فِي بَيَانِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الأَصْلِ مُعَلَّلٌ بِكَذَا؛ وَهِيَ كَثِيرَةٌ:
الأَوَّلُ: التَّنْصِيصُ عَلَى التَّعْلِيلِ؛ وَهُوَ: إِمَّا باللَّامِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
===
مِثْلَ هذا لا يُهْتَدَى فيه إلَّا بتوقيفٍ، فتحمل فَتْوَاهُ على سَمَاعٍ، وقاسوا فِي الرُّخَصِ سائِرَ النجاسَاتِ على مقدار مَحَلِّ النَّجْو رخصةً إِلَى غيرِ ذلك، والله أعلم.
[قوله]: "المَسْأَلةُ الثالِثَةُ:
فِي بيان الطُّرُقِ الدَّالَّة علَى أَنَّ الحُكْمَ فِي الأصْلِ معلَّلٌ بكذا، وهي كثيرة":
اعْلَمْ: أنَّ نصْبَ الوصف سَبَبًا حُكْم شرعيٌّ طريقه أدلة الشرع؛ وهي النَّقْلُ والإجْمَاعُ والاسْتِنْبَاطُ وتفصيلُهَا فِي المَشْهُورِ تسعَةٌ: الإِجماعُ، والنَّصُّ الذي لا يحتملُ التأْويلَ، والظَّاهرُ، والإِيماءُ، والتنقيحُ، والتخريجُ، ونَفْيُ الفارِقِ، والسَّبْرُ والتَّقْسِيمُ، والشَّبَهُ، والدَّوران، وقد اختلفوا فِي معنَى حُكْمِ المشتَبِهِ، فقيل: يرجع إِلَى خطابِ التكليفِ، وهو أمر المجتهدِ بإثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَجْرَى الوَصْفِ، وقيل: يَرْجِعُ إِلَى خِطَاب الأَخْبَارِ، والحَقُّ: أنَّه إنشاءُ وضعٍ بخطابِ الأَخْبَارِ، وليس مِنْ خطابِ التكْلِيفِ؛ لتعلُّقه بَأفعالِ الصِّبْيَانِ والمجانِينِ والجمادِ، وليس هو مَحْضَ إِخبارٍ؛ لأن الإِخبارَ عن سببيَّة الوصْفِ مشروطٌ بكونه سبَبًا فيما إذا ثَبَتَتْ سَبَبِيّتُهُ بهذا الخطاب؛ فيكونَ دَوْرًا؛ فإنَّه لا يكون سببًا حتَّى يخبر عن سببيته، ولا يصدق الخبر عن كونه سببًا حتَّى يكَون سببًا - أَوْ بغيره؛ فينتقلَ الكلام إلَيه، ويتسلْسَلُ.
إذا تقرر هذا فنقول: إِنَّ مِنْ مَسَالِكِ التعْلِيلِ الإِجْمَاع: كإِجماعهم على تعليلِ ولايةِ الصَّغِيرِ لِصِغَرِهِ، وهو مقدَّم فِي العمل به على النَّصِّ؛ لأنه لا يحتملُ النَّسْخَ.
الْثَّانِي: النَّصُّ الذي لا يحتملُ التَّأْويلَ؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر ٧].
الثالثُ: الظَّاهِرُ، وقولُ المُصَنِّف: "الأَوَّلُ: التنصيصُ" يريدُ به المنقولَ، سَوَاءٌ كان نَصًّا أو ظاهرًا، ولا خلافَ فِي تقْدِيمِ الإجماعِ عَلَيهِمَا.
قوله: "إِما بالَّلام": أما "اللام" فليست نَصًّا فِي التعليلِ؛ فإنَّها محتملةٌ للتأْقِيتِ؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء ٧٨] وتجْيءُ لبيانِ العَاقِبَةِ والصَّيرُورَةِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، وكقَوْلِ الشَّاعر: [من الوافر]
لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
قوله: "كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ":
[ ٢ / ٣١٠ ]
وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذارِيَاتُ: ٥٦]، وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبْرَاهِيمُ: ١]، وَإِمَّا بِالْبَاءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأَنفَالُ: ١٣].
===
الأكثرُونَ على أن الآيةَ مخصوصةٌ؛ لانتفاءِ العِبَادَةِ مِنْ أكثرهم، ويمكنُ التعْمِيمُ بحملها عَلَى الاستعداد للعبَادَةِ؛ كما يقال: خُلِقَتِ البَقَرُ لِلْحَرْثِ، والخَيلُ لِلْكر والفَرِّ، وسواءٌ وقَعَ ذلك بالفعْلِ أو لم يَقَعْ؛ فإنَّه لا يُفْهَمُ منه إلا وضعها على وجهٍ تَسْتَعِدُّ لذلك، كذلك الآدَمِيُّ فَطَرَهُ الله مستعدًّا للتمييزِ، وفَهْمِ الخِطَابِ مهيئًا لما يُكَلَّفُ به.
قولُهُ: "وكقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] ": أي: مِنْ ظلماتِ الجَهْلِ والكُفْرِ إِلَى نور الإيمان والمعرفَةِ، والتعميمُ فيها بما ذكرناه.
قوله: "وَإِمَّا بـ "الباء"؛ كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] ": أصل "الباءِ" لِلإِلصاقِ، وَإيصالِ معْنَى الفعْلِ إِلَى الاسْمِ، لَكِنْ ما يتصلُ بها مِنْ الأفعالِ تختَلِفُ معانِيهَا؛ فعدَّدُوا معانيها لذلكَ؛ فقالُوا فيما يَتَّصِلُ بفعْلِ القَسَمِ؛ كقوله: أَقْسَمْتُ بالله-: للقَسَم، وفي مثل: كَتَبْتُ بالقَلَمِ: الاسْتِعَانَة، وفِي مِثْلِ: بِعْتُ الفَرَسَ بِسَرْجِهِ، وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه ٧٨] باء المصاحبة، وفي مِثْلِ قولِ الشَّاعر: [من البسيط]
تالله يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الرَّيَّانُ وَالآسُ
[ ٢ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إِن الباءين للظرفيَّةِ" وفي مِثلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم ٤]-: بَاءُ السَّببيَّةِ" وفي مِثْل قولِهِ تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف ٢٠]: بَاءُ العِوَضِيَّة والثَّمنيَّة، وتقع زائدةً مع المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، ومع المبتدأ؛ كقوله: [من المتقارب]
بِحَسْبِكَ فِي القَوْمِ أَنْ يَعْلَمُوا
ومع الخبر كقوله: [من الوافر]
فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا
وأَمَّا التبعيضُ، فقال ابنُ جِنِّي: لَا يَعْرِفُهُ أصحابنا.
ومن الصيغ الظاهرةِ في التعْلِيلِ: "الفَاءُ"؛ كقولِهِ: أَعْطَيتُهُ، فَشَكَرَ.
وتكونُ لمجرَّدِ العَطْفِ والتعْقِيبِ؛ بِحَسَب الإِمكان؛ كقولك: دَخَلْتُ البَصْرَةَ فَالْكُوفَة.
[ ٢ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وللاستئناف؛ كقوله تعالى ﴿فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [البقرة ١٠٢]، أي: ومنهم يتعلَّمون، وكقول الخطَيئةِ: [من الرجز]
يُرِيدُ أن يُغْرِبَهُ فَيَعْجِمُهُ
أي: فَهُوَ يَعْجِمُه.
وزائدةً عند الأخْفَشِ، كقول الشاعر: [من الطويل].
وَقَائِلَةٍ خَوْلانُ فَانْكِحِ فَتَاتَهُمْ
وتقديره عند سِيبَوَيهِ: هذِهِ خَوْلانُ، فَانْكِحْ.
وقول الشاعر: [من الكامل]
لَا تَجْزَعِي إِنْ مُنْفِسًا أَهْلَكْتُهُ وَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلِكَ فَاجْزَعِي
[ ٢ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إحدى الفاءين زائدة.
قال الأخفش: وترد بمعنى الواو.
كقول امرئ القيس: [من الطويل]
بَينَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
ولا حاجة إلى ذلك؛ فإنَّ الدخُولَ يشتملُ عَلَى أَمْكِنَةٍ؛ فكأنه قال: بَينَ أماكن الدَّخُولِ، فَأَمَاكِنِ حَوْمَل، ورُويَ بالواو.
ويجابِ بِهَا الشَّرْطُ، فيكون نصًّا في التعليلِ وسواء كان بصريح الشرط كقوله -﵇-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً، فَهِيَ لَهُ"، أو بمعناه؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨]، وكقوله - ﵇ -: "فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ"؛ فيكون نصًّا على التعليلِ بالقَرينَةِ لا بالوضْعِ.
[ ٢ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهي ظاهرةٌ في الاستدلالِ؛ فتدخُلُ على الحُكْمِ تارةً، كما تقدَّم، وعلى العلَّة؛ كقوله - ﵇ - في المُحْرِمِ الذي وُقِصَ عن بعيره، فَمَاتَ: "فَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا"، وكذلك قَوْلُهُ: "زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ " الحديثَ.
وتدخُلُ في كلام الراوي على الوجهَينِ، وهي أدنَى رُتْبَة من الأوَّلِ؛ لاحتمال اعتِقادِهِ ما ليس بِعلَّةِ علَّةً، ومثاله قولُ الراوي: "زَنَا مَاعِزٌ؛ فَرُجِمَ"، و"سَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -؛
[ ٢ / ٣١٥ ]
===
فَسَجَدَ".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
الثَّانِي: الإِيمَاءُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ؛ أَحْسَنُهَا أَنْ يُقَال: إِنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّة؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّهُ إِذَا قَال الْقَائِلُ: "أَكْرِمُوا الْجُهَّال، وَأَهِينُوا
===
قولُه: "الثاني: الإِيماءُ" ويعني به: ما لا يَدُلُّ على التعليلِ وَضْعًا، ويفهم مِنْهُ معنى التعليلِ ضَرُورَةَ حَمْلِ المَذْكُور على فائدةٍ، وإلا صَارَ الكلامُ لغوًا وهُجْرًا يَجِلُّ عنه مَنْصِبُ الشرْعِ. وينزلُ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الْعُلَمَاءَ" اسْتَقْبَحَهُ كُلُّ أَحَدٍ: فَإِمَّا أَنْ يُفِيدَ هذَا الْكَلامُ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ جَعَلَ الْجَهْلَ عِلَّةً لِلإِكْرَامِ، وَالْعِلْمَ عِلَّةً لِلإِهَانَةِ، أَوْ لَا يُفِيدَ هَذَا التَّعْلِيلَ: وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا لَزِمَ أَلَّا يَبْقى هذَا الْقُبْحُ الْقَبِيحَ؛ لأَنَّ ثُبُوتَ الإِكْرَامِ مَعَ الْجَهْلِ لِعِلَّةٍ سِوَى الْجَهْلِ -جَائِزٌ، وَثُبُوتَ الإِهَانَةِ مَعَ الْعِلْمِ لِعِلَّةٍ سِوَى الْعِلْمِ- جَائِزٌ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ يُفِيدُ التَّعْلِيلَ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
في الإفادة مَنْزِلَةَ الإشَارةِ.
قوله: "وَفِيهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ" المشهورُ أنها خَمْسَةٌ، سنذكرها، إنْ شاء الله تعالى.
قوله: "وأحسنها أَنْ يقَال: ذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المناسِبِ دليلٌ على التعليلِ به؛ والدليلُ عليه: أنَّه إذا قال: "أَكْرِمُوا الجُهَّال، وَأَهِينُوا العُلَمَاءَ" يَسْتَقْبِحُهُ كلُّ أحدٍ، فإما أَنْ يُفِيدَ هذا الكَلامُ أنَّ هذا القائِلَ جَعَلَ الجَهْلَ عِلَّةً للإكْرَامِ، والعِلْم عِلَّةً للإهانةِ، أو لا يفيدَ:
والثاني باطلٌ، وإلَّا لزم ألا يبقى القُبْحُ القبيحَ؛ لأنَّ ثبوت الإِكرامِ مع الجَهْلِ لعلَّةٍ أخرَى جائزٌ":
يعني: بقرابة، أو مكافأةٍ، أو غيرِ ذلك، وكذلك عكْسُهُ؛ لا يقال: وجْهُ القُبْحِ أَنَّهُ أَمْرٌ بإِكرامِ الجاهلِ مع وجُودِ المانِعِ، وكذلك عكْسُهُ، أو أنَّه إثباتُ قاعدةٍ بِمِثَالٍ، فيقالُ: هَبْ أنَّه فُهِمَ منه ها هنا التَّعْلِيلُ، فلِمَ قُلْتُمْ: إِنه يُفِيدُهُ مطلقًا؛ لأنَّا نجِيبُ عن الأَوَّل؛ بأنه لَمَّا أَمْكَنَ إكرامُ الجاهِلِ بأسبابٍ أُخَرَ - وجَبَ ألا يكونَ الجهْلُ مانِعًا؛ دَفْعًا للتعارض، وكذلك عكْسُهُ.
وعن الثاني: أنَّه إذا خصصت العلَّةُ ها هنا، وجَبَ طَرْدُها؛ دَفْعًا لِلاشتراكِ عن هذا الترتيبِ، واشتراطُ المناسَبَةِ في هذا الترتيبِ شَرَطَهُ الإمامُ، والأكثرونَ علَى فَهْمِ التعليلِ من مجرَّد ترتيبِ الْحُكْمِ على المشتَقِّ بدون الْتِفَاتِ إلى المُنَاسَبَةِ، واختيارُ الإِمامِ ها هنا كَاختيارِهِ في مفْهُومِ الصِّفَة؛ فإن غير المناسِبِ في ترتيب الحُكْمِ عليه كاللَّقَبِ، والواقعُ في استعمالِ الشرْعِ: أنَّه إنما ترتَّب الحُكْمُ على المناسِبِ، وهو ظاهِرٌ في استقلالِ المَذْكُورِ مُحْتَمِلٌ للجزئية والاشتراطِ.
النوعُ الثَّاني من الإيماءِ: أن يَذْكُرَ وصفًا مقرونًا بالحكْمِ لا بصيغة التعليل عَلَى وجْهٍ لو لم يكُنْ له أَثَرٌ في الحكْمِ لكان ذِكْرُهُ لَغْوًا؛ كقوله - ﵇ - "الْهِرَّةُ لَيسَتْ بِنَجِسَةٍ؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَافِينَ عَلَيكُمْ والطَّوَّافَاتِ"، وكقوله في الخَمْرِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ
[ ٢ / ٣٢٥ ]
===
يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] إشارةً إلى ما يترتَّب من مخامَرَةِ العَقْلِ من المفاسِدِ.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الثَّالِثُ: الْمُنَاسَبَةُ، وَمَبْنَاهَا عَلَى ثَلاثِ مُقَدِّمَاتٍ:
أُولاهَا -وَهي أَقْوَاهَا-: أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَفْعَال اللهِ تَعَالى وَأَحْكَامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالْمَصَالِحِ؛
===
النوع الثالث: تنظيرُ المَسْأَلةِ؛ كقوله - ﵇ - لما سُئِلَ عن قُبْلَةِ الصائمِ، فقال: "أَرَأَيتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ؛ أَكَانَ ذلِكَ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ؟ فَقَال: لَا"؛ فنبه على أن
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَالْكَلامُ فِيهَا مَا سَبَقَ.
ثَانِيَتُهَا: أَنَّ هذَا الْوَجْهَ الْمُعَيَّنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْفُلانِيَّةِ.
ثَالِثَتُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ أَفْعَال اللهِ تَعَالى وَأَحْكَامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالْمَصَالِحِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ هذَا الْفِعْلَ اشْتَمَلَ عَلَى هذِهِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ هذَا الْوَجْهِ -: يُفِيدُ الظَّنَّ بِأَنَّ ذلِكَ الحُكْمَ مُعَلَّلٌ بِهذِهِ الْمَصْلَحَةِ، وَلأَنَّ غَيرَ هذِهِ الْمَصْلَحَةِ كَانَ مَعْدُومًا، وَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الْعَدَمِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى مُعَلَّلًا بِهذَا الْوَصْفِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هذَا الأَصْلُ، فَنَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ هذَا الزَّمَانِ يُعَبِّرُونَ عَنْ هذَا الْمُعْنَى بِعِبَارَةِ: "التَّلازُمِ"؛ مِثَالُهُ:
لَوْ كَانَ كَثِيرُ الْقَيءِ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ، لَكَانَ قَلِيلُهُ نَاقِضًا؛ لأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ يُوجِبُ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْقَلِيلُ نَاقِضًا لَهُ؛ وَجَبَ أَلَّا يَكُونَ الْكَثِيرُ نَاقِضًا لَهُ.
وَأَقُولُ: أَقْوَى مِنْ هذَا الْكَلام: أَنْ يُقَال: الْقَوْلُ بِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْقَيءِ، يُفْضِي إِلَى مُخَالفَةِ الدَّلِيلِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَثْبُتَ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أَنَّ بِتَقْدِيرِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْقَيءِ: إِمَّا أَلَّا يَكُونَ كَوْنُهُ خَارِجًا نَجِسًا: عِلَّةَ لانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ:
وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ مَعَ الاقْتِرَانِ يَدُلَّانِ عَلَى الْعِلَّيةِ، وَقَدْ حَصَلا فِي هذَا الْمَعْنَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا الْمَعْنَى عِلَّةً، لَزِمَ تَخَلُّفُ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدْلُولِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَلَا يُجَوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً؛ لأَنَّهُ حَصَلَ فِي الْقَيءِ الْقَلِيلِ؛ فَعَدَمُ الانْتِقَاضِ بِهِ يُوجِب تَخَلُّفَ الْمَدْلُولِ عَنِ الدَّلِيلِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ.
===
مقدِّماتِ الشيءِ لا تنزَّلُ منزلَتَهُ؛ فإِنَّ نسبة القُبْلَةِ إلى الجِمَاعِ المُفطِرِ؛ كنِسْبَة وضْعِ الماءِ في الفَمِ إلى إِيصالِ المُفْطِرِ إلى البَاطِنِ، ومقدِّمة الواصل لا تُفَطِّر؛ فكذلك مقَدِّمة الجمَاعِ، وكقوله للخثعميةِ؛ حيث سألَتْ عن قضاءِ الحَجِّ عن أبيها المَيِّتِ: "أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَينٌ فَقَضَيتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ " فَقَالتْ: نَعَمْ، قَال: "فَدَينُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الطَّرِيقُ الرَّابعُ: الدَّوَرَانُ؛ وَهُوَ أَنَّ هذَا الْحُكْمَ دَارَ مَعَ هذَا الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا. وَالدَّوَرَانُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ؛ بِدَليلِ أَنَّ الْعُقَلاءَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ التَّجْرِبَةَ تُفِيدُ ظَنَّ الغَلَبَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّجْرِبَةِ إِلَّا مُشَاهَدَةُ هذِهِ الْمُعَايَنَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
===
النوع الرابع: التَّنْبِيهُ بالسُّؤَالِ عن وصْفٍ واضِحٍ، لو لم يكنْ له مدْخَلٌ في الحكْمِ، لكان لغوًا؛ كقوله - ﵇ -: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَال: "فَلَا إذن"؛ فالسؤالُ عن النقْصِ إيماءٌ إلى التعليلِ به في المَنْعِ، هذا مع اشتِمالِ الجوابِ على ما يُشْعِرُ بالتعليلِ من وجهين آخرَينِ:
أحدهما: تَعْقِيبُهُ بالفَاءِ.
والثاني: صِيغَةُ "إِذَنْ".
فكلُّ واحدٍ من هذه الثلاثةِ كافٍ في التعليلِ.
النوعُ الخامِسُ: التفرِقَةُ بينَ شَيئَينِ في الحُكْم بصفَةٍ فاصلةٍ؛ فإِنَّ فيه تنبيهًا على العلَّة؛ كقوله - ﵇ -: "لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وَاعلَم: أَنَّ الدَّوَرَانَ قَدْ يَكُونُ في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ مِثلُ: أَن عَصِيرَ العِنَبِ قَبلَ أَنْ يَصِيرَ خَمْرًا، كَانَ حَلالًا، فَلَمَّا صَارَ خَمْرًا، صَارَ حَرَامًا؛ فَلَمَّا زَالِتِ الخَمْرِيَّةُ وَصَارَ خَلًّا، صَارَ حَلالًا مَرَّةَ أُخْرَى.
===
وبعضُهُم يَعُدُّ من الإيماء الترتِيبَ بالفَاءِ؛ وليس منه، والفاءُ ظاهرةٌ في التعليل وَضعًا؛ إِذ معناها تُّرتْبُ الثانِي على الأَوَّلِ، ولا معنَى للعلَّة الشرعيَّة إلا ذلكَ، وقد تكونُ ناصَّة في التعليلِ بقرينة الشَّرْطِ؛ إذ لا يحتملُ غيرَ التعْقِيبِ؛ كما نبَّهنَا عليه.
والأصلُ في المسلَكِ الخامِسِ من مسالِكِ التعليلِ: "تنقيحُ المناطِ"، وهو: أن يَدُلَّ ظاهر على التعليلِ مِن كَلام الشَّارعِ، أو الراوي بوَصْفٍ، فَيُحْذَفُ خصوصُهُ بِالاجتهادِ عَن درجَةِ الاعتبارِ، وينَاطُ الحكمُ بالأعَمِّ؛ ليدل على التعليل مجموع أوصاف، فيحذف بعضها بالاجتهاد عن درجة الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي، وتسميتُهُ تنقيحًا مأخوذ من تَنْقِيحِ النخلِ؛ فإنه إِزَالةُ ما يستغنَى عنه، وإبقاءُ ما يُحتَاجُ إليه، وحاصلُهُ: تأويلٌ ظاهرٌ مع إبقاءِ دلالتِهِ على التعليلِ بِالاجتهادِ: فَمِن ثَمَّ تأخَّرَ عن درجَةِ مَا يُشعرُ بالتعليل ظاهرًا: مِن تصريحٍ أو تلويح.
مثالُ الأوَّل: "لَا يَقْضِ القاضِي وهُوَ غَضبَان"، فإِنَّ ذِكرَ الغَضَب مقرونًا بالحُكمِ يَدُلُّ ظاهرًا بإيمائِهِ على التعليلِ بخصوص الغضب؛ فَتُحذَفُ خصوصيَّتُهُ، وينَاطُ الحُكمُ بما يتضمَّنه من التشويشِ المانِعِ من استيفاءِ الفكرِ؛ فيناطُ الحكمُ به، وَيعُمُّ الجُوعَ المُفرِطَ والعَطَشَ المُفرِطَ ومغالبَةَ النُّعَاسِ.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَقَد يَكُونُ في صُورَتَينِ؛ كَقَولِ الحَنَفِيَّةِ في زَكَاةِ الحُلِيِّ: كَونُ الذهَبِ جَوهَرَ الأَثمَانِ، مُوجِبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ التِّبرَ، لَمَّا حَصَلَ فِيهِ ذلِكَ الجَوهَرُ- وَجَبَتِ الزَّكاةُ فِيهِ، وَسَائِرُ الأَشيَاءِ؛ كَالثِّيَابِ وَالعَبِيدِ، لَمَّا لَم يَحصُل فِيهَا ذلِكَ- لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ.
===
ومثالُ الثانِي: قولُ الراوي: جَاءَ أَعرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - يَضرِبُ وَجهَهُ، وَينْتِفُ شَعَرَهُ، وَيقُولُ: هَلَكتُ وَأَهْلَكت؛ وَاقَعْتُ أَهلِي في نَهَارِ رَمَضَانَ، فقال لَهُ رَسُول الله - ﷺ -: "أَعتِق رَقبَةً" فنقولُ: كَوْنُهُ أعرابيًّا لا أَثَرَ له في إيجابِ الكَفارة؛ فإنَّ النَّاسَ في الشرع سواءٌ، وكونهُ يضربُ وجْهَه وينتِفُ شَعَرَهُ، أو مواقعًا امرأتَهُ دون سريَّتِهِ، أو زَانِيًا - لا أَثَرَ له، وإنما الموجِبُ كونهُ مُفْسِدًا لصَوم مُحتَرَم في رمضان بالجِمَاعِ عند الشافعيِّ، ومالك وأبو حنيفةَ يحذِفَانِ خصوصَ الجِمَاعِ، ويعلِّقان الحُكمَ بعمومِ الإِفسَادِ والهَتكِ، ويوجِبَان الكَفارة بأكل والشُّرب.
والاتِّفَاق على أصلِ التنقِيح، وإنما الخلافُ في صحَّة الحَذفِ؛ فإنَّ طريقَ الحَذف قد يكونُ قَطعِيًّا بأن يكونَ المَحذُوفُ طَردًا مَحضًا لا عِبرَةَ به في الأحكام؛ لكونه عَرَبِيًّا أو عَجَمِيًّا، وقد يكون مظنونًا كَحَذفِ خصوصِ الجمَاعِ؛ فإن الشافعي يَرَى أن له حَظًّا من المناصَبَةِ في شَرعِ الكفَّارة؛ فإنها تتضمَّن معنى الزجرِ، ودَاعِي النكَاحِ قد لا يَنزَجِرُ عَنه عند هَيَجَانِ الشَّهوَةِ بمجرَّد التَّحريم، بل لا بُدَّ من وازع وصارِفٍ أقوى؛ ولذلك أناطَ الشَّرعُ بجنسِهِ الحَدَّ، ويكتَفَى في المَنع من الأكَل والشربِ بالتحريمِ وإيجابِ القضاءِ؛ لضعف الداعي؛ ولهذا المعنى أوجَبَ الشارعُ الحَدَّ في شُربِ يَسِيرِ الخمرِ، ولم يوجِبهُ في شُرب البَول؛ اكتفاء بالتحريمِ؛ لضعف الداعي، وقوَّةِ الصارِفِ الطبيعيِّ، وأبو حنيفةَ يَمنَعُ القياسَ في الكَفَّارات، وقدِ اعتَرَفَ بالاجتهادِ في تنقيح المناطِ، وهو لا يراه قِيَاسًا، وإنَّما يسمِّيه استدلالًا علَى مُرَادِ الشرعِ، واعترف به أَيضًا مَن ينفي الاجتهادَ في "تَخريجِ المناطِ"، وقال به كما قال بجواز الاجتهادِ في "تَحقيق المناط"؛ كتحقيق أن
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَمِنَ النَّاسِ مَن قَال: الدَّوَرَانُ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ؛ وَذلِكَ لأَن عِلْمَ الله مُتَعَلِّقٌ بِمَعلُومَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَالعِلمُ مَعَ الْمَعلُومِ: كُلُّ وَاحِدِ مِنهُمَا دَائِرٌ مَعَ الآخَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ كُل وَاحِدٍ مِنهُمَا عِلَّةً لِلآخَرِ:
===
النَّبَّاش سارقٌ؛ ليندرج تحت عموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وطريقُ الحَذفِ تبيانُ أن المحذوفَ طَردٌ مَحضٌ بالنسبة إلى الأحكامِ، أو طرد بالنسبة إِلَى عَينِ الحُكم؛ كالذكورة والأُنُوثَة في باب العِتقِ، وإِن كان لهما أَثَرٌ في الولاياتِ والشهاداتِ وغَيرِ ذلك، أو ببيان استقلالِ الباقِي بدونه في صُورَةٍ، أو بلَفظٍ مِنَ الشارعِ يَدُلُّ عَلَى استقلالِ الباقِي، وهو الإِلغاءُ.
قوله: "الثالثُ: المناسبَةُ" وهو: ما رتبناه خامسًا، ويُلَقَّب بـ "تَخرِيج المَنَاطِ"، والتخريج معناهُ الاستنباطُ، والمَنَاطُ: متعلَّقُ الحُكمِ، وهذا المسلَكُ هو الأغلَبُ في المنَاظَرَات.
وصورَتُهُ: أَن يَحْكُمَ الشارع في صور بِحُكم، ولا يتعرَّضَ لبيانِ علَّةِ ذلك الحُكم؛ لا بصريح لفظٍ، ولا بتلويح؛ فيبحث المجتهدُ عن علَّةِ ذلك الحُكمِ، ويستخرجُ ما يصلُحُ مناطًا له، ويحتجُّ على عِلِّيَّته بالمُنَاسَبَةِ، والقرائن، وسَلامَتِهِ عن القوادِحِ، ويحقِّق استقلالهُ بِعدم ما سِوَاهُ بالسَّبر بألَّا يجدَ مِثلَهُ، ولا ما هو أولى منه.
مثالُهُ: أن يقولَ الشارعُ: حَرَّمْتُ الخَمْرَ، مقتصرًا على ذلك، فيبحثُ فيجد الإسكَارَ مُنَاسِبًا بتحريمها؛ صيانة للعقل الذي هو مَنَاطُ التكليفِ [و] مناط المصالِحِ الدنيويَّةَ والأُخرويَّة، فيقول: هو العلَّةُ.
ولا بُدَّ من تحقيقِ معنَى المُنَاسبَةِ، وهي في اللَّغَةِ: الموافَقَةُ؛ يقالُ: هذا الثَّوْبُ يُنَاسِبُ هذه العمَامَةَ؛ أي: يُوَافقُهَا.
وهو في الاصطلاح عبارةٌ عَن موافَقَة مخصوصةٍ وهي موافقة الوصف للحكم، فقيلَ في حَدّهِ: إنه عبارَةٌ عما يَلزَمُ مِنْ رَبطِ الحُكم به حُصُولُ حكمةٍ غالبًا باعتباره، والمَعْنيُّ بالحكمةِ: حصولُ منفعة أو تكميلُهَا، أو دَفعُ مَضَرَّةٍ، أو تَقلِيلُهَا، أو ما يَتَرَكب مِن ذلك.
وقال أبو زَيد الحَنَفِيُّ: وهو ما لو عُرِضَ على العُقُولِ السَّليمةِ والطبَاعِ المستقِيمَةِ، لَتَلَقَّتهُ بالقَبُولِ، وما ذكره ظاهرٌ بالنِّسبة إلى الناظِرِ، أَمَّا المناظِرُ إذا نوزع في أَن المذكور كذلك، فَقَدْ يضيقُ عليه المَجَالُ؛ فالأَوَّلُ أَولَى.
وقيل: هو ما يلائِمُ الحُكمَ بالنَّظَرِ إِلَى رعَايَةِ المَصَالِحِ، وهو رَاجِع إلى الأوَّل؛ فإنه إنما
[ ٢ / ٣٣٧ ]
أَمَّا الْعِلْمُ: فَلَا يَكُونُ عِلَّةَ لِلمَعلُومِ؛ لأنَّ العِلمَ تَابعٌ لِلمَعلُومِ، وَتَابعُ الشَّيءِ لَا يَكُونُ مُؤَثرًا في الشيءِ، أَمَّا المُعْلُومُ: فَلأنَّهُ مُحدَثٌ؛ وَعِلمُ الله تَعَالى قَدِيمٌ، وَالمُحْدَثُ لَا يَكُونُ عِلَّة لِلْقَدِيمِ.
===
يكُونُ كذلك إذا تضمَّنَ ترتيبُ الحُكم عليه الإفضَاءَ إلى ما يُوَافِقُ الإنسَانَ في معاشِهِ أو معادِهِ، والموافِقُ له في الدَّارَينِ جَلْبُ منفعةٍ، أو دفعُ مَضَّرةٍ.
والمنفعةُ: قيلَ: هي اللَّذةُ أو الطرِيقُ إليها.
والمضرة: قيل: هي الألَمُ، أو الطريقُ إِلَيه.
وقيل: لا حَاجَةَ إِلَى ذِكرِ الطريقِ؛ فإِنَّ طريقَ اللَّذة لَذَّةٌ، وطريقَ الأَلَمِ أَلَمٌ، واللذَّةُ والألَمُ معلومان بالضرورةِ والوجدانِ، فَهُمَا غَنِيَّانِ عن التعْرِيفِ.
وإذا تقرَّر معنى "المُنَاسِب" فإنما يُنَاطُ الحكمُ به إذا كان ظاهرًا؛ لأن الحُكمَ خفيٌّ، والخَفِيُّ لا يُعَرِّفُ الخَفِيَّ، ومضبوطًا ليَعرف مجرى الحُكمِ من مُوَافقته كالشِّدَّة، وان كان خفيًّا كالرِّضَى بالنسبة إلى البَيْع؛ فإِنَّه من أفعال القلوب، ومتى تعلَّق الحُكمُ به بشخصَينِ، فلا بد له مِنْ مظنَّةٍ تَدُلُّ عليه؛ كالإيجاب والقَبُولِ في البيعِ، أو المعاطاة عند مَنْ يراها دَالَّةً على الرِّضَى،
[ ٢ / ٣٣٨ ]
===
وكالسكوتِ في البِكرِ في إِذنِهَا، وإن تعلَّقَ الحُكمُ بشَخصٍ واحدٍ؛ كالنِّيَّةِ في العباداتِ، وكقولِهِ - ﵇ -: "لا يَقضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" فلا حاجَةَ فيه إِلَى مظنَّةٍ؛ فإنه يجدُه من نَفسِهِ بالضرورة، وإن كان المناسِبُ غَيرَ مضبوطٍ، أي: مِنَ الأمورِ النسبية التي تَخَتَلِفُ بالنِّسبة إلى الأشخَاصِ والأحوَالِ؛ كالمَشَقَّة في السَّفَر؛ فلا تعتبرُ إلَّا بمَظنَّةٍ؛ كتقدير السَّفَر بمرحَلَتَينِ أو يومَين ونحو ذلك، وسواء تعلَّقَ الحُكم فيه بشخصٍ واحدٍ أو شَخصَينِ.
ثم المناسِبُ ينقسمُ باعتبارِ أجناسِ المصالح إِلَى ثلاثِ مراتِبَ: ضروريٍّ، وحاجيٍّ، وتزيينيٍّ:
والضروريُّ على مراتبَ: أَوَّلُها وأَوْلاهَا مصلَحَةُ حفظِ الدِّينِ؛ ولأجلها شُرِعَ الجهادُ،
[ ٢ / ٣٣٩ ]
===
وقتلُ المرتَدِّ والزنديقِ، ومصلَحَةُ حفظ النفسِ؛ ولأجلها شُرعَ القصاصُ، ومصلحَةُ حفْظِ الأنْسَابِ؛ ولأجلها شُرعَ حَدُّ الزنا، ومَصلَحَةُ حِفظِ الأَعرَاضِ؛ ولأجلِهَا شُرعَ حَدُّ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القذْفِ واللعانِ وقَطْعِ يَدِ السارق؛ كيلا يلطَّخ عرضُهُ برذيلة السَّرقةِ، ومصلَحَةُ حِفْظِ العُقُولِ؛
[ ٢ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولأَجْلها شرعَ الحَدُّ في شُرْب المُسْكِرِ، ومصلَحَةُ حفْظِ الأَمْوَالِ؛ ولأجلها شُرعَ الضَّمَان،
[ ٢ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذه المصالحُ مما يُعْلَمُ التفاتُ الشَّرْع إِليها قَطْعًا في كل شريعةٍ، وأَهَمها الدِّينُ؛ وما سواه وسيلةٌ إليه، وأدناها المالُ.
ويلتحقُ بهذه المرتبةِ ما هو كالتَّكْملَةِ والتتمة لها؛ كاعتبارِ البلوغِ في قَتْل المُحَارِب، واعتبارِ التكافؤ في القِصَاصِ، وتحريم الخَلْوَةِ بالأجانِب، وتَحْرِيمِ شُرْبِ القَلِيلِ من الخَمْرِ؛ لأن قليلَهَا يدعو إلى كَثيرها، وتنجيسُهَا مَن ذلك يَدْعُو إلى إِبعادِهَا؛ بإعطائِها حُكمَ المستَقْذَرَاتِ، وهذا مما تَختَلِفُ فيه الشَّرائعُ.
المرتبة الثانيةُ -وهي الوسطَى-: ما شُرعَ لدَفْعِ الحاجَاتِ؛ كَشَرْعِ أَصْلِ الْبَيعِ، والإجَارَةِ،
[ ٢ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والنِّكَاح، والعَاريَّة، والمُسَاقَاةِ، والنِّيَابَةِ، والْولايَةِ، ومنه تسليطُ الوليِّ المُجْبِرِ على
[ ٢ / ٣٤٩ ]
===
تَزويجِ الصغيرِ والصغيرةِ أيضًا لا لضرورةٍ، بل لتقييد الأَكَفَاءِ خِيفَةَ الفَوَاتِ، واستقبالًا للصلاحِ المنتَظَرِ في المآلِ، وليس منه تسليطُ الولِّي على تربية الطِّفْل وإرْضَاعِهِ، وشراء مَطعُومِهِ ومَلْبُوسِهِ وشرابه؛ فإن ذلك من باب الضرورات في حفظ النفوسِ؛ وعلى هذا: فلا يمتنعُ أن يكونَ شَرْعُ أصْلِ البيعِ مِن باب الضرورياتِ؛ فإنه لا يمكن بقاءُ الحياة بدُونِ الأفوَاتِ، في الغالب، ولا يُوصَلُ إِلَيهَا إلا بالمُعَاوَضَاتِ.
وَيلْتَحِقُ بهذه الرُّتْبَةِ أيضًا ما يَجْرِي مَجرى التَّكملة لها، والتَّتِمَّة؛ كَشرعِ الخيار بالعَيبِ والحلف والشَّرْطِ والمَجْلِسِ لدفع الغَبْنِ، وشَرْع الشُّفْعة، ومَنْع تزويج الصَّغيرة مِنْ غَير كفء وبدون مَهْرِ المِثْلِ.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المرتبة الثالثةُ -وهي الدنْيَا-: وهي ما لا ترهق إليها ضرورةٌ ولا حاجَةٌ، ولكنَّها واقعةٌ مَوْقِعَ التزينات والتحسينَاتِ، واتِّبَاعِ أَحْسَن المناهجِ في العبَادَاتِ والمعامَلَاتِ؛ كاجتناب النَّجَاسَاتِ، وتحريمِ المستَخْبَثَاتِ، وسَلْبِ الأرقَّاءِ أهْلِيَّةَ الولاياتِ والقَضَاءِ والشهاداتِ؛ إظهارًا لشَرَفِ فذه المَنَاصِبِ.
هذا هو التقسيمُ المَشهُورُ، وقَسَّمَ الإمام هذه المرتبةَ إلَى قِسْمَينِ: إلى ما خُولِفَ فيه القياسُ؛ تشوفا لتحصيله، وإلى ما لا يُخَالفُ فيه القياسُ:
والأول كالمبالغةِ في تحصيل العتقِ بتكميلِ مبعضه، والسراية في مِلْكِ الغَيرِ بدون رِضَاهُ، وتسويغِ مكاتَبَةِ السَّيِّد عبدَهُ، ومعاوضته منْهُ مالهُ بمالِهِ، ومعاملته معامَلَةَ الأَجَانب.
والثانِي: كقولِهِ - ﵇ -: "عَشْرٌ مِنَ الفِطرَةِ "، وما قَدَّمنَا ذِكرَهُ إلى غير ذلك.
قال: وهذه الضُّرُوبُ الأربعةُ يَجْرِي فيها تعليل لكلِّيَّاتها وجزئياتها، وأَلحَقَ ضَرْبًا خَامِسًا لا يلوحُ فيه تعليلُ جزئيٍّ، ولكن يلوحُ فيه تعليل كُلِّيٌّ؛ كالعبادات البدنيَّةِ؛ فإنها لا تنطبقُ على أَغرَاضٍ نفعيَّةً، ولا دفعيَّةٍ عاجلًا؛ وإنما يُعْقَلُ من شرعها مَعْنى كُلِّيٌّ، وهو أن مرور العِبَادِ علَى حُكمِ الانقيادِ، يتضمنُ تجدِيدَ العَهْد بعُقُودِ الأيمانِ بمطالعة أوامِرِهِ تعالى ونواهيه، وتحقُّق الاستسلامِ والانقيادِ له، وهو سرُّ ملازَمَةِ الأَذكَارِ والأَوْرَادِ للسَّالكين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥].
ثم ينقسم "المُنَاسِبُ" إلى قسْمةٍ أخرَى؛ بالنَّظَرِ إِلَى اعتبارِهِ واهدارِهِ إِلَى ثلاثةِ أقسام:
الأولُ: ما شهد الشرْعُ باعتباره.
الثاني: ما شَهِدَ بِإهْدَارِهِ.
والثالث: ما لم يَشهَدْ بإهداره، ولا باعتبارِهِ، وهو "المُرْسَلُ".
وقد تقدَّم أن مما يَدُلُّ على الاعتبارِ المناسبةَ والقرائن، فإِنْ وُجِدَ ذلك في وَصْفٍ، ولم يُعْهَدْ من الشرع التِفاتٌ إلى التعليلِ بجنْسِهِ، فهذا يلقَّب بـ "الغَرِيب"، والتعليل به مختلفٌ [فيه] بين النُّظَّارِ، والأقْرَبُ قَبُولُهُ؛ فإنه يغلب على الظَّنِّ، فلو رأَينَا شخصًا أَعْطَى فقيرًا، ولم تُعْرَفْ
[ ٢ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عادته- يسْبِقُ إلى الظَّنِّ أنَّه إنما أعطا لِفَقرِهِ، وَإِنِ احتَمَلَ غيره.
ومثالُهُ في الشرْع: تعليلُ حِرْمَانِ القاتِلِ أَلَّا يرثَ؛ بالمعاقَبَةِ بنقيض مقصودِهِ؛ حتَّى يلحق به توريثُ المَبْتُوتَةِ في مرضِ المَوتِ؛ معاقبَةً للزوْجِ بنقيض مقصودِهِ، وتحليل الخَمْرِ بالنقلِ، وإن كان المناسِبُ مما عُهِدَ من الشَّرْعِ الالتفاتَ إليه؛ فلا يخلُو إما أنْ يدلَّ نَصٌّ صريحٌ، أو غيرُ صريحٍ، أو إِجماعٌ على اعتبارِ عينِهِ في عَينِ الحُكْمِ، أو جِنْسِهِ في جِنْسِ الحكمِ؛ ليخرج الغريبُ أو عينه في جنس الحكمِ، أو جنسه في عَينِ الحكمِ:
مثال الأَوَّل: شَرْع القِصاص؛ فإِنَّ فيه اعتبارَ جِنْسِ الجنايةِ في جنْس العقوبةِ، واعتبار الجناية الخاصَّة في العقوبة بمثْلها.
ومثال الثاني: اعتبارُ جنْسِ المشقَّة في جنْس التخفيفِ؛ كقياس الجَمْع في الحَضَر بعُذْرِ المَطَر؛ قياسًا على الجَمْع بعُذر السَّفَر، لو لم يرد نصٌّ في الجَمْع بالمَطَر.
ومثالُ الثالث: اعتبارُ عَين الصِّغَرِ في ولايَةِ البُقع؛ قياسًا على ولاية المَالِ.
ومثال الرابع: اعتبارُ جِنْس المَشَقَّة في إِسْقَاطِ قضاءِ الركْعَتَينِ عن المسَافِرِ بالقياسِ على إِسْقاطِ القضاءِ عن الحائِضِ.
وقد اخْتلفُوا في تلقيب هذه الأنواع، واتَّفَقُوا على تسمية الأَوَّل "مُؤَثِّرًا"، والثاني "مُلَائِمًا"، وألحق البزدوي الثالِثَ والرَّابِعَ بالمُلَائِمِ، وألحقها الشريفُ بالمُؤَثِّرِ.
ومِنَ النُّظَار من يفسِّر الملاءمةَ بمجرَّد المشابهةِ بتصرُّف الشَّرْعِ لا غَيرُ؛ وهذا لا يصلْحُ للترجِيحِ، وبعضُ الحنفيَّة يُطلِقُ المؤثِّر على كلِّ مُخِيل بأيِّ وجهٍ ثَبَتَ، ولا مشاحَّة في الألقَابِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ المقاصِدِ.
وقد أُورِدَ على قولِهِم: "اعتبارُ جنْسِ العلَّة" إِشكالٌ:
فقيل: ما تعني باعتبار جنس الوصْفِ؛ أتريدُ به المعنى الكُلِّيَّ المسمَّى جنسًا؟ أم تريدُ به الصورَةَ المُجَانِسَةَ؟:
فإن أردتَّ به المعنى الكُلِّيَّ، فمتَى اعتَبَر الشَّارعُ عَيْنَه، كان مؤثِّرًا؛ ولَيسَ من شرط المُؤَثِّر ألا يَكُونَ عَامًّا.
وإن أردتَّ به اعتبارَ الصُّورة المجانِسَةِ، فاعتبارها بخصوصها أو بعُمومِهَا؟: فإن كان الأوَّل، فلا يصحُّ القياسُ مع فِقدَانِهِ، ولا يتأتَّى إثباتُ التعْلِيلِ إلا به.
وإنْ كان الثَّاني، فهو المؤثِّر.
وجوابه: أنَّ مَنْ جوَّز القياسَ في الأسْبَاب، فلَهُ أن يَقُولَ: لَا يَضُرُّ الافتراقُ في الخصوصَينِ بعد اشتراكِهِمَا في تَحْصِيلِ المقْصُودِ والحِكمَةِ، ومَنْ ينفيه يَقُولُ: النَّصُّ والإِجماعُ يدلَّان على
[ ٢ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
التعليلِ بالوصْفِ ولا يتعرَّض فيهما لوجهِ الاعتبارِ بخصوصٍ أو عمومٍ، فيحذف الخصوصُ بالاجتهادِ.
وفائدةُ هذه التقاسيم تظهرُ في الترْجِيحِ عند معارَضَةِ العِلَلِ، فكما يلقِّبون بعْضَ الأَوْصَافِ "مُنَاسِبًا"؛ لموافقتها لما رُتِّبَ عليها؛ فيسمُّونه مُخِيلَةً أيضًا، و"الإخَالةُ" الظَّنِّ؛ ولا شك أَنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ أن الحكمَ إِنما شُرعَ لأجْلها.
وأَمَّا أن المناسبَةَ والقِرَانَ بِشَرْطِ السلامةِ عن المُبْطِلَاتِ دليل على العلِّيَّة، فَقَدِ اعتمد الإمامُ فيه عَلَى إجماع الصَّحَابة المقطوعِ بهِ مِن تَصَرُّفَاتِهِم في الأحكام؛ فإنَّ المتحقَّق عنهم أَنَّهم كانوا يَعْمَلُونَ بكُل ظَنٍّ مستفادٍ من أصولِ الشَّريعة لا يعارضه قاطِعٌ، ولا ما هو أَوْلَى منه؛ ويستلزم العَمَلَ بالمناسِب لا مَحَالةَ.
قال المصنف: "وبناؤُهَا على ثلاثِ مقدِّمَاتٍ:
أوَّلها وأقْوَاهَا: أنَّه ثَبَتَ أن أفعال الله - تعالى - وأحكامَهُ معلَّلة بالمصالِحِ".
والذي تقدَّم منه إبطالُ تَعْلِيل أحكامِ الله - تعالى - وأفعالِهِ بالمصَالِح؛ فكيف يقولُ هنا: "أقواهَا" إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَقْوَاهَا في ظنِّ القائِلِين بِهِ: إِما نظرًا إِلَى الوَقَائِع، أو على الوُجُوبِ؛ كما يقولُ المعتَزِلَةُ. وقولُهُ: "الكلامُ فيه ما سَبَقَ" يُشعِرُ بذلك.
قوله: "وثانيها: أن هذا الوجْهَ المعيَّن يشتملُ على هذه المَصْلَحَةِ الفُلَانِيَّةِ.
وثالثُها: أنَّ العِلْمَ بانَّ هذا الفِعل يشتَمِلُ على هذه المصلحة من هذا الوجْهِ فيفيد الظَّنِّ بأنَّ ذلك الحُكمَ معلَّل بهذه [المصلحة] ولأن غَيرَ هَذِهِ المصلَحَةِ كان معدومًا، والأصْلُ بقاؤه على العَدَمِ؛ فوجَبَ أَن يكُونَ معلَّلًا بهذا [الوصف] ": .
وزوال الاسْتِدْرَاكِ في هذا التقرير -على أُصُولنا، فإنه ظاهرٌ على أُصُول المعتزلة-: أَنْ يُقَال: إِنَّ الواقع في الشَّرْعِ رِعَايَةُ مصَالِحِ العبادِ في شَرع الأحكَام غَالِبًا؛ فَضْلًا مِنَ الله - تعالى - ونعْمَةً، لا وجوبًا علَيه؛ بدلالة النصوص المقدَّم ذِكْرُهَا، وقولهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقَنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] وقوله - ﵇ -: "عَجَبًا لِلْمُؤمِنِ؛ لَا يَقْضِي الله لَهُ قَضَاءً إلا وَهُوَ خَيرٌ لَهُ"، وبدَلَالةِ الاستقراءِ.
وإِذا تقرَّر هذا، فالحكمُ لا ينفكُّ عن مصلحةِ، ومصلَحَتُهُ لا تَعْدُو أوْصَافَ مَحَلِّهِ، فإذا بَحَثْنَا وسَبَرْنَا، ولم نَجِدْ ما يصلْحُ للتعليل سِوَى هذا الوصْفِ المُنَاسِبِ مع سَلَامَتِهِ عن المبطِلَاتِ والمُعَارِضِ الرَّاجِحِ- غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّه العلَّة؛ لأنا بَينَ أُمُورٍ ثلاثةٍ:
إما أن نَقُولَ بأن الحُكمَ غيرُ معلَّلٍ، وإِنه خلافُ الأَصْلِ والغالب. أَو نقُولَ: إِنه معلَّلٌ بوصفٍ لم يُطَّلَعُ عليه بعد البحْثِ والسَّبْرِ، وإِنه خلاف الظَّاهر والأصْلُ أَيضًا عَدَمْ ذلك الوصْفِ
[ ٢ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والبَقَاءُ علَيهِ كما ذكر؛ فيتعيَّن الثالثُ وهو أن العلَّةَ هذا المذكُورُ المُنَاسِبِ؛ فيتعين إضافةُ الحُكمِ إِليه أَينَمَا وُجِدَ.
هذا حاصلُ ما يشيرُونَ إِلَيهِ، وهو جَار في الدَّوَرَانِ والشَّبَهِ والسَّبْرِ، ولا فارِقَ، ونَخُصُّ "لَا فَارِقَ" بأنه المنطَبِقُ على مُسَمَّى القياسِ؛ فإِنَّ حاصله تقريرُ المُمَاثَلَةِ.
قوله: "إذا ثَبَتَ هذا الأَصْلُ، فنقولُ: إِن أهْلَ الزمانِ يعبِّرونِ عَن هذا المعْنَى بعبارةِ التلَازُمِ: مثالُهُ: لو كان كَثِيرُ القَيءِ ناقضًا للوُضُوءِ، لَكَانَ قليلُهُ نَاقِضًا له؛ لأنَّ خروج النجاسَةِ مُوجِبٌ لانتقاضِ الوُضُوء، ولَمَّا لم يكنِ القليلُ نَاقِضًا وجب ألا يكُونَ الكثيرُ نَاقِضًا": وقَدْ تقدَّم أن القياسَ يَنْقَسِمُ إِلَى:
قياسِ الطَّرْدِ، ولا يعني به أنَّ الجامِعَ طَرْدِيٌّ، بل يعني طَرْدَ حُكم العلَّة مِن مَحَلِّ الإجماعِ إِلَى مَحَلِّ النزاعِ.
وقياسِ العَكسِ، وهو: طَرْدُ العلَّةِ مِنْ مَحَلِّ النزاعِ إِلَى مَحَلّ الإجماع، وما ذَكَرَهُ المصنف مثالٌ لِقِيَاسِ العَكس.
وأمَّا قِيَاسُ الطرد، فالمشهورُ: أنَّ له ثَلَاثَ عباراتٍ، وقد عَلِمْتَ أن القياسَ مركَّبٌ من: فَرع، وحُكمٍ، وَعِلَّةٍ، وَأَصْلٍ.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالفَزغُ والحُكمُ لا بُدَّ من التصريحِ بهما؛ لأنَّهما عينُ الدعْوَى ونتيجةُ القيَاسِ المَطلُوبَةُ.
وأمَّا العلَّةُ والأَصْلُ: فتارَة يصرَّحُ بهما، وتارَة لا يصرحُ بهما، وتارَةً يصرحُ بالعلَّة دُونَ الأصَلِ، وتارَةً يصرحُ بالأَصْلِ دون العلَّة:
أما العبَارَةُ الأُولَى، وهي التصريحُ بهما، فكقولنا: "النَّبِيذُ مُسْكِرٌ؛ فَيَحْرُمُ؛ قياسًا على الخَمْرِ"، وهذه العبارَةُ أتَمُّ العباراتِ، وهي متَّفَقٌ على صحَّتها عند القائِلينَ بالقيَاسِ.
وأما العبارَةُ الثَّانِيَةُ، وهي ألا يُصَرَّحَ بالعلَّة، ولا بالأَصلِ- فكقولهم: "وُجِدَ المُقْتَضِي لِتَحْرِيم النَّبِيذِ؛ فَيَحْرُمُ"، والأكثرُونَ على عدمِ قَبُولها؛ لكونها وَعْدًا بالدليلِ؛ إِذ معناها أنَّه وُجِدَ المقتَضِي الَّذي سَأُبَيِّنُهُ.
وقولُهُمْ في تصحيحها: "إنها تندرجُ تَحتَ حَدِّ الدليلِ؛ فتكون دليلًا؛ فإنَّ حَدَّ الدليلِ: مَا يَلْزَمُ مِن تَسْلِيمِهِ تَسْلِيمُ مَحَلِّ النزاعِ" - باطلٌ؛ فإنَّ ما ذكروه مِن حَدِّ الدليلِ ينتقضُ بالشبهةِ؛ فإنه لو قال قائِلٌ: البارئُ - تعالى - موجودٌ، وكُلُّ موجوبدٍ في جهةٍ، وسُلِّمَتِ المقدِّمتانِ، لَزِمَ منها أنَّ البارِئَ - تعالى - في جهةٍ، وهذه شُبْهَةٌ، وَلَيسَت دَلِيلًا؛ بل حَدُّ الدليلِ هو المعلومُ الَّذِي يُمْكِنُ التوصُّلُ بصحيحِ النَّظَرِ فيه إِلَى مطلوب خَبَرِيٍّ، ولا يخفَى ما فيه مِنَ الاحترازاتِ.
وما يَجْمَعُ العبارةَ الثالِثَةَ: أنْ يُصَرِّحَ بالعلَّة دون الأَصْلِ؛ فيقول: الشِّدَّةُ المُطرِيَةُ عِلَّةٌ للتَّحْرِيمِ، وقد تحقَّقت في النَّبيذِ؛ فَيَحْرُمُ. والأكثَرُونَ على قَبُولها، ومنْهُمْ من ردَّها؛ وقال: القياسُ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أصْلٍ بِعلَّةٍ، ولم يذكُرِ الأَصْلَ، والخلافُ فيها مبنيٌّ على أن الأَصْلَ يُذكَرُ في القياسِ؛ لأنَّه جزءُ الدليلِ، أو لأنَّه دليلُ الدَّليلِ: فَمَنْ يَزْعُمُ أنَّ المُثبِتَ للحكم في الفَرْعِ إِنما هو العلَّة، وأنَّ المناسَبَةَ والقِرَانَ في الأصل دليلُ العِلِّيَّةِ - فلا يتعيَّن عليه ذكرُ دليلِ الدَّليلِ في التحديدِ أَوَّلًا، وإِنما يذكر أولًا المَسْتَلْزِم للحُكم، وهو العِلَّةُ، فإذا نُوزعَ في عِلَّتِهَا، أثْبَتها بذلك أَوْ بما يَدُلُّ عليها مِن مَسَالِكِ التعليلِ؛ وهو الحَقُّ، أو يقال: إِنَّ الشيءَ قد يُحْذَفُ للعلْم به، والتصريحُ بالعلَّةِ يشيرُ إِلَى مَحَالِّها من مواقِعِ الإِجْمَاعِ، لا سيَّما علَّةٌ مشهورةٌ بين النُّظَّارِ؛ كقولنا: "القَتْلُ العَمدُ والعُدْوَانُ: سَبَبُ القِصَاصِ، وقد تحقَّق ها هنا".
[ ٢ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأمَّا العبارةُ الرَّابعة: وهي أَنْ يُصَرَّح بالأَصْل دون العلَّة -فإنَّما تَقَعُ في قياسِ الدَّلَالة؛ كقولهم في المَخلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي: لَوْ حُرِّمَت عَلَيهِ، لَوَرِثَت مِنْهُ؛ كالَّلَاحِقَةِ.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد عَلِمْتَ أنَّ الفقهاء اصطَلَحُوا عَلَى قَصْر اسْم القياسِ على التَّمْثِيلِ، وهو الاستدلالُ بالجُزئِيِّ على الجُزئِيِّ؛ لاشتراكهما فيما لأَجْله شُرعَ الحُكمُ، وهو أَخَصُّ من الرأْي المعمولِ به شَرْعًا، ويسمُّون ما يتركب على غَيرِ صِيغَةِ التَّمْثيل استدلَالًا ويرسُمُونَهُ بأنَّه: ما يَلْزَمُ مِن تَسْلِيمِهِ تَسلِيمُ المطلوب، وليس بنصٍّ ولا إِجْمَاع ولا قياسٍ؛ فيندرج تَحْتَهُ ما يوضَعُ على صيغةِ الحَمْلِيِّ؛ كقولنا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وكُل مُسْكِرٌ حَرَامٌ، ويقرِّرُونَ كُل مقدِّمةٍ بما يُسَاعِدُ علَيهَا مِن عَقْلٍ أو عُرْفٍ أَو نَقْلٍ، وَيَنْدَرجُ فيه الشَّرْطيُّ المُتَّصِلُ، وهو ما اسْتُعْمِلَ بكلمة "إِن" أوْ ما يَقُومُ مَقَامَها.
واللازمُ عَنهُ ثبوتُ الثَّانِي لثبوتِ الأَوَّل، ونَفيُ الأول لنَفْي الثاني، ولا يلزم مِنْ نَفْي الأَوَّلِ نفْيُ الثاني، ولا مِن ثُبُوتِ الثَّانِي ثبوتُ الأَوَّلِ؛ لاحتمال أنْ يكُونَ الثاني أَعَمَّ، وإنْ كان الاستثناءُ فيه بإِثباتٍ، فالأحْسَنُ اسْتعمالُهُ بكلمة "إِنْ"؛ كقولك: "إِنْ كَانَ هذا إِنْسَانًا، فَهُوَ حَيَوَان لكنه إنسان فهو حيوان" وإن كان: الاستثناءُ بالنَّفْي، فالأَحْسَنُ اسْتعمالُهُ بكلمة "لَو"؛ فإنها تدلُّ على الامتناعِ؛ كقولك: "لَوْ كَانَ هذَا إِنْسَانًا، لَكَانَ حَيَوَانًا، لَكِنَّهُ لَيسَ بِحَيَوَانٍ؛ فَلَا يَكُونُ إِنْسَانًا" وقد تُحذَفُ إِحدى المقدِّمَتَينِ؛ لشهرتها؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]،
[ ٢ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويندرجُ أيضًا فيه الشَّرْطِيُّ المنْفَصِلُ، وهو: ما اسْتُعْمِلَ بكلمةِ "أمَّا" أو ما يَقُومُ مَقَامَهَا وَالقِسْمَةُ فيهِ إِمَّا أَنْ تكونَ حقيقةً، وَهِيَ المانعةُ مِنَ الجمع والخُلو الدائِرةُ بينَ النفْيِ والإِثْبَاتِ؛ كَقَوْلِكَ: "هذَا العَدَدُ إِمَّا شَفْعٌ، أَوْ وتْرٌ" فَهذَا ينتجُ أَربعةً: "لَكِنَّهُ وتْرٌ؛ فَليسَ بِشَفعٍ" "لَكِنَّه شفْعٌ؛ فَليسَ بِوتْرٍ"، "لكنَّه ليسَ بِوتْرٍ؛ فَهُوَ شَفْعٌ"، "لكنَّه لَيسَ بشفعٍ؛ فَهُوَ وترٌ".
وَإِنْ كانَتِ القسمةُ مانعةً مِنَ الجمعِ دُونَ الخُلُوِّ؛ كقولِهِ: "هذَا الفِعْلُ إِمَّا وَاجبٌ أو حرَامٌ"، فالاسْتِثنَاءُ فِيهِ بِالإثباتِ"، "منتج نَفْيَ مَا عداهُ؛ كقولِكَ: لكنَّه وَاجِبٌ؛ فَيلزَمُ ألا يَكُونَ حَرَامًا، وَلَا غَيره مِنَ الأَحْكَامَ ضرورةَ استحالةِ الجمع، وَالاسْتِثْنَاءُ بِالنَّفيِ لا ينتجُ؛ لِعَدَمِ الانْحِصَارِ؛ إِذ يجوزُ أَنْ يكونَ مَنْدُوبًا، أَو مَكرُوهًا، أَو مُبَاحًا، اللهُمْ إلا أَنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ مَا سِوَى المذكورِ ظاهرًا بناءَ على السبر وعدم الوجدان فيفيد السلب إثبات المذكور ظاهرًا، كما سَنَذكُرُهُ في مَسْلَكِ السَّبْرِ، إِنْ شَاءَ الله تَعالى.
وَإِنْ كانتِ القسمةُ مَانعة مِنَ الخُلُوِّ دُونَ الجمعِ؛ كَقَولِكَ: زَيدٌ في البحرِ، أَو لَا يعرفُ، لَزِمَ مِنِ اسْتِثنَاءِ السَّلْب فِيهِ ثبوتُ نَقِيضِهِ، وَلَا يَنْعَكِسُ، وَقَدْ يَخْتَصِرونَ المنفصلَ، فَيقولُونَ: القولُ بِكَذَا وَكذَا مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ، وقدْ ثَبَتَ كَذَا؛ فَيَنْتَفِيَ الآخَرُ، وقد انتفى كذا فيثبت الآخر وهو العنادي بعينيه. وَقَدْ يَخْتَصِرونَ المتَّصِلَ أيضًا، فَيَقُولُونَ: انْتَفَى لازمُ كَذَا، فَيَنْتَفِي، أَو وُجِدَ مَلْزُومُهُ فَيَثبُتُ.
قَولُهُ: "وَأَقُولُ: تَحقِيقُ هذَا الكلامِ؛ أَنْ يقال: القولُ بِانتقاضِ الوضوءِ بِخُروجِ القَيءِ يفضي إلى مخالفةِ الدليلِ، فوجبَ أَلَّا يُثبتَ:
بَيانُ الأَولِ: أنَّ تقرير انتِقاضِ الوضوءِ بخروجِ القَيءِ: إِمَّا أَلَّا يكونَ كَوْنُهُ خَارِجًا نَجِسًا - عِلَّةَ لانتِقَاضِ الوضوءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ: وَالأَوَّلُ باطلٌ؛ لأَنَّ المناسبةَ وَالقِرانَ يَدُلَّانِ عَلَى العلِّيَّةِ، وَقَدْ حَصَلَا في القَيْءِ، فَلَو لَمْ يَكُنْ هذَا المَعْنَى عِلَّةً - لَزِمَ تخلُّفُ الدليلِ عَنِ المدلولِ - يَعْنِي حُكم السَّبَبِيَّةِ - وَهُوَ باطلٌ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يكونَ علَّةً؛ لأَنَّهُ حَصَلَ في القليلِ، فَيَلْزَمُ الانتقاض بِه، فَإِذَا لَمْ يَثبُتِ الانتقاضُ - وَجَبَ تخلُّفُ المدْلُولِ عَنِ الدَّلِيلِ -يعني: حُكم العلَّةِ - وَإِنَّهُ بَاطِلٌ
[ ٢ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالإجماع" وَمَا ذَكَرَهُ وَاضحٌ، وَالعِبَاراتُ مُتَّسِقَةٌ.
قَوْلُهُ: "الرَّابعُ: الدَّوَرَانُ وَهُوَ: أَنَّ هذَا الحُكْمَ دَائِرٌ مَعَ هذَا الوصْفِ وُجُودًا وعَدَمًا وَالدَّوَرَانُ يُفِيدُ ظَنَّ العِلِّيَّةِ":
هذَا قولُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ: الشَّافِعي، ومالكٌ، وأبُو حَنِيفةَ -﵃- وَزعمت المعْتَزلَةِ أَنَّه يفيدُ العلمَ.
قال القاضِي ابْنُ البَاقِلّانِيِّ، والإسْفَرَاينيُّ: لَا يفيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا.
وَاحتَجَّ القاضِي: بَأَنَّ دَعْوَى اطِّرَادِهِ فِي جميعِ صُوَرِ وُجُودِهِ تَتوَقَّفُ عَلَى ثبوتِ الحُكْمِ في الفَرْعِ، وَثُبُوتُ الحُكمِ في الفرعِ يَتَوقَّفُ عَلَى عِلِّيِّتِهِ، وَعِلِّيَّتُهُ تَتَوَقَّفُ عَلى اطرادِهِ؛ فَيَدُورُ.
وَاحْتَجَّ: بأنَّ الطَّرْدَ حاصِلُهُ السَّلامَةُ عَنِ النَّقْضِ، وَالعَكسُ لَيسَ شَرْطًا فِي العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَنَفْيُ الحُكمِ عند انْتِفَائِهِ، حُكْمٌ آخَرُ مُعَلَّلٌ بِعَلَّةٍ أُخْرَى لا ارْتِبَاطَ لها بِثُبُوتِ الحُكمِ.
وَأُجِيبَ: بأَنَّا نَعْنِي باطِّرَادِهِ وُجُودَهُ مَعَهُ فِي سَائِرِ الصُّورِ المُجْمَع عَلَيهَا، وَالعَكس، وإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، لَكِنَّهُ يَغْلبُ عَلَى الظَّنِّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مَنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِل، لَكِنَّ المجموعَ مُسْتَقِلٌّ.
وَاحْتَجَّ المُثبِتُونَ: بِأَنَّ الحُكْمَ لَا بدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ غالبًا، وَغَيرُ الدَّائِرِ لَيسَ بعلَّةٍ؛ لأنَّهُ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الحُكْمِ فيلزمُ تَخَلُّفُ الحُكْم عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، فَالأَصْلُ عَدَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الدائرُ هُوَ العلةَ.
وَاعْترضَ عَلَيهِ: بِأَنَّهُ كمَا دَارَ مَعَهُ، دَارَ مَعَ تَعَيُّنِهِ، وَكَونِهِ فِي ذلِكَ المحلِّ؛ فَيَكُونَانِ -أَو أحدُهُمَا- علَّة أو جزءًا من العلَّةِ، وبالنقْضِ بسائر الأمورِ المتضايفةِ؛ كالأُبُوَّةِ وَالبُنُوُّةِ، وَبِبَعْضِ الأَوْصافِ الطرديَّةِ: كالرائِحَة الفَائِحَةِ مَعَ تَحرِيمِ الخَمرِ، وَكَونِ الماءِ مَائِعًا؛ تُبْنى القنطرةُ عَلى جِنْسِهِ، وَأَنَّه يُسْبَحُ فيهِ، وَيُصَادُ منْهُ السَّمَكُ، وَيَعَكِسُ في سائرِ المائعاتِ. وَبأَنَّ الوَصْفَ كَما دَارَ مَعَ الحُكْمِ، دَارَ الحكمُ مَعَهُ؛ كَتَحْرِيكِ الإِصْبَع مَعَ تَحْرِيكِ الخاتَم، فَليسَ جَعْلُ أَحَدِهمَا علَّةً والآخر مَعْلُولًا بأَوْلَى مِنَ العكسِ. وَبالنَّقضِ بِأَخَصِّ وَصْفِ العلَّةِ، وَالشَّرْطِ المساوي.
وَأُجيبَ عَنِ الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى المتَمَسِّكِ بهِ إِلغَاءُ تعيين الوصفِ وَالأَصلِ إِمَّا بِبَيَانِ أَنَّه طَردٌ مَحْضٌ، أَوْ بأَنَّ المُتَعَيِّنَ أَمرٌ عَدَمِيٌّ؛ إِنَّ أمْكَن، وَأَنَّ العَدَمَ لَا يُعَلَّلُ بِهِ الثُبُوتُ، أَوْ أَنَّه يلزمُ مِنْهُ التعليلُ بِالقَاصِرِ، وَالمُتَعَدِّي أَرْجَحُ، أَوْ غَيرُ ذلِكَ، وَأَمَّا النَّقْضُ بِالمُتَضَايفَاتِ؛ فَيُدْفَعُ ببَيانِ تَقَّدُّمِ المُدَّعَى عِلِّيَّته بَالذاتِ عَلَى الحُكْمِ، وَعَليهِ يَخْرُجُ النقضُ بِدَوَرَانِ الحُكمِ مَعَ العلَّةِ؛ لأنَّهُ مُرَتَّبٌ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عَلى الوَصْفِ.
وَأَمَّا النَّقْض بالطَّرْدِيَّاتِ: فَبِاشْتِرَاطِ ألّا يُقْطَعَ بِعَدَمِ عليَّةِ الدائرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بشَرْطِ أَلّا يُوجَدَ فِي المَحَل مثلُهُ أَوْ أَوْلَى مِنْهُ، والطرد لا يعدم في المحل مثله ولا ما هو أولى منه.
وَمِنْهُم مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنَّه مِمَّا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ، يَعْنِي: وَعادةُ الشَّرْعِ عَدمُ الالتفاتِ إِلى الطَّرْدِياتِ فِي الأَحْكَامِ.
وَأَمَّا النقض بأَخَصِّ العلَّةِ والشَّرطِ المساوي، فَواردٌ وَلَا سبيلَ إِلَى دَفْعِهِ، إِلَّا بالاحْترازِ عَنْهُ عن تقييد الدَّعْوى أَوَّلا بأَنَّ الدَّورَانَ مُستَلْزِمٌ لِتَحْقِيقِ العِلةِ؛ فَإِن الدائرَ: إِمَّا أَنْ يكونَ عَينَ العلَّةِ أَو لازمَهَا، وأيًّا مَا كَانَ فَقَدْ تحقَّقَ وُجُودُ العلَّةِ.
وَاحْتَجَّ أَيضًا: بِأَنَّ بَعْضَ الدَّوَرَاناتِ، دَليلُ عِلَّيَّةِ الدَّائِرِ، فَيكونُ الكُلُّ كَذلِكَ، وَقَرَّرُوهُ بِدَوَرَانِ الْغَضبِ مَعَ الدعاءِ بالاسْم الخاصِّ، وَهُوَ مُنْقَلِبٌ، وَهُوَ أيضًا منقوضٌ بِجَمِيعَ ما ذُكِرَ.
وَالجوابُ عَنِ النُّقُوَضِ بِمَا تَقَدَّمَ.
قَولُهُ: "بِدَليلِ أَنَّ العقلاء أَطْبَقُوا على أَنَّ التجربَةَ تُفِيدُ ظَنَّ العِلِّيَّةِ، وَلَا مَعْنَى لِذلِكَ إِلَّا مشهادةُ هذِهِ المعايَنَةِ وُجُودًا وعَدَمًا":
يُقالُ لهُ: التجربَةُ اخْتَصَّتْ بِكثرَةِ التَّكرَارِ كثرةً أَفادَتِ العِلْمَ، وَلَا تَتَوقَّفُ دَلالةُ العادَةِ على سببيَّةِ الشيءِ على انْتِفَاءِ الحكمِ عنْدَ انْتِفَائِهِ، وَالدَّوَرانُ يَكفِي فِيهِ المرَّةُ وَالمَرَّتَانِ، وَيَرِدُ عَلَيهِ أيضًا النُّقُوضُ المذكورةُ، وَجَوابُها ما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: "وَأعْلَمْ أَنَّ الدورانَ قَدْ يكونُ فِي صورةٍ واحدةٍ مثل أَنَّ عصيرَ العنبِ قَبل أن يصيرَ خَمْرًا، كَانَ حَلالًا، فَلَمَّا صارَ خَمْرًا- صار حرامًا، فَلَمَّا زَالتِ الخمريَّةُ، وصارَ خلًّا- صارَ حَلالًا. وَقَدْ يكونُ فِي صُورَتَينِ؛ كقولِ الحَنَفِيِّ فِي زكاة الحُلِيِّ: "كَوْنُ الذَّهَبِ جَوْهَرَ الأثمانِ فوجبت الزكاة، بدليل أن التبر لما حصل فيه ذلك الجوهر- وَجَبَتِ الزكاةُ فِيهِ، وَسائر الأشياءِ؛ كالثيابِ والعَبيدِ، لَمَّا لَمْ يَحصُلْ فيها ذلِكَ- لَمْ تَجِب الزَّكَاةُ فِيها":
وَلَا شَكَّ فِي إِفادَتِها الظَّنَّ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يمثِّلَ ذلِكَ قَبْلَ الاحْتِجَاجِ فَإِنَّ المقْصُودَ مِنَ المثالِ إِفَادَةُ تصوُّرِ الشيءِ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الاحْتِجَاجِ عَلَى ثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ.
قَوْلُهُ: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَال: الدَّوَرَانُ لَا يُفيدُ العِلِّيَّةَ؛ وَذلِكَ أَن عِلْمَهُ -تَعَالى- مُتَعَلِّقٌ بِالمعلوماتِ التي لَا نِهَايَةَ لَها، وَالعِلْمُ مَعَ المَعْلُوم: كُل وَاحدٍ مِنْهمَا دَائِرٌ مَعَ الآخَرِ وُجُودًا وْعَدَمًا، مَعَ أَنَّه يَمْتَنِعُ كَوْنُ كلِّ وَاحدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً للآخَرِ: أَمَّا العِلْمُ، فَلَا يكونُ علَّةً لِلْمَعْلُومِ؛ لأنَّ العِلْمَ تَابعٌ لِلْمَعْلومِ؛ وَتَابعُ الشَّيءِ لَا يكونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ، وأَمَّا المعلومَاتُ؛ فَلأَنَّها مُحْدَثَةٌ، وعِلْمُ الله -تعالى- قَديمٌ":
هذِهِ صورةٌ مِنْ صُوَرِ النَّقْضِ بالأُمُورِ المتضايفةِ التِي لَا تُعقَلُ، فَلَا يُوجَدُ أَحدهَا بِدُونِ الآخَرِ: كالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، وَقَدْ تَقَدمَ الجوابُ عَنْها؛ بأَنَّا نَشْتَرطُ فِي العلَّةِ الدائرةِ: أَنْ يكونَ الحُكْمُ مَرَتَّبًا عَلَيهَا، وَتكونَ سابقةً عليهِ سَبْقًا ذَاتِيًّا.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
النوع الثاني من القياس قِيَاسُ الشَّبَهِ
مِثَالُهُ: أَن الْعَبْدَ الْمَقْتُولَ خَطَأً يُشبِهُ الأَحْرَارَ فِي كَوْنِهِ عَاقِلًا مُكَلَّفًا؛ وَمُقْتَضَى قَتْلِهِ مِنْ
===
قولُهُ: "النوعُ الثّانِي مِنَ القياسِ: قياسُ الشَّبَهِ":
اعْلَمْ: أنَّ الشَّبَهَ لَمْ يُعْنَ بِتَصْويرِهِ إِلَّا الحُذَّاقُ، فَقِيلَ: إنه عبارةٌ: عَمَّا يُثِيرُ اشْتِبَاهًا بَينَ مَحَلَّين عَلى الجملةِ، وَيَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ اسْتَواؤُهُما فِي الحُكْمِ.
وقيلَ: مَا يُوهِمُ الاشْتِراكَ فِي مُخِيلٍ، وَبالجملةِ فَكلُّ وَصفٍ لَا يَخْلُو: إِمَّا أنْ يَلْزَمَ مِنْ رَبْطِ الحُكمِ بِهِ مصلحةٌ أَوْ لا:
والثَّاني: الطَّرْدُ، وَالأَوَّلُ: لَا يخلُو: إِمَّا أنْ يَتَعَيَّنَ فيهِ جهةُ الصَّلاحِ أَوْ لَا:
وَالأَوَّلُ: المُخِيلُ.
والثَّانِي: الشَّبَهُ؛ فالشبهُ لَهُ مرتبةٌ وُسْطَى بينَ الطَّرْدِ وَالمناسِبِ. ومِمَّا يُفَارِقُ بِهِ المُخِيلُ الشَّبَهَ: أَنَّه لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ وُرُودِ الشَّرْعِ، لأَدْرَكَ العقلُ صلاحِيَّةَ المُخيلِ لِمَا تَرَتَّبَ عَليهِ مِنَ الأَحْكَام؛ حَتَّى ظَنَّتِ المعتزلةُ أَنَّ الحُكْمَ صفةٌ لمُخِيلهِ لِذلِكَ، وَأَن الشَّرْع مخبرٌ عَنْ حالِ المخِيلِ، وَلَوْ قُدِّرَ وُرودُ الشرعِ- لَمْ يُدْرِكِ العقلُ صلاحيةَ الشبهِ لحُكمِ المرتَّبِ عليه؛ فَإِن كَوْنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ جِنَايَةَ مناسبٌ للاعتداءِ بِمثْلِهِ، وَالإِتلافُ يُنَاسِبُ تَرْتِيبَ الضمانِ بالمثلِ فيما لَهُ مِثلٌ؛ فإنَّه يقومُ مَقَامَهُ صُورةً ومَعنى، وَبإيجابِ الْقِيمَةِ فيما لَا مِثْلَ لَهُ؛ لأنَّهُ يُمْكِنُ التوصُّلُ بِهِ إِلَى مِثْلِهِ الخفِيِّ.
وَأَما اشْتِراطُ النية فِي الصَّوْمِ المفروضِ، فَلَولا وُرودُ الشَّرْعِ بإِيجَابِهِ في القضاءِ والنذرِ دُونَ
[ ٢ / ٣٦٤ ]
هذَا الاعْتِبَارِ: وُجُوبُ الدِّيَةِ، وَيُشْبِهُ الأَمْوَال مِنْ حَيثُ إِنَّهُ يُبَاعُ ويشتَرَى؛ وَمُقْتَضَى قَتلِهِ مِنْ هَذَا الاعْتِبَارِ: وُجُوبُ الْقِيَمةِ.
===
النَّفلِ -لما تَفَطَّنَ العقْلُ لاشْتِرَاطِها فِي رمضانَ؛ بجامِع أَنَّهُ صومٌ مَفْروضٌ. وَلَو لمْ يَستَقِرَّ فِي
[ ٢ / ٣٦٥ ]
إِلَّا أَنَّا رَأَينَا أَنَّ الشَّارعَ أَجْرَى فِيهِ أَحْكَامَ الأَمْوَالِ أَكْثَرَ مِمَّا أَجْرَى فِيهِ أَحْكَامَ النُّفُوسِ، وَالْكَثرَةُ دَليلُ الْغَلَبَةِ؛ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ إِلْحَاقَهُ بِالأَمْوَالِ أَوْلَى.
===
الشَّرْعِ أشْتِراطُ النِّيَّة فِي التَّيَمُّمِ - لَمَا أَمْكَنَ اعتبارُهَا فِي الوُضُوءِ؛ بجامِع أَنَّها طَهارةٌ حُكْميَّةٌ. وَلَولا اسْتِقْرارُ الشَّرْعِ بأَنَّ فِي الجنايةِ عَلى طَرَفِ الحُرِّ نِصْفَ ديَةٍ- لَمَا أَمْكَنَ أنْ يُوجَبَ فِي طرفِ العبدِ نصفُ قيمتِهِ عَلى قَوْلٍ؛ فإنَّ نسبةَ يدِهِ إِلَى نَفْسِهِ كَنِسْبةِ يَدِ الحُرِّ إِلَى نَفْسِهِ؛ حَتَّى قَدَّمَ بعضُ العلماءِ هَذا الشبهَ الخِصِّيصَ على قياسِ المعنَى العامِّ فِي إيجاب قيمةِ مَا نقصَ بفواتِها بالنِّسْبَةِ إِلَى قيمتِهِ جميعه؛ كما في البهيمةِ، وَكُلُّ هذا شَبَهٌ مَعْنَويٌّ، وَقَدْ يَكونُ الشَّبَهُ خِلْقِيًّا، وَمِنْهُ معتبرٌ بِالاتِّفَاقِ؛ كَالواجب في جزاءِ الصَّيدِ، وَمنْهُ مُختَلَفٌ فيهِ، وَقَدْ رَدَّهُ بعضُ مَنْ قَال بِالشَّبَهِ المَعْنَويِّ لِضعْفِهِ؛ وَهُوَ كإلَحاقِ أَحدِ التَّشَهُّدَينِ بالآخَرِ فِي الوجوبِ، أَوْ الندبيةِ، وَكإلحاقِ المَني بالبَيضِ يتولُّدِ الحيوانِ الطاهرِ مِنهُ فِي طهارَتهِ، وَإلحاقِ الولَدِ بأَبِيهِ بالقيافةِ.
قولُه: "وَمِثَالُهُ أَنَّ العبدَ المقْتولَ خَطأ يُشْبِهُ الأَحرارَ فِي كونِهِ عَاقِلًا مُكَلَّفًا، وَمقتضَى هذا الوجْه اعتبارُ وجوب الدِّيةِ فيه، وَيُشْبِهُ الأَموال مِنْ حيثُ إنَّه يُباعُ ويشْتَرَى، وَمُقْتَضَى هَذا الوجْهِ اعْتِبَارُ وُجُوب القيمةِ أَوْلَى " إِلَى آخِرِهِ:
يَعْنِي: أَنَّهُ لَمَّا اشْتَمَلَ تفويتُهُ على تفويتِ النَّفْسِيَّةِ والمالية، وكان ضمان النفسية مقدرًا شَرْعًا بِقَدْرٍ لَا يزيدُ وَلَا ينقصُ، وَكَانَ الواجبُ فيهِ الإِبلَ، وكَانَ ضمانُ المالِ يَرْجِعُ فيما لا مِثْلَ لَهُ إِلَى قِيمَتِهِ بالغةً مَا بَلَغَتْ مِنَ النقدين، وَوقَعَ الاتفاقُ مِنَّا وَمِن أَبِي حنيفةَ أَنَّ قِيمَتَهُ لَوْ نَقَصَتْ عَن دِيَةِ الحُرِّ: لَمْ يَجِبِ الزَّائِدُ، وَأَنَّه يُضْمَنُ بِالنقدين-: قَوِيَ مِنْهُ فِيهِ شَبَهُ ضمانِ الماليَّةِ؛ فَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ -﵀- قِيمَتَهُ بالغةً مَا بَلَغَتْ؛ كإِتْلافِ البَهِيمةِ، وَغَلَّبَ أَبُو حنيفةَ فيهِ ضمانَ النفسيَّةِ؛ فَلَمْ
[ ٢ / ٣٦٦ ]