وَيَدُّلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الأَنْصَارَ لَمَّا طَلَبُوا الإِمَامَةَ، احْتَجَّ عَلَيهِمْ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بِقَوْلِهِ - ﵇ -: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" وَالأَنْصَارُ سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلِكَ الدَّلِيلِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَمْعَ
===
[المسألة الثالثة]
[قوله]: "إنَّ الجمع المعرف -يعني: بـ "لام الجِنْس"- يفيد العموم، ويدل عليه وجوهٌ:
الأول: أَنَّ الأَنصار - ﵃- لمَّا طلبوا الإمامة، احتجَّ عليهم أبو بكر - ﵁ - بقوله -﵊-: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ" والأنصارُ سلَّمُوا ذلك الدليل، فلولا
[ ١ / ٤٣٩ ]
الْمُعَرَّفَ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ؛ وَإِلَّا لَمْ يَصِحُّ ذلِكَ الدَّلِيلُ. وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ الله
===
أَنَّ الجمع المعرف بالألف واللام يفيد الاسْتغراق، وإلَّا لما صح ذلك" يعني: أنَّهم لما قالوا: مِنَّا أَمِيرٌ، ومِنْكُمْ أميرٌ، فلا يندفع هذا القول إلَّا بتقدير أَنْ يكون معنى الحديث: كُلّ الأئمة من قريش.
[ ١ / ٤٤٠ ]
عَنْهُ - أَنَّهُ قَال لأَبِي بَكْرِ - ﵁ - لَمَّا هَمَّ بِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ: "أَلَيسَ قَال النَّبِيُّ -
===
ويردُّ عليه: أن الإِمامة إِثبات سلطنة وولاية عامة، وثبوت السلطنة العامة للأشرف
[ ١ / ٤٤١ ]
﵇ -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"؛ فَاحْتَجَّ عَلَيهِ بِعُمُومِ الِلَّفْظِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ أَحَدٌ، بَل عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - إِلَى الاسْتِثْنَاءِ، فَقَال: "أَلَيسَ قَال النَّبيُّ - ﷺ -: "إِلَّا بِحَقِّهَا"، وَالزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا؟ ! ".
الثَّانِي: أَنَّ هذَا الْجَمْعَ مِمَّا يُؤَكَّدُ بِمَا يَقْتَضِي الاسْتِغْرَاقَ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا فِي الأَصْلِ لِلاسْتِغْراقِ:
أَمَّا الأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠].
أمَّا الثَّانِي - فَلأَنَّ التَّأكِيدَ هُوَ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى تَقْويَةِ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الأَصْلِ، وَلَوْلا أَنَّ هذَا الْجَمْعَ فِي الأَصْلِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ؛ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَأْكِيدُهُ مُفِيدًا لِلاسْتِغرَاقِ.
الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الاسْتِغرَاقِ - لَكَانَ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَنْ ذلِكَ التَّعْيِينِ. أَوْ عَلَى بَعْضِ مُبْهَمٍ؛ وَهُوَ يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْكَلامِ، أَوْ عَلَى الكُل إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
مناسب، فترتيبُ الحكمِ عليه يقتضي التَّعْمِيمَ من جهة المعنى، فلا نسلم لهم أن العموم - ها هنا - من مجرد اللَّفْظِ، والنزاع عند عدم القرائن.
قوله: "وقول عمر بن الخطاب - ﵁ - في قتال مانعي الزكاة: [أليس قال رسول الله - ﷺ -]-: "أُمِرْت أَنْ أُقاتل الناس " إِلى آخره:
يرد عليه: لا نسلم أنهم فهموا العُمومَ مِنْ مجرد اللفظ، بل وبما استقر واشتهر، مِنْ ظهور دَعْوته للناس كافة؛ الأحمر والأسود.
قوله: "الثاني: أن هذه الجموع تؤكد بما يقتضي الاسْتغراق، فوجب أن يكون موضوعها في الأصل لِلاستغراق " إلى آخره.
اعْتُرِضَ عليه: بأن فهم الاستغراق كان لقرينةِ التوكيد.
قوله: "التوكيد تقوية ما كان ثابتًا في الأصل" يقال له: مسلم، ولكن لا نسلم ثبوته بطريق الظهور لولا المؤكد.
قوله: "الثالث: لو لم تُحْمَلْ على الاسْتغراق لكان: إما أَنْ يحمل على بعضٍ معين، وهو باطل؛ لأن اللفظ قاصر على ذلك المعين. أو على بعض مبهم، وهو يُوجِبُ التَّعْطِيل. أو على الكل إلَّا ما خصَّه الدليل، وهو المطلوب".
والاعتراضُ على قوله: "أنَّ اللفظ قاصر عن ذلك التعيين" أن نقول: يعني أنه: قاصرٌ في الكيفية، أو الكمية؟:
الأول: مُسَلَّمٌ، والثاني: ممنوعٌ؛ فإِنَّ الأول متيقَّنٌ، فتعيَّنَ الحملُ عليه.
[ ١ / ٤٤٢ ]
الرَّابعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَيِّ وَاحِدٍ أُرِيدَ، وَهُوَ يُفِيدُ الْعُمُومَ؛ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الْخَامِسُ: الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ فِي اقْتِضَاءِ الْكَثرَةِ، فَوْقَ الْمُنَكَّرِ؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ انْتِزَاعُ المُنَكَّرِ مِنَ الْمُعَرَّفِ، وَلَا يَنْعَكِسُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي رِجَالٌ مِنَ الرِّجَالِ"، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي الرِّجَالُ مِنْ رِجَالٍ"؛ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُنْتَزَعِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ:
الْمَفْهُومُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ: إِمَّا الكُّلُّ، وَإِمَّا دُونَهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ عَدَدٍ دُونَ الْكُلِّ إِلَّا وَيَصِحُّ انْتِزَاعُهُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ؛ وَثَبَتَ أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكثَرُ؛ وَلَمَّا بَطَلَ هذَا - ثَبَتَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْكُلَّ.
احْتَجَّ الْمُنْكِرُونَ لِلْعُمُومِ بِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي كُلُّ النَّاسِ"، "جَاءَنِي بَعْضُ النَّاسِ"، وَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "النَّاسُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ الأَوَّلُ تَكرَارًا، وَالثَّانِي نَقْضًا.
===
[و] قوله: "إنَّ حَمْلَهُ على بعض مبهم تعطيلٌ" لا يسلم، بل يفيد الجمع المطلق؛ كما نقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ.﴾ الآية [التوبة ٦٠].
قوله: "الرابع: أنه يَصِحُّ استثناءُ كُلِّ واحدٍ، وذلك يدل على أنه يفيد العموم" وقد مضت هذه الحجة، والاعتراضُ عليها والانفصالُ، في المسألة التي قبلها.
قوله: "الخامس: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر؛ لأنه يصح انتزاع الجمع المنكر من المعرف -يعني: تعريف الجنس- ولا ينعكس؛ فإِنه يجوز أن يُقال: جاءني رجالٌ من الرجال، ولا يجوز أنْ يُقال: جاءني الرجال في رجال، ومعلوم بالضرورة أن المنزوع منه أكثر. إذا ثبت هذا فنقول: المَفْهُومُ من الجَمْع المُعَرَّفِ إِمَّا الكل، وإما دُونه: والثاني باطِلٌ؛ لأنَّ ما مِنْ عَدَدٍ دُونَ الكل إلَّا ويصح انتزاعه مِنَ الجمع المعرف، فثبت أَنَّ المنزوعَ منه أكثر" ولا بَأس بهذه الحُجَّةِ، وقوتها راجعة إلى حجة الاسْتثناء.
قوله: "احتج المنكرون للعموم بوجوه: الأول: أَنه يصح أن يقال: جاءني كُلُّ الناس، وجاءني بعضُ الناس، فلو كان قولُنا: "الناس" يفيد العُمومَ، لكان الأول تَكرَارًا، والثاني نقضًا" يعني: أَن اللامَ الدالة على الاسْتِغْرَاقِ مقدرة بكل واحدٍ، فلو أدخل عليها "كُلّ" لكان تكرارًا. وجوابه: أنه تأكيدٌ. وقولُه: "لو أدخل عليها "بعض" لكان نقضًا".
وجوابه: أنها وإن أفادتِ العُمُومَ لا تفيده نصًّا، وإنما تفيده مع احتمال إرادة الخصوص، وقولُه: "بعض" تعيين لإرادة الاحتمال الخفي.
قوله: "إنه يصح أَنْ يُقال: جاءني كُلُّ الناس إلَّا الفقهاء، ولو كان لفظ "الناس" يفيد العموم - لجرى مَجْرى ما إذا صرح بذكر جميع أنواع الناس، فيصير [قوله]: جاءني الناس إلَّا الفقهاء جاريًا
[ ١ / ٤٤٣ ]
الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "جَاءَنِي النَّاسُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ"؛ فَلَوْ كَانَ لَفْظُ "النَّاسِ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَجَرَى قَوْلُنَا: "النَّاسُ" مَجْرَى مَا إِذَا صُرِّحَ بِذِكْرِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّاسِ؛ فَيَصِيرُ [قَوْلُهُ]: "جَاءَني النَّاسُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ" جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ: "جَاءَنِي فُلانٌ وَالْفُقَهَاءُ، إِلَّا الْفُقَهَاءَ"، وَلَمَّا كَانَ هذَا بَاطِلا؛ ثَبَتَ أَنَّ لَفَظَ "النَّاسِ" لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُرْفَ الْعَامَّ يَشهَدُ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ: "رَأَيتُ النَّاسَ، وَخَالطتُ النَّاسَ، [وَجَالسْتُ النَّاسَ" مَعَ أَنَّهُ مَا رَأى الكُلَّ، وَإِنَّمَا رَأَى البَعْضَ، وَلَا خَالطَ الكُلَّ، وَإِنَّمَا خَالطَ البَعْضَ]، وَالْمَجَازُ وَالاشْتِرَاكُ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هذِهِ اللَّفْظَةُ مَوْضُوعَةً لإِفَادَةِ الحُكْمِ فِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيرِ أَنْ تُفِيدَ الاسْتِغْرَاقَ.
الرَّابعُ: أَنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِ هذِهِ اللَّفْظَةِ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ: إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ بِالعَقْلِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأنَّهُ لَا مَجَال لِلْعَقْلِ فِي اللُّغَاتِ. أَوْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا لارْتَفَعَ الْخِلافُ فِيهِ. أَوْ بِنَقْلِ الآحَادِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ هذِهِ الألْفَاظِ عَامَّةَ، شَدِيدَةٌ، وَالْحُكْمُ الَّذِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى مَعْرِفَتِهِ - يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ مُتَوَاتِرًا.
الْجَوَابُ أَنَّه لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ، فَالْحَمْلُ عَلَى الاسْتِغْراقِ أَوْلَى؛ إِلَّا مَا خَصَّهُ
===
مجرى قوله: جاءني فلانٌ، والفقهاءُ إلَّا الفقهاء، ولما كان هذا باطلًا، ثبت أن لفظ "الناس" لا يفيد العموم".
والاعْتِرَاضُ: أن قوله: "يَجْرِي مَجرَى الأَنْوَاعِ" - لا يلزم من جَرَيَانِهِ مَجْرَاهُ: أن يُشَارِكَهُ في جميع أَحْكَامِهِ، وإنما يَبْطُلُ الاستثناء مع تعديد الأنَوَاعِ؛ لأنه يَعُودُ إلى الأَقرَب؛ وهو مستغرق؛ فَيَبْطُلُ على رأي.
ومنهم من يُقَدِّرُ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عليه كالْمَذْكُورِ جُمْلَةً؛ فيصح الاسْتِثْنَاءُ.
وإن عددت؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وطلقة إلا طَلْقَةً - فإن فيها وَجْهَينِ.
وأَمَّا مع انْدِرَاج المخْرجِ في الشُّمولِ فتحقق حقيقة الاسْتثناءِ بالاتِّفاقِ، وهو إخراجُ بعضٍ مِنْ كُلِّ.
قوله: "الثالث: أنَّ العرف العام يشهد أن الرجل قد يقولُ: رأيتُ الناسَ " إلخ. الاعْتِراضُ عليه أنَّ التخصيصَ - ها هنا - معلومٌ بدليلِ العَقْلِ أو الحِسَّ.
قوله: "الرابع: أَنَّ الحكم بكون هذه اللفظة موضوعةً للعموم: إِما أن يُعْرَف بالعقل، وهو باطلٌ؛ إذ لَا مجال للعقل في اللغات"، يعني: أنها إما توقيفيةً، أو اصْطِلاحِيَّة.
قوله: "أو بالنقل المتواتر، وهو باطل، وإلَّا ارتفع الخلافُ"، يعني: أنَّ التواتر يفيد العِلْم الضروري، ويستوي في العلم به طبقات الباحثين عنه، فيلزم رفع الخلاف.
قوله: "أو بنقل الآحاد، وهو باطلٌ؛ لأنَّ الحاجة إلى معرفة هذه الألفاظ عامةً - شديدةٌ، والحكم الذي تتوفر الدواعي على معرفته، وجب أَنْ يكون متواترًا".
[ ١ / ٤٤٤ ]
الدَّلِيلُ؛ لأَنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ - لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ: الْمُرَادُ مِنْهُ بَعْضٌ مَجهُولٌ، أَوْ نَقُولَ بِالْوَقْفِ فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ؛ وَعَلَى التَّقْدِيرَينِ: يَصِيرُ الْكَلامُ مُعَطَّلًا، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ - بَقِيَتْ هذِهِ النُّصُوصُ مُنْتَفَعًا بِهَا؛ فَكَانَ هذَا أَوْلَى.