الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ صِدْقًا، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ كَذِبًا، وَإمَّا أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ:
أَمَّا الَّذِي يُعْلَمُ كَوْنُهُ صِدْقًا، فَهُوَ عَلَى قِسْمَينِ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا حُصُولُ الْمُخبَرِ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذلِكَ عَلَى كَوْنِ الْخَبَرِ صِدْقًا، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا كَوْنُ الْخَبَرِ صِدْقًا، ثُمَّ
===
لأنه جعل جِنْسَ الخَبَرِ القَوْلَ، وهو أَعَمُّ من الكَلَامِ الاصْطِلَاحِيِّ. ومن قال فِي حده: هُوَ الكَلَامُ المَحْكُوم فيه بنسبة خَارِجِيَّةِ؛ ليخرج التعجب، والطَلب، والاستفهام، وسائر الإنشاءات- فلا بَأْسَ به، وقد احترز فيه عن السؤالين.
قوله: "وَالمُختَارُ: أَنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الخَبَرِ تَصَوُّرٌ بَدهِيٌّ، والدليل عليه: أن كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بالضرورة صِدْقَ قَوْلِنَا: الوَاحِدُ نِصْفُ الاثنين، وهذا خَبَرٌ خَاصٌّ، وتصور الخَبَرِ الخاص مَوْقُوفٌ على تَصَوُّرِ أَصْلِ الخَبَرِ، فلما كان تَصَوُّرُ الخَبَرِ الخَاصِّ بدهيًّا، وَجَبَ أن يكون تَصَوُّرُ أصل الخَبَرِ بدهيًّا":
يقال له: لا يَلْزَمُ من الحُكْمِ على الشَّيءِ بأنه ثابت بالضَّرُورَةِ، تصور مَاهِيَّتِهِ بالضَّرُورَةِ؛ لما علم أن الحُكْمَ على الشَّيءِ إنما يَتَوقَّفُ على الشُّعُورِ به من وَجْهِ ما، وقد تَمَيَّزَ الشَّيءُ عن غيره بالأمُورِ الخارجية الخَاصَّةِ به؛ فإنا نَعْلَمُ بالضرورة وُجُودَ أَرْوَاحِنَا، وإن لم نتصور مَاهِيَّتِهَا، ونُوقِشَ فِي دَعْوَى الضَّرُورَةِ، والاستدلال عليها.
وأُجِيبَ عنه بأن ذلِكَ للتَّمْثِيلِ، أو بأنه لا يَلْزَمُ من العِلْمِ بالشيء ضَرُورَةَ العِلْمُ بكيفيته ضرورةً، ثم ما ذكره لا يَمْنَعُ من الحَدِّ اللفظي، فلعله مُرَادُ الأَصْحَابِ.
فإن قيل: قد قررتم أن الخَبَرَ قِسْمٌ من أقسام الكلام، وأنه مُبَايِنٌ للأَمْرِ، والنهي، وغيرهما، وجميع السُّنَّةِ تسمى أخبارًا وإن اشتملت على الأَوَامِرِ والنَّوَاهِي.
قلنا: إِطْلَاقُ ذلك عليها لَا بِاعْتِبَارِ إِشْعَارِهَا، بل من وَجْهَينِ آخرين:
أحدهما: أن الرَّسُولَ - ﷺ - أَخبَرَ عن اللهِ -تعالى- أنَّه أَمَرَ بها، أو نهى عنها، أو لأنه أخبر بها.
الثاني: أن طَرِيقَ وُصُولِهَا إلينا بِإِخْبَارِ من سَمِعَهَا منه، ﷺ.
قوله: "المسألة الثانية: الخَبَرُ إما أن يعلم كَوْنُهُ صِدْقًا، أو يعلم كَوْنُهُ كذِبًا، أو يتوقف فيه".
[ ٢ / ١٣٢ ]
يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُقُوعِ الْمُخبَرِ عَنْهُ:
أَمّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ: فَهُوَ مَا إِذَا عُلِمَ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَوْ بِالحِسِّ أَوْ بِالدَّلِيلِ- حُصُولُ شَيءٍ؛ فَإِذَا أُخبِرَ عَن حُصُولِهِ؛ فَحِينَئِذٍ يُعْلَمُ كَوْن ذلِكَ الْخَبَرِ صِدْقًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا إِذَا عُرِفَ -أَوَّلًا- كَوْنُ الْخَبَرِ صِدْقًا، ثُمَّ يُستَدَلُّ بِذلِكَ عَلَى حُصُولِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ-: فَهذَا عَلَى أَقسَامٍ:
===
يعني بالتوقف: عدم الجَزْمِ بأحدهما، وهذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيضًا إلى ثلاثة أَقسَامٍ:
إلى ما يتَرَجَّحَ فيه احْتِمَالُ الصِّدْقِ؛ كخبر العدل، وإلى ما يترجح فيه احْتِمَالُ الكَذِبِ؛ كخبر من عُرِفَ بالكَذِبِ، وإلى ما لا يَتَرجَّحُ فيه أَحَدُهُمَا؛ كخبر المَجْهُولِ الحَالِ.
قوله: "أما الَّذي يعلم كونه صِدْقًا، فهو على قِسْمَينِ؛ لأنه إما أن يعلم أولًا حصول المُخْبَرِ عنه، فَيَستَدِلُّ بذلك على كون الخَبَرِ صِدْقًا، وإما أن يُعْلَمَ أَوَّلًا كون الخَبَرِ صِدْقًا، ثم يَسْتَدِلُّ به على وُقُوعِ المُخبَرِ عنه":
يعني: أنَّه يعلم صِدْقَ الخَبَرِ أَوْلًا؛ لعلمه بِصِدْقِ المخبر؛ فإن بين صدق الخبر وصادقية المخبر ملازمة من الطرفين؛ فيستدل بِثُبُوتِ أحدهما على ثبوت الآخَرِ وبنفيه على نفيه؛ فصدق المُخْبِرِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ الخَبَرِ، وصدق الخبر يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ المُخْبَرِ عنه.
قوله: "أَمَّا الأَوَّلُ فإنه إذا علم بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أو بالحِسِّ أو بالدَّلِيلِ، حُصُولُ شَيءٍ- فإذا أخبر عنه؛ فحينئذ يُعْلَمُ كَوْن ذلك الخَبَرِ صِدْقًا:
مثال الأَوَّلِ: الإِخْبَارُ بأن النَّفْيَ والإثبات لا يَجْتَمِعَانِ، ولا يرتفعان.
ومثال الثاني: الإخْبَارُ بأن السَّمَاءَ فوقنا والأَرض تَحْتَنَا، وَيَقْرُبُ من هذا النَّوْعِ الإِخْبَارُ عن الوجدانيات؛ كالإِخْبَارِ بأن الإِنْسَانَ يَلِدُ، وَيألَمُ، ويفرح، ويحزن.
ومثال الثالث: الإِخْبَارُ بأن العَالمَ حَادِثٌ، وصانعه قديم. ومن أَنْوَاعِهِ أَيضًا الإِخْبَارُ بالعُلُومِ عَادَةً؛ كالإِخبار عن إِنْسَانٍ نشاهِدُهُ بأنه مَخلُوقٌ من أبوين، أو بأن الموتى الآن لم يُنْشَرُوا.
قوله: "وأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي -وهو ما إذا عرف أولًا كون الخبر صِدْقًا، ثم يستدلُّ بذلك على حُصُولِ المخبر عنه- فهذا على أقسام: الأول: خبر الله -تعالى- فإنه يَجبُ أن يكون صِدْقًا: يعني: فِي سائر الأَدْيَانِ، وإن اختلفت مآخذهم.
قوله: "لأن الكَذِبَ صِفَةُ نَقصٍ، وهو على الله -تعالى- مُحَالٌ. والعلم به ضروري":
[ ٢ / ١٣٣ ]
الأَوَّلُ: خَبَرُ الله تَعَالى، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا؛ لأَنَّ الْكَذِبَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَهُوَ عَلَى الله مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ.
وَأمَّا الْقَائِلُونَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَذِبُ قبيحٌ لِذَاتِهِ؛ وَهُوَ كَوْنُهُ كَذِبًا. وَالله تَعَالى عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبَائِحِ وَبِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ؛ وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ، امْتَنَعَ صُدُورُ الْقُبْحِ مِنْهُ.
===
يقال له: لا نسلم أنَّه يَلْزَمُ من مُجَرَّدِ العِلْم بأن الكَذِبَ صِفَةُ نقص، وأن النَّقْصَ مُحَالٌ على الله تعالى- وجوب اتِّصَافِهِ بالصدق ضرورة ما لمَ يُفِدْ أولًا مَعْنَى الكَلَامِ المُضَافِ إلى الله -تعالى- ويتبين صحة اتِّصَافِهِ به، ووجوبه له، وأنه لا وَاسِطَةَ بين الصِّدْقِ والكَذِبِ؛ وحينئذ يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ اتِّصَافِهِ بالكذب- وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالصِّدْقِ، وهذه المَطَالِبُ الأَرْبَعَةُ نظرية.
أما الكَلَامُ المَوْصُوفُ بأنه وَاجِبُ الوجود:
[ ٢ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالأَشَعَرِيَّةُ تفسره بالقول النَّفسِيِّ، وسائر الفِرَقِ تَمْنَعُ ثُبُوتَهُ غائبًا، وشاهدًا، والحشوية تُفَسِّرُهُ بحروف وأَصْوَاتٍ قديمة قائمة بذاته -تعالى- وبلسان القارئ ولهاته.
والكرامية تقول: الكَلَامُ هو الحُرُوفُ والأَصْوَاتُ الحادثة، وهي قَائِمَةٌ بذاته ﷾، ولا يَتَّصِفُ بها، وإنما يتصف بالقابلية، وهي القُدْرَةُ على القول.
والمعتزلة فَسَّرَتْ كَلَامَهُ -﷾- بحروف وأَصْوَاتٍ يخلقها فِي جَمَادٍ، والنَّظَّامُ
[ ٢ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زعم أَنَّ الكَلَامَ أَجْسامٌ لطيفة تَتَشَكَّلُ فِي الهَوَاءِ، وتقرع الأسماع، والصَّابئة والفلاسفة مَنَعَتْ وَصْفَ وَاجِبِ الوجود بشيء من ذلك، وَزَعَمَت أن الكَلَامَ المَنْسُوبَ إليه كلَامٌ اعتباري، وهو ما يفهم من آثارِ الصُّنْعِ؛ كقوله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهو مجاز؛ كقوله: [من الرجز]:
امْتَلأَ الحَوْضُ وَقَال: قَطْنِي
والجَاحِظُ يزعم أن بين الصِّدْقِ والكذب وَاسِطَةً، واحتج بقوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
[ ٢ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨].
ومع هذا الاخْتِلَافِ العَظِيم كيف يدعى اتِّصَافه بالصِّدْقِ ضرورة، بمجرد أن الكَذِبَ صِفَةُ نَقصٍ، وأن النَّقْصَ مُسْتَحِيلٌ عليه؟ !
فإن قيل: أخذنا هذه المَطَالب مسلمة من عِلْمِ الكَلَامِ وبنينا عليها وجوب اتصافه بالصدق ضرورة.
فيقال: فهلا أخذ وجوب الصِّدْقِ لله -تعالى- مسلمًا من عِلْمِ الكلام أيضًا، فإنه من مَبَادِئ هذا العِلْمِ، ولا يبرهن عليه فيه؟ !
وقَد نقل عن الغزَّالي مَسْلَكَينِ وضعفهما:
الأول: إخبار الرسول بامْتِنَاع الكذب على الله -تعالى- وضعَّفه بأن صِدْقَ الرَّسُولِ مَبْنِيٌّ على دلالة المُعْجِزَةِ، ودلالة المعجَزة مُتَوَقِّفَةٌ على إثْبَاتِ الصدق لله -تعالى- فإنها تنزل مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بالقول، فما لم يثبت الصِّدق لله -تعالى- لا يَدُلُّ على صِدْقِ الرَّسُولِ، فإثباته به دَوْرٌ.
وقد أَجَابَ الأَصْحَابُ عنه بِجَوَابَينِ:
أحدهما: أن المعجزة تَدُلُّ على الصِّدْقِ والتصديق معًا؛ فلا دَوْرَ.
والثاني: أن دَلالةَ المُعْجِزَةِ على الرِّسَالةِ لا تَتَوقَّفُ على إثبات الكَلَامِ، والصدق لله تعالى.
قال الإمام: فإن من ادَّعَى الرِّسَالةَ فِي مَلأٍ من مَلِكٍ، وادعى صحة رِسَالتِهِ بأن الملك يغير عادته المَأْلُوفَةَ، ويوافقه فيما ادعاه المثال المشهور، فطابقه -علم الحاضرون صدقه، وإن كان فيهم من ينفي كلام النفس. ثم ما ذكره من الدَّوْرِ لَازِمٌ له على المسلك الَّذي اختَارَهُ؛ فإن حَاصِلَ دَلِيلِهِ رَاجِعٌ إلى وُجُوب نَفْي النَّقَائِصِ عن الله -تعالى- واعتمد جمهور الأَصْحَاب فِي نَفْي النَّقَائِصِ عنه بالإجماع، فإن الفِرَقَ مُجْمِعَةٌ على وُجُوب اتْصَافِهِ -تعالى- بالكمال، واستحالة اتِّصَافِهِ بالنَّقْصِ، وإن اخْتَلَفوا فِي تعيين ما هو الكَمَالُ: فإذا كان معتمدهم
[ ٢ / ١٣٧ ]
الثاني: خَبَرُ الرَّسُولِ - ﷺ - وَذَلِكَ أَنَّهُ ادَّعى كَوْنَهُ صَادِقًا وَأَثْبَتَ بِالْمُعْجِزَةِ صِدْقَهُ فِي دَعْوَاهُ؛ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا.
===
الإجْمَاعَ، ونُوزِعُوا فِي نَفْي النَّقِيصَةِ المُضَادَّةِ للكمال، فَأَثْبَتُوهَا بِالإِجْمَاع، والإجماع من الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وجميع الأدِلَّةِ السَّمْعية تُبْنَى على صِدْقِ الرسول، وصدق الرَسول مَبْنِيٌّ على دَلالةِ المُعْجِزَةِ-: لزمه الدَّوْرُ بعين ما ذكر المُخَلِّصِ لَهُ أن يستدل على نَفْيِ النَّقَائِصِ بالعَقْلِ، فإن البَارِئَ وَاجِبُ الوُجُودِ، وكل ناقص جائز محتاج.
المَسْلَكُ الثَّانِي للغزالي: أن كَلَامَ الله -تعالى- قَائِمٌ بذَاتِهِ، والكلام النَّفْسِيُّ يَسْتَحِيلُ عليه الكَذِبُ فِي حَقِّ من يمتنع عليه الجَهْلُ.
واعترض عليه بِمَنْعِ المُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، فقال: لا أُسَلِّمُ أن الكَذِبَ على الكَلَامِ النَّفْسِيِّ فِي حق من يَمْتَنِعُ عليه الجَهْلُ مُحَالٌ؛ فإن ذلك ليس بَدهِيًّا.
وهذه الحُجَّةُ أَشَارَ إليها الإمَامُ، وقررها بأن الله -تعالى- عَالِمٌ بثبوت أَشيَاءَ أو نفيها، وكل عالم ففي نفسه حَدِيث مطابق لِمَعْلُومِهِ بالضَّرُورَةِ، ولا معنى للخبر الصادق إلا ذلك.
وإذا تَقَرَّرَ وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بالعلم القديم والصدق القديم، فالإخبار بالكَذِب إنما يُتَصَوَّرُ عن جهل بحال المُخْبَرِ عنه، أو بِفَرْضِ تَقْديرِ الحال بِخِلَافِ ما هو عَلَيهِ من العلمِ، وهو أيضًا جَهْلٌ؛ لعدم مُطَابَقَتِهِ للخارج؛ ولأن التَّقريرَ فعل المَقْدُورِ، ولا يكون إلا حَادِثًا، والبَارِئُ -تعالى- لا يوصف بِحَادِثٍ وفرض قيام الجَهْلِ به مُحَالٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّه نَقْصٌ.
والثاني: أن قِيَامَهُ به إما مع اتِّصَافِهِ بالعلم، أو مع انْتِفَائِهِ، والأَوَّلُ جمع بين الضِّدَّينِ، والثاني يستلزم عَدَمَ القَدِيمِ؛ وكلاهما مُحَال.
قوله: "وأما القَائِلُونَ بتحسين العَقْلِ وتقبيحه، فإنهم يقولون: الكَذِبُ يُقَبَّحُ لكونه كذبًا، والله -تعالى- عَالِمٌ بالقَبِيح مع كونه غَنِيًّا عنه، وكل من كان كذلك امْتَنَعَ صُدُورُ القُبْحِ منه" يعني: مع كونه حَكِيمًا.
وما قالوه بِنَاء على مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الكَلَامَ من صفات الأَفْعَالِ، لا من صفات المعاني، وتقييده باسْتغنَائِهِ عَنْهُ احتراز من مثل كَذبَةٍ فيها نَجَاةُ نَبِيٍّ تَصْدُرُ من العَبْدِ؛ فإن أبا هَاشِم حَكَمَ بحسنها، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك من الله تعالى؛ لأنه لا يَتَعَيَّنُ طريقًا لِلنَّجَاةِ منه؛ فإنه قَادِرٌ على منعه منه، وقد أَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا على أصولهم أن الله -تعالى- إذا خَلَقَ على لسان متهم: سَرَقْتُ وَزَنَيتُ، وكان المتكلم مَن فعل الكلام، لا من قَامَ به - أن يَكُونَ الله- تعالى -هو المُتَّصِفَ بذلك، ونحن لا نَمْنَعُ أن يُطلَقَ على الله -تعالى- كونه مُتَكَلِّمًا بخلقه الكَلَامَ إذا وَرَدَ به سمع، ولكنا لا نَقُولُ: إنه يَعُودُ إليه من أفعاله صِفَات تَقُومُ به، وإنما تنسب إليه بالخلق، والاختراع، وإلا لزام أن يَكُونَ بِخَلْقِهِ الصَّوْتَ مصوتًا، وبخلقه الحركة مُتَحَرِّكًا؛ فالصدق إذن، فِي كلام الله -تعالى- النَّفْسِيِّ ثَابِتٌ؛ لمطابقته المَعْلُومَ على ما هو به، وفي الأَقوَالِ المَنْسُوبَةِ إليه الدَّلالةُ على كلامه النفسي؛ لمطابقتها الكَلَام المطابق للعلم.
قوله: "الثَّاني: خَبَرُ الرَّسُولِ - ﷺ -؛ وذلك أنَّه ادَّعَى كَوْنَهُ صَادِقًا، وأثبتت المعجزة صِدْقهُ فِي
[ ٢ / ١٣٨ ]
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ ادَّعَى كَوْنَهُ صَادِقًا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، وَثَبَتَ بِالْمُعْجِزَةِ كَوْنُهُ صَادِقًا فِي هذِهِ الدَّعْوَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ صَادِقًا فِي هذِهِ الدَّعْوَى- كَوْنُهُ صَادِقًا فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى"؟ !
===
دَعْوَاهُ، فوجب القَوْلُ بكونه صَادِقًا":
أورد عليه إِشْكَالٌ، فقيل له: إذا كان من مَذهَبِكُمْ أن الله -تعالى- يُضِلُّ من يَشَاءُ، ولا يقبح منه شيء، ولا مَانِعَ من ظُهُورِ المُعْجِزَةِ على يد الكَاذِب؛ وحينئذ لا يَثبُتُ صِدْقُهُ.
وَأُجِيبَ عنه بِجَوَابَينِ بِنَاءً على الاخْتِلَافِ فِي وَجْهِ دلالة المعجزة أنها عَادِيَّةٌ، أو عَقلِيَّةٌ:
فمن قال: إِنها عادية -وهو اختيار الإمَامِ- قال: وإن جَوَّزنَا ذلك عَقْلًا، إلَّا أن ذلك لا يمنع جَزْمَنَا بدلالتها على الصِّدْقِ، بناء على استمَرار العَادِيَّاتِ؛ كما أنَّا وإنْ جوَّزنَا أن يقلب الله -تعالى- الجبل ذَهَبًا لا يمنع جَزْمَنَا بأنه الآن بَاقٍ على صِفَتِهِ، ولو وقع لانْسَلَّت العُلُومُ من الصدور.
وأما من قال: إِن دلالتها عَقْلِيَّةٌ -وهو اختيار الأستاذ أبي إِسْحَاقَ- فإنه يقول: إن تَخْصِيصَ هذا المدعي بِخَلْقِ الخارق على وفْقِ دَعْوَاهُ وتحديه- دليل على إرادة الله -تعالى- لتصديقه؛ لما دَلَّ تخصيص المُمْكِنَاتِ بوجوه صَحَّ فِي العَقْلِ وقوعها على خِلَافِهَا على أنَّهُ -تعالى- مُريدٌ لذلك.
فنقول فِي جَوَابِهِ: إنه لا يصِحُّ على هذَا التَّقْدِيرِ صُدُورُهَا على يَدِ كَاذِبٍ؛ لأن الدَّلِيلَ العَقلِيَّ يدل بذاته ونفسه، فلو وجد غير دَال لا نْقَلَبَ الدَّلِيلُ شُبْهَةً، وقلب الأجناس محال.
وأما أن اللهَ -تعالى- يُضِلُّ من يَشَاءُ- فنقول: يضل من يَشاء، ولكن لا بالدَّلِيلِ من الوَجْهِ الَّذي كان به دَلِيلًا.
قوله: "فإن قَالُوا: لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إنه ادعى كَوْنَهُ صَادِقًا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، وثبت بالمعجزة كونه صَادِقًا فِي هذه الدعوى، ولا يلزم من كونه صادقًا فِي هذه الدعوى: كونه صادقًا فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى":
حاصل هذا الاعتراض القول بِمُوجَبِ الدَّلِيلِ بأنه يَقُولُ بأنكم ادعيتم وُجُوبَ صِدْقِهِ فِي كل ما يخبر به، ودليلكم لا يَدُلُّ إلا على صِدْقِهِ فِي الإخبار عن نُبُوَّتِهِ.
[قوله]: "قلنا: لا معنى للنبوة، إلا كونه مُبَلِّغًا لِلأَحْكَامِ عن الله -تعالى- فإذا جَوَّزنَا كذِبَهُ فِي شيء، فقد بَطَلَتِ النُّبُوَّةُ، وإن لم نُجَوِّز ذلك، فهو المَقْصُودُ فيه":
[هذا] استدراك؛ فإن معنى النُّبُوَّةِ اصْطِفَاؤُهُ بأن يُوحَى إِلَيهِ، فإن أمر بعد ذلك بِتَبْلِيغِ ما أوحى إليه كان رَسُولًا، فكل رسول نَبِيٌّ، وليس كل نبي رَسُولًا، ومراد المُصَنِّفِ بالنبوة
[ ٢ / ١٣٩ ]
قُلنَا: لَا مَعْنَى لِلنُّبُوَّةِ إلا كَوْنُهُ مُبَلغًا للأَحْكَامِ عَنِ الله تَعَالى، فَإِذَا جَوَّزنَا كَذِبَهُ فِي شَيءٍ مِن هذَا، فَقَدْ بَطَلَتِ النُّبُوَّةُ، وإنْ لَمْ نُجَوِّز ذلِكَ فَهُوَ الْمَقْصُودُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَجْمُوعَ الأُمَّةِ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكَذِبِ- كَانَ قَوْلُهُم صِدْقًا.
الرَّابِعُ: كُلُّ مَنْ أَخبَرَ الله تَعَالى عَنْهُ أَوْ أَخبَرَ رَسُولُ الله -﵇- أَوْ دَلَّ الإجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ صَادِقًا- ثَبَتَ الْحُكمُ فِيهِ.
===
الرِّسَالةُ؛ فوقعت العِبَارَةُ مستدركةً. ثم التبليغ لا يَختَصُّ بالأَحْكَام كما ذكر؛ فإن الرُّسُلَ -صلوات الله عليهم- مُبَشِّرُونَ مُنْذِرُونَ، وكما اشْتَمَلَ القُرآنُ على الأحْكَامِ، اشتمل على المَوَاعِظِ، والحكم، والأَمْثَالِ، والوَعْدِ، والوعيد، والإِنْبَاءِ عن قَصَصِ الأَوَّلين، والإخبار عما سَيَكُونُ.
وبالجملة: فإن المُعْجِزَةَ تَدُلُّ على الوَجْهِ الَّذي تحدى به؛ فإن ادعى النبوة فقط، وأقام المُعْجِزَةَ عليها، فلا بد من دَلِيلٍ زائد على عِصْمَتِهِ فيما يخبر به عن الله تعالى- بيان ادَّعى أنَّه رَسُول عن الله -تعالى- فِي جَمِيع ما يُبَلِّغُهُ عنه، فلا حَاجَةَ فِي عِصْمَتِهِ فِي ذلك إلى دَلِيلٍ زَائِدٍ على المُعْجِزَةِ.
قوله: "الثالث: أنَّه لما ثَبَتَ أن جَمِيعَ الأُمَّةِ مَعْصُومُونَ عن الكَذِبِ، كان قَوْلُهُمْ صدقًا":
هذا القَوْل حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، لكنه لا يَصِحُّ منه دَعْوَاهُ مع اختياره أن دَلَائِلَ الإِجْمَاعِ ظنية.
قوله: "الرابع: كل من أَخْبَرَ الله -﷿- عنه، وكل من أخبر رسول الله - ﷺ -، أو دَلَّ الإِجْمَاعُ على كَوْنِهِ صَادِقًا- يثبت هذا الحكم فيه":
يعني: أن كُلَّ من ثبت صدقه فهو صَادِق، وقد قِيلَ: إنَّ من الأَنْبِيَاءِ من لم يَكُنْ له
[ ٢ / ١٤٠ ]
الْخَامِسُ: الْقَرَائِنُ إِذَا حَصَلَت مَعَ قَوْلِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ يُفِيدُ العِلْمَ؛ كَمَا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَرِيضًا، ثمّ إِنَّ وَلَدَهُ خَرَجَ حَافِيًا حَاسِرًا مَشقُوقَ الْجَيبِ مُنَادِيًا بِالْوَيلِ وَالثُّبُورِ- فَإنَّهُ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأَنَّ ذلِكَ الإنْسَانَ قَدْ مَاتَ. وَهذِهِ الْقَرَائِنُ غَيرُ مُطَّرِدَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ ذلِكَ الإنْسَانَ لَم يَمُتْ، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْمَوْتَ لِغَرَضٍ آخَرَ؛ إلا أَنَّ ذلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْقَرَائِنِ مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ.
===
مُعْجِزَةٌ، بل اكتفى فِي صِدْقِهِ بتصديق نَبِيٍّ له ثبت صدقه.
قوله: "الخامس: إِذَا احتفت القَرَائِنُ مع القول الوَاحِدِ، فقد يفيد العلم؛ كما إذا عَلِمْنَا أنَّ رَجُلًا كان مَرِيضًا، ثم إن وَلَدَهُ خرج حَافِيًا حَاسِرًا مَشْقُوقَ الجَيب، مُنَادِيًا بالوَيل والجَزَع؛ فإنه يحصل لنا العلم بأن ذلك الإنْسَانَ قد مَاتَ- وهذه القَرَائِنُ غير مُطَّرِدَةٍ؛ فإنه يمكَن أن يظَهر أن ذلك الإنْسَانَ لم يَمُت، وأنه أَظهَرَ المَوْتَ لِغَرَضٍ آخر، إلا أن ذلك لا يَقْدَحُ فِي كون القَرَائِنِ تُفِيدُ العِلْمَ فِي الجُمْلَةِ":
زعم النَّظّامُ، والإمام، والغزالي أن مِثْلَ هذا الخَبَرِ يفيد العِلْمَ.
وقال القاضي وغيره: لا يفيد.
واحتج المُنْكِرُونَ بوجوه:
الأَوَّلُ: قالوا: لو أَفَادَتِ القَرَائِنُ العِلْمَ بما ظهر الأَمرُ بخلافه، وقد يَظهَرُ مع ما ذكره من القَرَائِنِ البُكَاة والندبة، والنِّيَاحَةُ، وتغيير الأحوال، وحضور الكَفَنِ، وخُرُوج الجَنَازَةِ، وغير ذلك- كونه مُغمى عليه أو مسكتًا أو خبل بذلك لغرض خوف سلطان أو غيره.
الثَّاني: لو أَفَادَتِ القَرَائِنُ العِلْمَ، لجاز إلَّا يدل خبر التَّوَاتُرِ؛ لانتفاء القَرَائِنِ؛ ولأنه لَوْ دَلَّ لَاطَّرَدَ فِي كلِّ خبر وَاحِدٍ.
وأجيب عن الأَوَّلِ بأن الظُّهُورَ على خِلافِ الأَمْرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لا يمنع دلالتها مُطْلَقًا، ونحن لم نَدَّع وُجُوبَ إفَادَةِ القَرَائِنِ.
الثالث: ذلك فِي كلل صورة، وإنما ادَّعَينَا أنها قد تُفِيدُ على الجُمْلَةِ، وهذا يُضَاهِي قَوْلَ الفُقَهَاءِ: إن تَعْلِيلَ الثُّبُوتِ على الجملة لا ينتقض بانتفاء الحكم فِي صورة؛ كتعليل أصل البيع بالحاجة، ينتقض بِعَدَم شَرْعِهِ فِي بياعات نهي عنها بعينها مع الحَاجَةِ اليها، كيف وإِنَّ قَرَائِنَ الأَحْوَالِ قد تَستَقِلُّ بِإِفَادَة العِلْم؛ كما يعْلَمُ بها خَجَلُ الخَجِلِ، وخوف الخائف، وحال العَطْشَانِ، والمحب، ويكذب عند ادعاءَ خلافه.
وعن الثاني: أن التَّوَاتُر لا يَنْفَكُّ عن القَرَائِنِ، ولو سلم انْفِكَاكُهُ، فهو إِلْزَامُ عكس الدليل،
[ ٢ / ١٤١ ]
السَّادِسُ: التَّوَاتُرُ، وَفِيهِ أَبحَاثٌ:
الأَوَّلُ: فِي شَرائِطِ التَّوَاتُرِ؛ وَهيَ ثَلاثةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُخبَرُ عَنْهُ مَحسُوسًا، أَمَّا لَو أَخبَرَ أَهْلُ الشَّرقِ وَالغَربِ عَنْ حُدُوثِ العِلمِ وَوَحدَةِ الله تَعَالى، لَم يَحصُلِ العِلمُ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ الْخَبَرِ.
===
وإنه غير لازِم؛ فإنا ادَّعَينَا أن احتفاف القرائن يخبر الوَاحِدِ قد يُفِيدُ العِلمَ، ولم ندَّعِ أنه لا يُفِيدُ العِلمَ إلا ذلك، فقد تَقِلُّ القَرَائِنُ وتجتمع مع إِخبَارَاتٍ، فيكون متواترًا، وقد يَكْثُرُ العَدَدُ، وينفرد بإفادة العِلمِ على رأي القاضي وأبي الحُسَينِ إن أمكن.
وعن الثالث: أنا نطرده في كل خَبَرٍ احتَفَّت به القَرَائِنُ المعلمة لا في مُطلَقِ خَبَرِ الواحد، ومثل هذا الخَبَرِ إذا أَفَادَ العلم لا يكون من المُتَواتِرَاتِ، بل من جنس الحدسيات.
قوله: "السَّادس الخَبَرُ المُتَوَاتِرُ":
التواتر في اللغة: تَتَابُعُ أمور شَيئًا فَشَيئًا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] وفي الاصطِلاحِ: عبارة عن خَبَرِ جَمَاعةٍ يفيد العلم بنفسه، وتقييدهم له بـ"نَفسِهِ" ليخرج منه خبر جَمَاعَةٍ عُلِمَ صِدْقُهُم بإخبار صَادِقٍ أنهم صَادِقُونَ، أو غيره. وهو مُفِيدٌ لِلعِلمِ عند اجتِمَاعِ شَرَائِطِهِ، سواء كان عن مَوجُودٍ في زَمَانِنَا، أو في زَمَانٍ مَاضٍ.
قوله: "وَفِيهِ أَبحَاثٌ: البَحْثُ الأَوَّلُ في شَرَائِطِ التَّوَاتُرِ، وَهِيَ ثَلاثةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ
[ ٢ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المُخبَرُ عَنهُ أَمرًا مَحسُوسًا، أمَّا لو أخبر أَهلُ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ عن حُدُوثِ العَالمِ، وَوَحِدَةِ الإِلَهِ، لم يحصُلِ العِلمُ بمجرد ذلك الخبر.
[ ٢ / ١٤٤ ]
الثَّانِي: كَونُ المُخبِرِينَ بِحَالةٍ يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَتلكَ الحَالةُ المَانِعَةُ عَن
===
واشتراط كَونِ المُخبَرِ عَنهُ مَحسوسًا يَتَضَمَّنُ اشتِرَاطَ كونه مَعلُومًا لِلمُخبرَ، وشَرَطَ الإِمَامُ أن يكون عن اطِّرَادٍ، وهو أَعَمُّ من مَحسوسٍ، ومراده أن يَدْخُلَ فيه ما يُستَفَادُ من قَرَائِنِ الأَحوَالِ لا الأَوَّليَّات؛ فإن كُلَّ وَاحِدٍ يَعلَمُ ذلِكَ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ؛ فلا حَاجَةَ فيه إلى الخَبَرِ، وقد حَافَظَ على عَكسِهِ، فأبطل طرده.
قال الإِمَامُ: والفَرقُ بين حُصُولِ العِلم عن ذلك، وعَدَمِ حُصُولِهِ أَن الأَخبَارِ عن المستَند إلى النَّظَرِ- ليس مما يُحَاولُ المَرءُ فيه تَعلِيلًا، وفَرقًا، أو دَلِيلًا؛ بل المَرجِعُ فيه إلى العَادَةِ؛ فإنا رَأَينَا العَادَةِ مُستمِرَّة في النفي والإِثبَاتِ.
وقال الغَزَّاليُّ: وَلَعلَّ الفَرقَ أن المُخبِرَ عن حُدُوثِ العَالمِ قد يُخبِرُ عن اعتِقَادِهِ، ولا قَرِينَةَ تَمَيِّزُهُ عن العِلم، ويمكن الفَرْقُ بأنهم إذا أَخبَرُوا عن مَحسُوسٍ، فقد تَوَارَدُوا على مُخبَرٍ وَاحِدٍ بعينه، وإذا أخَبروا عن نَظَرٍ، فكُل وَاحِدٍ منهم إنما يُخبِرُ عن نَظَرِ نَفسِهِ؛ فلم يَتحِدِ المُخبَرُ عنه.
قوله: "وَالثانِي كون المُخبِرِينَ بحالةٍ تَمْنَعُ اتفَاقَهُم على الكَذِب، وتلك الحَالةُ المَانِعَةُ من إِمكَانِ الكذب قد تَكُونُ بِبُلُوغِ المُخْبِرِينَ في الكثرة إلى حَيثُ لا يمكنَ اتِّفَاقُهُم على الكَذِبِ، وقد
[ ٢ / ١٤٩ ]
إِمْكَانِ الكَذِبِ قَد تَكُونُ بِبُلُوغِ المُخبِرِينَ في كَثرَتِهِم إِلَى حَيثُ يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُم عَلَى الكَذِبِ؛ وَقَد تكُونُ بِحصُولِ سَائِرِ القَرَائِنِ.
وَهذَانِ الشَّرطَانِ كَافِيَانِ في كَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُونَ
===
تكُونُ بِحُصُولِ سَائِرِ القَرَائِنِ، وهذان شَرْطَانِ كَافِيَانِ في كَونِ الخَبَرِ المتواتر يفيد العِلمَ".
قلت: اخْتَلَفَ النَّاسُ في شُرُوطِ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، وقد اعتبروا شُرُوطًا منها ما يَصِحُّ، ومنها ما لا يَصِحُّ: فأما ما يَصِحُّ: فمنها ما يَعُودُ إلى المخبرين، وهو ما ذَكَرَهُ من الشَّرطَينِ.
ومنها ما يَعُودُ إلى السَّامِعِينَ، وهو ألا يكون مُوجبُ التَّوَاتُرِ مَعْلُومًا بالضرورة للسَّامِعِ؛ فإنه إذا كَانَ حَاصِلًا امتَنَعَ إِفَادَةُ الخَبَرِ له، وشَرَطَ المُرْتَضى من الشَّيعَةِ ألا يَكُونَ مُعْتَقِدًا نقيضِهِ عن شُبهَةٍ، أو تَقلِيدٍ، وإنما شرط ذلك؛ لِزَعْمِهِ تَوَاتُر النَّصِّ على إِمَامَةِ عَلِيٍّ - كرم الله وجهه - وإن كان لا يُفِيدُ العِلمَ عند خُصُومِهِم؛ لاعتقادهم نقيض ذلك.
قوله: "هذَا إِذَا كَانَ المُخبِرُونَ يخبرون عن مُشَاهَدَ، وأما إن اخبَرُوا أن قَومًا أَخبَرُوهُمْ بأن الأَمرَ كذلك، وَجَبَ اعْتِبَارُ الشَّرطَينِ المَذكُورَينِ في تلك الوَاسِطَةِ":
يعني: أنه يُشتَرَطُ في الطبَقَةِ الثانِيَةِ ما اشتُرِطَ في الأُولَى، وكذلك الثالِثَةُ، والرَّابعَةُ إلى أن يَصِلَ إِلَينَا؛ كَنَقلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلَينَا.
وأما الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ: فِقد شَرَطَ قَوْمٌ ألا يَحويَهُم بَلَدٌ، ولا يحصرهم عَدَدٌ، وهو باطل؛ فإن أَهل جَامِعِ "بغداد" مَثَلًا لو أخبَرُوا عن سُقُوطِ مُؤَذِّنٍ عن المَنَارَة يوم الجُمُعَةِ، لأفاد العِلمَ.
ومنهم من شَرَطَ إلَّا يكونوا من أَهْلِ بَلَدٍ وَاحِدٍ ولا من أَبٍ وَاحِدٍ، وهو بَاطِلٌ؛ فإن أَهلَ "قسطنطينية" لو أَخبَرُوا بِمَوتِ مَلِكِهِم لأفَادَ العِلمَ.
وشرط اليَهود أَن يكونوا تَحتَ ذِلَّةٍ وصَغَارٍ؛ ليحاولوا بذلك القَدْحَ فيما نَنْقُلُهُ من مُعجِزَاتِ الرسول - ﷺ - وأُلْزمُوا ألَّا يَحْصُلَ لهم عِلمٌ بنقل شَرِيعَتِهِم قبل ذِلَّتِهِم، ولو شرط عكسه، لَكَانَ أَقرَبَ؛ لاستِغنَائِهِم عن الكَذِبِ.
وشرط الإِمَامِيَّةُ، ويُعزَى إلى ابن الرَّاوندي اشتِمَالهُمْ على الإِمَامِ المَعصُومِ، وقد سَبَقَ
[ ٢ / ١٥٠ ]
يُخبِرُونَ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ. فَأمَّا إِن أَخْبَرُوا أَن قَوْمًا أَخبَرُوهُم بِأَن الأَمرَ كَذلِكَ - وَجَبَ اعتِبَارُ الشَّرطَينِ المَذْكُورينِ في تِلْكَ الْوَاسِطَةِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: في أَنَّ الخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمِ؛ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَمَّا سَمِعنَا أَنَّ في الدُّنْيَا بَلْدَةً يُقَالُ لهَا:: "الصِّينُ" - وَجَدَّنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةً في وُجُودِ هذِهِ البَلْدَةِ، وَلَمَّا سَمِعْنَا أَنَّهُ كَانَ في الدُّنْيَا إِنْسَان يُقَالُ لَهُ: "مُوسَى" وَ"عِيسَى" - وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةَ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ المُتَوَاتِرَ، يُفِيدُ العِلمَ.
===
بُطلانُهُ، ويلزمهم ألَّا يحْصُلَ العِلمَ بقول دُعَاتِهِ، وَرُسُلِهِ، ولا بخبر أهل بلدة ليس هو منها.
ولا يُشتَرَطُ فيهم العَدَالةُ، ولا الإسلامُ؛ لحُصُولِ العِلمِ بدون الجميع.
قوله: "البَحثُ الثَّاني: في أنَّ الخَبَرَ المُتَوَاتِر يفيد العِلمَ، وتقريره: أنا لما سَمِعْنَا أن في الدُّنيا بَلدَةٌ يقال لها: "الصِّين" وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةٌ في وُجُودِ هذه البَلدَةِ، ولما سَمِعنَا أن في الدنيا إِنسَانًا يقال له: "موسى" و"عيسىى" وَجَدْنَا نُفُوسَنَا سَاكِنَةً، وذلك يَدُلُّ على أن الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ يفيد العِلمَ":
وقد أَشارَ بهذين المِثَالينِ إلى أنه يُفِيدُ العِلْمَ، سواء كان في زَمَانِنَا، أو في المَاضِي.
وقد أنكرت فِرقَةٌ من المُلحِدَة البَرَاهِمَةِ تعرف بـ "السُّمَنِيَّةِ" إِفَادَتَهُ العِلمَ عن الماضي؛ تَوَسُّلًا إلى القَدْحِ في النُّبُوَّاتِ؛ فإنه من مُقَدِّمَاتِهَا، ومنهم من مَنَعَ إِفَادَتَهُ لِلعِلْمِ مُطلَقًا؛ خشية المُنَاقَضَةِ.
ولنا: أنا نجِدُ من أَنْفُسِنَا العِلمَ الضَّرُورِيَّ بوجود البِلادِ النَّائِيةِ، والأمم السَّالِفَةِ بمجرد الإِخبَارِ، كما نجد العِلمَ بالأُمُورِ المُشَاهَدَاتِ من غير أن يُعَارِضَنَا فيه شَكٌّ ولا شُبهَة، وجميع ما يُورِدُونَهُ تَشكِيكٌ في الضروريات، لا يستحق الجَوَابَ لولا التَّنَزُّلُ، وقد تَمَسَّكُوا بأمور:
الأول: قالوا: التَّفَاوُتُ حَاصِل بين مُوجَبِ هذه الإخبارَاتِ، وبين قولنا: الواحد نصفُ الاثنين، والتفاوت دليل عَدَمِ العِلمِ؛ إذ لا تَفَاوُتَ في العُلُومِ.
الثاني: أن خَبَرَ كُل وَاحِدٍ يَتَطَرَّقُ إليه الكَذِبُ، والخَطَأ، والنسيان، والإجماع لا ينفيه؛ لأنه مَانِع منه في الاثنين، والثلاثة، والأربعة، والعَقلُ لا يَهتَدِي لتعيين عَدَد؛ فَوَجَبَ أن يبقى الجَوَاز.
قالوا: وَهذَا كَقَولِكُمْ في إِبطَالِ حَوَادِثَ لا أَوَّلَ لها: إنه لَمَّا كَانَ لكل حَادِث بذاته، كان للمجموع بذاته.
الثَّالِثُ: قالوا: لو أَفَادَ العِلمَ، لأفاد خَبَرُ اليَهُودِ العِلمَ ببقاء شَرِيعَةِ موسى - ﵇ -، وهو عدد كثير، وكذلك خَبَرُ النَّصَارَى بِصَلبِ المَسِيحِ، - ﵇ -.
[ ٢ / ١٥١ ]
الْبَحْثُ الثَّالِثُ:
قَال الكَعْبِيُّ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِيبَ سَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ نَظَرِيٌّ.
===
وأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأن التَّفَاوْتَ رَاجِعٌ إلى كثرة الاسْتِئنَاسِ بِتَصوُّرِ إحْدَى القضيتين دون الأُخْرَى.
وعن الثَّانِي: أَنَّا لا نُنْكِرُ تَطَرُّقَ الجَوَاز العَقلِيِّ، وإنما الاعْتِمَادُ في حُصُولِ العِلْمِ به على العَادَةِ، وللقرائن فيه مَدْخَلٌ عظيم، ولذلك يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُخْبِرِينَ، والمخبر عنه.
وعن الثالث: أنا لا نُسَلِّمُ تحقق شَرَائِط التَّوَاتُرِ في أَخبَارِ اليَهُودِ؛ فإن من شَرَائِطِهِ اسْتِوَاءَ الطرفين والوَاسِطَةِ، والكثرة في اليَهُودِ تُخْبِرُ عن قِلَّةٍ، فإن بختنصر لم يُبْقِ من أَحبَارِهِمْ من تَقُومُ الحُجَّةُ بنقلهم.
وقيل: إن ابْنَ الرَّاونْدِيّ لَقَّنَهُمْ ذلك، ولا يعرف من غير جِهَتِهِ.
وأما خَبَرُ النَّصَارَى فالمُتَّفَقُ عليه صَلْبُ شَخص على شَبَهِ المَسِيحِ، وهو خَرْقُ عَادَةِ، والكلام في إِفَادَةِ التوَاتُرِ العِلمَ مَبْنِيٌّ على اسْتِقْرَارِ العادة.
قوله: "البَحْثُ الثالث: قال الكَعْبيُّ: العِلْمُ الحَاصِلُ عَقِيبَ سَمَاع الخَبَرِ المتواتر- نَظَريٌّ، وقال البَاقُونَ: ضَرُورِيٌّ، وهو المُختَارُ؛ لأن هذا العِلْمَ يَحْصُلُ للعَوَامِّ والأَطفَالِ، مع أن الدَّلِيلَ الذي يَذكُرُونَهُ في كَوْنِ التَّوَاتُرِ يفيد العِلْمَ- دقيق، على ما بَيَّنَّا في كتاب "المَحْصُولِ"، وبَيَّنَّا أن العِلْمَ الظَّاهِرَ الحاصل لكل أَحَدٍ على طَرِيقِ الخَفَاءِ- مُحَالٌ":
اعلم أن القَوْلَ بأن هذا العِلْمَ نَظَرِي مَكسُوبٌ بالاستدلال يُعْزَى إلى الكَعْبِيِّ، وأبي الحُسَينِ، وأبي بكر بن الدَّقَّاقِ، واعتذر له الإمام، وللغزالي صَغْوٌ إليه في بعض كُتُبِه، وتوقف فيه المُرْتَضَى من الشَّيعَةِ، والآمدي.
وقال الجمهور: إنه ضَرُورِيٌّ.
واحتجوا بما أَشَارَ إليه، وهو أن العِلْمَ النَّظَرِيَّ يَتَوَقَّفُ على أَهْلِيَّةٍ، وحصول العلم به بدون أَهْلِيَّةٍ من البُلْهِ والصِّبْيَانِ- دَلِيلٌ على أنه ليس بِنَظَرِيٍّ. واعتذروا عما أُلْزِمُوا بأنه قد يَلْتَبسُ العلم النظري بالضَّرُورِيِّ؛ لقرب مُقَدَّمَاتِهِ من الصورة، ولزومها في الذِّهْنِ، فَيَشتَرِكُ فيه الأَكَثَرُ، ويظن أنه ضَرُورِيٌّ؛ وليس كذلك، كَعِلْمِنَا بأن الوَاحِدَ نصْفُ الاثنين.
وأُجِيبَ عنه بأن حُصُولَ العِلْمِ بِأَمْرٍ مع عَدَمِ الشعُورِ به- مُحَالٌ، وفيه مغالطة؛ فإن الكَلامَ في صفته.
واحتج الكَعْبِيُّ بأنه لو كان ضَرُورِيًّا، لعلم كونه ضَرُورِيًّا.
وأجاب القاضي وغيره عنه بأَنَّهُ لا يَلْزَمُ من العِلْمِ بالشيء؛ ضَرُورَةً أن تعلم صِفَتُهُ بالضرورة.
وضعف الجواب بأن العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالعِلْمِ بالشيء، أما أن يَكُونَ نَفْسَ ذلك العِلْمِ المُتَعَلِّقِ
[ ٢ / ١٥٢ ]
وَقَال الْبَاقون: إِنَّهُ ضَرُورِيٌّ؛ وَهُوَ الْمُختَارُ؛ لأَنَّ هذَا العِلْمَ يَحْصُلُ لِلْعَوَامِّ وَالأَطْفَالِ، مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يُذكَرُ فِي كَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَواتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ- دَلِيلٌ دَقِيقٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي "كِتَابِ الْمَحْصُولِ" [وبيَّنَّا:] أَن العِلْمَ الظَّاهِرَ الْحَاصِلَ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالطَّرِيقِ الخَفِيِّ فحَالٌ.
الْبَحْث الرَّابعُ: أَنَّهُ لَيسَ لِلتَّوَاتُرِ عَدَدٌ يُسْتَدَلُ بِحُصُولِهِ عَلَى حُصُولِ العِلْمِ بِهِ؛ فَإِنَّ كُلِّ
===
بذلك الشَّيءِ، أو غيره: كان غَيرهُ، لَزِمَ التسلسل، وإن كان إِيَّاهُ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون العِلْمُ الواحد ضَرُورِيًّا نظريًّا معًا.
واحتج له الغَزَّالِيُّ بما حاصله أن الضَّرُورِيِّ هو الذي يكفي في إِدْرَاكِ تَصَوُّرِ طَرَفَي القضية من غير وَاسِطَةٍ، والنظري عكسه، وإدْرَاكُ أنهم صَادِقُونَ لا يَكْفِي فيه تَصَوَّرُ مُجَرَّدِ الخَبَرِ، بل لا بد من النَّظَرِ في أَحْوالِ المُخْبِرِينَ بأنهم لا دَاعِيَ لهم إلى الكَذِبِ، وأحوال المخبر عنه، وهذه المُقَدِّمَاتُ نَظَرِيَّةٌ، والموقوف على النظَرِيِّ نَظَرِيٌّ، فنقول: هؤلاء لا دَاعِيَ لهم إلى الكَذِبِ، وكل من لا دَاعِيَ له إلى الكَذِبِ صَادِقٌ.
وأُجِيبَ عنه بأن مُجَرَّدَ نَظم الدَّلِيلِ لا يَمْتَنِعُ في غَيرِ ما ذكر من الضَّرُورِيَّاتِ، ولا ينكر أنه لا بد في حُصُولِهِ من تَأمُّل في حَال المُخْبِرِينَ والمخبر عنه، لكن ذلك ليس باسْتِدْلالٍ بِأَوْسْاطٍ ومقدمات، وإنما هو تَفَطنٌ لتحقق الأَسْبَاب العادية؛ فإن الضَّرُورِيَّ يَنْقَسِمُ إلى ما لا يَتَوَقَّفُ على سبب؛ كالأَوَّليَّاتِ، ومنها: ما يَتَوَقَّفُ على سبب؛ كالحِسِّيَات والتجريبيات وغيرها، فإن رُؤْيَةَ الهِلالِ الخفي لَا بُدَّ في العِلْمِ به من مَعْرِفَةِ الجِهَةِ؛ وتحديق البَصَرِ نحو المرئي وترديده في الجهة، وذلك لا يخرجه عن كونه ضَرُوريًّا، وكذلك العِلْم بِخَجَلِ الخجِلِ، وَوَجَلِ الوَجِلِ، وهذا مَنْشَأُ التَّرَدُّدِ في هذه المسألة، والله أعلم.
قوله: "البَحْثُ الرَّابعُ: المُخْتَارُ عندنا: أنه ليس لِلتَّوَاتُرِ عَدَدٌ يستدل به على حُصُولِ العِلْمِ، وإن كان عَدَدًا لفرض في القُوَّةِ والضَّعْفِ، بل متى علمنا حُصُولَ العِلْمِ به، عَلِمَنَا أن الأَحْوَال المُوجِبَةَ للعلم كَانَتْ حَاصِلَة على سبيل التَّمَامِ والكَمَالِ":
اختلف العُلَمَاء في أقل عَدَدِ التَّوَاتُرِ: فقيل: خمسة؛ لأن الأَرْبَعَةَ بَيِّنَةٌ تقبل التَّزْكِيَةَ.
قال القاضي: اعْلَمْ أَن قَوْل الأَرْبَعَةِ لا يفيد العِلْمَ أَصْلًا؛ إذ لو أَفَادَ، لَكَانَ قول كُلِّ أربعة صَادِقًا؛ لاسْتِوَاءِ حكم المِثْلَينِ، ولو كان كذلك، لَمَا وَجَبَ تزْكِيَةُ شهود الزِّنَا، وأتوقَّفُ في قول الخمسة.
وأورد عليه: أنه لا مَعْنَى لِتَوَقُّفِهِ في الخمسة؛ فإن ما قرره في أن الأَرْبَعَةَ لا تكون عَدَدَ التواتر- مُطَّرِدٌ فيها، فإن القاضي قد يَسْتَظْهِرُ بخامس وسادس، ويفتقر إلى التَّزْكِيَةِ، وإنما أبهم عليه؛ لأنه لا يشترط فيه القرائن، وإلا فقد يفيد مع الانْضِمَامِ.
[ ٢ / ١٥٣ ]
عَدَدٍ يُفْرَضُ فِي القُوَّةِ وَالضَّغفِ- فَالعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ، إِنْ حَصَلَ ذلِكَ الْعَدَدُ بِنُقْصَانِ وَاحِدٍ أَو اثْنَينِ يُسَاويهِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَمَتَى عَلِمْنَا حُصُولَ الْعِلْمِ، عَلِمْنَا: أَنَّ الأَحْوَال الْمُوجِبَةَ لِلْعِلْمِ كَانَت حَاصِلَةً عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
الْبَحْثُ الْخَامِسُ: مَتَى سَمِعْنَا الْخَبَرَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَسْمَعُهُ غَيرُنَا، وَلَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ- عَلِمْنَا قَطعا أَنَّهُ غَيرُ مُتَوَاتِرٍ.
===
وقيل: أقله اثنا عشر؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢].
وقال أبو الهُذَيلِ: أقله عشرون؛ لقوله تَعَالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
وقيل: أربعون؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وكانوا أربعين.
وقيل: سبعون؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وإنما اختارهم ليخبروا قَوْمَهُمْ.
وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل "بَدْرٍ"؛ إذ بهم اسْتَقرَّ الدين.
وقيل: عدد بيعة الرِّضوانِ، وكانوا ألفًا وسبعمائة، ولا يخفى سقوط هذه التحكمات، ويكفي في ذلك عَدَمُ تعلقها بالمقصود، ومعارضة بعضها بعضًا.
قال الإمام: ولسنا نَجِدُ حَدًّا في القَلِيلِ والكثير؛ كما ورد تَحْدِيدُ الشهود، فإن رَامَ ذُو تَحْصِيلٍ في ذلك ضَبْطًا، فليفرض خبر واحد عن مَحْسُوسٍ، وخبر اثنين، ثم كذلك يَزِيدُ صَاعِدًا، وهو في ذلك يعلم ما يَزِيدُ إلى أن يَنْتَفِيَ الرَّيبُ، وَيحْصُلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ؛ فذلك عَدَدُ التَّوَاتُرِ.
قال: فإن اتَّفَقَ مِثلُ هذا العدد في صُورَةٍ أخرى غير مُوجِب للعلم، فذلك كتخلل كاذبين، وما ذكره قاله القَاضِي في بَعْضِ كُتُبِهِ؛ بناء على مَذْهَبِهِ أن العَدَدَ يستقل بِتَحْصِيلِ العلم دون القَرَائِنِ.
والذي ارتضاه المُحققون أن للقرائن فيه مَدْخَلًا عَظِيمًا في إِفَادَتِهِ للعلم، ولا يكاد يَتَجرَّدُ عنها وإن ظَنَّ المَرْءُ تَجْريدَ نَفْسِهِ عنها؛ وعلى هذا قَالُوا: لا ضَابِطَ له، إلا ما أَفَادَ العِلْم على ما ذكره المُصَنفُ، ورب سبب لشيء لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ سَبَبًا إلا بَعْدَ حُصُولِ أَثَرِهِ؛ كالقَدْرِ المُحَصَّلِ للشبَع من الطعام، والقدر المُحَصَّلِ للرِّيِّ من المَاءِ، ولا ينكر حُصُول العلم بخبرهم بِتَزَايُدٍ خَفِيٍّ، لكَن العَقْلَ لا يضبطه؛ كما يَحْصُلُ كَمَالُ العَقْل بتزايد، والقُوَى البَشَريَّةُ قَاصِرَةٌ عن دَرْكِ ذلك.
قوله: "البَحْثُ الخامِسُ: متى سَمِعْنَا الخَبَرَ على الحَدِّ الذي سمعه غَيرُنَا، ولم يَحْصُل لنا العِلْمُ، علمنا أنه غَيرُ متواتر":
تَصْويرُ هذا الفرع على رَأْي مَنْ يعتقد استقلال العدد بإفادة العلم واضح، وأما من يعتقد أن لِلْقَرَائِنِ فيه مَدْخَلًا؛ كالإِمَامِ والمصنف- ففيه عُسْرٌ؛ فإنها تَخْتَلِفُ بِاختِلافِ المُخْبِرِينَ وَالمُخْبَرِ
[ ٢ / ١٥٤ ]
وَمِثَالُهُ: أَنَّ الرَّوَافِضَ يَدَّعُونَ التَّوَاتُرَ فِي النَّصِّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- فَلَمَّا سَمِعْنَا هذَا الْخَبَرَ المُتَوَاتِرَ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ فِي إِمَامَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَمَا أَفَادَ -أَلْبَتَّةَ- ظَنَّ الصِّدْقِ فَضْلًا عَنِ الْيَقِينِ-: فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ ذلِكَ الْخَبَرِ.
===
عنه، وإن من القَرَائِنِ ما لا يمكن تَجْرِيدُ النَّفْسِ عنها، وإن اعتقد تجريدها، ففرض تَسَاوي نُفُوسِ السَّامِعِينَ فيه عُسْرٌ.
قوله: "مِثَالُهُ: أن الرَّوَافِضَ يدعون التَّوَاتُرَ في إِمَامَةِ عَلِيٍّ - ﵁ - على الوَجْهِ الذي سمعوه، فعلمنا أنا سَمِعْنَا هذا الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ الذي يَذْكُرُونَهُ في إِمَامَتِهِ على الوَجْهِ الذي ذَكَرُوهُ، وما أفاد ألْبَتَّةَ الظَّنَّ فَضْلًا عن اليقين؛ وذلك يَدُلُّ على كَذِبِ هذا الخَبَرِ":
هذا المثال ليس مُطَابِقًا؛ فإن خَبَرَ النصِّ انْضَافَ إليه أن العَادَةَ تقتضي بِكَذِبِهِ على ما سَيَأْتِي تَقرِيرُهُ.
وأما مَسْأَلَةُ دَعْوَى النَّصِّ، فاعلم أن من يَدَّعِي النَّصَّ على إِمَامَةِ عَلِى ثلاث فرق: فرقة تَزْعُمُ أن النبي - ﷺ - عليه باسْمِهِ، وعَيَّنَهُ، وعلى الحمسن بعده، والحسين، وهم الأكَثَرُونَ، وفرقة تَزْعُمُ أنه - ﵇ - نَصَّ عليه باسمه، وَعَيَّنَهُ، ونصَّ على وَلَدَيهِ بعده.
والفرقة الثالثة: تَزعُمُ أنه نَصَّ عليه بِصِفَاتِهِ لا باسمه، وبالجملة: فكل من ادَّعى نَصًّا على إِمَامَةِ شَخْصٍ بعينه من علي، أو أبي بكر، أو العَبَّاسِ -رضوان الله عليهم أجمعين- فالرد على الجَمِيع وَاحِدٌ؛ وهو أن هذا أَمْرٌ خطير تَتَشوَّفُ النُّفُوسُ إليه، لا سيما عند دُعَاءِ الحَاجَةِ إليه، وحَيثُ لم ينقل عند اشْتِوَارِهِمْ يوم السَّقيفَةِ، ولا عند عَهْدِ أبي بكر لعمر، ولا عند [ما] جَعَلَهَا
[ ٢ / ١٥٥ ]