الْوَاوُ
الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ لأَنَّهَا قَد تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَمْتَنِعُ حُصُولُ التَّرْتِيبِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِم: "تَقَاتَلَ زَيدٌ وَعَمْرٌو".
===
قوله: "وكما فِي الضِّدَّين" يعني: من حَيثُ هو ضده، لا مِنْ جهة خصوصه.
"الواوُ العَاطِفةُ لَا تفيد الترتيبَ"، يعني: أنها للجَمْعِ المطلق، فَلَا تفيد الترتيب، ولا
[ ١ / ٢١٩ ]
وَالأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَة، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي غَيرِ التَّرْتِيبِ -وَجَبَ أَلَّا تَكُونَ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ؛ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ، وَلأَنهُ لَوْ أَفَادَتِ التَّرْتِيبَ- لَكَانَ قَوْلُهُ: "رَأَيتُ زَيدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ" مُتَنَاقِضًا، وَلَكَانَ قَوْلُهُ: "رَأيتُ زَيدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ" تَكرَارًا.
===
تمنعه، فقد يكون المَعْطُوف مُرتَّبًا معها؛ كقول حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ الأنصاري: [من الوافر]
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عِنْهُ وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
والإجابة مُرتَّبةٌ عَلى الهِجَاء، والجَزَاءُ مُرتَّب على الإجابة.
وقد يكون متأخرًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وقد يكونان معًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ولا يمنع الاهتمامُ بتقديم الأول، وعليه قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فقال - ﵊: [ابْدَءُوا بِمَا بَدَا اللهُ تَعَالى بِهِ".
[ ١ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقول عُمَرَ - ﵁ - للشاعر القائل: [من الطويل]
كَفَى الشَّيبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا
هَلَّا قلتَ: كَفَى الإسلامُ والشيب
وأقوى ما احتجَّ به: قولُه تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف ١٦١]، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، والقصةُ واحدةٌ.
واعْتُرِض عليه: بأنَّ التقديم مجازٌ في إِحْدى الآيتينِ.
وأقربُ منه أَنْ يُقال: إِذا كان معنى قولهِ تَعَالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ حُطَّ عنا ذُنُوبَنَا، أو مقالة بين حطه للذنوب، وهي كلمة التوحيد.
والأَمْر بالاستغفار، والتَّوْحِيد دَائِمٌ مستمرٌّ، فحسَّنَ التقدِيمَ والتأخير ضرورةُ الدوام.
وأَقْوْى ما احتجَّ به من حَيثُ المعنى: وقوعها حيث يمنع الترتيب في باب المفاعلة، كما ذكر، وذلك في قولهم: سِيّان زيد وعمرو، والمالُ بين زيدٍ وعمرو.
وامتناع وقوعهما فيما يقتضي التَّرتِيبَ، وهو جوابُ الشرطِ.
واعتُرِض على الأول: بأنه مَجازٌ عينته القرينةُ العقلية.
واحتُجَّ أيضًا: بأن الواوَ في مختلفي الاسم: كألِف التثنية في متفقى الاسم؛ بدليلِ أن الشاعر رد التثنية إلى العطف، كقوله: [من الرجز].
كَأَنَّ بَينَ فَكِّهَا وَالفَكِّ فارَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ
[ ١ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: [من الرجز]
لَيثٌ وَلَيثٌ فِي مَجَالٍ ضَنْكِ كِلاهُمَا ذُو أَنَفٍ وَمَحْكِ
والألفُ لَا تقتضي الترتِيبَ، كذلك الواوُ.
ومنع، وأسند المنع بقوله -﵊- للخَطِيب القِائل: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقد اهْتَدى، ومَنْ يَعْصِهما فَقَدْ غَوَى: "بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أَنْتَ، قلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَرَسُولَهُ"، فلم يسو بينهما.
ويقول القائل لزوجته غَير المدخُول بها: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَينِ، وأنت طالقٌ، وطَالِقٌ؛ لوقوع اثْنَتَينِ في الأُولَى، دُونَ الثانية.
وأجِيبَ عن الأول: بأَنَّ الإفراد دَاخِلٌ في التعظِيم لله تعالى.
وعن الثاني: أَن طلقتين في المسألة الأُولَى، تَفْسِيرٌ لقوله: أنت طالق، وقولُه: طالق: ليس بتَفْسِيرٍ، وقد بانَتْ بالأُولَى، فلا تجد الثانية محلًّا، ويلتزم الوقوع على مذهب ما.
[ ١ / ٢٢٣ ]