وَقَال بَعْضُ مَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الأَمْرِ لِلْوُجُوبِ: إِنَّهُ إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الحَظْرِ أَفَادَ الإِبَاحَةَ.
لَنَا:
أَنَّ المُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِمٌ؛ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ ظَاهِرَ الأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَقَيدُ كَوْنِهِ وَارِدًا بَعْدَ
===
يرد عليه: المنع لعموم عملهم إِلَّا عند ظهور القَرَائِن.
وتتمةُ البحْثِ في هذه المسأَلةِ: بذكر مُسْتند الواقفية، والقَائِلين بالإِباحة، وقد احتجت الواقفية: بأَنَّ دعوى أَنَّ الصِّيغةَ للوجوب: إِمَّا أن تعلم بالعقل، ولا مَجال له في إِثبات اللغة، أو بالنَّقْلِ: وهو ما لم يتواتر، ولا وُجودَ له؛ لأَنَّه لو وُجِد لاسْتَوى في العلم به طبقات الباحثين.
وإِمَّا آحادٌ: ولا يُفِيدُ؛ لأنَّ المسألة علمية.
ويرد عليهم: منع الحَصْر؛ فإِنَّ مِنَ الأدلة الاستقراءَ التام، وبه علمنا سائر اللغات.
أو بالمركَّبِ مِنَ العقل، والنَّقْلِ، أَعْنِي: الاسْتدلال بلازم النقلين كما تقدم الاسْتِدلالُ بأَنَّ تارك المأمور به عاصٍ، وأَنَّ العاصِي مستحقٌّ للعقاب ونحوه.
أو بأَخْبار الآحادِ، ومنع أَنَّ المسألةَ علمية، بل يكفي فيها الظنُّ؛ لأنَّ مآلها إِلى العمل، كما سبق.
واحتجَّ مَنْ زعم أَنَّها لِلإباحة؛ وعنى بها رفع الحَرَجِ، بأَنَّه القدر المشترك بين الوجوب، والندب، والتخيير.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الْحَظْرِ - لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذلِكَ الْمُقْتَضِى؛ لأَنَّهُ كَمَا جَازَ الانْتِقَالُ مِنَ الْمَنْعِ إِلَى الإِذْنِ، فَقَدْ يَجُوزُ -أَيضًا- الانْتِقَالُ مِنَ الْمَنْعِ إِلَى الإِيجَابِ.
===
ورُدَّ: بأَنَّ علماء العربية قَاطِبةً: البصريين، والكُوفِيِّين أَجْمعوا على تقسيمهم الكلام إِلى: الخبر، والاسْتخبار، والأمر، والنهي.
وقالوا: الخبرُ: فَعَلَ، وَيَفْعَلُ، والاسْتخبار: "أَتَفْعَلُ"، والأَمْرُ: "افْعَلْ"، والنَّهْيُ: "لَا تَفْعَلْ"،، وهذه حُجَّةٌ صالحة للتمسك بها على الوُجُوبِ في أَصْلِ المسألة من حَيثُ اللغة.
وقد اعتمد عليها بعضُ الأُصُوليِّين، وكان شَيخُنا تقي الدين -﵀- يَسْتَصْوبُهَا.
[قوله]: "الأَمْرُ الوارد عَقِيبَ الحظر يفيد الوُجوبَ، وقال بعضُ من يُسَلّم أَنَّ أصل الأمر يفيدُ
[ ١ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
==
الوجوب: إِنه إِذَا ورد بعد الحظر، أفاد الإِباحة".
هذه المسألةُ مفرعةٌ على أَنَّ صِيغة "افعل" المجردة عن القَرَائِنِ ظاهرة في الوجوب، فلو قُدْرَ سبق حَظْرِ عليها، فهل يكون ذلك قَرِينةً صارِفةً لها إلى الإباحة.
اختلفوا فيه:
فصار كثيرٌ من الأصوليِّينَ: إِلى أَنَّها صارفةً، ونُقِلَ عن الشافعي -﵀- واختار بعضُهم أنها ليست صارفةً،، والصيغةُ بحالها للوجُوبِ، وهو اختيار المصنف والقاضي.
احتجَّ مَنْ صار إلى الإِباحة: بأَنَّ هذه الصيغةَ غلب استعمالها بعد الحَظْر في رَفْعِ الحَرَجِ لُغَةً وشرعًا:
أَمَّا اللُّغةُ: فإِنَّ السيد إذا قال لعبدٍ: لَا تَفْعَلْ كذا؛ فإِنَّه يقتصِرُ في رفع الحَرَج عنه على قوله: "افعل".
وأما شرعًا: فبدَلالةِ الاسْتقراءِ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال - ﵊ -: "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنِ ادِّخارِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا".
[ ١ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوُله ﵊-: "كُتتُ نَهَيتُكُم عَنْ زَيارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا"، إلى غير ذلك.
واحتجَّ القائِلُون بالوجوب: بَأَنَّ سبق الحظر لو كان قَرِينةً صارفةً، لكانت إِمَّا مقالِيَّةً، أو حَالِيَّةً.
والمقالية: لَا بُدَّ أَنْ تكون مفسرة مطابقة لما اقترنت به، ولا مُطَابقة بين الإِذن والمَنْعِ.
والحَالِيَّةُ: شرطُها المقارنة، والسابق غيرُ مُقارنٍ.
وأُجِيبَ: بأنَّ العِلْمَ بسبقها مقارن، كالقرينة العَهْدِيَّةِ فِي الألف واللام، فإنها تُعَيِّنُ وتخصِّصُ مع سبقها للعلم المقارن.
قوله: لنا أنَّ المقتضى للوجوب قَائِمٌ. قلنا: ممنوعٌ.
قوله: فإنَّا بيَّنا أَنَّ ظاهر الأمر للوجوب.
قُلْنَا: مع عدم القَرَائِنِ، أَمَّا مع القرينة، فَلَا نُسَلِّم تقرير الدلائل على هذا التقدير.
قوله: "لأنه لَمَّا جاز الانتقالُ مِنَ المنْعِ إِلَى الإذْنِ، فقد يجوزُ الانتقالُ من المنعِ إِلى الإِيجاز".
تقديرُه: أنَّ الحَظْر أحدُ أَنواع الحُكم الشرعي، وهي خمسةٌ، فرفعه لا يستلزِمُ نوعًا مخصُوصًا، بل كما جازَ رقعُه بالإِباحة، جاز رَفْعُه بالوجوب، وغيرِه؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
والجَوابُ: أننا لا ننازعُ فِي الجوازِ، وإنَّما ندعي ظُهورَ الرفع بالإباحَةِ؛ لما تَقرَّرَ مِنْ عرف الاستعمال لُغة وشرعًا، ولأنَّ الإِذْنَ هو المحقق، وما سواه مِن وُجوَب أَوْ ندبٍ مشكوكٌ فيه، والحملُ على المتيقن أَوْلَى؛ لأَن الأَصْلَ فِي الأَفْعال رفعُ الحرج.
وقد ورد الحَظرُ رافعًا لحكم البراءة الأصلِيَّةِ، فورود ما يرفعه يَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِه، لا يُقَالُ: قد يرِدُ للوجوب بِغَيرِ المنع؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
لأَنَّا نقولُ: إِنما حمل -ها هنا- على الوجوب لما تقرر مِنْ فَرضِ الجهاد، وأنَّ الأَشْهُر الحرم مانعة، فإذا زال المانِعُ رجع إِلى الأَصْل.
[ ١ / ٢٦٣ ]