فِي بَيَانِ أَن لَفْظَةَ "مَنْ" وَ"مَا" فِي مَعْرِضِ الشرطِ وَالاسْتِفْهَامِ- لِلْعُمُومِ.
ويدُل عَلَيه وَجْهَانِ:
===
وحدَّه أبو الحُسَين البصري بأنه: "اللفظُ المستغرقُ لِكُل ما يصلح لتناوله بحسب وضع واحد".
فقوله: "المستغرق" يتحرز به عن النكراتِ، مفردة كانت أَو مثناة أو مجموعة.
وقوله: "بحسب وَضْع وَاحِدٍ"- احتراز من تَعْمِيمِ المُشتَرَكِ في مَحَامِلِه؛ فإنه لا يقول به.
قوله: "وَبِهَذَا البَيَانِ ظَهَرَ الخَطَأُ في قَوْلِ من يَقُولُ: المُطلَقُ هُوَ اللفظ الدال على وَاحِدٍ، لا بعينه؛ فإن الوَحدَةَ وعدم التعيين قَيدَانِ" هذا حد الشريف وغيره، وما ذكره وَارِدٌ عليه على ما سَبَقَ.
تقدم البحثُ في حقيقة العُموم، والبحثُ الآنَ في جِهَاته وصيغه:
[ ١ / ٤٢٩ ]
الأَولُ: لَو قَال: "مَن دَخَلَ دَارِي، فَأعطِهِ دِرهَمًا"- كَانَ لَهُ أَن يُعطِيَ جَمِيعَ الدَّاخِلِينَ؛ وذلكَ يَدُل عَلَى العُمُومِ.
===
فجهاته ثلاث: لفظية، وعرفية، وعقلية:
أَمَّا اللفظيةُ: فكالمسلمين، والمؤمنين.
وأَمّا العُرفِيةُ: فكقولهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وليس المرادُ
[ ١ / ٤٣٠ ]
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قَال: "مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَأَكْرِمَهُ"- حَسُنَ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِنْهُ، وَالاسْتِثْنَاءُ مُخْرِجٌ مِنَ الْكَلامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ؛ لِوَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْجِنْسِ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِحَيثُ يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ وَاجِبًا - لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَينَ الاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ؛
===
بالتحريم تحريم ذاتِ الأُمِّ، بل المرادُ ما يفهم منه عُرْفًا مِنْ تحريم وجوه الاسْتمتاعات.
وأما العقلية: فكترتيب الحُكْم على اسم مُشْتقٍّ، يفهم منه التعليلُ، فيعم الحكم جميع أفراده، وهو التعميم؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة ٢٧٥]؛
رَتَّبَ الحِلَّ على مُسَمَّى البيع، فيدل على حِلّه أينما وجد مُسَمَّاهُ إلا أن يمنع منه مانِعٌ.
وَأَمَّا صيغة: فعند المُحَقِّقِين ترجع إِلَى قسمين:
أحدهما: ما يستقل بإفادة العُمومِ من غير ضَمِيمةٍ.
والثاني: ما يفتقر فِي إفادته إِلَى ضميمة.
فالأول: نحو "كُلِّ"، و"جَمِيع"؛ كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، مريد لجميع الكائنات.
[ ١ / ٤٣١ ]
كَقَوْلِهِ: "جَاءَنِي فُقَهَاءُ إِلَّا زَيدًا" وَبَينَ الاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ؛ كَقَوْلِهِ: "جَاءَنِي الْفُقَهَاءُ إلا زَيدًا"، وَلَمَّا كَانَ الْفَرْقُ بَينَهُمَا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ- ثَبَتَ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْجَمْعِ
===
وأسماء الشرط، والاسْتفهام، والموصولات؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]، و: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، وَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤] و: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
والثاني: صيغ المجموع المعرفة بلام الجِنْس، أو الإِضافة:
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، و: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]، وما في معناها من أسماء المجموع؛ كقوله -﵊-: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ".
واسم الجِنْس المَعرَّفُ بلام الجنس؛ كقوله -﵊ -: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ
[ ١ / ٤٣٢ ]
الْمُعَرَّفِ، يَقْتَضِي إِخْرَاجَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ.
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، وَعَنْ آخَرِينَ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ دُخُولُهُ.
===
بِالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ".
والنكرة فِي سياق النفي؛ كقوله تعالى: ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
ولم يختلف العلماءُ فِي إِفادة جملة هذه الصيغِ لِلْعُمومِ مع القرائن. وأما مع تجردهما، فقد اختلف العلماءُ فِي ذلك:
فذهب الفقهاءُ، ومعظم المعتزلة إِلَى أَنَّها حقيقة فِي الاسْتِغراق.
ونُقِل عن الثلجي وغيره: أنها تُحْمَلُ على الأقلِّ؛ لأنه المستيقن، فيحمل الجمع على أقله، والأسماء المبهمة على الواحد.
وتوقف الواقفية على المذهبين فِي الوقف.
ومعتمد الفقهاء فِي التعميم أربع حُجَجٍ:
الأُولَى: حسن مدح المعمم، وذم المقصر.
الثَّانية: حسن الاستثناء.
الثالثة: حسن التوكيد بالمستغرقات.
الرابعة: النقض؛ كقول عُثْمانَ بن مَظْعُون
[ ١ / ٤٣٣ ]
فَنَقُولُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاسْتِثْنَاءُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الآخَرِ؛ صَوْنًا لِلنَّقْلِ عَنِ التَّكْذِيبِ، فَنَقُولُ: جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ، مَجَازًا فِي الصِّحَّةِ -أَوْلَى؛ لأَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُوبِ، وَالْمُلَازَمَةُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْمَجَازِ فَإِذَا جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ-
===
للبيدٍ - حين قال [من الطَّويل]:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالةَ زَائِلُ
كذبت؛ فإِنَّ نَعِيمَ الجنة لا يزولُ.
وقد جعلها صاحبُ الكتاب مَسَائِلَ؛ لاختلافِ اختياره فيها، واختلاف مأخذه، فذكر فِي المسألة الأولى مِنْ أسماءَ الشَّرْطِ "مَنْ"، و"مَا" فرضًا، وتمثِيلًا.
واحتجاجه جَائِزٌ فِي جميع أسماء الشرط، والاستفهام، والأسماء الموصولات. والموصولات، وهي تنقسم إِلى ثلاثة أَقسام:
[ ١ / ٤٣٤ ]
أَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. أَمَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الصِّحَّةِ - لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الْوُجُوبِ؛ لأَنَّ الْوُجُوبَ لا يَلْزَمُ الصِّحَّةَ.
===
منها: ما هو شَرْطٌ فيمن يعلم وهي: مَنْ.
ومنها: ما هو شَرْطٌ فيمن لا يعلم؛ كـ "مَتَى"، "وأيَّان" فِي الزمان، "وَأَينَ"، "وحيثما" فِي المكان، و"ما" فيما لا يعلم فِي الأكثر، وقد تأتي فيمن يعلم للتنويع؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ
[ ١ / ٤٣٥ ]
احَتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ تَأْثِيرُهُ فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ، لَا فِي إِخْرَاجِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ- بِوُجُوهٍ:
===
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، [الجمعة ١]، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣].
ومنها: ما هو صالح للقسمين: كـ "أي"؛ فإِنَّها بحسب ما تضافُ إليه: فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى مَنْ يعلم، كانت شرطًا، وإنْ أُضِيفت إِلَى ما لا يعلم، كانت شرطًا فيه،، وإِن أُضِيفَتْ إِلَى الزمان أو المكان كانت شرطًا فيهما.
قوله: "ويدل عليه وَجْهَانِ:
الأول: أنَّه لو قال: مَنْ دخل داري، فأعْطِه دِرْهمًا -كان له أَنْ يعطي جميع الداخلين"، يعني: ويحسن مدحه على ذلك، ويذم على الاقتصار.
لا يقال: العموم باعتبار القرائن؛ فإِنا نفرضه مع الغيبة، وعدم المناسب؛ كما لو كتب: من قال لك: ألِفٌ، فقل له: بَاء.
لقائل أَنْ يقولَ: إِذا بُولِغ فِي الفرض إِلَى هذا الحَدِّ - فللخَصْمِ منعُ العموم.
قوله: "الثاني: أنَّه لو قال: مَنْ دخل دَارِي، فأَكْرِمْهُ، حسن استثناء كُلِّ داخل من غير العقلاء" يعني على البدل.
قوله: "والاستثناء يخرج مِنَ الكلام ما لولاه لدخل من وجهين:
الأول: أَنَّ المستثنى مِنَ الجِنْس لا بُدَّ وأن يكون بحيث يمكن دخولُه تحت المستثنى منه" يعني: إن لم يكن فرقٌ بين المتصل والمنقطع.
قوله: "وإِنْ لم يكنِ الدخولُ واجبًا، لم يبق فرقٌ بين الاسْتثناء عن الجمع المنكر؛ كقولك: جاءني فقهاء إلَّا زيدًا، وبين الاسثتناء عن الجمع المعرف، كقولك: جاءني الفقهاء إِلَّا زيدًا"، يعني: أن المنكر لا يستغرق ضرورة شُيُوعِه، وإذا لم يستغرق مع حسن استثناء كُلِّ فردٍ من الفقهاء
[ ١ / ٤٣٦ ]
الأَوَّلُ: أَنَّ جُمُوعَ الْقِلَّةِ لا تُفِيدُ إلا مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ منْهَا.
الثَّانِي: أَنَّ سِيبَوَيهِ نَصَّ عَلَى أَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مِنْ جُمُوع الْقِلَّةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "صَلِّ إلا فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ"، مَعَ أَنَّ الأَمْرَ لا يُفِيدُ التَّكْرَارَ.
الرَّابعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "اصْحَبْ جَمْعًا مِنَ الْفُقَهَاءِ إلا فُلَانًا"؛ فَهاهُنَا: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُنَكَّرٌ، وَلَا يُفِيدُ الْجَمْعَ؛ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ [الاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ].
===
منه، يعني فيكون الاسْتثناءُ لإِخراج الصالح للدخول، فلو كان فِي المُعَرَّفِ كذلك، لم يكن فرق.
قوله: "الثاني: أنَّه نقل عن بعضهم: أَنَّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعن آخرين: أنَّه إخراج ما لولاه لصلح".
ويدل على صِحَّةِ ما قاله: أَنَّ الاستثناء مِنَ النصوص لإِخراج الداخل؛ كفوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت ١٤]، ومن مثل قولِه: صَلِّ ركعتين بالفاتحة والمعوذتين إلَّا فِي وقت كذا لإخراج الصالح.
قوله: "فنقول: جعله حقيقةً فِي الوجوب، مجازًا فِي الصحة - أَوْلَى؛ لأن الصحة من لوازم الوجوب، والملازمة شرطُ صحة المجاز" يعني: أَنَّ الأخص يستلزم الأعم، والدال على الأخص بالمطابقة دَالٌّ على الأعم بالتضمين أو الالتزام، ولا ينعكس.
قولُه: "احتج القائِلُون بأنَّ الاستثناء لإِخراج الصالح للدخول بوجوه:
الأول: أَنَّ جُمُوعَ القلة لا تفيد إلا ما دون العشرة".
صوابه أَنْ يَقُولَ: لا تفيد إلا العشرة فما دونها.
قوله: "مع أنَّه يصح الاستثناء منها"، يعني: أنَّه يصح استثناء ما زاد على العشرة بطريق البدَلِ، وما ذاك إلا لصحة الدخُولِ.
قوله: "الثاني: أَنَّ سيبويه نصَّ على أن جَمْعَ السلامة مِنْ جُموع القلة، مع أنَّه يصح الاستثناء مِنْهَا" وجهه ما سبق.
ووجه التوفيق بين ما نُقِل عن سيبويه، وما ذكره الفقهاء: أن يحمل كلام سيبويه على المنكر، أو يقال: أنَّه الأَصْلُ، وغلب استعماله فِي الكثرة، فصار التعميم ثابتًا بالعرف، إِما لغة، أو شرعًا.
قوله: "الرابع: أنَّه يقال: اصْحَبْ جمعًا من الفقهاء .. " إِلَى آخره، يعني بِصِحَّةِ الاسْتثناءِ صحة الاستثناء من المنكر، وقد تقدم.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلَائِلُ، كَانَ قَوْلُنَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
===
قوله: "والجواب: أنَّه لما تعارضت الدلائلُ، كان قولنا أَوْلَى؛ لأنه أكثر فائدة" يعني: أن الوجوب يستلزم الصحة، ولا ينعكس، فكان أكثر فائدة؛ لدلالته على الوجوب والصحة معًا.
وما ذكره مِنَ التَّرْجِيحِ يعارضه أنَّه إِذا كان حقيقةٌ فِي الصحة، لم يكن فِي حمْلِه على الوجُوبِ عند القرينة مُخَالفَةُ أَصْلٍ؛ بخلاف العكس.
والأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الاستثناءُ على قدرٍ مشترك بين الداخل والصالح للدخول؛ دفعًا للمجاز أَيضًا؛ فإِنه على خلاف الأَصْل، فيقال: الاستثناء إِخراج الثاني مِنْ حكم الأول بـ "إلَّا" وأخواتها.
وقد ذكر فِي أول المسألة أن الدليلَ على العموم وجوهٌ، ولم يذكر سِوَى وَجْهَينِ.
ومما احتجَّ به المخصصة أَنَّ أظهرَ هذه الأسماءِ فِي اقتضاء العموم "مَنْ"، وقد سمع عن العرب تثنيتها، وجمعها فقالت: مَنْ، ومَنَانْ، ومَنُونْ، ومَنَهْ، ومَنْتَانْ، ومَنَاتْ.
وقال الشَّاعر [الوافر]:
أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: الجِنُّ، قُلْتُ: عِمُوا ظَلَاما
والمرادُ مِنْ التثنية والجمع: التكثيرُ، ولا معنى لذلك لو كانت مفيدةً للكثرة المستغرقة.
وأُجِيبَ: بأن ذلك ليس تَثْنيةً حقيقة، ولا جمعًا حقيقيًّا، وإنما هي زيادات ألحقت فِي باب الحكاية للنكرات؛ حرصًا على البيان؛ بدليل أنَّهم لم يستعملوها فِي الوصْلِ، ولا فِي غير الحكاية، ولم يحرِّكُوا نونه، وإنَّما ذلك فِي حكايات النكرات مع الاستفهام خاصَّة، وفي البيت شذوذٌ من وجوهٍ:
أحدُها: استعمالُه فِي غير الحكاية.
والثاني: اسْتعماله فِي الوصْلِ.
والثالث: تَحْرِيكُ النُّونِ.
[ ١ / ٤٣٨ ]