الأَوَّلُ: كُلَّ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقلِ، أَوْ بِالْحِسِّ، أَوْ بِالدَّلِيلِ- فَالْخَبَرُ عَلَى خِلافِهِ
===
عمر شُوَرى في السِّتَّة، ونقل أبُو بَكْرٍ ما هو أَعَمُّ من ذلك؛ وهو قَوْلُهُ -﵇-: "الأَئِمَّةُ من قُرَيشٍ" وتلقوه بالقبول- دَلَّ على عَدَم النصَّ المتواتر. وقد تقرر أن المحكم فيما يحصل العِلْمُ وما لا يحصله العَادَة.
واعتذار المُرْتَضى بأن المَانِعَ لخُصُومِهِمْ من حُصُولِ العلم اعْتِقَادُ نَقِيضِهِ عن تَقلِيدٍ أو شُبْهَةٍ- يعارضه أن يقال: أو لَعَلَّ مُوجب جَزْمِكُمْ بالصِّدْقِ اعتقادكم ذلك، أو انضمام شُبْهَةٍ في نُفُوسِكُمْ، وكيف لا مع اعتقادكم أنه يَصِحُّ أن يُنْسَبَ إلى رسول الله - ﷺ - كُل ما صَحَّ من قَوْلِ من تعتقدون إِمَامَتَهُ، وهو على زَعْمِكُمْ أنه مَعْصُومٌ؟ ! وهذا تصريح منكم بتَسْويغِ الكَذِب وتصديقه، أعنى: قول الراوي: قال رسول الله - ﷺ - ولم يَقُلُهُ.
وإذا عرفت خَبَرَ التَّوَاتُرِ، وأنه يُفِيدُ العِلْمُ، فهو ينقسم إلى لَفْظِيٍّ، ومعنوي، فاللفظي كَنَقْلِ القرآن، والمعنوي كَنَقْلِ العَدَدِ الكثير الذي يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الكَذِب- وَقَائِعَ مختلفة لم يَجْتَمِعُوا على آحَادِهَا مشتملة على قَدْرٍ مشترك؛ كالوقائع التي عُلِمَ بها شَجَاعَةُ عَلِيٍّ، وسَخَاء حَاتِمٍ، وإن لم يتفق الرُّوَاةُ على وَقَائِعَ بعينها.
ومن تَمَامِ مَبَاحِثِ هذا الأَصْلِ أن خَبَرَ التَّوَاتُرِ يستلزم العلم عادة، ولا يولده، خِلافًا لِقَوْمٍ؛ لِوُجُوب إِسْنَادِ جميع المُمْكِنَاتِ إلى الله -تعالى- خَلْقًا واختراعًا، والقول بالتَّوَلُّدِ من فُرُوع قَوَاعِدِ المعتزلَة، وهو أن العَبْدَ يَسْتَقِلُّ بفعله وأنه يفعل مباشرة في ذاته، ويفعل خارج ذاته بالتَّوَلُّدِ عن مقدور له في ذاته؛ فلهذا قالوا: التوَلُّدُ حَادِثٌ عن سَبَب مَقْدُورٍ بالقُدْرَةِ الحادثة.
[قوله]: "المَسْأَلَة الثالثة في أَقْسَامِ الخَبَرِ الذي يعلم كَوْنُهُ كَذِبًا: الأَوَّل: كل ما علم ثُبُوتُهُ ببديهة العَقْلِ، أو بالحِسِّ، أو بالدليل، فالخبر على خِلافِهِ يكون كَاذِبًا": وبالجُمْلَةِ فمما يعلم كَذِبُهُ كل خَبَرٍ مخالف لما علم صِدْقُهُ بمدرك من مَدَارِكِ العُلُومِ، وهي السابقة؛ لاسْتِحَالةِ اجْتِمَاعِ
[ ٢ / ١٥٦ ]
يَكُونُ كَذِبًا. وَيتَفَرَّعُ عَلَيهِ: أَنَّ كُل خَبَرٍ نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ -﵇- مِمَّا يُوهِمُ الْبَاطِلَ كَالتَّشْبِيهِ وَغَيرِهِ فَإنْ كَانَ يَحْتَمِلُ نَوْعًا مِنَ التَّأويلِ اللَّائِقِ لَمْ يُقْطَعْ بِكوْنِهِ كَذِبًا، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِل إلا التَّأويلَ الْبَعِيدَ- وَجَبَ الْقَطعُ: إِمَّا بِكَذِبِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ -﵇- كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ
===
النَّقِيضَينِ على الصِّدْقِ، ومن جُمْلَةِ ذلك كَذِبُ من يَدَّعِي رِسَالة بغير مُعْجِزَةٍ ولا تصديق ممن ثَبَتَ صِدْقُهُ له؛ لأن العَادَةَ على خلافه.
قوله: "وَيتَفَرَّعُ عليه أن كُلَّ خَبَرٍ عن رسول الله - ﷺ - مما يوهم الباطل؛ كَالتَّشْبيهِ وغيره: فإن كان يحتمل نَوْعًا من التَّأويل اللَّائِقِ، لم يقطع بكونه كَذِبًا، فإان لم يَحْتَمِل إلا التَّأْويلَ البعيد، وَجَبَ القَطْعُ بكونه كَذِبًا، أوَ بأنه كان - ﵇ - تَكَلَّمَ قبله أو بَعْدهُ بِكَلام يُزِيلُ تلك الشُّبْهَةِ، والناقل لم ينقله؛ لأنا لو لم نَعْتَقِدْ ذلك، لَزِمَ أن يقال: إنه كان جَاهِلًا بالله تعالى، والجَاهِلُ بالله -تعالى- لا يكون نَبِيًّا":
هذا التَّفْرِيعُ يخرج على قَاعِدَةٍ؛ وهي أن كُلَّ مَا وَرَدَ في الكِتَاب والسُّنَّةِ مما يُوهِمُ التَّشْبيهَ في الأَسْمَاءِ والصفات، فيمتنع منه أن يَرِدَ مُتَوَاتِرًا لا يَقبَلُ التأويل؛ لأن الشَّرْع إنمَا يثبت بالعقل، وهو شَاهِدُهُ.
فلو جَاءَ بما يكذبه لم يثبت عَقْلٌ ولا شَرْعٌ. وما وَرَدَ من ذلك في أَخبَارِ الآحَادِ، وكان لا يقبل التَّأويلَ أَلبَتَّةَ، أو التأويل الَّلائِقَ بِفَصَاحَتِهِ- قَطعنا بكذب راويه، أو يحمل على الغَلَطِ. وإن كان لِلتَّأويلِ الصَّحِيحِ فيه مَجَالٌ، فيتعين أن يُقْطَعَ بأن المَحمَلَ البَاطِلَ غير مُرَادٍ. ثم يُنْظَرُ بعد ذلك إلى اللَّفْظِ: فإن بقي له احْتِمَالٌ واحد، تعين أن يكون مرادًا لحكم الحال، فإن بقى أكثر من وَاحِدٍ، وكل واحد منها جائز الإرَادَةِ: فإن دَلَّ قَاطِعٌ شَرْعِيٌّ على تَعَيُّنِ أحدها - عَيَّنَاهُ؛ وإن لم يَدُلَّ قَاطِعٌ، فهل نعين بِمَسَالِكِ الظَنون؟ اختلفوا فيه: فَمَذهَبُ السَّلَفِ -رضوان الله عليهم- أنَّهُ لا يَجُوزُ التعيين بذلك خَشيَةَ الإِلْحَادِ في الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ.
قالوا: وَيتَعَيَّنُ أن يعتقد أَنَّ له مَحْمَلًا صَحِيحًا في نَفْسِ الأَمْرِ يعلمه الله -تعالى- وعلى هذا يُحْمَل قَوْلُ بعض السلف.
ويقال: إن مالكًا لما سُئِلَ عن الاسْتِوَاءِ قال: الاستواء معلوم، والكَيفُ مَجْهُول، والإيمان به وَاجِبٌ، والسؤال عنه بدْعَةٌ؛ يعني: أن مَحَامِلَ الاستواء في اللغة تفيد القَطْعَ بأن الاسْتِقْرَارَ غير مُرَادٍ من القَهْرِ والاستعلاء، أو القصد، أو التَّنَاهِي في صفات الكَمَالِ.
[ ٢ / ١٥٧ ]
قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، بِكَلام يُزِيلُ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وَالنَّاقِلُ أَخَلَّ بِنَقْلِهِ؛ لأَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَقِدْ ذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ -﵇- كَانَ جَاهِلًا بِالله تَعَالى؛ وَالْجَاهِلُ بِالله تَعَالى لَا يَكُونُ نَبِيًّا.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: "كُلُّ كَلامِي كَذِبٌ"؛ فإنَّه بتَقْدِيرِ أنْ يُقَال: "إِنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي كُل مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي الزَّمَانِ المُتَقَدِّمِ": فَقَدْ كَانَ صَادِقًا في الإِخْبَارِ عَنْ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا، وَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي هَذَا الْكَلامِ: فَقَدْ كَانَ صَادقًا في كلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَهذَا بِخِلافِ قَوْلِهِ: "كُلُّ كَلامِي صِدْقٌ": فَإِنهُ لَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي هذَا الكَلامِ أَيضًا.
الثَّالِثُ: الشَّيءُ الَّذِي يَتَقَدَّرُ وُقُوعُهُ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ: فَإِذَا لَمْ يَشْتَهِرْ -دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْمَلْزُومِ؛ بِهذَا الطرِيقِ عَرَفْنَا: أنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُعَارَضْ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّصُّ الجَلِيُّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ -﵁- وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ -﵇- فَهِيَ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيثُ تَتَوَفرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، إلا أَنَّهُ
===
وقوله والكيفُ مَجْهُولٌ؛ يعني: أن تعيين مَحْمَل من المحامل السَّابِقَةِ مَجْهُولٌ لنا.
وقوله: وَالإِيمَانُ به وَاجِبٌ؛ أي: التصديق بأن له مَجْمَلًا يَصِحُّ واجب.
وقوله: والسؤال عنه بِدْعَةٌ؛ أي: عن تعينه بالطرُقِ الظَّنِّيَّةِ؛ فإنه تصرف في صِفَاتِ الله وأسمائه بِرَجْمِ من الظُّنُونِ، ولم يُعْهَدْ من الصحابة؛ فهو بِدْعَةٌ، وإنما عملوا بالظُّنُونِ في الأَحْكَامِ الشرعية، وجوّز المتأخرون ذلك لرفع الخَبْطِ عن العقائد، والأَوَّلُ أَحْوَطُ، والله أعلم.
قوله: "الثاني: أن يَكُونَ مُتَنَاقِضًا في نفسه؛ كَقَوْلِ القائل: كل كَلامِي كَذِبٌ؛ فإنه بتقدير أَن يُقَال: إنه كان كَاذِبًا في كل ما تكلَّم به في الزمن المتقدم- كان صادقًا في الإخبار بأنه كان كاذبًا وبتقدير أن يكون كاذبًا في هذا الكلام، فقد كان صادقًا في كل ما تقدم، وفي هذا الكَلامِ أيضًا": هذا وَاضِحٌ.
قوله: "الثَّالث: إن الشَّيءَ إذا كان يتقدر وُقُوعُهُ تَتَوَافُرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ"، يعني: إما بكونه مُهِمًّا في الدين، أو لِغَرَابَتِهِ، أولهما.
قوله: "فإذا لم يَشتَهِرْ دَلَّ على أَنَّهُ لم يُوجَدْ؛ لأَنْ انتفاء اللازم يدل على انْتِفَاءَ المَلْزُومِ، وبهذا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا أن القُرْآن لم يُعَارض وأنه لم يُوجَدِ النَّصُّ على إِمَامَةِ عَلِيٍّ":
هذا الذي ذكره مَقْطُوعٌ به عَادَةَ، إلا أنه يرد عليه إِشكَالات تَحْتَاجُ إلى الجَوَاب عنها:
منها: قوله: "وأما سَائِرُ مُعْجِزَاتِ النبي - ﷺ - وان كانت تَتَوَافَّرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهَا، إلا أنها حَصَلَتِ الغُنْيَةُ بثبوت نُبُوَّتِهِ - ﵇ - بأن القُرْآنَ عن نَقلِهَا يغني فلا يَرد نَقضًا لهذه القَاعِدَةِ": ويمكن أن يقال: أكثرها لم يَحْصُرْهَا العَدَدُ الكَثِيرُ، وإنما شَاهَدَهَا منه الآحاد؛ فلم يتم شَرْطُ التَّوَاتُر، ولا تحدى بها؛ فلم يتم شَرْطُ المُعْجزَةِ، وإنما هي آيَاتٌ.
[ ٢ / ١٥٨ ]
حَصَلَتِ الْغُنْيَةُ عَنْ نقْلِهَا بِثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِالْقُرْآنِ؛ فَلِذلِكَ بَقِيَتْ سَائِرُ الْمُعْجِزَاتِ فِي مَرْتَبَةِ الآحَادِ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الصَّلاةِ؛ مِثلُ: قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَينِ، وَكَوْنِ الإِقَامَةِ مَثْنَى أَوْ فُرَادَى- فَهِيَ لَيسَتْ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ.
===
قوله: "وأما أَعْمَالُ الصَّلاةِ مثل قراءة الفاتحة، ورفع اليَدَينِ، وكون الإِقَامَةِ مَثنَى أو فُرَادَى- فليست من الوَقَائِعِ العَظِيمَةِ":
هذه أيضًا مما أوردت نَقْضًا لِلْقَاعِدَةِ، وكذلك الاخْتِلافُ في أنه أحرم مفردًا أو قارنًا، وأنه - ﷺ - دخل "مكة" عَنْوَةً، أو صُلْحًا.
[ ٢ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والجواب: أن نشير إلى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ فيما ينقل، وعليها يخرج الجَوَابُ، فنقول:
[ ٢ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما القُرْآنُ فلا يَثْبُتْ إلا بالتَّوَاتُرِ؛ لأنه أَصْلُ الشريعة، وأما أَرْكَانُ الإسْلامِ، وشرع أصل البَيعِ، والإجارة، والنكاح، والقصاص، والحدود - فإن ذلك مما تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي على
[ ٢ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نَقْلِهَا؛ فهي مَقْطُوعٌ بشرعة أصلها، وأما تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ هذه الكُلِّيَّاتِ، فما كان رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُكَلَّفُ فيها بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ؛ لما فيه من التَّعَذُّرِ، أو العسر، والحاجة أن يرسل إِلَى كل الجِهَاتِ فِي
[ ٢ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تعلم تَفَاصِيلِ الأَحْكَام مع كَثْرَتِهَا عدد التواتر؛ وذلك مُتَعَذِّرٌ، أو مُتَعَسِّرٌ، فاكتفى فيها بالظَّوَاهِرِ والأقيسة فمن ثم وقع الاختِلَافُ، وأما النِّيَّةُ فِي الإِحْرَامِ، فهي من جِنْسِ ما يخفى، أو لعله
[ ٢ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كان نقل، ثم انْدَرَسَ، وأما دخول "مكة" عَنْوَةً، أو صلحًا، فالذي تَوَاتَرَ أنَّه - ﷺ - دخلها شَاكِيَ السِّلَاحِ مُتَهَيِّئًا لأسباب الحَرْب، ويروى أنَّه - ﵇ - قال: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ"، وإنما الخِلَافُ فِي أنَّه صَدَرَ منه أَمْنٌ عام، وهذا مما يخفى، ولا يبعد انفراد الآحَادِ به.
ومنشأ الشبهة أنَّه - ﷺ - وَدَى قومًا قتلهم خَالِدُ بْنُ الوليد.
[ ٢ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن تمام البَحْثِ فِي هذا الأَصْلِ ذكر طرق اختلف العُلَمَاءُ فِي إِفَادَتِهَا لِصِدْقِ الخبر:
الأولى: إذا أخبر شَخْصٌ بحضرة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ولم ينكر عليه: قال قَوْمٌ: يكون صِدْقًا.
وقال الفَخْرُ: يمكن أن يَكُونَ سُكُوتُهُ عن الإنْكَارِ لأنه كان بَيَّنَةُ، وهو مما لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ،
فعلى هذا لا يفيد العِلْمَ بِصِدْقِهِ إلَّا بشرطينَ: ألا يكون قد تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وألا يكون جائز التغيير، هذا إذا كان فِي أَمْرٍ ديني.
فإن كان فِي أَمْرِ دنيوي، فيحتمل أن يكون سُكُوتُهُ لأنه ما عَلِمَهُ، أو لأنه لا تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، فلا بد فِي صِدْقِهِ من عَدَمِ الأمْرَينِ.
الثَّانية: إذا أخبر شَخْصٌ بحضرة جَمْعٍ يفيد خَبَرُهُمْ العِلْمَ، وادعى عليهم العِلْمَ بما سمعوه، فلم ينكروا:
قال قوم: يُفِيدُ العِلْمَ، ومَثَّلُوهُ برواية بَعْض الصحابة: أنَّه كان - ﵇ - - فِي غزوة كَذَا، وأنه رَآهُ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ والماء يَنْبُعُ من بين أَصَابِعِهِ، وتوضأ النَّاسُ من الماء اليَسِيرِ، وهم عدد كثير، فروايته لذلك ودَعْوَاهُ عليهم المشاهدة من غير نَكِيرٍ- دَلِيلٌ على صدقه.
وما ذكروه لا يَطَّرِدُ فِي كل صُورَةٍ؛ إذ لا يبعد السكوت فِي بَعْضِ الوقائع تَقِيَّةً، أو سياسة، أو مَهَابَةً، أو خوفًا؛ كخبر ذي شَكْوَةٍ ظالمًا فِي مجد سلطنته، والحق أنَّه يفيد الظن القوي.
الثالثة: ذَهَبَ أبو هَاشِمٍ، وجماعة إِلَى أن عَمَلَ الأُمَّةِ على وَفْقِ خَبَرِ الوَاحِدِ- دليل على صِدْقِهِ.
قال الفَخْرُ: وهو باطل؛ لوجوب العَمَلِ بخبر الواحد- وإن لم يقطع بِصِدْقِهِ؛ ولجواز أن يَكُونَ دَلِيلُ عملهم غَيرَهُ.
وزاد بَعْضُهُمْ: إن تَلقوهُ مع الفِعْلِ بالقَبُولِ قَوْلًا، لا يمتنع التَّصْدِيقُ؛ بِنَاءً على ظَاهِرِ العَدَالةِ.
الرابعة: قالت الزيدية: بقاء النَّقْل مع تَوفُّرِ الدَّوَاعِي على إِخْفَائِهِ- دَليلٌ على صدقه.
[ ٢ / ١٦٦ ]