الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغصُوبَةِ غَيرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَنَا؛ خِلَافًا لِلْفقَهَاءِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الآتِيَ بِهَا لَا يُؤمَرُ بِالْقَضَاءِ- قُلْنَا: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ هذَا الإِجْمَاعُ- وَهُوَ الأَصَحُّ- أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ.
===
وأما مسألة الصلاةِ فِي الدارِ المَغْصُوبَةِ، فَلِلْعُلَمَاءِ فيها ثَلاثَةُ مَذَاهِبَ:
الأَوَّلُ: أَنَّهَا صحيحة مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو مذهب أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ.
الثَّاني: أَنَّها غَيرُ صحيحةٍ، ولا مُسْقِطَةِ للقضاءِ، وهو مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وأكثرِ المتكلمينَ، وأبي هَاشِمٍ من المعتزلة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثَّالِث أَنَّهَا غَيرُ صحيحةٍ، لَكِنَّها مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، وهو قولُ القاضي، واختيارُ صاحب الكتاب ها هنا.
[ ١ / ٣٨٩ ]
لَنَا: أَنَّ الصَّلَاةَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أُمُورٍ، مِنْهَا: الْقِيَامُ، وَالْقُعُودُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَهذِهِ الأشْيَاءُ: إِمَّا حَرَكَاتٌ، وَإِمَّا سَكَنَاتٌ، وَالْحَرَكَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الأَوَّلِ فِي الْحَيِّزِ الثَّانِي، وَالسُّكُونُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْكَوْنِ الثَّانِي فِي الْحَيِّزِ الأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي الحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُمَا جُزْءَانِ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَجُزْءُ الجُزْءِ جُزءٌ.
فَالْحُصُولُ فِي الْحَيِّزِ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ فَيَكُونُ الْحُصُولُ فِي هذَا الْحَيِّزِ جُزْءَ مَاهِيَّةِ
===
وقوله: "إِنْ لم يَصِحَّ هذا الإِجْمَاعُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. أوجبنا القضاءَ".
وَجْهُ تضعيفِ الإِجماعِ: أَنَّ مُسْتَنَدَ القاضي فيه، أَنَّ السَّلَفَ -﵃- لم يَأْمُرُوا الغُصَّابَ بإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وقَضَائِهَا.
ونَقْلُ الإِجْمَاع بهذا الطريقِ ضَعِيفٌ، وَدَعْوَى الإِجْمَاع مع مُخَالفَةِ أَحْمَدَ، مع شِدَّةِ بَحْثِهِ عن النَّقْلِيَّاتِ- بَعِيدٌ أيضًا.
وَقوْلُ القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ عِنْدَهَا، لَا بِهَا - بَعِيدٌ؛ فَإنَّ مُسْقِطَات الفَرْضِ مَحْصُورَةٌ من نسخ أو عَجْزٍ، أو فِعْلِ غيرِها؛ كما فِي فَرْضِ الكفاية، وليس هذا منها؛ فهو دَعْوَى مسقط لا دَلِيل عَلَيهِ.
قوله: "إِن الصلاة ماهية مركبة .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَنَّ الكَوْنَ مِن أجزاءِ الصلاة، وهو مَنْهِيٌّ عنه، والأمْرُ بالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِجُمْلَةِ أجزائِهَا؛ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الأمْرِ والنهي على الكَوْنِ الواحِدِ.
[ ١ / ٣٩٠ ]
هذِهِ الصَّلاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْمُطلَقُ في مُقَابَلَةِ الْمُطلَقِ، وَالمُقَيَّدُ في مُقَابَلَةِ المُقَيَّدِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الصَّلاةُ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَنهِيٌّ عَنها، وإذَا كَانَ أَحَدُ أَجْزَاءَ الْمَاهِيَّةِ مَنهِيَّا عَنهُ - امْتَنَعَ وُرُودُ الأمرِ بِتِلكَ المَاهِيَّةِ؛ وإلَّا لَزِمَ تَوَارُدُ الأَمرِ وَالنَّهيِ عَلَى الشيءِ الْوَاحِدِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ فَثَبَتَ أَن هذَا الْمُكَلَّفَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ وبِمَا يَأتِي بِمَا أُمِرَ بِهِ، وإن لَمْ يَأتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَبْقَى في الْعُهْدَةِ.
أَمَّا الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ هذِهِ الصَّلاةِ، فقَالُوا: كَوْنُ هذَا الفِعْلِ صَلاةَ: جِهَةٌ مُغَايِرَة لِكَوْنِهَا غَصْبًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ تَنْفَكُّ عَنِ الغَصْبِ، وَالْغَصبَ قَد يَنفَكُّ عَنِ الصَّلاةِ؛ فَهذَانِ أَمْرَانِ مُتَبَايِنَانِ؛ فَلَا يَبعُدُ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا مِن حَيثُ إِنَّها صَلاةَ، وَمَنهِيَّا عَنْهَا مِنْ حَيثُ إِنَّها غَصبٌ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ هذَا الكَلامَ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: أَن الصَّلاةَ المُطْلَقَةَ جُزءُ مَاهِيَّتِهَا الحُصُولُ في الْحَيِّزِ المُطلَقِ، وَهذِهِ الصَّلاةُ المُعَيَّنَةُ جُزْءُ مَاهِيَّتِهَا الْحُصُولُ في هذَا الْحَيِّزِ الْمُعَيَّنِ.
وَالنزَاعُ مَا وَقَعَ في أنَّ الصَّلاةَ المُطْلَقَةَ، هَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا - وإنَّمَا وَقَعَ في أَن الصَّلاةَ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ هَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا؟ !
وهذِهِ الصَّلاةُ مِنْ حَيثُ إِن جُزْءَ مَاهيَّتِهَا هُوَ شَغلُ هذَا الْحَيِّزِ المُعَيَّنِ، فَلَمَّا كَانَ هذَا
===
قوله: "والمُطلَقُ في مُقَابَلَةِ المطلقِ، والمُقَيَّدُ في مقابلة المقيد"- يُشِيرُ إلى دَفعِ مَأخَذِ الفُقَهَاءِ في تعديد الجِهَةِ لِدَفع التَّنَاقُضِ بقولهم: إنَّ جُزْءَ الصَّلاةِ مُطلَقُ الكَونِ، لا الكون المغصوبِ، فَأشَارَ إِلى أنَّ مُطلَقَ الكونِ جُزءُ مُطلَقِ الصَّلاةِ، والكَونَ المغصوبَ جُزءُ الصَّلاةِ الغصبية، وهو مَحَلُّ النزاعِ.
وبذلك أجابَ ثانيًا، ثم تَنَزَّلَ، وقال: ولو سَلَّفنَا تَعَدُّدَ الجهة، إلَّا أَن شَرطَ رَفع التناقُضِ؛ أَلَّا يكونَ من ضَرُورَاتِ الشيءِ ولوازِمِهِ؛ فَإنَّ الأَمرَ بِغَسلِ الوجه، مع مَنعِ أَخْذِ جزءٍ مَن الرأس- يُفضِي إِلى التَّنَاقُضِ، وَيَمتَنِعُ انفكاكُ الصلاةِ في الدَّارِ المغصوبة عنِ الكون المغصوب.
ومُستَنَدُ الفُقَهَاءِ: أَن مَاهِيَّةَ الغَضب مُنفَكَّةٌ عن مَاهِيَّةِ الصلاة في الوجود الذِّهنِيِّ والعَينِى معًا؛ فَإنَّ حقيقةَ الغَضبِ: الاستيلاءُ على مِلْكِ. الغَيرِ بغَيرِ إِذْنٍ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ خُصُوصُ المكان، والصلاةُ تستلزِمُ مُطلَقَ المكانِ لا خُصُوص مكانٍ؛ بدليل صِحَّةِ الأمرِ بها مع الذُّهُولِ عن خُصُوصِياتِ الأمكنة؛ والمَأمُورُ بِهِ لا بُدَّ أَن يكونَ مشعورًا به للآمِرِ.
[ ١ / ٣٩١ ]
الشَّغلُ حَرَامًا - امْتَنَعَ كَوْنُ هذِهِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنهُ وَمِنْ غَيرِهِ: مَأمُورًا بِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ ذلِكَ الفِعْلِ صَلاة وَكَوْنَهُ غَصْبًا - وَجهَانِ مُتَبايِنَانِ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ بَينَهُمَا مُلازَمَةٌ، أَوْ لَا يَحْصُلَ:
فَإن كَانَ الأَوَّل، فَحِينَئِذٍ: لَا يُمْكِنُ إِيجَاد الشَّيءِ، إلَّا مَعَ إِيجَادِ لازِمِهِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وإن كَانَ الثَّانِي، فَحِينَئِذٍ: وَجَبَ أَن يُمْكِنَهُ الإِتيَانُ بِالصَّلاةِ في الدَّارِ المَغْصُوبَةِ، مُنْفَكَّة عَنِ الإِتْيَانِ بِالغَصْبِ؛ وَمَعْلُومْ أَنهُ بَاطِلٌ.
===
وإذَا خرجتِ الخُصُوصِيَّاتُ في الأمرِ والنَّهي، أمكَنَ الجَمعُ بين كونِهِ مُطِيعًا من وَجْه، وعاصيًا من وَجهٍ، ومَثَّلُوهُ: بما لو أمَرَهُ بِكَسرِ آنيةٍ، وَنَهَاهُ عن كَسر الأُخرَى، فَكَسَر إحداهما بالأُخرَى؛ فإنه يُعَدُّ مطيعًا عاصيًا،، وكذلك لو صَلَّى في ثوب مغصوب، أو حرير صَحَّت صَلاتُهُ، مَعَ أَن السِّترَ من شَرَائِطِ الصَّلاةِ، وما ذاك إلَّا أَن خُصُوصَ ما به السِّترُ لم يَدخُل في الأمر، فَصَحَّ أَن يكونَ مَنهِيًّا عَن بَعضِ الخُصُوصِيَّاتِ.
وقَرَّرَ بعضُ الأئمة دفعَ التناقضِ، بِنَاء على مسألة: أَن الفِعلَ حال حُدُوثهِ ليس مأمورًا به، فقال: الصلاةُ، والغَصْبُ ماهيَّتَانِ مُنفَكَّتَانِ في التَّعَقُّلِ والوُجُودِ والطلَب، وليس إحداهما من ضروراتِ الأُخرَى، وإنما اتَّحَدَا حال الوُجُودِ، والفِعل حال الوجودِ ليسَ مأمورًا به، ولا مَنهِيًّا عنه؛ لأنه حاصِلٌ، فَحَالُ الاتحادِ لا أَمرَ، وحالُ الأَمرِ لا اتحادَ.
[ ١ / ٣٩٢ ]