
وحُجَّةُ ابْنِ أبي هُرَيرَةَ: أن العَادَةَ عَدَمُ الاعتراض على الحُكَّامِ دون المفتين، للزوم الطَّاعَةِ والاتِّبَاعِ:
والجواب: مَنْعُ العَادَةِ قبل جَزْمِ الحُكْمِ.
قوله: "لنا -يعني اختيار مَذهَبِ الشَّافِعيِّ- أَنَّ السُّكُوتَ يحتمل وُجُوهًا " إلى آخرها:
واضحة، إلا أن الأَحْسَنَ في التَّرْتِيب أن يقدم احتمال مهلة النظر، ثم اعتقاد أن كُلَّ مجتهد مصيب، ثم اعْتِقاد أن غَيرَهُ أَظْهَرَ ذلك الإنكَار، فاكتفى به، ثم التَّقِيَّة.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ثُمَّ هَهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ: أنَّ الشَّافِعِيَّ عَوَّلَ فِي إِثْبَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْبَاقِينَ إِنْكَارٌ؛ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعًا؛ وَهذَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.