قَالتِ الشِّيعَةُ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ أَزْمِنَةِ التَّكْلِيفِ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُوم؛ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى قَوْلٍ، اشْتَمَلَ ذلِكَ الإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلِ ذلِكَ المَعْصُومِ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ؛ فَيَكُونُ الإِجْمَاعُ حُجَّةَ بِهذَا الاعْتِبَارِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أمَّا دَلِيلُكُمْ فِي إِثْبَاتِ الإِمَامِ المَعْصُومِ فَقَدْ سَبَقَ الْكَلامُ فِيهِ فِي عِلْمِ
===
مَمْنُوعٌ؛ إذ العَادَةُ لا تحيل الاتِّفاقَ على الظَّنِّ الغَالِبِ، لا سيما مع وُجُوبِ العَمَلِ به.
قوله: "وعن السَّادِسِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الحُكْمِ بطربق لا يَمْنَعُ إِثْبَاتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ" يعني بالنِّسْبَةِ إلى من بَعْدَهُمْ.
قوله: "كَانُوا مُجَوِّزِينَ لِثُبُوتِ الحُكْمِ، وعدمه قَبْل الوُقُوفِ على دَلِيلِ الإِجْمَاعِ، فوجوب الاتِّبَاع يلزم منه تَنَاقُضُ الإِجمَاعَينِ":
جوابه: أن الأَوَّلَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الاتِّفَاقِ.
قوله: "يَلْزَمُ مِثْلُهُ في كُلِّ إجْمَاعٍ":
قلنا: نعم، ولكن انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ القَاطِعُ على عَدَمِ الاشْتِرَاطِ فيما عدا الإِجْمَاعَ على قَوْلَينِ؛ لابْتِدَارِ التَّابِعِينَ النَّكِيرَ على مَنْ خَالفَ الإجماع.
فروع: منها ما يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ مَنْ يَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ به، ومنها ما يتعلق بطرد أدلة الإجماع وعكسها.
الأول: لا يعتبر في الإجْمَاعِ مُوَافَقَهُ العَوَامِّ، خلافًا للقاضي؛ فإنهم لَيسُوا من أَهْلِ النَّظَرِ؛ ولأنه يَجِبُ عليهم اتِّبَاعُهُمْ، فلا يبطل قَوْلُهُمْ بمعصيتهم.
[ ٢ / ١٠٣ ]
الْكَلامِ. سَلَّمْنَا بِثُبُوتِهِ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أنْ يُقَال: إِنَّ ذلِكَ الإِمَامَ الْمَعْصُومَ قَدْ أَفْتَى بِالْبَاطِلِ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ وَالْخَوْفِ؛ وَعِنْدَكُمْ أَنَّ ذلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ.
[ ٢ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثاني: المُجْتَهِدُ الفَاسِقُ لا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ؛ كما لا يعتبر خَبَرُهُ، وشهادته، وفَتْوَاهُ.
وقيل: يُعْتَبَرُ في نَفْسِهِ خَاصَّة.
وقيل: مطلقًا، واختاره الغَزَّالِي؛ قال: لأنه مُسْتَجْمِعٌ لِخِصَالِ النظر، والنظر والتبصر في الأَحْكَامِ وصِدْقُهُ مُمْكِنٌ، والأَصْلُ عَدَمُ الإِجْمَاعِ، فلا يَنْعَقِدُ على تَرَدُّدٍ يَنْشَأُ من خِلافِ عَالِمٍ بالشَّرْعِ، ولا يقبل روَايتُهُ، وشهادته؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ ما يخبر عنه.
الثالث: المجتهد المُبتدع المُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ لا يعتبر، ولا يثبت كُفْرُهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ عصره؛ لأنهم لا يَكُونُونَ كل الأُمَّةِ ما لم يكفر ولا يكفر حتى يكونوا كل الأمة، فهو دور، لكن يكفر بِإِجْمَاعِ من تقدمهم، أو بِقَاطِعٍ غير الإِجْمَاعِ، وإن لم يكفر بِبِدْعَتِهِ، فالأصح اعْتِبَارُهُ، وقبول شهادته، وروايته، إلا الخَطَّابِيَّةَ من الرَّوَافِضِ؛ لاسْتِبَاحَتِهِم الكَذِبَ لمن يوافقهم في اعتقادهم.
الرابع: الفَقِيهُ المُبَرِّزُ في الفِقْهِ الذي لا يَعْلَمُ "أُصُولَ الفقه" والأُصُولِيُّ الذي لا يَتَعَمَّقُ في "الفُرُوعِ" فيهما أقوال:
الأول: يُعْتَبَرَانِ؛ لأهْلِيَّتِهِمَا على الجُمْلَةِ.
[ ٢ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثاني لا يُعْتَبَرَانِ؛ لأن كُلَّ غير عالم بِفَنِّ كالعامي فيه.
والثالث: يُعْتَبَرُ الفُرُوعيُّ خَاصَّةً؛ لأنه المقصود.
والرابع: يعتبر الأُصُوليُّ خاصة، وهو الأَصَحُّ؛ لأن له أَهْلِيَّةَ الوقوف على المَنْقُولِ، فيجتهد، ويحكم.
الخامس: إذا بلغ عَدَدُ المُجْتَهِدِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، فهو النهاية، ولا يشترط عند الأْكَثَرِينَ؛ لأن أَدِلَّةَ الإِجْمَاعِ شَامِلَةٌ لهم.
قالوا: لا يمكن بَقَاءُ التَّكْلِيفِ بدون عَدَدٍ تَقُوم به الحُجَّةُ، ولا تقوم إلّا بالنَّقْلِ المتواتر.
وَأُجِيبَ: بأنه يَقُومُ بِأَخْبَارِ المجتهدين والعَوَامِّ، وعند نُقْصَانِ العَدَدِ بانْضِمَامِ القَرَائِنِ، فإن لم يَبْقَ من المُجْتَهِدِينَ إلا وَاحِدٌ، فقوله حُجَّةٌ لمضمون السمع، ولا يسمى إِجْمَاعًا.
السادس: لا يَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ مع مُخَالفَةِ الاثنين والواحد، خِلافًا لِلْخَيَّاطِ، وابن جرير، وأبي بكر الرَّازِيِّ؛ لأَنَّ من عَدَاهُمْ بعض الأُمَّةِ، واحتجوا بقوله -﵇-: "عَلَيكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ":
وأُجِيبَ بأنه حَثُّ على مُتَابَعَةِ الإمام.
السابع: إجْمَاعُ عُلَمَاءِ "المدينة" مع مُخَالفَةٍ غيرهم ليس بحُجَّةٍ في العُصُورِ كلها؛ خِلافًا لِمَالِكٍ، ونقل. . . . . . . .
[ ٢ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغَزَّاليُّ عنه في "المَنْخُولِ" أنه يَحْصُلُ بِقَوْلِ الفقهاء السَّبْعَةِ، ولا يبالى بِخِلافِ مَنْ خَالفَهُمْ.
قال: ويُقَدَّمُ مَذْهَبُهُمْ على النُّصُوصِ، ولا خَفَاءَ ببطلان هذا؛ فإنهم لَيسُوا كل الأُمَّةِ.
قال: وإنما صَارَ إلى هذَا؛ لأن عَدَدَ التَّوَاتُرِ لا يعتبره، ومخالفة الأَقَلِّ لا تضر عنده، وكَانُوا أَكْثَرَ المُجْتَهدِينَ في زمَانِهِمْ.
قال: وإنما قَدَّمَ قَوْلَهُمْ على النُّصُوصِ؛ لاعتقاده أن مَذْهَبَ الرَّاوي مُقَدَّمٌ على رِوَايَتِهِ، وانحصرت الرواية فيهم عنده.
قال: وهذا مُجْمَلُ مَذْهَبِهِ مع إِحْسَانِ الظن به، ونقل غيره أنه يُئَوِّل إِجْمَاعَهُمْ على رِوَايَتِهِمْ لا على اجْتِهِادِهِمْ، ومنهم من حَمَلَهُ على اتِّفَاقِهِمْ فيما طَرِيقُهُ النَّقْلُ كالأذان والصاع.
وقيل: مطلقًا، واحتج له بأن إِجْمَاعَهُمْ على المَرْجُوح مع أَنَّهُمْ أَحَقُّ العُلَمَاءِ بالاطِّلاعِ على الأَدِلَّةِ؛ فإنهم في مَهْبطِ الوَحْيِ والمُشَاهَدَةِ لأسباب الأَحْكَامِ- بَعِيدٌ، ولو اتفق ذلك في غَيرِ "المدينة"، لَكَانُوا كذلك. وبقوله - ﵇ - "إنَّ المَدينةَ لَتَنْفِيِ خَبَثَهَا"، والقول الباطل خَبِيثٌ؛ فكان مَنْفِيًّا.
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأجيب عن الأَوَّلِ بأن أَدِلَّةَ الإجماع غَيرُ شَامِلَةٍ لهم.
وعن الثاني أنه مَحْمُولٌ على مَنْ كَرِهَ المُقَامَ بها، أو على الكُفْرِ والنِّفَاقِ.
الثامن: إجْمَاعُ العِتْرَةِ وَحْدَهُمْ ليس بحجة، خلافًا للشِّيعَةِ.
واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] والخطأ رجس، فَكَانَ ذَاهِبًا.
قالوا: وأَهلُ البيت: عَلِيٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين - ﵃ - لأنه
[ ٢ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لما نَزَلَتْ هذه الآية لَفَّ -﵊- عليه وَعَلَيهِمْ كِسَاءً، وقال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيتِي"، وبقوله -﵊-: "إِنِّي تَارِكٌ فيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي".
وأجيب عن الأَوَّلِ بأن الآيَةَ في زَوْجَاتِهِ بدليل السِّيَاقِ، وذكَّر الضمير لانْدِرَاجِهِ - ﷺ - مَعَهُنَّ، وعن الحديث بأَنَّهُ آحَادٌ، وليس بِحُجَّةٍ عند الإمامية، وحمل العترة على المجتهدين منهم.
التاسع: قال القاضي أبو حازم: إِجماع الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ.
وقال بعضهم: إِجْمَاعُ الشَّيخَينِ.
لنا: أنهم لَيسُوا كُلَّ الأُمَّةِ.
واحْتَجَّ الأَوَّلُ بقوله - ﵇ -: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي".
[ ٢ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثاني: بقوله - ﵇ -: "اقْتَدُوا باللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي".
والجَوَابُ: أنه خِطَابٌ لِلْعَوَامّ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بقوله - ﵇ -: "أَصْحَابِي كَالنُّجْومِ بأَيِّهِمُ اقْتَدَيتُمُ اهْتَدَيتُمْ.
[ ٢ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العاشر: الإِجماع المَنْقُولُ على لِسَانِ الآحَادِ في التكاليف حُجَّةٌ، خلافًا للغزالي.
لنا: أنَّا إذا ظَنَنَّا كَوْنَ الحُكْمِ مَنْقُولًا عن أَهْلِ الإِجْمَاعِ، وعلمنا صِحَّة اتِّبَاعِ قولهم - صَارَ الحُكْمُ مَظْنُونَ العَمَلِ في محل الاجتهاد؛ فيجب العَمَلُ به؛ كَأَخْبَارِ الآحَادِ والأقْيسةِ، ولا يلزم عليه القرآن المنقول بالآحَادِ؛ فإنه لَيسَ في محلِّ الاجْتِهَادِ.
الحادي عشر: إذا بلغ التابعيُّ رتبة الاجتهاد في عَصْرِ الصَّحَابَةِ قبل اتِّفَاقِهِمْ، فلا يَنْعَقِدُ الإجْمَاعُ بدونه؛ لأن إجماعهم دونه إِجْمَاعُ بَعْضِ الأمة، ونَعْتَقِدُ بأن الصَّحَابَة ردوا إلى التابعين؛ قال أنس: سلوا مَوْلانَا الحَسَن -يعني: البَصْرِيَّ- فإنه سَمِعَ كما سَمِعْنَا، وحفظ ونسينا، وسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عن نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ، فأشار إلى مَسْرُوقٍ، فلما أتاه السَّائِلُ بجوابه، تَابَعَهُ.
وإن نَشَأَ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ على الحُكْمِ، فيبنى على اشْتِرَاطِ انقراض العَصْرِ في صِحَّةِ
[ ٢ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الإِجماع، والصَّحِيحُ أنه لا يُعْتَبَرُ؛ لأن حُجَجَ الإِجْمَاعِ نَاهِضَةٌ بدونه؛ لتحقق مُسَمَّاهُ، ولو في لَحظَةٍ، وقال أحمد، وابن فورك: يشترط.
وَفَصلَ قَوْمٌ بين الإِجْمَاعِ السُّكُوتي وغيره.
وقال الإمام: يشترط إن كان عن قِيَاسٍ، حتى لو انْقَرضُوا عَقِيبَ إجماعهم لم يكن حُجَّة، واحتجاح المانع بأنه لو شرط لم يَحْصُل إجماع؛ لتَلاحُقِ البَعْضِ بالبَعْضِ- ضعيف؛ فإن الشَّرْطَ انقِرَاضُ عَصْرِ المجمعين.
واحتج الشَّارِطُونَ بأنه لو لم يُعْتَبَر لامتنع على المُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ عند تَغَيُّرِ اجتهاده بظُهُورِ الخَطَإِ.
وأجيب بالتزامه؛ لِقِيَامِ الإِجْمَاعِ.
قالوا: لَو لَمْ يُعْتَبَرْ لم يُعْتَبَر مُخَالفَةُ من مات وقد خالف في المَسْأَلَةِ؛ لأن من بقي كُلُّ الأُمَّةِ.
وأجيب بأنهم لَيسُوا كُلَّ الأُمَّةِ بالنسبة إلى المَسألةِ، والقول لا يَمُوتُ بِمَوتِ قَائِلِهِ.
وقيل: بالتزامه.
قالوا: الآثَارُ تَدُلُّ على ذلك.
قال عَبيدةُ السَّلْمَانِيُّ لعلي لما رأى بَيعَ أُمِّ الوَلَدِ بعد أن وَافَقَ: رَأيُكَ مع الجَمَاعَةِ أَحَبُّ الينا، وخالف عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ في التسوية في العَطَاءِ، وحَدَّ في الخَمْرِ ثَمَانِينَ، وكان أَرْبَعِينَ.
[ ٢ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأُجِيبَ بِمَنْعِ تَحَقُّقِ الاتفاق من جميع مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ في المسائل كلها.
الثاني عشر: إجماع الأمم السَّالِفَةِ هل يكون حُجَّةً في الأديان السالِفَةِ؟: من رأى التمسُّكَ بالدليل العادي لَزِمَهُ، ومَنْ تَمَسَّكَ بالنُّصُوصِ، فيلزمه الوَقْفُ إلى أن يتحقق النقلُ.
الثالث عشر: قال قَومٌ: لا يجري الإِجْمَاعُ في الآرَاءِ وَالحُرُوبِ.
وتال قوم: يَجْرِي بَعْدَ استِقْرَارِ الرَّأي.
وقيل: مُطلَقًا؛ لأن الأَدِلَّةَ شَامِلَةٌ.
الرابع عشر: لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بالإِجْمَاعِ فيما تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عليه؛ كَوُجُودِ البَارِي سُبْحَانَهُ، وصِحَّةِ الرسَالةِ، ودلالة المُعْجِزَةِ. وما لا يَتَوَقَّفُ عليه إن كَانَ دِينِيًّا، صَحَّ بالاتفاق، وإن كان عَقْلِيًّا؛ كخلق الأَعْمَالِ، وجَوَازِ الرؤية، والقَضَاءِ والقدر، فيصح أَخذُهُ من النَّصِّ. وهل يَصِحُّ أَخذُهُ من الإجماع؟ اختلف فيه: مَنَعَهُ الإِمَامُ، وخالفه الغزالي.
[ ٢ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يذكر أن ظن بعض الضُّعَفَاءِ أن قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بأن دِيَةَ الذِّمِّيِّ ثُلُثُ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ أَخذًا بِالأَقَلِّ المتَيَقن- إِجْمَاعٌ مع قَوْلِ عمر - ﵁ -: إنها كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وقول غيره: النِّصْفُ ليس بصواب؛ فإن الإجْمَاعَ على أنه وَاجِبٌ، لا على أنه كل الوَاجِبِ، وإنما اعتمد الشَّافِعِيُّ في نفي لزيادة على البَرَاءَةِ الأصلية، وضعف أدلة الزائد.
المسألة الثانية:
[قوله]: "قال الشيعة: دَلَّ الدليل على أنه لا بد في كل زمن من أزمنة التكليف من إمام معصوم" وعنوا بالدليل أَنَّ نصب الإِمَامِ المَعْصُومِ لُطْفٌ؛ لأنه يوضح لهم الدَّلائِلَ، ويدفع عنهم الشُّبَهَ، ويحثُّهُمْ على الوَاجِبَاتِ، وَيزجُرُهُمْ عن المُحَرَّمَاتِ، وإذا كان كَذَلِك كان حَالُهُمْ إلى الصَّلاحَ أَقْرَبَ، وهو معنى اللُّطْفِ، وخَلْقُ اللُّطْفِ من الله -تعالى- وَاجِبٌ؛ لأنه حَكِيمٌ، فلو جَازَ تَرْكُهُ، لجاز منه فِعْلُ المَفْسَدَةِ، والثاني مُحَالٌ، فالمُقَدَّمُ مثله، وأَمَّا وُجُوبُ عِضمتِهِ؛ فلأنه لو لم يَكُنْ كَذلِكَ، لم يأمن من الخَطَأ، وإلا لما افتقر الخلق إليه؛ ليؤمنهم من الخطأ فلو كان هو كَذَلِك، لافتَقَرَ إلى إِمَامٍ؛ ويتسلسل.
[ ٢ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله "فإذا أَجْمَعَت الأُمَّةُ دَلَّ حُصُولُ الإِجْمَاعِ على حُصُولِ قَوْلِ ذلك الإِمَامِ المَعْصُومِ، وقوله حُجَّة، فيكون الإِجْمَاعُ حُجَّةً بهذا الاعتبار".
يعني: لتضمنه قَوْلَ الإمام الوَاجِبِ الاتِّبَاعِ.
قوله: "فَيُقَالُ لهم: أما دَلِيلُكُم في إِثْبَاتِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، فقد سَبَقَ الكَلامُ فيه في عِلْمِ الكَلَامِ":
يعني: أن مُستَنَدَهُم ما ذكرناه آنِفًا، وقد اعترض عليه بِوُجُوهٍ جَدَلِيَّةِ؛ بناء على تَسْلِيمِ ما بَنَوْا عليه اسْتِدْلالهمْ من التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيح العَقْلِيِّ، ووجوب الصَّلاحِ والأصلح على اللهِ تعالى، وأَقرَبُ ما يبطل به على أصلهم أَنَّ كُلَّ ما يُوجِبُونَ به وُجُوبَ عِصْمةِ الإمام الأَعْظَمِ يلزمهم في نُوَّابهِ، وَوُلاتِهِ، وقُضَاتِهِ، ودُعَاتِهِ، لا سيما مع بعد الخطة، وتعذر المراجعة في وَقَائِعَ لا تقبل التَّأخَير، ولم يُوجِبُوهَا لهم. ثم إن المَصْلَحَةَ الحَاصِلَةَ به إنما تثبت رعايتها لو كان ظاهرًا قَاهِرًا، وليس الأَمْرُ كذلك.
قال المُصَنِّف: "سلمنا ثُبُوتَهُ، لكن لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إن ذلك الإمَامَ قد أَفْتَى بِالبَاطِلِ على سبيل التَّقِيَّةِ والخوف، وعندكم أن ذلك جَائِزٌ منه؟ " وهذا واضح.
والتحقيق أن هذه المَسْأَلَةَ مَبْنِيَّة على التَّحْسِينِ والتقبيح العَقْلِيِّ، ووجوب الصَّلَاحِ والأَصْلَحِ على اللهِ -تعالى- المُرَتَّب على ذلك، وهذه قَاعِدَةٌ بَاطِلَةٌ على أصلنا، إلا أن الفَخْرَ اعتمد في إبطالها على طَرِيقٍ ضَعِيفٍ، وهو نَفْيُ الاخْتِيَارِ في أَفْعَالِ العِبَادِ، وزعم أن جُمْلَةَ أَفْعَالِهِمْ إما ضَرُورِيَّةٌ، أو اتِّفَاقِيَّةٌ، وأيًّا ما كَانَ يَلْزَمُ منه نَفيُ الاختيار، ومتى كانت كذلك لَزِمَ نَفْيُ التحسين والتقبيح العَقْلِيِّ؛ قال إذ لا قائل بالتحسين والتقبيح العَقْلِيِّ مع نَفْيِ الاختيار.
وأقرب ما يردُّ به عليه: أنه يَلْزَمُ منه نفي التَّحْسِينِ التقبيحَ الشرعي أيضًا؛ إذ لا قَائِلَ به مع نَفْيِ الاختيار، ثم ما ذكره خلاف إجماع الأَشعَرِيَّة والمعتزلة؛ فإنهم مُتَّفِقُونَ على انْقِسَامِ أَفْعَالِ العِبَادِ إلى اخْتِيَارِيَّةٍ واضطرارية، وإن اخْتَلَفُوا في تَفْسِير الاخْتِيَارِ، ومعنى الكَسْب؛ فإنهم يفرقون
[ ٢ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالضَّرُورَةِ بين حَرَكَةِ المرتعش المشحوب، وبين من يوقع حركته على حَسَبِ دَوَاعِيهِ واعتماده في سَلْبِ الاختيار على أن القَادِرَ إن لم يَصِح منه التَّرْكُ، لَزِمَ الجَبْرُ، وإن صَحَّ، فإن تَرَجَّحَ الفِعْلُ على التَّرْكِ من غير ضَمِيمَةٍ، كان اتفاقيًّا، وإن افتقر إلى ضَمِيمَةٍ، فإن كانت من العَبْدِ لزم التَّسَلْسُلُ، وإن كانت من الله -تعالى- لَزِمَ الاضْطِرَارُ.
يرد عليه أن خَلْقَ الله -تعالى- له الدَّاعِي الَّذِي يَتَرَتَّبُ عليه قَصْدُهُ لا يمنع من نِسْبَةِ الفِعْلِ إلى قَادِريَّتِهِ، ولزوم الفِعْلِ عند وُجُودِ نسبته لا يخرِجُهُ عن كونه مَفْعُولًا للقادر عليه والمريد تركه، وإلا لَزِمَ سَلْبُ الاخْتِيارِ عن أَفْعَالِ الله -تعالى- فإن ما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ وإِرَادَتُهُ وقدرته بوُقُوعِهِ، فهو واقع لا مَحَالة، ولم يُخرِجْهُ لُزُومُ وقوعه عن كَوْنِهِ فعلًا اختياريًّا لله تعالى.
[ ٢ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والأولى أن نحرر محلَّ النِّزَاع قبل ذِكرِ طرق الأَصْحَابِ، فنقول:
الحُسنُ والقُبْحُ يُطْلَقُ باعتبارات ثلاثة:
الأول: الحُسْن عِبَارَةٌ عن الملاءمة، والقُبْحُ عبارة عن المُنَافَرَة، وهما بهذا التفسير عُرْفِيَّانِ يَخْتَلِفَانِ باختلاف الأُمَم والأَعْصَارِ، وهذا لا نِزَاعَ فيه، وإن كانت هذه القَضِيَّةُ هي مَنْشَأَ الغَلَطِ، فإن المعتزلة والبَرَاهِمَةَ اعتقدوها عقلية مُطَّرِدَةً.
الثاني: أن يراد بالحُسْنِ ما هو صِفَةُ كَمَالٍ، وبالقبح ما هو صِفَةُ نقص كقولهم: العلم حَسَنٌ بنوعه؛ والجهل قُبْحٌ بنوعه، وهذا أيضًا لا نزاع في أنه عَقْلِيٌّ.
الثالث: أن يُرَادَ به كَوْنُ الفِعْلِ بحالٍ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ شَرْعًا، ويذم تاركه عَاجِلًا، ويُثَابُ عليه ويعاقب آجِلًا، وهذا محل النَّزاعِ، وللقاضي فيه عبارتان:
إحداهما: قال: الحُسْنُ ما لفاعله أن يَفْعَلَهُ، فَيَنْدَرجُ فيه فعل الله -تعالى- والوَاجِبُ، والمندوب، والمباح، إلا أنه يَدْخُلُ فيه فِعْلُ البَهِيمَةِ، والذاهل. وقد حَرَّرَهُ بعضهم فقال: ما للقادر عليه العَالِمِ بِحَالِهِ أن يَفْعَلَهُ.
العبارة الثانية: الحُسْن ما وَرَدَ الشَّرْعُ بالثَّنَاءِ على فَاعِلِهِ، فيندرج فيه فِعلُ الله تعالى، والواجب، والمندوب، ويخرج منه المُبَاحُ، وزعمت المُعْتَزِلَةُ الكرَّامِيَّة أن الحُسْنَ والقُبْحَ يرجعان إلى صِفَات في الأفعال.
وقيل: صِفَةٌ نَفسِيَّةٌ، وصفة النفس عندهم ما ثبت للشَّيءِ وُجُودًا وعدمًا؛ بناء على تثبيت المعدوم.
[ ٢ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقيل: الحُسْنُ والقُبْحُ صِفَتَانِ تابعتان للحدوث.
وقيل: وُجُوهٌ واعتبارات.
وقيل: صِفَةٌ في القبح دون الحُسْنِ.
ثم قسموا الأَفْعَال إلى ما تستقل العُقُولُ بِدَرْكِ الحُسْنِ والقُبْحِ فيها، وإلى ما لا تَسْتَقِلُّ إلا بتبينه من الشَّرعِ:
وما تستقل به العُقُولُ قِسْمَانِ: ضروري، ونَظَرِيُّ. فالضروري كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ، وقبح الكَذِبِ الضَّارِّ. والنظري: كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع.
وما لا يستقل العَقْلُ بِدَرْكِهِ كَحُسْنِ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ من رَمَضَانَ، وقبح صَوْمِ أَولِ يَوْمٍ من شوال، والشارع عندهم مُخبِرٌ عن حَالِ المحلِّ، لا أنه مُنْشِئٌ فيه حُكمًا، ويعتبر على أُصُولِهِم جوَاز النسْخِ.
وقد اعتمد الأَصْحَابُ في الرَّدِّ عليهم على أربعة مَسَالِكَ:
الأول: المُنَاقَضَةُ العَادِيَّةُ.
الثاني: المُنَاقَضَةُ الذِّهَنيَّةُ.
الثالث: المناقضة العَقْلِيَّةُ.
الرابع: البُرْهَانُ القَاطِعُ.
أما المُنَاقَضَةُ العادية: فقالوا: ادَّعَيتُمْ أن بَعْضَ الأفعال يُدْرَكُ حُسنُهَا وقُبحُهَا بضرورة العَقلِ، وحكم العِلم الضروري ألَّا يختلف فيه العُقَلاءُ عَادَةً، ونحن جَمْعٌ كثير نُخَالِفُكُمْ، وإذا بَطَل الضَّرُوريُّ بَطَلَ النَّظَرِيُّ المُرَتَّبُ عليه، فإن نسبونا إلى العِنَادِ عَكَسْنَا عليهم دَعْوَاهُمْ، ثم العناد إنما يُتَصَوَّرُ عَادَةً من شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مع رُجُوعِهِمْ عن قَرِيبٍ، وقد تَوَالتْ علينا العُصُورُ ونحن مُصرُّونَ على ذلك.
فإن قَالُوا: نحن مُتَّفِقُونَ على التَّحْسِينِ والتَّقبِيحِ؛ فإنا نُحَسِّنُ كل ما تُحَسِّنُونَهُ، ونُقَبِّحُ كُل ما تُقَبِّحُونَهُ، وإنما اختلفنا في المَدْرك، والعَادَةُ لا تحيل الاخْتِلافَ في مِثْلِهِ؛ كاتفاق العُقَلاءِ غير الشُّذُوذِ على أن خَبَرَ التَّوَاتُرِ يُفِيدُ العِلْمَ مع اختِلافِهِمْ في كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، أو نظريًّا؛ وذلك لا يَقْدَحُ في إِفَادَتِهِ العِلْمَ.
قلنا: من أَصْلِنَا أنه يَحْسُنُ من الله -تعالى- إِيلام البَرَايَا من غير جَرِيمَةٍ سابقة، أو التزام عِوَضٍ لَاحق، وأنتم لا تُحَسِّنُونَ ذلك، لانا لم نَتَّفِق لا في اللَّفْظِ، ولا في المعنى؛ فإن معنى الحُسْنِ عندنا يَرْجِعُ إلى تَعَلُّقِ خِطَابِ الشَّرْعِ، وهو إِضَافَةٌ، والقول لا يُكسِبُ الفِعْلَ صِفَةً، وإلا لم يَتَعَلَّق بالمَعْدُومِ. ومعنى ذلك عندكم يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ في المحل، ونحن نَافُونَ لها في صورة فقط.
وَأَمَّا المُنَاقَضَةُ الذِّهَنيَّةُ: فإنهم حَسَّنُوا الأمَ إذا اشتمل على مَصْلَحَة رَاجِحَةٍ، ولم يحسنوا الكَذِبَ وإن اشتمل على نَجَاةِ نَبِيٍّ، فالتزم أبو هاشم طَرْدَهُ، وقال: أُحَسِّنُهُ، فقيل له: من أَصْلكَ
[ ٢ / ١٢٠ ]