الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ لَيسَتْ بِنَسْخٍ عِنْدَنَا؛ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ -﵀- فَلْنُعَيِّنْ صُورَةَ النِّزَاعِ؛ لِيَكُونَ الْكَلامُ فِيهَا أَوْضَحَ:
===
[قوله] "الزياةُ على النصِّ ليست بنسخٍ خلافًا لأبي حنيفةَ" لا يعني بالزيادَةِ: الزيادَةَ في السياق، بل الزيادَةَ على مُقْتَضَى اللَّفْظِ وحُكْمِهِ.
[ ٢ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "فلنعين صورة [النزاع] ليكون الكلام فيها أوضح" إنما قال ذلك؛ لأنَّ للمسألة صُوَرًا كَثُرَ النِّزَاعُ فيها، وإِنما يغني الفَرْضَ ها هنا عن ذكرها لو تساوت في حكمها، لكن حكمها مختلف.
فلنذكر صورًا منها:
الأُولَى: زيادَةُ عبادَةٍ مُستَقِلَّةٍ، لا ارتباطَ لها بالأُولَى؛ كإِيجاب الحَجِّ بعد إِيجابِ الصلاة، وهذا ليس نسخًا بالإِجماع -ورَفْعُ البراءة الأصلِيَّةِ، وأَنَّ العبادة المُتَقَدِّمَةَ كانت كُلَّ الواجِبِ- ليست أحكامًا شرعية؛ لأنها لم تُسْتَفَدْ من خطابِ الشَّرْعِ، بل من البراءة الأصلية ولوازِمِهَا، فَرَفْعُ ذلك لا يكون نسخًا اصطلاحًا.
وقولُ بعضِ المعتزلة: إِنَّ زيادَةَ صلاةٍ سادسةٍ تكون نسخًا؛ لاعتقادهم أَنَّ ذلك يُخرِجُ
[ ٢ / ٤٢ ]
فَنَقُولُ: إِيجَابُ الْجَلْدِ لَا يَدُلُّ عَلَى حَالِ التَّغْرِيبِ: لَا نَفْيًا، وَلَا إِثْبَاتًا؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ قَدْ يَحْصُلُ مَعَهُ إِيجَابُ التَّغْرِيبِ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ
ذلِكَ، وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ إِلَى الشَّيئَينِ مُشْتَرَكٌ بَينَهُمَا، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُشتَرَكِ بَينَ الشَّيئَينِ فَقَطْ: لَا إِشْعَارَ لَهُ أَلْبَتَّةَ بِخُصُوصِ ذَينِكَ الشَّيئَينِ.
الثَّانِي: لَوْ قَال: "الزَّانِي يُجْلَدُ ويغَرَّبُ"، أَوْ قَال: "الزَّانِي يُجْلَدُ وَلَا يُغَرَّبُ"-: لَمْ يَكُنِ الأَوَّلُ نَقْضًا، وَلا الثَّانِي تَكْرَارًا.
الثَّالِثُ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ مَاهِيَّةٌ، وَإِيجَابَ التَّغْرِيبِ مَاهِيَّةٌ أُخْرَى، وَلَا تَعَلُّقَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالأُخْرَى: لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالإِثبَاتِ؛ فَكَانَ إِيجَابُ الْجَلْدِ خَالِيًا عَنْ إِثْبَاتِ التَّغْرِيبِ وَنَفْيِهِ؛ فَثَبَتَ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ لَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى حَالِ التَّغْرِيبِ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا كَانَ كَذلِكَ- كَانَ إِيجَابُ التَّغْرِيبِ لَا يَزِيدُ شَيئًا مِمَّا دَلَّ عَلَيهِ إِيجَابُ الجَلْدِ؛ فَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ نَسْخًا.
===
الوسطى عن كونها وسطى-: باطِلٌ؛ لتبقى كُلِّيَّةُ الواجب، وإِخراجُ الأخيرة عن كونها أخيرةً، وكُلُّ ذلك تابعٌ لرفع البراءة الأَصْلِيَّةِ؛ فلا يكونُ نسخًا.
الصورة الثانية: زيادة جُزءٍ في العبادة الواجبة؛ كما لو زِيدَ في الصبح ركعتانِ.
قال الشافعي وجماعة: وليس بنسخٍ أيضًا؛ لوجوبِ الركعتين، والأَرْبَعَةُ ركعتانِ وزيادَةٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والغزاليُّ، وأكثرُ الأُصولِيِّينَ: إِنَّهَا نَسْخٌ؛ لأجل رفعها لاستعقاب التَّشَهُّدِ السَّلامَ، وتحريمِ الزيادة، وذلك حُكْمٌ شرعيٌّ، ومنعوا أنَّ الأربعة ركعتان وزيادة؛ لأنه لا يعين هذا الاعتبار، ويمكن تعلقها بدونه، ولو جازَ ذلك لجاز أنْ يقال: إنها ثلاثةٌ وزيادة، والشيءُ الواحِدُ لا يقوم بمحلين على البَدَلِ.
الصورة الثالثة: زيادة شرط؛ كما لو أوجب الصلاةَ أوْلًا، ولم يشترط فيها الطهارَةَ، ثم شرطها بعد ذلك، فقيل: ليس بنسخ وإِجزَاؤهَا بدون الطهارة أَوَّلًا مأخوذٌ من عَدَمِ دليلٍ شَرْعِيٍّ.
وقيل: نسخ؛ لأن الفعل بدون الطهارة حينئذٍ خَرَجَ عن كونِهِ مأمورًا به.
الصورة الرابعة: لو أوجب الحَدَّ أَوَّلًا ثمانين ثم زاد عليه عشرين.
قال الشافعي: ليس بنسخ؛ لبقاء وجوبِ حَدِّ الثمانين وإِجْزَائها عن نفسها وقال أبو حنيفةَ:
يكون نسخًا؛ لرفعه تحريمَ الزيادة.
وما ذكره صاحب الكتاب من هذا القسم؛ فقد احتج فقال: إيجابُ الجلد الأَوَّلِ لا يَدُلُّ على حال التغريب: لا نفيًا، ولَا إثباتًا، فإِثباتُ التغريب لا يكون مزيلًا لشيء مِمَّا دَلَّ عليه اللفظ الأول، فلا يكون نسخًا شرعِيًّا، بل رفعًا لمقتضى البراءة الأصلية.
[ ٢ / ٤٣ ]
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ مِنْ وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ الْجَلْدَ، وَلَمْ يُوجِبِ التَّغْرِيبَ - كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ حَاصِلًا، فَلَوْ وَجَبَ التَّغْرِيبُ؛ فَحِينَئِذٍ: يُزولُ ذلِكَ العَدَمُ السَّابِقُ؛ وَهذَا نَسْخٌ.
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ قَبْلَ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ: كَانَ كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الْجَلْدَ، فَإِذَا وَجَبَ التَّغرِيبُ- لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ كُلَّ الوَاجِبِ؛ بَل صَارَ بَعْضَ الْوَاجِبِ، فَقَدْ زَال حُكمٌ مِنَ الأَحْكَامِ؛ وَذلِكَ نَسْخٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ "الْفَاءَ" فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] لِلْجَزَاءِ، وَالْجَزَاءُ اسْمٌ لِلْكَافِي، وَكَوْنُهُ كَافِيًا يَمْنَعُ وُجُوبَ غَيرِهِ: فَلَوْ وَجَبَ التَّغرِيبُ؛ فَحِينَئِذٍ: يَبْطُلُ المَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ هذِهِ الْفَاءِ؛ فَكَانَ نَسْخًا.
الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذلِكَ الْعَدَمَ الَّذِي يَزُولُ: نَسْخٌ؛ لأَنَّ ذلِكَ الْعَدَمَ إِنَّمَا ثَبَتَ بِمُقتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، أَمَّا اللَّفْظُ: فَلَا دَلالةَ لَهُ عَلَيهِ أَلْبَتَّةَ، وَالنَّسْخُ لَيسَ إلا عِبَارَةً عَنْ زَوَالِ شَيءٍ مِنْ مَدْلُولاتِ اللَّفْظِ؛ فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ فَرْقٌ بَينَ عَدَم الدَّلَالةِ عَلَى الشَّيءِ، وَبَينَ الدَّلَالةِ عَلَى عَدَم الشَّيءِ؛ فَحَقٌّ: أَنَّ آيَةَ الْجَلْدِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّغْرِيبِ، وَلَيسَ بِحَقٍّ: أَنَّها تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّغْرِيبِ، وَالشُّبْهَةُ إِنمَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُخَالِفِ؛ بسَبَب عَدَم التَّمْيِيزِ بَينَهُمَا.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَقتَضِي أَنْ يُقَال: إِنهُ تَعَالى أَمَرَ بِالصَّلاةِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَمَرَ
===
قوله: "حجة المخالف من وجوه: الأول أنَّ الشَّارعَ لما أوجبَ الجَلْدَ ولم يوجب التغريب كان عَدَمُ وجوب التغريبِ حاصلًا، فَلَمَّا وجب التغريبُ زال ذلك العدم" وما ذكره واضِحٌ أَنهُ ليس بحكمٍ شَرْعِيّ، كما أجاب عنه.
قوله: "الثاني أنه قبل وجوب التغريب كان الجلد كُلَّ الواجب":
وهذا أيضًا واضِحٌ أنه ليس رفعًا لحكم، إنما هو تابع لرفع البراءة الأصلية كما ذكر.
قوله: "الثالث: أنَّ "الفاءَ" في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور ٢] للجزاء الكافي، وكونه كافيًا يمنع وجوب غيره" وجوابُهُ عنه بأَنَّهُ إنَّمَا أورده مثالًا في هذه المسألة بتقدير أَلا يَحْصُلَ في الآية لَفْظٌ يَدُلُّ على عدم وجوب التغريبِ، فإنْ لم يكن الأمر كذلك- فليطلب له مثال آخر.
لا وَجْهَ لتوقُّفِهِ في عَدَمِ إِشعارِ الجزاءِ بنفي التغريب من جِهَةِ اللَّفظِ، على ما منعه في الجواب الثاني؛ فإنّ لازِمَ الشَّرْطِ: حُصُولٌ عند وُجُودِهِ، أمَّا أنه لا يحصل سواه فليس من قِصَّةِ الشرط. ثم لو سُلِّمَ إِشعَارُهُ بالنفي، فهو ظاهِرٌ، وتركه لا يكون نسخًا بل تأويلًا.
[ ٢ / ٤٤ ]
بَعْدَهَا بِالصِّيَامِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هذَا التَّكْلِيفُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ؛ لأَن عِنْدَ التَّكْلِيفِ الأَوَّلِ: كَانَ كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الصَّلاةَ، وَعِنْدَ وُرُودِ التَّكلِيفِ الثَّانِي: مَا بَقِيَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِنَا: "كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الصَّلاةُ".
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّا إِنَّما أَوْرَدْنَا الْمِثَال فِي هذِهِ المَسْأَلَةِ -"مَسْأَلَةِ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ"- عَلَى تَقدِيرِ أَلَّا يَحْصُلَ فِي الآيَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ علَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ- فَلْنَطلُبْ لَهُ مِثَالًا آخَرَ عَلَى أَنَّا نَقُولُ: "الْفَاءُ" فِي اللُّغَةِ: لِلتَّعْقِيبِ.
وَأَمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَزَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَافِيًا- فَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ.