قَال أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: النَّسْخُ: عِبَارَةٌ عَنِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ وَهُو الْمُخْتَارُ.
وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلانِيُّ: النَّسْخُ: عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحُكمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الأَوَّلِ: أَنَّ طَرَيَانِ الطَّارِئ مَشْرُوطٌ بِزَوَالِ الأَوَّلِ، فَلَوْ عَلَّلْنَا زَوَال الأَوَّلِ بِطَرَيَانِ هذَا الطَّارِئِ- لَزِمَنَا الدَّوْرُ.
وَأَيضًا: فَلَيسَ ارْتِفَاعُ المُتَقَدِّمِ بِطَرَيَانِ هذَا الطَّارِئِ، أَوْلَى مِنِ ارْتِفَاعِ هذَا الطَّارِئِ؛
===
ما اعتمده القاضي في الرَّدِّ على المعتزلة من الوجهين:
الوجه الأَوَّلُ: قال: لو عُدِمَ الضِّدُّ بالضد، للزم الدَّوْرُ؛ لأنَّ شرطَ إِعدامِهِ له قيامُهُ بِمَحَفلِّهِ، وشَرْطَ قِيَامِهِ بمحلّهِ عَدَمُ ضِدِّهِ؛ فلا يُعْدَمُ حَتَّى يقومَ به، ولا يقومُ به حتى يُعْدَمَ الضِّدُّ، فيدور.
ورُدَّ على القاضي: بأَنَّ ذلك ليس دورًا تقدميًّا، وإنما هو دور معي، ولا استحالةَ فيه.
فيقال: زَمَنُ العَدَمِ من القيام، وهذا على أصله أَلْزَمُ؛ فإِنَّهُ يقول: إِنَّ الجوهرَ إذا قَبِلَ العَرَضَ لم يَخْلُ عنه أو عن مثله، أو عن ضِدِّهِ إنْ كان له ضِدَّ، والمستحيلُ اجتماعُ المِثْلَينِ والضدين، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يكونَ زمانُ قيامِ المثلِ والضِّدِّ زمانَ عَدَمِ الآخر ولا تنافي.
الوجه الثاني: أَنَّ معقولَ التضادِّ مع الجانبين معقولٌ واحد، فليس عَدَمُ الحاصِلِ بالطارئ - بأولى من مَنْعِ الحاصل لطريان الطارئ.
وأُجِيبَ: بأَن الطارِئَ يترجحُ طَرَيَانُهُ بالفاعل المختارِ، والضِّدُّ يَقْتَصِرُ لنفسه عدم الحاصل؛ كما يقال: إنَّ البارِي -﷾- يُوجِدُ العلمَ، والعِلْم يقتضي لنفسه كَوْنَ مَحَلَّهِ عالمًا على رأي مَنْ يرى التعليلَ.
وكما أَنَّ اللهَ تعالى يخلق للعبدِ القدرةَ والإرادَةَ وسلامَةَ البنية، والعبد فاعِلٌ عند المعتزلة، أو كاسِبٌ عند الأَشْعَرِيَّةِ، ولا يكون فاعِلُ السَّبَبِ فاعلًا لِلْمُسَبَّبِ، إِلَّا أَنَّ القاضي لا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ بهذين الجوابين؛ لاعتقادِهِ صِحَّةَ الوجهين.
وإنما يُفْرَقُ بين انتقاءِ الأَمْرِ بطريان الخطابِ الدَّالِّ على النهي، وبين إِعدامِ البياض بالسوادِ بأنَّ الأَوَّلَ راجِعٌ إِلى التعريف، ولا استحالةَ فيه.
[ ٢ / ٣٩ ]
لأَجْلِ بَقَاءِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَأَيضًا: الْخِطَابُ الأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكمِ فِي زَمَانِ النَّسْخِ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ:
وَالأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لأَنَّهُ تَعَالى -مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَشْرَعُ ذلِكَ الْحُكْمَ فِي زَمَانِ النَّسْخِ- لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَعَ الْخِطَابَ الْمُتَقَدِّمَ [في زَمَانِ النَّسْخ]-: لَزِمَ أَنْ يُّقَال: إِنَّهُ شَرَعَهُ وَمَا شَرَعَهُ مَعًا؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ الأَوَّلَ مَا كَانَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي زَمَانِ النَّسْخِ- فَحِينَئِذٍ: لَا يَكُونُ النَّسْخُ رَفْعًا لَهُ.
===
والثاني: راجِعٌ إلى التأثير.
وأما أبو إسحاقَ والإِمامُ فقدِ اعتمدا ما ذكره المُصَنِّفُ في الوجه الثالث وهو: أن الله تعالى إمَّا أنْ يكونَ عالمًا باستمرارِ الحكم أبدًا، فَرَفْعُهُ مُحَالٌ لاستلزامِ الجَهْلِ.
أو يعلمه مقيدًا بقاءَه فلا رَفْع، فقالا بنَاءً على هذا: النسخ هو الخطابُ الدَّالُّ على ظُهُورِ انتفاءِ شَرْط استمرارِ الحكم.
ورُدَّ عليهما: بأنه لا مانِعَ أَنْ يُعْلَمَ استمرارُهُ إلى غاية، وانتفاؤُهُ بالناسخ، كما يُعْلَمُ استمرارُ الملك، وانتفاؤه بطريان الفسخ.
واعلم أنَّ الخِلافَ في هذه المسألة يرجعُ عند التحقيق إلى اللفظ، فَإِنَّ الحُكْمَ الأَزَلِيَّ راجِعٌ إِلى كلام الله تعالى، وَتَعَلُّقهُ بنفسه، فتارَة يتعلَّقُ بصفة الدوام، وتارةً يتعلقُ بغايةٍ معلومةٍ لله تعالى غَيرِ معلومَةٍ لنا عند ورود الخطاب الأَوَّلِ، ولا رَفْعَ بالنسبة إِليه ألبتة، والخطابُ الدَّالُّ على الحكم إِنما يَدُلُّ على ثُبُوتِهِ في الأَذهانِ، ويتبعه الاعتقادُ والحُكْمُ به، والرفعُ راجعٌ إِليه لا إلى رفع الحكم في نفس الأمر، وذلك لا يُعْلَمُ إِلَّا بخطاب؛ فاستلزم النسخُ البيانَ لِمُدَّةِ دوامِ حكمنا، ودوامُ حكمنا بالأول مشروطٌ بعدم الثاني؛ فَصَحَّ الاشتراط؛ كما ذكره الإِمامُ، والنسخ لا يَتِمُّ إلَّا بمجموع ذلك.
فَكُلٌّ لاحظ جِهَةً، وَغَفَلَ عن غيرها، رجعنا إلى التعبير عن هذا المعنى، وقد سموه الشَّارعُ هذه الحقيقةَ نسخًا:
والنسخ في اللغة: الرَّفْعُ والإِزالة، فَجَعْلُ الاسم بإزاء ما اشتمل عليه من رَفع الأَوَّلِ، وجَعْلُ الوجهين الآخرينِ -أعني: البيانَ، وانتفاءَ شرط الاستمرار- لازِمَينِ لِلْمُسَمَّى -: أَقْرَبُ إِلى الوضعِ اللُّغَويِّ، وأولى من جعله بالعكس؛ فما ذكره القاضي أولى.
[ ٢ / ٤٠ ]