الأَكَثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ "افْعَل" تُفِيدُ التَّرْجِيحَ، وَهؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّهُ مُتَعيِّنٌ لِلْوُجُوبِ؛ وَهُوَ المُخْتَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّهُ دَائِرٌ بَينَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أوْجُهٍ:
الأَوَّل: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشتَرَكًا بَينَهُمَا؛ بِأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
===
كان المأمورُ به مرادَ الوقوعِ من الله تعالى، لَمَا صحَّ نسخه.
ولهم فِي هذه القاعدة مَنْعٌ، وعلى الاحْتِجاج بالآية مقاومة مذكورة فِي الكتب المطولة.
وقد نتخيَّلُ أَنَّ فِي دعواه: أَنَّ تصور الطلب بدهى، مع احْتِجَاجِه على بداهته - تناقضًا؛ فإِنَّ البدهي لا يحتج عليه.
ويُمَكِنُ أَنْ يُقال: لا يلزم مِنْ تصوُّرِ الشيء بالبديهةِ إِدْرَاكُ وصفه بالدهية.
قولُه فِي القيد الثالث: "على سبيل الاسْتِعلاء لا العُلُوْ، واضحٌ، وقد تقدم البحثُ فيه فِي حَدِّ المعتزلة.
[قوله]: "صيغة افْعَلْ تفيد الترجيحَ، وهؤلاء اختلفوا .. " إلى آخر نقل المذاهب.
قوله: تفيد الترجيح: يعني ترجيح الفِعْل على التَّرْكِ؛ وإِنَّما قيده بالأكثرين احترازًا مِنْ مذهب الواقفية، ومِنْ مذهب مَنْ يُنَزلها على الإباحة.
وبالجُمْلَةِ: فإنَّ "افعل" تَرِدُ لِسِتَّة عَشَرَ معنى:
الأول: الوُجُوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةُ﴾ [البقرة ٤٣].
[ ١ / ٢٤١ ]
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحْدِهِمَا، مَجَازًا فِي الثَّانِي؛ إلا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَيِّهِمَا، وَمَجَازٌ فِي أَيِّهِمَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ التَّرْجِيحِ المَانِعِ مِنَ النَّقِيضِ، وَبَينَ التَّرْجِيحِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ النَّقِيضُ، وَلَا دَلالَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ لَا عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، وَلَا عَلَى الإِذنِ فِيهِ، وَهذَا الوَجْهُ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
وَمِنْهُمُ مَنْ قَال: إِنَّهُ يُفِيدُ النَّدْبُ؛ وَهذَا القَوْلُ قَويٌّ أَيضًا.
===
الثاني: النَّدْب؛ كقولِه تَعَالى: (فَكَاتِبُوُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور ٣٣].
الثَّالث: الإِبَاحَة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢].
الرابع: التهديد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠].
الخامس: الإِرْشَاد؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة ٢٨٢] فيفارق الندب: بأنه لمصالح الدُّنْيَا.
السادس: التَّأدِيب؛ كقوله - ﵊ - لِابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -: "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ".
ويفارق الإِرْشَادَ: بأنَّه لحقِّ الغير.
السابع: التَّسْويَة؛ كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور ١٦].
الثامن: الإِهَانَة؛ كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩].
التاسع: الاحْتِقَارُ؛ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢].
العاشر: الإِنذار؛ كقوله تَعَالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهم ٣٠].
الحادي عشر: الامْتِنان؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف ١٦٠].
الثاني عشر: الإِكرام؛ كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].
الثالِثَ عَشَر: التَّعْجِيز؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨].
[ ١ / ٢٤٢ ]
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالوُجُوبِ بِوْجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلَهُ تَعَالى لإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وَلَيسَ المُرَادُ مِنْهُ
===
الرابعَ عَشَر: الدعاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَاغْفِر لَنَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
الخَامِسَ عَشَر: التكوين؛ كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].
السَّادِسَ عَشَرَ: التمنِّي؛ كقول امرِئ القيس [الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّويلُ أَلَا انْجَلِي
ومنهم من لم يَعُدْ الإِنْذَارَ، واكتفى بالتهديدِ، واتفق الجميعُ على أنّ استعمالها فيما عدا الأربعة الأول بطريق المجاز.
واختلفوا فِي الأربعة الأُوَلِ: وهي الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد: فذهب الأَشْعريُّ والقاضي إلى: أَنَّها مشتركة فِي الأربعة، ومقتضاها عند عدم القَرَائِنِ الوقْفُ.
ومنهم من غَلَا فِي الوَقْفِ، فقال: يحتمل إِطْلَاقها بطريق الحَقِيقة فِي الجميع، أو فِي البعْضِ، والباقي مجازٌ، إلا أَنَّا لَا نَدرِي، فيكون الوقْفُ فِي المراد، وكيفية الوضع معًا.
ومنهم مَنْ أخرج التهديد، وزعم أنها مترددة بين الثلاثة.
ومنهم مَنْ أَخْرَج الإِباحة أَيضًا، قَال: وهي مُتَرَدِّدَةٌ بين الوجوب والندب، وهو معنى قول صاحب الكتاب: اتفق الأكثرون على أَنَّ صيغة "افْعَلْ" تُفِيدُ التَّرْجِيحَ، فتخرج الإِبَاحَة، والحِظر؛ لأنَّ الإباحةَ لا ترجيح فيها للفعل على الترك، ولا لِلتَّرْكِ على الفِعْل، والحظر ترجيحٌ لجانب الترك.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الاسْتِفْهَامَ؛ لأَنَّهُ عَلَى الله تَعَالى مُحَالٌ، بَلِ الذَّمَّ؛ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّرْكِ بَعْدَ وُرُودِ الأَمْرِ؛ هذَا هُوَ الْمَفهُومُ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: "مَا مَنَعَكَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ؛ إِذ أَمَرْتُكَ؟ ! " إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفْهِمًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، لَمَا ذَمَّهُ اللهُ تَعَالى عَلَى التَّرْكِ، وَلَكَانَ لإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ: "إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ، وَمَا أَوْجَبْتَهُ عَلَيَّ؛ فَكَيفَ تَلُومُنِي؟ ! ".
===
وهؤلاءِ اختلفوا على ما ذكر:
فمنهم مَنْ قَال: هي حَقِيقَةٌ فيهما، ولا تعين لأَحدهما إلا بقرينة.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّها حقيقة فِي أحدهما، مجازٌ فِي الآخر، إلا أنا لا ندري أيهما الحقيقة.
ومنهم مَنْ قال: تُفِيدُ أَصْل الترجيح، أما أنَّه مانع من النقيض، أو غير مانع، فلا يعرف إلا بقرينة.
قوله: "وهذا الوجْهُ أَحْسَنُ الوجوه" يعني: لِخُلوِّه عن الاشْتِرَاكِ، والمجاز.
ومنهم بَنْ قال: تُفِيد النَّدْبَ؛ لأَنَّهُ المتيقن، ولحوق الذم بالترك مشكوكٌ فيه.
ومذهب الفقهاء: أنها حقيقةٌ فِي الوجُوب، مجازٌ فِيمَا عداه. ثم اختلف هَؤلَاءِ:
فمنهم مَنْ قال: تفِيدُ الوُجُوبَ وضعًا، ومنهم من قال: تفيده شرعًا، والحجج تأتي على المذهبين، إِنْ شاء اللهُ تعالى.
قوله: ﴿إِذ أَمَرْتُكَ﴾ وليس المراد منه الاسْتفهامَ" يعني: أنَّ الاستفهامَ يلزم منه الاستبهام، وهو جهل، وهو على الله تعالى محالٌ، فَتَعَيَّنَ حمله على مجازه، وهو إما التقرير؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
أو التوبيخ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ﴾ [يس: ٦٠].
وهذا التوبيخ والذم على الترك مِنْ خاصية الوجوب، فدلَّ على أَن الأمر فِي الآية للوجوب.
قوله: "فإِنْ قالوا: لعل الأمر فِي تلك اللغة كان مفيدًا للوجوب":
تقريره: بأَنَّ النزاع لم يقع فِي أن الأمر يذم تاركه، وإنما النزاع فِي أن "افعل" بمجردها للوجوب، أو لا؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِن أمر الملائكة الَّذي يشمل إبليس كان بصيغة "افعل"، ولعلَّه كان بصيغة ناصة من لغةٍ أخرى، فلا تفيد ذلك المطلوب.
قوله فِي الجواب: "قلنا: الظاهر يقتضي تَرْتِيبَ الذمِّ على مخالفة الأمر بأيّ لغَةٍ كان".
يقال له: هذا لا يدفع السؤال؛ فإنَّ تلك اللغة جاز أَنْ تكون ناصَّةً؛ فلا تفيد المطلوب.
وقد أُجِيب عنه بجوابٍ آخرَ: وهو أن المطلق يُحْمَل على المقيَّد إذا اتحدت الواقعةُ؛ وقد قال الله تعالى فِي آية أخرَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة ٣٤]، وقال تعالى: ﴿فَإذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدينَ﴾ [الحجر ٢٩].
[ ١ / ٢٤٤ ]
فَإنْ قُلُتَ: "لَعَلَّ الأَمْرَ -فِي تِلْكَ اللُّغَةِ- يُفِيدُ الْوُجُوبَ؛ فَلِمَ قُلْتَ بِأَنَّهُ فِي هذِهِ اللُّغَةِ كَذلِكَ؟ ! ":
قُلْتُ: الظَّاهِرُ يَقتَضِي تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلَى مُخَالفَةِ الأَمْرِ، فَتَخْصِيصُهُ بِأمْرٍ خَاصٍّ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لُهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَا قِيلَ لَهُمْ: "افْعَلُوهُ"؛ وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ ظَاهِرَ الأَمْرِ لِلْوْجُوبِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ - ﵊ - دَعَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - ﵁ - فَلَمْ
===
ويرد عليه: أنَّه لا يتعين أَنْ يكونَ قد ورد الأمر بنفس هذه الصيغة، بل جاز أَنْ يكونَ ذلك ترجمةً فِي سائر قَصَصِ الأنبياءِ المحكيَّةِ عنهم فِي القرآن بألْفَاظٍ مختلفة.
ويرد على أصل الدليل أَنَّه يحتمل إِفادته الوجوبَ لاِنْضِمام قرائن.
وأُجِيبَ عنه: بأَنَّ الأصل انتفاءُ القرائن، ولو كان هذا الاحتمال ضَارًّا لسقط الاحتجاج بسائر الظواهر والأحوال، بل الظاهر مِنَ الآية: أَنَّ الذم لم يكن لمجرد الترك، بَل للترك بصفة الإِبَاءِ، والاسْتكبار، وَزَعْمِهُ أنَّ الأمر بسجود الأعلى لِلأَدْنَى خلاف الحكمة؛ ولهذا حكم بكفره، فلم يكنِ الذَّم على مُجَرَّدِ التركِ.
ومما يُنَبَّهُ له: أن المحتجَّ بهذه الحُجَّة وما بعدها إِنْ كان مطلُوبه القطع، فمجرد هذه الاحتمالاتِ قادِحٌ وكافٍ فِي ردِّها، ولا يُغْنِيه الاعتذارُ بأنَّه خلاف الظاهر، وميلُ القاضِي وأكثرِ الأُصوليِّين إلى أَن المطلوب منها القَطعُ، وإنْ كان المطلوب منها الظنَّ فهي كافِيةٌ، وإليه مَيلُ المصنف؛ لأَنَّ مآلها إلى العمل، والعملُ يكفي فيه غلبةُ الظنِّ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
يُجِبْهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ؛ فَقَال - ﵇ -: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَ؛ وَقَدْ سَمِعْتَ قَؤلَهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؛ فَذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ الاسْتِجَابَةِ عِندَ وُرُودِ الأَمْرِ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَن مُجَردَ الأَمْرِ لِلْوُجُوب.
الرَّابِعُ: قَولُهُ - ﵇ -: "لَوْلَا أَنْ أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" وَكَلِمَةُ "لَوْلَا" تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيءِ لأَجْلِ وُجُودِ غَيرِهِ؛ فَهَهُنَا: تُفِيدُ انْتِفَاءَ الأَمْرِ؛ لأَجْلِ
===
قولُه: "الثَّانِي قولُه تَعَالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات ٤٨]، ذمهم على أنهم لا يركعون".
وأُورِدَ عليه: أَنَّ الذم احتمل أَنْ يكونَ للتكذِيب ورد الأمر، لا لعدم امتثاله.
وأُجِيب: بأنَّ ظاهره لترك الأمر، فإِذَا اجتمع معه التكذيبُ، وقد ترتب عليهما الذَّمِّ والويلُ - نزل الويلُ على التكذيب والذم على الترك.
قوله: "الثَّالِثُ: أَنَّهُ - ﵊ - دعا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وهو فِي الصلاة، فلم يُجِبْهُ، فقال - ﵊-: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَ، وَقَدْ سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤].
تقريرُه: أَنَّهُ وَبَّخَهُ على ترك الإِجَابة بقولِه: "ما منعك أَنْ تُجِيب".
ويرد عليه: أَنَّ قولَهُ: "مَا مَنَعَكَ" لا يتعيَّنُ للتوبِيخ، بل يحتملُ الاسْتفهامَ؛ لاعتقادِ الرسُول -﵊- اسْتِبْهَامَ الأمر عليه مِنْ حيثُ إِن الكلامَ ممنوع فِي الصلاة، والإجابة كلام؛ فأرادَ - ﷺ - إِفهامه أَنَّ إِجابة الرسول - ﵊ - ليسَتْ مِنْ جِنْس الكلام الممنُوعِ فِي الصلاة.
قوله: "الرابعُ: قوله - ﵊ -: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ " إِلى آخره".
[ ١ / ٢٤٦ ]
وُجُودِ المَشَقَّةِ؛ فَهذَا يَقْتَضِي أَنَّ السِّوَاكَ غَيرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَأَجْمَعَتِ الاُمَّةُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ مَنْدُوبٌ؛ فَوَجَبَ أَلّا يَكُونَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هذَا: ظَهَرَ أَنَّ الأَمْرَ لَا يَحْصُلُ إلا عِنْدَ الْوُجُوبِ.
الْخَامِسُ: رُويَ فِي خَبَرِ بَرِيرَةَ؛ أَنَّهَا قَالت لِرَسُولِ الله - ﷺ - "اتَأْمُرُنِي بِذلِكَ؟ فَقَال -﵇-: "لَا؛ إِنَّمَا أَشْفَعُ" نَفَى الأَمْرَ مَعَ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّدْبِيَّةِ؛ وَذلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ غَيرُ مَأمُورٍ بِهِ.
===
تقريره: أنَّه نفى الأَمْرَ بالسواك مع ثبوت النَّدْبِ بالإِجماع، فيتعيَّنُ أنْ يكون الأمر للوجوب.
ويرد عليه: أنَّه يحتملُ أَنْ يكون المرادُ لأَمرتهم وجوبًا.
قوله: "الخامسُ: ما رُويَ فِي خبر بَرِيرَةَ: أَنَّها: قالت لرسول الله - ﷺ -: أَتَأمُرُنِي بِذَلِكَ؟
[ ١ / ٢٤٧ ]
السَّادِسُ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "إِذَا أَمَرتُكُمْ بِشَيءٍ، فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
لَا يُقَالُ: "إِنَّ قَوْلَهُ: "فَأتُوا مِنْهُ "صِيغَةُ أَمْرٍ؛ فَالاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لِلْوُجُوبِ - إِثْبَاتُ الشَّيءِ بِنَفْسِهِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ"؛
===
فَقَال لَا، إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ".
نفى الأمر مع حُصُولِ الشفاعة الدَّالةِ على الندبية.
قصة الحال: أَنَّ بَرِيرَةَ لما عتقَتْ تحت عبدٍ فقال لها - ﵊ -: "مَلَكتِ نَفْسَكِ فَاختَارِي"، فاختارت فِرَاقَهُ، فشقَّ عليه ذلك؛ فاسْتَشْفَعَ برسول الله - ﷺ - فقال لها: "كَيفَ لَوْ رَاجَعْتِهِ؟ فَإِنَّما هُوَ أَبُو وَلَدِكِ".
فلم يرد منه - ﵊ - صيغة أمر، وَإِنَّما ورد منه تحضيضٌ، والتَّخْضِيضُ يستلزم الطَّلَب، فتردد ذلك عندها بين أن يكون أَمْرًا فتمتثله، أو شفاعة.
وقول المصنف: "إِنَّ الشَّفاعة دالَّةٌ على الندب" - ممنوع؛ وَإِنَّما تدل على الندب إِذا كانت لغَرَضِ الآخرة، وأَمَّا غرضُ الدنيا فمحض إِرْشَادٍ! فلم يتحقق أمرٌ ألْبتَّةَ.
قوله: "السَّادِسُ: قوله - ﵊ -: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
[ ١ / ٢٤٨ ]
لأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الأَمْرَ الأَوَّلَ دَلَّ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ، فَلَمَّا قَال مَرَّة أُخْرَى: "فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ:، "فَأتُوا مِنْهُ" أَصْلَ التَّرْجِيحِ؛ وَإِلَّا لَزِمَ التَّكرَارُ الْخَالِي عَنِ الفَّائِدَةِ؛ فَوَجَبَ حَملُهُ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ، وَتَأكِيدُ الطَّلَبِ - بِحَيثُ يَمْنَعُ مِنَ التَّرْكِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيهِ، إلا أَنْ يَذكُرَ الخَصْمُ مَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا، ثُمَّ تَأَكَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ: "مَا اسْتَطَعْتُمْ"؛ فَإنَّهُ يُفِيدُ الْمُبَالغَةَ التَّامَّةَ فِي الطَّلَبِ؛ وَذلِكَ يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنَ التَّرْكِ.
===
هذا الحديثُ احتجَّ به الغَزالِيُّ، وغيرُه على الندب".
تقريره: أنَّه لما قال - ﵊-: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمُ، وَإِذَا نَهَيتُكُمْ فَانْتَهُوا"، أمر بالانتهاءِ مُطلقًا، ورد الأمر إلى إِرَادَتنا، والمردود إِلى إِرادتنا هو المندوب.
ويرد عليهم: بأنَّه لا يُفهم مِنْ قولِه: "مَا اسْتَطَعْتُمْ" الندب؛ فإِنَّ الوُجُوبَ مُقَيَّدٌ أيضًا بالاسْتطاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
قولُه: "لَا يُقالُ: "فأتُوا، صيغة أمر، فالا سْتدلالُ به على أَنَّ الأمر للوجُوبِ - إِثباتٌ لِلشَّيءِ بنفسه".
تقريره: أَنَّ النزاعَ فِي مطلق صيفة "افعل" المجردة عن القرائن: هل تكون حقيقةً فِي الوجوب، أو لا؟ [و] قوله: "فأْتُوا" فرد مِنْ أفرادها، وصورة من صور محلِّ النزاع، وإثبات الكل بفرد منه يستلزم إِثبات الشيء بنفسه، وهو دور؛ فإِنَّه لا يثبتُ أَنْ قوله: "فأتوا" للوجوب، ما لم يثبت أَنَّ "افعل" للوجوبِ، ولا يثبت أَنَّ "افعل" للوجوب، ما لم يثبت أن "فأتوا" للوجوب.
قوله فِي الجواب: "لأَنَّا نقولُ: إِنَّ الأمر الأول دَلَّ على أَصْل الرُّجْحَانِ، فحمْلُ قوله:
[ ١ / ٢٤٩ ]
السَّابِعُ: أَنَّ تَارِكَ المَأمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَكُلُّ عَاصٍ يَسْتَحِقُّ العِقَابَ؛ فَتَارِكُ المَأمُورِ بِهِ يَستَحِقُّ الْعِقَابَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا: "إِنَّ الأَمْرَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ، إلا هَذَا:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا أعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف ٦٩].
وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ [طه ٩٣].
وَقَوْلِهِ تَعَالى: [لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦٦].
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾.
الثَّامِنُ: أَنَّ الْعَبدَ، إِذَا لَمْ يَفْعَل مَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ، اقْتَصَرَ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ -فِي تَعْلِيلِ حُسْنِ ذَمِّهِ- عَلَى أَنْ يَقُولُوا: "أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِكَذَا، فَلَمْ يَفْعَل"؛ فَدَلَّ كَوْنُ هذَا الْمَفْهُومِ عِلَّة فِي تَعْلِيلِ حُسْنِ الذَّمْ، عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَأمُورِ بِهِ يُوجِبُ الذَّمْ.
===
"فأتوا" على الرُّجْحَانِ يكون تكرارًا، فَيَتَعيَّن حمله على فَائِدَةٍ زائدةٍ، والمنعُ من الترك فائدةٌ، فوجب حَمْلُ اللفظ عليها، ويتعين؛ لأنَّ الأصل عدم ما سواها".
والاعْتِرَاضُ عليه: بمنع حَصْر الفائدة فيما ذكر أو لزوم التكرار، بل جاز أَنْ يكُونَ المرادُ: إِذَا أمرتكم فَأتَمِرُوا؛ كما قال: "وإذَا نَهَيتُكُمْ فَانْتَهُوا" - حثًّا على طاعته، وليس فِي ذلك ما يُشعِرُ بالمنع من النقيض أو لا.
قوله: "السابع: أَنَّ تارك المأمور عاصٍ، والعَاصِي مستحقٌّ للعقاب، ولا معنى لِقولِنا: الأَمْرُ يفيدُ الوجوب إلا هذا".
والاعتراضُ عليه من ثلاثة أَوْجُه:
الأول: لا نسلِّمُ أَنَّ تارك المأمُورِ عاصٍ مطلقًا، بل تارك المأمور الواجب؛ لانعقاد الإِجْمَاعِ على أَنَّ تاركَ المندُوب ليس بعاصٍ.
الثاني: قوله: "والعاصى مستحقٌّ للعقاب" ممنوعٌ، واحتجاجُه بقولِه تَعَالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن ٢٣]- لا يسلم عمومه، بل هو خَاصٌّ بالكفار؛ لقرينةِ الخُلُودِ، والتَّأَبِيد.
الثالث: القَوْل بالمُوجبِ، فإِنَّه يدلُّ على أَنَّ الأمر للوجوب، فلم قُلْتُمْ إِنَّ مجردَ "افْعَلْ" تدل على الوجوب؟ .
قوله: "الثامن: أَن العبد إِذا لم يفعل ما أَمْرَهُ السيد به - اقتصر العُقَلاء مِنْ أهل اللغة فِي تعليل حسن ذمِّه على قولهم: أمره السيد بكذا، فلم يفعله".
ردَّ: بمنع ذلك مطلقًا، بل عند فهم الوجُوب، والحجَّة السابقةُ تدل على أَنَّ الأَمْر للوجوب في زعمه شرعًا، وهذه الحُجَّة تدل عليه لُغَةً وعُرفًا.
[ ١ / ٢٥٠ ]
التَّاسِعُ: أَنَّ لَفْظَ "افْعَلْ" يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ؛ [كَـ "الْخَبَرِ"؛ فَإِنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى وُجُودِ الشَيءِ، كَانَ مَانِعًا مِنْ عَدَمِهِ]، وَالْجَامِعُ بَينَهُمَا: هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا وُضِعَ لإِفَادَةِ مَعْنَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ نَقِيضِ تِلْكَ الْفَائِدَةِ؛ تَكْمِيلًا لِذلِكَ الْمَقْصُودِ، وَتَقْويَةً لِحُصُولِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّ إِدْخَال الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ - أَوْلَى؟ ! ":
فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ [الأَمْرُ] كَذلِكَ، لَزِمَ أَنْ يُقَال: إِنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي وَالْمُضَارعِ لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُصُولِ؛ لأَنَّ المُشْتَقَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ والأَمْرِ - وَاحِدٌ.
العَاشِرُ: أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيهِ؛ وَذلِكَ صَوْنًا لِلنَّفْسِ عَنْ ضَرَرِ الْخَطَرِ؛ [فـ] بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْوُجُوبِ-: كَانَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ نَدْبًا - جَهْلًا، وَبِالضِّدِّ: فَالْحَظْرُ قَائِمٌ فِي الاعْتِقَادِ عَلَى كِلا التَّقْدِيرَينِ.
وَأَمَّا فِي الْفِعْلِ: فَحَمْلُهُ عَلَى الوُجُوبِ أَحْوَطُ؛ لأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ خَالِيًا عَنِ الْخَطَرِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، كَانَ الإِتْيَانُ بِهِ مُتَعَيِّنًا؛ فَثَبَتَ: أَنَّ هَذَا أَحْوَطُ.
احْتَجَّ القَائِلُونَ بِالنَّدْبِ بِوُجُوهٍ:
===
قوله: "التاسع: أَنَّ لفظ "افعل" يدلُّ على طلب الفعل، فوجب أَنْ يَكُون مانعًا من عدمه كالخبر " إِلى آخره.
تقريره: أَنَّ أَمْثلة الأَفْعال الخمسة اشتركت في الدَّلالةِ على الحَدَثِ، والزمان الخاص، واختص: "فعل"، و"يفعل"، و"سيفعل" بالخبر، واختص "افعل"، و"لا تفعل" بِالطَّلب، وكما أَنَّ الخبر الصادق مانعٌ مِنْ نقِيضه، وجب أَنْ يكون الطلب جَازِمًا مانعًا مِنْ نقيضه، لإِطْبَاقِهِمْ على أنه لَا فَرْقَ بينهما سوى الخبر والطلب.
والاعتراضُ عليه: أنه لو سلم الجامع، فهو كقياس في اللغة، وجنسه ممنوع.
قوله: "العاشر: أَنَّ حمل اللفظ على الوُجُوبِ أحوطُ؛ فوجب المصير إِليه صونًا للنفس عن ضرر الخطر".
والاعتراضُ: أَنَّا لا نسلم اندِرَاج الندْبِ في حقيقة الوجوب؛ لِئَلَّا يلزم مِنَ الإِتيان بالواجب الإِتيانُ بالمندُوب، بل هما حَقِيقتَان متناقِضَتان؛ فإِنَّه يدخل في ماهِيَّة الندب جوازُ الترك، ويدخلُ في مَاهِيَّة الوجوب المنعُ مِنَ التَّرْك.
قوله: "احتج القائلون بالندب بوجوهٍ:
[ ١ / ٢٥١ ]
الأَوَّلُ: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ حَيثُ صَدَقَ فِيهِ الْوُجُوبُ تَارَةٌ، وَحَيثُ صَدَقَ فِيهِ النَّدْبُ أُخْرَى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهمَا؛ وَإِلَّا لَزِمَ الاشْتِرَاكُ؛ وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الآخَرِ؛ لأَنَّ الْمَجَازَ خِلافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ وَهُوَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ؛ لأَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَينَ التَّرْجِيحِ الْمَانِعِ مِنَ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ، وَبَينَ التَّرْجِيحِ الَّذِي
===
أحدها: أَنَّ هذه الصيغةَ وردت حَيثُ صدق فِيهِ الوجوبُ تارةً، وحيث صدق فِيهِ الندبُ أُخْرَى. . ." إلى قوله: "وما به المشاركة" يعني: هو أصلُ الترجِيح "غير ما به المخالفة" يعني: المنع من النَّقِيضَينِ أو عدم المنع.
وقوله: "وهو غير مستلزم له" يعني: لأَنَّ اللفظ إذا كانَ مَدْلُوله المعنى العام، فلا يَدُلُّ على الخاص، لَا مَطَابقةً، ولا تضمنًا، ولا التزامًا؛ فَيَتَعَيَّنُ أَن يكون مقولًا عيه بالتواطؤ، يعني: فيكون مدلولُهُ تَرْجِيحَ جانب الفعل على ما صرح به، وفيه مناقشة؛ فإنَّ القدر المشترك عند الفقهاء هو الطلب، وعند المعتزلة: إرادة المأْمُورِ به، وترجيح الفعل لازِمٌ لأحد الأمرين، فجعله حقيقة في اللازم، لم يقل به أحدٌ من الفريقين.
وقوله: "وَفي هذا المقام إِنْ أَردْنَا نُصْرَةَ مَنْ يقولُ الصيغة محتملة للوجوب، والنَّدْبِ -يعني: بطريق التواطؤ- اكتفينا بهذا القَدْرِ، وإِنْ أردْنا نُصْرَةَ من يقول إِنَّها للندب، قلنا: لما ثبت أَنَّ هذه الصيغةَ دلَّتْ على أصل الرُّجْحانِ، وقد كان جواز الترك ثابتًا بمقتضى البراءة الأصلية، فحينئذٍ يحصُلُ من اللفظ والبراءة الأصلية الإِشعار بالندب".
والاعتراضُ عليه: أَنَّ إِثباتَ اللغة بالاستصحاب العقلي لا يصِحُّ؛ فإنها إِمَّا توقِيفيَّة، أَو اصْطِلاحِيَّة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
يَجُوزُ مَعَهُ التَّرْكُ، الَّذِي هُوَ الْمَنْدُوبُ؛ وَمَا بِه الْمُشَارَكَةُ غَيرُ مَا بِه الْمُخَالفَةُ، وَغَيرُ مُسْتَلْزِمٍ
[ ١ / ٢٥٣ ]
لَهُ؛ فَهذَا اللَّفْظُ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَصْلَ الرُّجْحَانِ. وَفِي هذَا الْمَقَامِ: إِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّ هذِهِ الصِّيغَةِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ" -اكْتَفَينَا بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنْ أَرَدْنَا نُصْرَةَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "إِنَّها تُفِيدُ النَّدْبَ"- قُلْنَا: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ دَلَّتْ عَلَى أَصْلِ الرُّجْحَانِ، وَقَدْ كَانَ جَوَازُ التَّرْكِ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ فَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ الظَّنُّ أَنَّ طَرَفَ الْفِعْلِ رَاجِحٌ، وَأَنَّ التَّرْكَ غَيرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ؛ وَذلِكَ هُوَ النَّدْبُ.
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ جَعَلْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ -لَكَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكًا لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ قُلْنْا: "إِنَّهُ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ الَّذِي هُوَ القَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَإِنَّ جَوَازَ التَّرْكِ يَثْبُتُ بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ"- كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْوُجُوبِ إِثْبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَمْ يَكُنْ رَفْعًا لِمُقْتَضَاهُ؛ وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَوْلَى؛ فَكَانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيهِ أَوْلَى.
===
قولُهُ: "الحُجَّة الثانيةُ: لو جعلنا هذه الصِّيغةَ حقيقة في الوجوب - لكانَ استعمالُها في الندب تركًا لمقتضى اللفظ. . ." إلى آخره.
حاصله: أنها لو كانت حَقِيقةً في الوُجُوبِ، وقد استعملت في النّدْبِ - لكان استعمالُها فيه مخالفًا للأصل.
وبتقدير جَعْلِها حقيقةً في الندب، لا يكُونُ استعمالُها في الوُجُوب مخالفًا لِلأَصل؛ وهذا يعارضه.
أما إِذا جعلناها حَقِيقةً في الندب، وقد استعملت في الوجُوبِ كانت مشتركةً، والاشتراكُ على خِلافِ الأَصْل، والندْب أعم مِنَ الوجُوبِ، فيكون إِطلاقًا للعام، وإرادة للخاص، وهو لا يشعر به، ولا يستلزمه على ما ذكر.
والحقُّ أنَّه أضعف لزومًا، فالأول أَوْلَى.
[ ١ / ٢٥٤ ]
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: النَّافِي لِلْوُجُوبِ، قَائِمٌ؛ لأَنَّهُ حَرَجٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وَأَيضًا: [هُوَ] عُسْرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وَأَيضًا: [هُوَ] إِثْبَاتُ السَّبِيلِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وَضَرَرٌ؛ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا بِقَوْلِهِ - ﵊-: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ":
===
والحجة الثالثةُ: ظاهرةٌ، والرابعةُ كذلك.
قولُه في الجواب عن حُجَجِ الندب: "لمَّا تعارضت الدلائِلُ، كان الترجيح معنا؛ لأنه أحوطُ" قد تقدَّم القولُ في منع استلزام الوجوب للندب.
قوله: "ولأنه أَوْفَقُ لعمل الصحابة - ﵃":
[ ١ / ٢٥٥ ]
تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِهذِهِ الْعُمُومَاتِ الْخَارِجَةِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالإِيجَابِ: إِمَّا بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْقَرَائِنِ الْخَالِيَةِ؛ فَيَبْقَى عِنْدَ الاقْتِصَارِ عَلَى هذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى وَفْقِ الأَصْلِ.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: مُقْتَضَى البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ عَدَمُ التَّكَالِيفِ:
خَالفْنَا هذَا الدَّلِيلَ عِنْدَ وُرُودِ هذِه الصِّيغَةِ فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الرُّجْحَانِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُفِيدَ الإِيجَابَ؛ لأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْمُخَالفَةِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْمُخَالفَةُ أَقَلَّ كَانَ أَوْلَى.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الْجَوَابُ: لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ كَانَ التَّرْجِيحُ مَعَنَا؛ لأَنَّه أَحْوَطُ، وَلأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَلأَنَّهُ أَوْفَقُ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ، وَلأَنَّهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى أَهَمِّ الْمَطَالِبِ.