احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ بِحُجَجٍ:
===
قولُهُ: "الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في القِيَاسِ:
إِذا فَهِمْتَ معنى القِيَاسِ وَحَدَّهُ وتمثيلَهُ وانقسامَهُ إلى عقليٍّ وشرعيٍّ - فقد اختلَفَ الناسُ فيهما: فأنكرهما الحَشويَّةُ، وأَثْبَتَهما الجماهيرُ، وردَّتِ الحنابلةُ قياس العَقلِ دون الشَّرْعِ، وَردَّ النَّظَّامُ مُعْظَم قياسِ الشَّرْعِ دون العَقلِ، ورَدَّ الإمامُ في "البُرهَانِ" قياسَ الغائِبِ على الشَّاهِدِ بالجَوَامِعِ الأربعةِ؛ أعني: العِلَّة، والدَّلِيلَ، والشَّرْطَ، والحَقِيقَةَ.
وقال: الدَّلِيلُ المذكورُ لا يَخلُو: إِما أن يتحقَّق في الغائِبِ حيثُ تَحَقّيقُهُ في الشاهدِ أَو لَا: فإن لم يتحقَّق، فلا دَلالةَ، وإن تحقَّق، فلا حاجة إلى الشَّاهِدِ.
ورُدَّ عليه: بأنه مِنَ الشاهِدِ يعرف كونه دليلًا فيطرد في الغالب فلا يستغنى عن المشاهد فإنه لا معْنَى للدَّليل إِلا وجودُ مستَلزِمٍ للحُكمِ؛ فلا بُدَّ من بيان اسْتلزامِه للحُكم؛ ومعرفةُ ذلِكَ من الشاهد، وهي المقدِّمة الكُبرَى، ولا بد من بيانِ وجُودِهِ في المَحْكُومِ عليه؛ أَغنِي: تحقُّقَهُ في الغائِبِ، وهو المقدِّمةُ الصُّغرَى.
واسْتَضعَفَ الفَخرُ قياسَ العَقلِ بأنَّ إِسقاطَ تعيُّنِ الأَصْلِ عن التَّأثِيرِ، وتعيُّنِ الفَرْع عن المانعيَّة - عَسِيرٌ، قال: والمُشكِلُ فيه تحقيقُ أن الحُكمَ في الأَصْلِ باعتبارِ المشتَرَكِ، والقَطعَ بهِ عَسِيرٌ، والدَّوَرَانُ -وإن اعْتَمَدَ عليه المعتزلةُ- فلا يفيدُ إلا الظَّنَّ، والمقصود بالبَحْث هَهُنَا هو الشرعيُّ، وأصولُ المذاهِب فيه ثلاثة:
الأوَّلُ: أنَّه يمتنعُ التعبُّد به عَقْلًا، والقائلون بذلك اختلفوا:
فمنهم: مَنْ خصَّ ذلك شرعيًّا، وهو النَّظَّامُ، وساعَدَنَا على العَمَلِ بالقطعيِّ منه، والمنصوصِ على علَّته.
ومنهم: مَنْ لم يَخُصَّهُ، وهو بَعْضُ المعتَزِلَةِ والخَوَارج والرافضَةِ إلا الزَّيدِيَّةَ.
ثم اختلف المانعُونَ في مأخذ المَنْع:
فمنهم: مَنْ رَدَّهُ؛ لأنه لا يفيدُ عِلْمًا ولا ظَنًّا في زَعْمه.
ومنهم: من سلَّم إفادته لِلظَّنِّ، وزَعَمَ أن التعبُّد بِهِ توريطٌ في الجهالات.
ومنهم مَنْ قال: الظَّنُّ قبيحٌ؛ لأنه ضِدُّ العلْمِ المحكوم بحُسْنِهِ، والقبيحُ لا يُؤمَرُ به؛ ومِنَ القائِلِينَ بذلكَ أَبُو هَاشِم، وقد قال: أَوَّلُ واجِب الشكُّ، والشَّكُّ في الله كُفرٌ، وهو قبيحٌ لعَينه، والغفلةُ والغَشيةُ مِن أضَداد العلْم، وقد سلّم أنَّهما من أفعال الله تعالى، ومن أصْلِهِ أن الله - تعالى - لا يَفْعَلُ ما يقضي العَقلُ بقُبْحِهِ، وقد ساعَدَ أَيضًا على العَمَلِ بما نَصَّ عليه الشارعُ من تشْبِيهٍ وتمثيل؛ كقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الْنَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥].
المذهب الثاني: أَنَّه لا يمتنعُ التعبُّد به عَقْلًا، لكن لا يجوزُ العَمَلُ به شَرْعًا، والقائلون بهذا
[ ٢ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أهْلُ الظاهر كَابْنِ دَاوُدَ والقَاشاني والنَّهْرَوَانيِّ، ثم اختَلَفُوا في مَأْخَذِ ذلك:
فمنهم: مَن زَعَمَ أنَّه لا دليلَ علَى التعبُّد به؛ فينتفي.
ومنهم: مَنْ نَفَاهُ لوجودِ النافي له من الكِتَاب والسُّنَّة والإِجماعِ على زعمه؛ وسَاعَدَنا بَعضُهُم على العَمَلِ بالقياسِ في معنى الأَصْل قَطعًا؛ كإِلحَاق الأَمَة بالعبد في سراية العِتْقِ. وقياسِ الأولى؛ كقياسِ العَمْيَاءِ على العَوْرَاءِ في مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بها - وعلى كُلِّ قياسِ دلَّ النصُّ أو الظاهرُ أو الإيماءُ على التعليلِ فيه وكُلِّ ما يمكنُ التَّنْصِيصُ عليه؛ كَقِيَمِ المُتلَفَاتِ، وأُرُوشِ الجنَايَاتِ، وتَقدِيرِ النَّفَقَاتِ.
وكان الحَامل لهم عَلَى تَسْلِيم الأَوَّلِ والثانِي القَطْعَ، أو أنَّه لَيس بقياسٍ، وعلى الثالث: أنَّ النصَّ على التعليلِ نصَّ على التعميمِ؛ بِنَاءً علَى أنَّ العلَّة الشرعيَّةَ لا تَقْبَلُ التخصيصَ، فمتَى نَصَّ الشارعُ علَى علَّةٍ، فلازمُ علَّتها ثُبُوتُ الحُكم بها أينَمَا وُجِدَتْ، وعلى الرابع الضَّرُورَةَ؛ لتعذُّر التنصيصِ عَلَيهِ على الإفْرَادِ.
المذهَبُ الثالِثُ: أَنَّهُ جائزٌ عَقلًا وشَرْعًا، ويجبُ التعبُّد به شرعًا، وهو مَذهَبُ أكثَرِ الفقَهَاءِ والمتكلِّمين على الجملةِ، وإِنِ اخْتَلَفُوا في تفاصِيلَ:
منْهَا: أن القَفَّال وأبا الحُسَينِ يزعُمَانِ أن دَلَالةَ العقلِ علَيهِ أيضًا.
ومنْها: أنَّ أبا الحُسَين يزعُمُ أن دَلَالةَ السَّمْع عَلَيه ظنِّيَّة، والحقُّ أن بعْضَ ما تمسَّكوا به كذلك.
ومنها: قَوْلُ بعضِهم: "إِنه لا يجري في الأَسْبَاب والمَوانِعِ والشُّرُوطِ".
ومنها: قولُ بعْضِ القَدَريَّة: "لا يَجْرِي إِلا في المَنْهِيَّاتِ دُونَ المَأْمُورَاتِ".
ومنها: قولُ الحنفيَّة: "إِنه لا يَجْرِي في الحُدُودِ والكَفَّارات والمُقَدَّرَات، ولا في الرُّخَصِ".
والمختار: أنَّه حجةٌ شرعيَّة، أينَما تحقَّق ما لا يَمْنَعُ منه مانِعٌ من مصادَمَةِ نصٍّ أوْ إِجْماعٍ أو قياسٍ أَرْجَحَ مِنْهُ.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحَشرُ: ٢]:
وَالاعْتِبَارُ مَأخُوذٌ مِنَ الْعُبُورِ وَالْمُجَاوَزَةِ؛ وَلِذلِكَ سُمِّيَتِ الدَّمْعَةُ "عَبْرَةً"؛ لانْتِقَالِهَا مِنَ الْعَينِ إِلَى الخَدِّ، وَسُمِّيَتِ السَّفِينَةُ: "مَعْبَرًا"؛ لأَنَّهُ يَحْصُلُ الانْتِقَال [بِهَا]، وَسُمِّيَ تَأْويلُ الْمَنَامِ: "تَعْبيرًا"؛ لأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ فِي النَّوْمِ إِلَى مَعْنَاهُ، وَسُمِّيَ الاعْتِبَارُ: "اعْتِبَارًا"؛ لأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنْ حَالِ غَيرِهِ إِلَى حَالِ نَفْسِهِ.
===
قولُهُ: "وقد تَمَسَّكُوا بِحُجَج: الأُولَى: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر ٢] " إلى آخر التقدِيرِ:
حاصِلُهُ أنَّ القياسَ اعتبارٌ، وَالاعْتِبَارُ مَأمُورٌ؛ فالقياسَ مَأمُورٌ به.
أمَّا أَنَّ القياسَ اعتبارٌ؛ فلأنَّهُ مجاوَزَةٌ على الأَصْلِ إلى الفَرْعِ، والمجاوزةُ اعتبارٌ بدَلالةِ الاستعمالِ؛ مِن ذلك تسميةُ الدمْعَةِ عَبرَة؛ لانتقالها من العَينِ إلى الخَدِّ، وتسميةُ السَّفينَةِ مَعْبَرًا؛ لحصول الانتقالِ بها، وتسميةُ تأويلِ الرؤيَا تَعْبيرًا؛ لأنه انتقال من الصورة التخيُّليَّة إلى ما يطابِقُها ويشَابِهُها من الأُمُور الخارجَةِ، وسُمِّيَ الاتعاظُ اعتبارًا؛ لأنه انتقالٌ من حالِ غيره إلى حالِ نَفْسِهِ، والقياسُ كذلك؛ فيندرج تحْتَ مسمَّى الاعتبار.
وأمَّا أنَّ الاعتبارَ مأمورٌ به؛ فلقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢]، وظاهِرُ الأَمْر الوجوبُ، ولم يُورِدِ الفَخرُ على هذا المَسْلَكِ ها هنا سِوَى اعْتِراضٍ واحِدٍ، ولم يُجِبْ عنه، ونحنُ نُورِدُ ما ذُكِرَ من الأسْئِلَةِ متضمِّنَة لما ذَكَرَهُ، ونجيبُ عنها، إن شاء الله تعالى:
الأول: قوله: "الاعتبارُ حقيقةٌ في المجاوَزَةِ" - ممنوعٌ، بل هو حقيقةٌ في الاتِعاظِ، وما ذَكَرُوا من الاستعمالِ مُعَارَضٌ بمثله؛ كقولهم: "السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَر بغَيرِهِ"، والأَصْلُ في الإطلاق الحقيقةُ.
الثاني: سلَّمنا أنَّه حقيقةٌ في المُجَاوَزَةِ، لكنْ لا يمكن حملُهُ في الآية على القيَاسِ بِدَلالةِ السِّيَاقِ؛ فإنه لَوْ صَرَّح به، فقال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر ٢] فَقِيسُوا الذُّرَةَ عَلَى البُرِّ" - لَم يَحْسُنْ، ولم ينتظم.
سَلَّمنا صحَّةَ حَمْلِ الآية على المجاوَزَةِ، لكنَّ المجاوزة قدْرٌ مشتَرَكْ بين القيَاس وسائِرِ الأدلَّة، عقليَّةً كانَت أو نقليَّةً، فإنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بشَيءٍ على شيءٍ، فقد انْتَقَلَ من الدَّلِيلِ إلى المدْلُولِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةٌ﴾ [المؤمنون ٢١]، وقد تقدَّم أنَّ الأَمْرَ بالماهيَّة الكُلِّيَّةِ لا يكُونُ أمْرًا بشيءٍ من جزئيَّاتها، وهذا معنى سؤالِهِ المَذْكُور في الكتَاب.
قوله: "لا يقال: ذلك المفهومُ الكُلِّي لا يُمكِنُ إِدخالُهُ في الوجُودِ إلا بواسِطَةِ إِدْخَالِ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ؛ فيكونُ واجبًا، ولا أولويَّةَ لبعضها دُونَ بعض؛ فيجبُ الجميعُ؛ لأنَّا نقولُ: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الأولويَّة، بَل ها هنا أمْرٌ لا بُدَّ من إِيجابه، وهو الاعتبارُ بما أَشَارَ إِلَيهِ بقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُخْربُونَ بُيُوتَهُم﴾ [الحشر ٢]، فإِنَّه لا بُدَّ من الاعتبارِ بهذه الصُّورة، وإذا صُرِفَ إليه، كفَى في الخُرُوجِ عن عُهْدَةِ
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فَثَبَتَ: أَنَّ الاعْتِبَارَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعُبُورِ، وَالْقِيَاسُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الْعُبُورِ؛ لأَنَّ الرَّجُلَ يَعْبُرُ مِن مَعْرِفَةِ حُكمِ الأَصْلِ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكمِ الفَرعِ؛
فَثَبَتَ: أَنَّ الْقِيَاسَ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكمِ الاعْتِبَارِ؛ فَكَانَ الأَمْرُ بِالاعْتِبَارِ أَمرًا بِالْقِيَاسِ.
ولِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَنِ اسْتَدَل بِشَيءٍ عَلَى شَيءٍ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى المَدْلُولِ؛ فَكَانَ مَعْنَى الاعْتِبَارِ حَاصِلًا فِيهِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ قَد يَكُونُ عَقْلِيًّا، وَقَذ يَكُونُ نَقْلِيًّا قَطعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ [نَقْلِيًّا] ظَنِّيًّا مِن بَابِ التَّمَسُّكِ بِأَخْبَارِ الآحَادِ وَالْعُمُومَاتِ الْمَظنُونَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّمَسْكِ بِاسْتِصْحَابِ الحَالِ، وَقَذ يَكُونُ مِن بَابِ التَّمسُّكِ بِالْقِيَاسِ، وَالاعْتِبَارُ هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُشتَرَكُ بَينَ الكُلِّ، وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيرُ مَا بِهِ الْمُخَالفَةُ، وَغَيرُ مُستَلْزِمِ لِشَيءٍ مِنْهَا،
===
الأَمْرِ، فلم يَبْقَ له دَلالةٌ على الْقِيَاسِ.
سَلَّمنا دَلَالتَهُ على القِيَاسِ، لكنه مُطلَقٌ، والمطلَقُ تتأتى دلالتهُ بصورةٍ، ونحن نقولُ به؛ فإنا نحملُهُ على القِيَاسِ المقْطُوع به، أو قياسِ الأَوْلَى، أو المَنْصُوصِ على عِلَّتِه، أو عَلَى ما يتعذَّر التنصيصُ علَيهِ.
سلَّمنا دلالتَهُ على جميعِ الأقْيِسَةِ، لكنَّها دَلَالةٌ ظَنِّيَّةٌ، والمسألةُ عِلْمِيَّةٌ؛ لأنه بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ؛ فيكون أَصْلًا في الشريعة تستَنِدُ إليه كثيرٌ من الأَحْكَام، ومثله لا يثبت بالظَّنِّ.
والجوابُ عن الأَوَّل: أَنَّا قد دلَّلْنَا على استعمالِهِ بمعنَى المجاوَزَةِ، وبيَّنَا أنَّه قَدْرٌ مُشْتَرَك في جميعِ صُوَرِ الإِطلاقِ من الاتعاظِ والدَّلالة وغَيرِهِمَا؛ فيتعيَّن أن يكُونَ حقيقةٌ فيه؛ دَفْعًا لِلاشتِراكِ والمَجَازِ.
قولُهُمْ: "السِّيَاقُ مانِعٌ من حَمْلِهِ على القياسِ":
قلْنَا: نحنُ لا ندَّعِي تناولَهُ لصُوَرِ القياسِ بخصوصيَّاتها، وَإِنما ندَّعِي أنَّه أَمْرٌ بالقَدْرِ المُشْتَرَكِ بين القياساتِ كلِّها، والاتِّعاظُ إِنَّما يتحقَّق بالقياسِ، وهو: أنَّكم إذا فَعَلْتُم فِعْلَهُمْ لم تأمَنُوا أن يَنْزِلَ بكم ما نَزَلَ بهم.
قوله: "الأَمْرُ بالماهيَّةِ الكُلِّيَّةِ لا يكُونُ أمْرًا بشيءٍ مِن جزئياتها":
قلنا: نُسَلِّمُ أنَّه لا يَسْتَلْزِمه بعَينه، لكنْ يَعُمُّها بقَدْرٍ مشتَرَكٍ، ولأنه إن لم يَدُلُّ عليه حقيقة لا يمتنع إرادَتُهُ إذا دَلَّ عليه دليلٌ، وقد دَلَّ عليه دليلٌ؛ وهو صحَّةُ استثناءِ أَيِّ فَرْدِ كان من الاعتبارِ منْهُ، والاستثناءُ حقيقةٌ في إِخراج الدَّاخِلِ، والسؤالُ قَويٌّ.
قوله: "نحملُهُ على العَمَلِ بَالأَقْيِسَةِ المتَّفَقِ عَلَيهَا":
قلنا: تخصيصٌ، وَتَقييدٌ بغَير دليلٍ.
قوله: "الدَّلَالةُ ظَنِّيَّةٌ":
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَالاعْتِبَارُ مُغَايِرٌ لِهذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ، وَغَيرُ مُسْتَلْزِمٍ لِشَيءٍ مِنهَا؛ فَالأَمْرُ بِالاعْتِبَارِ لَا يَكُونُ أمرًا - أَلْبَتَّةَ - بالاعْتِبَارِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ.
وَلَا يُقَالُ: ذلِكَ الْمَفهُومُ الْمُشْتَرَكُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهُ في الْوُجُودِ إلا بِوَاسِطَةِ إِدْخَالِ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ؛ فَكَانَ إِدْخَالُ أَحَدِ أَنْوَاعِهِ في الْوُجُودِ وَاجِبًا، ثُمَّ لَيسَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ البَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْبَاقِي؛ فَوَجَب حَمْلُهُ عَلَى إِيجَابِ الكُلِّ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ:
لأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى إِيجَابِ نَوعٍ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَاجِبٌ - فَنَقُولُ: ههُنَا نَوعٌ وَاحِدٌ لَا بُدَّ مِنْ إِيجَابِهِ؛ لأَنَّهُ تَعَالى قَال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]؛ فَهذِهِ الآيَةُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الاعْتِبَارِ في تِلكَ الصُّورَةِ؛ فَكَانَ صَرْفُ الآيَةِ إِلَى هذَا النَّوْعِ وَاجِبًا، وَإِذَا صَرَفْنَاهُ إِلَيهِ يَكْفِي ذلِكَ في الْخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ بِالأَمْرِ بِالاعْتِبَارِ؛ فَلَمْ يَبقَ فِيهَا - أَلْبَتَّةَ - دَلَالة عَلَى إِيجَابِ القِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
===
قُلْنَا: مَنْ رَأَى أنَّ المسألةَ ظَنِّيَّة، اكْتَفَى به، ومَنْ زَعَمَ أنَّها عِلمِيَّةٌ، يقولُ: الآيَةُ مقطُوعٌ بنقلها، ويمنع مِن صَرفها عَن ظاهِرِهَا مُضَافَرَتُها لِلنُّصُوصِ الدالَّة على العَمَلِ بالقياس؛ كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَينَ الْنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقوله - ﵇ -: "إِنَّنِي لأَقْضِي بَينَكُمْ بِالرَّأي فِيمَا لَمْ يَنْزِل فِيهِ وَحْيٌ".
وقال: وأمره - ﵇ - سَعْدَ بنَ معاذٍ أن يَحْكُمَ في بني قُرَيظَةَ برأْيه، وَأَنْزَلَهُمْ على حُكمه. وقَال: "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ"، والأحاديثُ التي يأتي ذكرُهَا وتَقْرِيرُهَا بما أقَرَّتْ به النصوصُ الدالَّةُ على أن الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وهو بعيدٌ ها هنا؛ فإِن النصوصَ ثمَّ كثيرة،
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُويَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ -﵁- أَنَّهُ قَال: "أَجْتَهِدُ رَأيِي"؛ فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
===
وهي قليلةٌ ها هنا، وأكثرها آحَادٌ.
قولُه: الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُويَ في قِصَّةِ مُعَاذٍ -رَضِيَ الله عَتهُ- أَنَّهُ قَال: "أَجْتَهِدُ رَأيِي"؛ فَصَوَّبَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَطبَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أنَّ هذَا الْخَبَرَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ دَلَّننَا عَلَى أَنَّ الْمَرَاسِيلَ لَيسَت بِحُجَّةٍ. ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذلِكَ عَلَى الاجْتِهَادِ في أُمُورٍ أُخْرَى سِوَى القِيَاسِ؟ !:
===
ولقائِلٍ أن يَقُولَ: أَطبَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أنَّ هذَا الْخَبَرَ مُرْسَلٌ " إلى آخر المَسْلَكِ: وقد أورد عليه أسئلة:
[ ٢ / ٢٦١ ]
فَالأَوَّلُ: الاجْتِهَادُ فِي تَرْكِيبِ النُّصُوصِ؛ مِثلُ قَوْلِنَا فِي الْمَبْتُوتَةِ: إِنَّها لَيسَتْ زَوْجَةً لَهُ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ، لَكَانَ إِذَا مَاتَتْ، وَجَبَ أَنْ يَرِثَ الرَّجُلُ مِنْهَا النِّصْفَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وَبالاتِّفَاقِ: لَا يَرِثُ الرَّجُلُ مِنْهَا؛ فَلَمْ يَكنِ الرَّجُلُ زَوْجَهَا، وَلَمْ تَكُنْ هِيَ زَوْجَةً لَهُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَحصُلَ لَهَا الْمِيرَاث مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ أَثبَتَ الرُّبُعَ لِلزَّوْجَةِ، فَصَرْفُ شَيءٍ مِنْهُ إِلَى غَيرِ الزَّوْجَةِ تَرْكٌ لِلنَّصِّ، وَمَعْلُومٌ: أَن مِثْلَ هذَا الاجْتِهَادِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَيكُونُ مَعْنَى: "أَجْتَهِدُ رَأْيِي"- فِي تَرْكِيبَاتِ النُّصُوصِ، وَفِي إِدْخَالِ الْخُصُوصِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ.
===
الأول: أنه اشْتَمَلَ على الخطإِ، وحديثُهُ - ﵇ - مَصُونٌ عنه:
أمَّا أنَّه اشْتَمَلَ على الخَطَإِ، فَمِنْ أَوْجُهٍ:
الأوَّل: قوله: "فإِنْ لم تَجِدْهُ في كتابِ الله تعالى" فإنه مناقِضٌ لقولِهِ تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
والثاني: اشتمالُهُ على تصويب الاجتهادِ في زمَنِ رسول الله - ﷺ -، وإنه خطأ؛ علَى ما سيأتي في "بَابِ الاجتهادِ" إن شاء الله تعالى.
الثالثُ: اشتِمالُهُ علي سؤالِهِ عن أهليَّة القضاءِ بَعْد التَّولِيَةِ، وحقُّه أن يكُونَ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ.
الرابعُ: أنَّه قَيَّد العَمَلَ به بعَدَمِ وجْدَانِ الحُكْمِ في السُّنَّةِ، وقَيَّدَ العَمَلَ بالسُّنَّةِ بعَدَمِ وجْدَانِهِ في الكتَاب، والأَوَّلُ خلافُ مذهبكم، والثَّانِي خلافُ الإِجْمَاع الثاني من القبح: أنه نُقِلَ أنه - ﷺ - قال لَهُ: "اكْتُبْ إِلَيَّ، أَكتُبْ إِلَيكَ".
الثالث: ما ذكَرَهُ المصنِّف أنَّه مُرسَلٌ، وليس بحجَّةِ عند الشافعيِّ، ولأنه خَبَرُ واحدٍ فيما تَعُمُّ به البلْوَى، وليس بحجَّةٍ عند أَبي حنيفَةَ.
السؤالُ الثَّاني على أصْلِ الحُجَّة: القولُ بموجبه؛ فإِنا نَحْمِلُ قوله: "أَجْتَهِدُ رَأْيي" على الاجتهادِ في تركيبِ النصوصِ؛ كما ذَكر المصنَّف في المبتُوتَةِ أنها لا ترثُ؛ لأنَّها ليسَت بزوجةٍ؛ لأنها لو كَانَت زوجةً، لورثَهَا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ولا يرثُها؛ فليست بزوْجَةٍ؛ فلا ترثُهُ.
أو على الاجتهادِ في إدْخَالِ الخاصِّ تحت العامِّ؛ كَتَحْقِيقِ أن النَّبَّاشَ سارِق؛ ليندَرجَ تحْتَ عمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَالثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِدْخَال الحُكْمِ تَحْتَ الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِـ "الاجْتِهَادِ"؛ لِوَجْهَينِ:
===
أو على الاجتهادِ بإِدخالِهِ تَحْتَ البراءةِ الأَصْليَّةِ؛ فإِنه مشروطٌ بالبَحْثِ عن موارد النُّصُوصِ وعَدَمِها.
أو على الاجتهادِ في الترجِيحِ؛ للإلحاق بأحد الأَصْلَينِ عند تعارُضِهِمَا؛ كما في مَسْألةِ المَقْدُودِ.
السُّؤال الثالثُ: سَلَّمنا دلالتَهُ على العَمَل بالقياسِ، لكنَّا نقيِّده بالعَمَلِ بالأقيسةِ المتَّفَقِ على العَمَلِ بها، وَدليلُ التقييدِ ما سَنَذكُرُهُ من الأدلَّةَ المانعةِ من التَّعْمِيمِ.
الرابعُ: سلَّمنا عمومَهُ، لكنَّه في زمن الرسُولِ - ﷺ - لإِمكان استدراك الخَطَإِ فيه بالوحْيِ، وقبْلَ إكْمال الدَّين بِمَسِيسِ الحاجَةِ إِليه.
الخامس: سلَّمنا دلالتَهُ مُطلَقًا، لكنها ظنِّيَّةٌ، والمسألَةُ عِلْمِيَّةٌ.
والجواب: قولُهُ: "اشْتَمَلَ على الخَطَإِ":
قلنا: لا نسلِّم.
قولُهُ: "إِنه مناقضٌ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]:
قلْنَا: محمولٌ علَى إِحاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالى، والإِشارةِ إلى كَتْبهِ في اللَّوْح المحفوظِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، سلَّمنا إرادَةَ الكتَابِ العزيزِ، لكنَّه إنما يَعُمُّ ويَشْمَلُ بدلالةِ معقُوله، وهو القياسُ؛ لأنَّ الوقَائِعَ لا نهايةَ لَها، ودَلالةُ منطوقِهِ ومظْنُونِهِ وفحواه، وَدَلائِلُهُ متناهيةٌ.
قوْلُهُ: "إنَّهُ محْمُول على الاجتهادِ في زَمَنِ الرَّسُولِ":
قلنا: إِذا جَازَ في زَمَنِهِ مع إِمكَان الرُّجُوعِ إِلى الوْحيِ ففيما بَعْدَهُ أوْلَى؛ لمسيسِ الحَاجَةِ إِلَيه.
قولُهُ: "اشْتَمَلَ سُؤاله عن أهليَّة القضاءِ بَعْدَ التَّوْلِيَّةِ":
قلْنَا: ممنوعٌ؛ وقوله: "لَمَّا بَعَثَهُ": يحمل على إرَادَةِ بَعْثِهِ.
قولُهُ: "العمل به مشروطٌ بعَدَمِ السُّنَّةِ":
قلنا: كذلك نَقُولُ إِذا خالفَهَا.
قولُهُ: "وقَيَّد العملَ بالسُّنَّةِ بعَدَمِ الكتَابِ":
قلنا: تُرِكَ الدليلُ؛ فيبقَى ما عداه علَى الأَصْلِ.
قوله: "اكتُبْ إِلَيَّ أَكتُبْ إِلَيكَ":
قلْنا: يُحْمَلُ عَلَى ما أَشْكَلَ بعد بَذْلِ الوُسْعِ وَالاجتهَادِ؛ وللتوفيق.
قوله: "إِنَّهُ مُرْسَلٌ":
قلنا: تلقَّتهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ؛ ودلَّتِ النصوصُ على مقتضاهُ، ومِثْلُ هذا المرسَلِ يقُولُ به
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الأَوَّلُ: أَنَّهُ مَا لَمْ يَجْتَهِدْ فِي طَلَبِ النُّصُوصِ حَتَّى يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّمَسُّكُ بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَتَعَارَضُ أَصْلانِ؛ كَمَا إِذَا لُفَّ إِنْسَانٌ فِي ثَوْب، ثُمَّ قَدَّهُ نِصْفَينِ؛ فَهَهُنَا: قَدْ تَعَارَضَ فِيهِ أَصْلانِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ؛ فَيَكُونُ الْقَصَاصُ وَاجِبًا عَلَيهِ، وَأَيضًا: الأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ وُجُوب الْقِصَاصِ؛ فَههُنَا: لَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الأَصْلَينِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَن بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِالْقِيَاسِ، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنِ الإِنْكَارِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ الإِجْمَاعَ.
===
الشافعيُّ، وقيل: ليس بمْرسَلٍ مِنْ جميع طُرُقِهِ.
قولُهُ: "خَبَرُ وَاحِدٍ فيما تَعُمُّ به البلْوى":
قلنا: لا جَرَمَ أنه استفَاضَ واشتَهَرَ عنْدَ حَملَةِ الشريعَةِ.
قولُهُ: "ويُحْمَلُ الاجتهادُ على الاجتهادِ بلوازِمِ النُّصُوصِ وتركيبها، أو تحقيقِ المناطِ أو إِدْرَاجِ الخَاصِّ تَحْتَ العَامِّ، أو الإِلْحَاقِ بأقربِ الأَصْلَينِ":
قُلْنَا: كلُّه خلافُ الظاهِرِ، بل لا يُفْهَمُ مِنْ قوله: أقِيسُ الأمْرَ بالأَمْرِ إِلا التمثيل؛ كما صَرَّحَ به عُمَرُ في تفسير الرأي في وصيَّته لأَبي مُوسَى الأَشعَرِيِّ: أعْرِفِ الأَشْبَاهَ والأَمْثَال، وقِسِ الأُمُورَ بِرَأيِكَ.
قولُهُ: "يحمل على القياس المجمَعِ علَيهِ":
قلنا: تقييدٌ بغير دليل.
قوله: "على ما سنذكره من الحُجَجِ":
قلنا: سنُبَيِّنُ أنها شُبَهٌ، إن شاء الله تعالى.
قوله: "إِنه حُجَّةٌ في زمن الرسول - ﷺ -":
قلنا: إذا ثَبَتَ أنَّه حجة في زمن الرسُول، وجَبَ التمسُّكُ به إلى تحقُّق ناسخٍ.
قوله: "حُجَّةٌ قبل إكمال الدِّين":
قلنا: إِكماله بمشروعيَّة القياسِ؛ ليعُمَّ الأحكامَ.
قوله: "الحجة [ظنية": قلنا: قد تقدم الجواب عنها].
قولُهُ: "الحُجَّة الثالثةُ: أنَّ بعض الناس عَمِلَ بالقياسِ، وسكَتَ الباقُونَ عن الإِنْكَارِ؛ وذلك يوجِبُ أن يكُونَ إِجماعًا؛ والإجماع حجةٌ":
[ ٢ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إنما قال: "بعضَ الناس"، ولم يقل "الصَّحَابَة"؛ ليعُمَّ إِجماعَ الصحابةِ والتَّابِعِينَ، وهذه الحُجَّةُ هي التي عَوَّل عليها المُوجِبُونَ للتعبّد بالقياسِ شرعًا، وما يُذْكَرُ من نصوص الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فكان مجمُوعُهَا هو مستَنَدَ الإجْمَاعِ، والقاطعُ في المسْأَلةِ هو الإِجْمَاعُ، وقد تقدّم الاعتراضُ عَلَيهَا والجوابُ في العَمَلِ بخَبَرِ الآحادِ؛ فلا حاجَةَ إلى إِعادته.
والذي نُريدُهُ الآنَ التنبيهُ على بعْضِ صور الأقْيسَةِ التي عَمِلَت بها الصحَابَةُ، وتصرِيحِهِمْ بالاعتمادِ علَيهِ؛ لتَخْرُجَ الحُجَّةُ عن مُجَرَّدِ الدعْوَى:
فمنها: جمعُهُمُ الْقُرآن لِحِفْظِهِ؛ قياسًا على دراسَتِهِ، وعَقْدُهُمُ الإِمَامَة لأبي بكر؛ محتجِّين بقولهم: "رَضِيَهُ لِدِيننَا؛ أَفَّلا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ ! ".
وقولُ أبي بكر الصِّدَّيقِ - ﵁-: أَقُولُ فِي الكَلالةِ بِرَأْيي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ تَعَالى، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأ فَمِنِّي أَوْ مِنَ الشَّيطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، الكَلالةُ: مَا عَدَا الوَالِد وَالْوَلَد".
ومِنْ ذلك: لمَا وَرَّثَ أُمَّ الأُمِّ، ولم يُوَرِّث أُمَّ الأب، قال له رَجُلْ مِنَ الأَنْصَارِ: لَقَدْ وَرِّثْتَ امْرَأَةً مِنْ مَيِّتٍ، وَلَوْ كانَتْ هِيَ المَيِّتَةَ، لم يرثْهَا، وتركت امرأة لو كانت هي الميِّتَةَ، ورث جميع ما تركَتْ؛ فرجع إلى التَّشْريكِ بينهما في السُّدُسِ، وقولُهُ في قتالِ مَانِعِي الزَّكاةِ: "لا أُفَرِّقُ بَينَ مَا جَمَعَ الله".
وَمِن ذلكَ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب لأَبي مُوسَى الأَشعَريِّ: "اعْرِفِ الأَمْثَال وَالأَشْبَاهَ، وَقِسِ الأُمُورَ بِرَأيكَ".
وكان أبو بَكْرٍ يَرَى التسْويَةَ في العطاءِ، فقال له عُمَرُ: لا تَجعَلْ مَن تَرَك دِيَارَهُ وأَمْوَالهُ، وهاجَرَ إِلَى الله ورَسُولِه - ﷺ - كَمَنْ دَخَلَ في الإِسْلام كُرْهًا الآنَ، فقال أبو بكرٍ - ﵁ -: إنَّمَا أَسْلَمُوا للهِ، وأُجُورُهُمْ على الله، وإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلاغٌ، فلما انتهَتِ النوْبَةُ إلى عُمَرَ، وَزَّع على التفاوتِ.
وقولُ عُمَرَ في الغُرَّة: "لَوْ لَمْ نَسْمَع هذَا، لَقَضَينَا فِيهِ بِرَأْينَا"، وقوله: "إِّني رَأَيتُ فِي الجَدِّ رَأيًا، فاتَّبِعُونِي"، فقال عُثمَانُ: "إِنْ نَتَّبعُ رَأيَكَ، فَرَأْيُكَ سَدِيدٌ، وَإنْ نَتَّبعْ رَأيَ مَنْ قَبْلَكَ، يَعْنِي أَبَا
[ ٢ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بَكْرٍ، فَنِعْمَ الرَّأيُ كَان"، وَلو كان في المسألةِ قاطعٌ، لَمَا صَوَّبَهُمَا.
وقولُ ابنِ مسعودٍ في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ المُفَوِّضة، وقد مات زوجُهَا بعْد أنْ رَدَّ السائِلَ شَهْرًا: أقُولُ فيها برأْيي، فإن أصبْتُ فَمِنَ الله تعالى، وإن أخطأتُ فمنِّي ومنَ الشَّيطانِ؛ أَرَى لَهَا مِثلَ مَهْرٍ نِسَائِهَا،؛ لا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ.
وقولُ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ لابْن عَبَّاس -حين قال: أَينَ فِي كِتَاب اللهِ ثُلُثُ مَا يَبْقَى؟ ! -: أَقُولُ بِرَأْيي، وَتَقُولُ بِرَأيِكَ.
ومِنْ ذلك: استشارَةُ عُمَرَ الصحَابَةَ في المَرْأَةِ البغيَّة التي بَعَثَ إلَيها، فأَلْقت جَنينًا، فقال بعضُهم: لَيسَ عَلَيكَ شيءٌ، إنما أَنْتَ والٍ، أو مؤدِّبٌ، وَعَليٌّ سَاكِتٌ، فقال له عُمَرُ: ما تَقُولُ يَا أَبا الحَسَنِ؟ فقال: إنْ أَخبَرُوكَ عن رَأيِهِمْ، فقد أَخطَئُوا رَأَيَهُمْ، وإن قَالُوا لِهَوَاكَ، فما نَصَحُوكَ: إِنَّ دِيَتَهُ عَلَيكَ؛ فَإِنَّكَ أَنْتَ أَفْزَعْتَهَا. وهذه القضيَّةُ أظهَرُ دليل عَلَى أنهُم مُجْمِعُونَ على الرأيِ،
[ ٢ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإنَّما اختَلَفُوا في التفْصِيل.
ومنها: قَوْلُ عَلِيٍّ لعُمَرَ، لما سَأَلَ عن قَتلِ الجماعَةِ بالوَاحِدِ فقال: "أَرأَيتَ لَو اشتَرَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةِ، أَكُنْتَ تَقطَعُهُمْ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فكذلِكَ هذَا.
قولُهُ في حَدِّ الخَمْرِ: "إِذَا سَكِرَ هَذَى، وإذَا هَذَى افْتَرى؛ فَأَرَى عَلَيهِ حَدَّ المُفْتَرِينَ"، وساعَدَهُ عُمَرُ وغيرُهُ.
ومِنْ ذلك: اختلافهُمْ فِي ميرَاثِ الجَدِّ والإخوَةِ ومسألةِ الحَرَامِ، واختلافهُمْ في أن الخُلْعَ فسْخٌ أَوْ طَلاقٌ، ورجوعُ عُمَرَ في مسَألة المُشتَرَكة؛ لقَوْلِ الأخِ: "هَبْ أَن أَبَانَا كَانَ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حِمَارًا، أَلسْنَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ"، وتوريثُ عثمانَ المبتوتَةَ في مَرَضِ المَوْتِ؛ معاقَبَةً له بنَقِيض مقصودِهِ.
وفي الوقَائِعِ كَثْرَةٌ، ولا خفَاءَ بعَدَمِ النصُوصِ فيها؛ لاعترافِهِمْ بعَدَمِهَا وتَرْدِيدِهِمُ الرَّأيَ بَين الخَطَإِ والصَّوَاب على وَجَلٍ، ولم تَجْرِ عادَتُهُمْ بذلك في العَمَلِ بالنُّصُوص، وعَدَم رَدِّها إلى البراءَةِ الأصليَّةِ؛ فإن أَكثَرَها ناقلٌ عنها.
فإنْ قِيلَ: مَنْ نَقَلْتُمْ عنه العَمَلَ به مع قِلَّتِهِمْ بالنِّسْبة إلى مَنْ بَقِيَ مِنَ الصحابة، واحتمالِ حَمْلِ الرأْي على غَير القياسِ، مع تَطَرُّقِ وجُوهٍ من النَّظَر في هذه النصوصِ المَخْصُوصةِ غَير القياسِ: مِنْ تفْسيرِ لفظٍ، أو تمسُّكِ بعموم ضعيفٍ، أو نَقْل خَفِيِّ، أو مفهوم، أو استصحاب أصْلٍ، أَوْ تَمَسُّكِ برأي، أو أَخْذِ المستَيقنِ في طَرَفِ الأعلى أو الأَدْنَى، أَوْ لازِمِ نَصَّين، أو مناسِب مُرْسَلٍ، أو استحْسَانٍ، أو استقراءٍ، أو تحقيقِ مَنَاطٍ. . . إلى غير ذلكَ مِنْ وُجوهِ الرَّأي-: غير القياسِ؛ فما نقلتُمُوه عتهم مُعَارَضٌ بما نُقِلَ عَنهم مِنَ المنع بالعمل بالرأْي:
[ ٢ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
[مِنَ] المَنْعُ من ذلك قولُ أبي بَكْرٍ: "أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي؛ إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيي".
وقال عمر: إِياكم وأصحابَ الرأي؛ فإنهم أعداءُ الدِّين؛ أَعْيَتهُمْ الأحاديثُ أن يحفَظُوها؛ فقالوا بالرأي، فضَلُّوا وأَضَلُّوا.
وقولُ عَلِيٍّ: لو كان الدِّينُ يؤخَذُ قياسًا لكان باطنُ الخُفِّ أولَى مِنْ ظاهره.
وعن ابنِ مَسْعود: يَذْهَبُ قُرَّاؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناسُ رُؤَسَاءَ جهَّالًا يَقِيسُون الأمورَ برَأيهم.
وقالُوا: لو حَكمْنا بالرأْيِ، لَحَرَّمنا كثيرًا مما أَحَلَّ الله تعالى.
وَرَدَّ ابن عباسٍ قياسَ العَول.
وقال عمر: مَنْ أَحَبَّ أن يَقْتَحِمَ جراثيم جهنَّمَ، فلْيَقْضِ في الجَدِّ برَأيه.
وقالت عائشة: أَخبِرُوا زَيدَ بْنَ أَرْقَمَ أنَّه حَبِطَ جهادُهُ مع رسُولِ الله - ﷺ -؛ لِفَتْوَاه بالرأْي في مسألة العينة (٧).
وقال ابنُ عمر: اتَّهِمُوا الرأْيَ على الدِّينِ.
وقال ابنُ عَبَّاس: إِيَّاكُمُ والمَقَايِيسَ [فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس. وقال ابن عمر: ذروني من رأيت وأُريت].
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ العَمَلَ بِالْقِيَاسِ يُوجِبُ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظنُونِ؛ فَيَكُونُ حُجَّةً.
وَقَدْ سَبَقَ الاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَينِ الْوَجْهَينِ فِي "بَابِ أَخْبَارِ الآحَادِ".
الحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الأَحْكَامَ غَيرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالنُّصُوصَ مُتَنَاهِيَةٌ، وَإِثبَاتُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ بِالْمُتَنَاهِي مُحَالٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ سِوَى النُّصُوصِ؛ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
===
وقال الشَّعْبِي: ما أَخْبَرُوكَ به عن أصحاب محمد - ﷺ -، فأقْبَلْهُ، وما أخبروك عن أنفسهم، فَأَلْقِهِ في الحُشِّ؛ إِنَّ السُّنَّةَ لم توضَعْ بالمقايِيسِ.
وقال ابنُ مسعود: لا أَقِيسُ شيئًا بشيءٍ؛ أخَافُ أن تَزِلَّ قَدَمِي بَعْدَ ثُبُوتِهَا.
وقال ابْنُ سِيرِينَ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ.
قلْنَا: إنْ صَحَّ ما ذكرتموه مِنَ الأَخبارِ مع صِحَّةِ ما ذَكَرْنَاه منَ الوقَائِع الكثيرةِ المتَّفِقَةِ على اتفاقهم عَلَى العَمَلِ بالقياسِ وَالرَّأْيِ- فَطَرِيقُ الجَمْعِ وَالتَّوْفيقِ: أَنْ يُحْمَلَ الرأْيُ المذمُومُ على الرأْيِ الموضوعِ في غير مَحَلِّهِ المُصَادِمِ للنصوص؛ بدليلِ قَوْلِهِ: "أَعْيَتهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا"، وقولِهِمْ: لأَحْلَلْتُمْ كثيرًا ممَّا حَرْمَ اللهُ، وَحَرَّمْتُمْ كَثيرً مِمَّا أَحَلَّ اللهُ"، أي: على الرأَي الفاسِدِ الَّذِي لا يَشهَدُ له أصْلٌ من الشَّرْعِ، أَو الرَّأْي الصَّادِرِ عنِ العادِم لأهليَّة الاجْتهادِ؛ كما قال: "اتَّخَذُوا رُؤَسَاءَ جُهَّالًا".
قوله: "الحجة الرابعة: أنَّ العمَلَ بالقياسِ يُوجِبُ دَفْعَ الضَّرَرِ المظْنُّونِ؛ فيكونُ حُجَّةً، وقد سَبَقَ الاعتراض عَلَيهَا في "بابِ أَخْبارِ الآحَادِ":
وهذه من الطرق العقليَّةِ لموجِبِي التعبُّدِ به عَقْلًا، وقد تقدّم إِفْسَادُهَا، وبيانُ أنَّها شُبْهَةٌ.
قوله: "الحُجَّةُ الخامِسَةُ: الأحكام غيرُ متناهية، والنُّصوصُ متناهية، وإثبات ما لا نِهَايَةَ له بالمتناهِي مُحَالٌ، ولا بُدَّ من طريقٍ أُخرَى، وهي القياسُ":
هذا المسلَكُ اعتمده الإمامُ، وساعده الغَزَّالِيُّ عليه في "المَنْخُولِ"، وحاصلُهُ بعد تمام تقريره تمسُّك بإجماعِ جُمَلِيٍّ.
قال الغَزَّالِيُّ: إِنَّا نعلَمُ أن الصحابَةَ مِنْ مفتَتَحِ أمرِهِمْ يوم السَّقِيفَةِ إلَى مَوْتِ واثِلَةَ بْنِ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَسْقَعِ، وهو آخِرُ مَنْ مات من الصحابة -رضوَانُ الله عليهم أجْمَعِينَ- كانوا يُفْتُونَ وَيحْكُمُون بالتحْلِيلِ والتحْرِيمِ، والحَقنِ والإِهدارِ، والصِّحَّة والبُطْلانِ، وبالأمور الخطيرةِ والقَضَايا العظيمَةِ، وأقضيَتُهُمْ وفتاويهِمْ تزيدُ علَى منْصُوصَاتِ الكتاب والسُّنَّة زيادة خارجة عن الحد والحَصْرِ المعتادِ، ولا نَظُنُّ بهم الاحتكامَ والتَّشَهِّي في الدَّين؛ فإن مَنْصِبَهُمْ يَجِلُّ عن ذلك؛ فلا بُدَّ لهم مِنْ مُسْتَنَدٍ شَرْعيٍّ؛ وهو القياس، وطريقُ تعيُّنِهِ: أنهم إذا لم يحكُمُوا بالتشهِّي، فلا بُدَّ من موافقَةِ مقصودِ الشَّرْعِ، ومقصودُ الشرعِ، إذا لم يكُنْ منصوصًا علَيهِ -فلا يسلم ولا يُظَنُّ إلَّا بإيماءٍ أو استنباطٍ بملاءمة أو شَبَهٍ، أو دَوَرَانٍ، وما أشبه ذلك، وهذا عينُ القيَاسِ؛ إذ لَا مَعْنَى للقياسِ إلا التمسُّكُ بمعقولِ النَّصِّ أو الإِجماعِ.
هذا تَمَامُ تقريرِ هذا المَسْلَكِ شرعيًّا، فظاهرُ كلام الفَخرِ بشيرُ إلَى تقريره عَقلِيًّا، كالذي قبله، ويَردُ على ظاهر كلامِهِ استدرَاكٌ؛ وهو أنَّه ادَّعَى أَن إِثْبَاتَ ما لا نِهَايَةَ لَهُ بالمُتَنَاهِي محالٌ، وعَنَى بالْمُتَنَاهِي: نصوصَ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وادَّعَى دفْعَ المحذورِ من ذلك بزيادةِ القياس، وزيادةُ واحِدٍ على المتناهِي لا تصيره غيرَ متناهٍ.
لا يقالُ: المرادُ بقولنا: "إِنَّ أحكامَ الكتَاب والسُّنَّة متناهيَةٌ"، أنَّ ما أشعَرَت به النُّصوصُ مِنَ الأحكام -وإن كانَت كثيرةً- يدخلُ تحت العَدِّ والحَصْر، والقياسُ -وإنْ كان واحِدًا بنوعه- لكنَّه يعُمُّ الأحْكَام التي لا نهايَةَ لها ويستَرْسِلُ عليها باعتبارِ أمْرٍ عَامٍّ يشتَرِكُ فيه الآحَادُ؛ فإِنَّ الشارع إذا قال: "حَرَّمْتُ الخَمْرَ"، فهذا حُكْمٌ خاصٌّ، فإِذا فهمنا أنه إنما حرَّمه؛ لكونِهِ مُسكِرًا -عَمَّ التحريمُ كلَّ مُسكِر؛ وكذلك إذا نَهَى عن بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضِلًا، وفَهِمْنا أنه إنما حرَّمه؛ لكونه مطعومًا- عَمَّ الحُكمُ كُلَّ مطعوم؛ ولهذا قيلَ: لَا مَعْنَى للقياسِ إلَّا تجريدُ المُعَيَّنِ عن التعيُّن وإضَافَةُ الحُكم إلى المُشْتَرَكِ؛ لأنَّا نَقُولُ: إذا فَسَّرْتم عدَمَ النهايةِ بهذا، فلا يتمُّ هذا المسْلَكُ ما لم تُثبِتُوا أنَّ عموماتِ الكتابِ والسُّنَّة لا تَفِي بمثْلِ هذا العموم؛ فإنَّ قوله - ﵇ -: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، و"لَا تَبِيعُوا الطعَامَ بِالطعَامِ"، وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
[ ٢ / ٢٧١ ]
وَلقَائِل أَن يَقُولَ: لِمَ لَا يَجوزُ أَن يُقَال: كُلْ مَا وَقَعَ النصُّ عَلَيهِ، فَقد ثَبَتَ الحُكمُ فِيهِ، وَمَا لَم يحصُلِ النص فِيهِ، لَم يَكُنْ لله -تَعَالى- فِيهِ عَلَى العَبدِ تَكلِيفٌ، بَل دَخَلَ تَحتَ البَرَاءَةِ الأَصلِيةِ.
أَلا تَرَى: أَن السلطَانَ إِذَا أَرسَلَ أَمِيرا إِلَى بلدَة، فَإِن الأمِيرَ يَقُولُ: كُل تَكَالِيفِكَ عَلَى وَعَلَى أهلِ تِلكَ البلدة. فَإِذَا ذَكَرَ السلطان أَنوَاعًا مِنَ التكَالِيفِ، وَقَال: هذَا تَمَامُ التكَالِيفِ عَلَيكَ، وَعَلى أهل بَلدَتِكَ-: فَإِنهُم إِذَا أَتوا بِتِلكَ التكَالِيفِ، كَانُوا مُطِيعِينَ سَامعين، وَلَا يَكُونُ لِذلِكَ السلطان عَلَيهِم فِي غَيرها شَيء مِنَ التكَالِيفِ.
فَكَذلِكَ: هذَا سُلطَانُ الموجُودَاتِ أَرسَلَ مُحمدًا - ﷺ - بِالرسَالةِ إِلَى هذَا الْعَالمِ، وَذَكَرَ
===
بالألف واللام المستغرِقَةِ يَشمَلُ ما لا يتناهى؛ باعتبار الذي ذكرتم؛ كيفَ والخَصمُ قد يسلِّم العَمَلَ بالعلةِ المنصوصِ عَلَيها وَالمومَإ إليها وجَرَيَانَ القياسِ في تحقيق المناطِ، وفي كل ما يُعتَبَرُ التنصيصُ عليه، وإنما يخص النزاعَ بتخريجِ المَنَاطِ، فلا يتحقق المحذُورُ المذكُورُ.
قولُهُ: "ولقائل أَن يقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَن يقَال: كُل ما وَقَعَ النص عليه، فَقَد ثَبَتَ الحُكمُ فيه، وما لم يَحصُلِ النص فيه، لم يكُنْ للهِ -تعالى- على العَبدِ فيه تكليفٌ، بل دَخَلَ تحتَ البراءَةِ الأصليةِ " إلى آخره، ولم يُجِب عنه:
والجوابُ عنهُ: ما نبهنَا عليه في مسلَكِ الإِجمَاعِ التفصيلي، وهو أن أكثر الوقائِعِ التي حَكَمَت فيها الصحابةُ بالرأي على خلف البراءَةِ الأصليةِ، وما اختلفُوا فِيهِ لا يمكِنُ اجتِمَاعُ الطريقَينِ فيه على البراءَةِ، والاستقراءُ يُحَقِّقُ ذلك، فَلَم يَعُمّ الأحكامَ باعتبارِ البراءةِ الأَصلِيةِ فَقَط.
فإن قيل: مَا حَكَمَت فيه الصحابةُ مِنَ الوقائِعِ وإن كَثُرَت، فهي متناهيَة؛ فكيف تَدعُونَ تعميمَ القِيَاسِ وشمولَهُ لِمَا لا يتنَاهى من الأحكامِ وقُوعًا منها؟:
قلنا: المَعنِي بِعَدَمِ النهاية: الكَثرَةُ إِلى حدٍّ يعسُرُ عدها، وأن النصوصَ لا تَفِي بها، أمَّا دعوى الوقائعِ التي لا تتناهى تقريرًا، فهل لله -تعالى- في كل واقعة منها حُكم أو لا؟ - فسيأتي البحثُ فيه، إن شاء الله -تعالى- في "بابِ الاجتهادِ".
والإِمامُ يدَّعي التعميمَ بوجه، وهو أن نوع من الأحكامِ؛ فإن الوقائع فيه واقعة بين طرفَينِ على التقابُلِ بين النفي والإِثباتِ، فإذا خَصَّ طَرَفًا بالحُكمِ، عَم نفيه المقابِلَ له؛ كقوله: الوَارِثُونَ من الرجال عَشَرَة، ومن النساءِ سبعَة، فمَن عَدَاهُم ليسَ بوارث، وموانعُ الميراثِ خَمسَة، وما عدا ذلك ليس بمانع، ونواقضُ الوُضُوءِ خَمسَة، وما عدا ذلك لَيسَ
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أَنواعًا مِنَ التكَالِيفِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَن تلكَ التَّكَالِيفَ تَمام التكَالِيفِ؛ حَيث قَال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]؛ فَوَجَبَ: إلَّا يبقَى بَعدَها تَكلِيف آخَر ألبَتةَ؛ فَكَانَ كُل مَا سِوَاها دَاخِلا تَحتَ البَرَاءَةِ الأَصليةِ.
الْحُجةُ السادِسَةُ: أَن الشافِعِي -﵁- قَاسَ الاجتهاد فِي طَلَبِ الأَحكَامِ الشرعِيَّةِ عَلَى الاجتهادِ فِي طَلَبِ القِبلَةِ. وَهذَا بَعِيد؛ لأَنَّهُ إِثبَات القِيَاسِ بِالْقِيَاسِ.
احتج الْمُنكِرُونَ لِلقِيَاسِ بِوُجُوه:
الحجةُ الأُولَى: أَن القِيَاسَ مَبنِي عَلَى مُقَدِّمَتَينِ:
إِحدَاهُمَا: أَن الحُكمَ فِي مَحَل الْوفَاقِ مُعَلل بِالصفَةِ الفُلانِيةِ.
===
بناقِضٍ، وأَسبَابُ حِل الوطء اثنَانِ مِلْكٌ، ونكَاح، وأسباب المِلْكِ كذا وكذا، وما عداه ليسَ بسبب، وبينَ ذلك وقائعُ يتجاذَبها الطرَفَانِ، فَتلحَقُ بأشباهِها منها، كالوَاجِبِ مثلًا في العَبدِ المقتُوَلِ خَطَأ، فإِنه دَائِر بَينَ ضَمَانِ النفسيةِ؛ كالحُر، والمَالِيةِ؛ كالبهميةِ.
قوله: "الحُجة السادِسَةُ: أَنَّ الشافعي -﵀- قاس الاجتهادَ في طَلَبِ الأَحكَامِ الشرعية على الاجتهاد في طلب القِبلَةِ؛ وجه الجمع أن الشارع إنما يسوغ القياس في العلة لعسر التنصيص على الآحادِ؛ أو ليبذُلَ المجتَهِدُ وسعَهُ في تحصيلِ الحُكم؛ فينال ثَوَابَ درجَةِ الاجتهادِ، وأَيًّا ما كان، فهو متحقق في محل النزاعِ، فالورودُ ثَم يكُونُ وُرُودًا ها هنا.
قولُهُ: "وهذا بعيدٌ؛ فإنه إثبات للقياسِ بالقياسِ":
قلنا: المحذُورُ من إثباتِ القياسِ بالقيَاسِ إثباتُ الشيءِ بنَفْسِهِ؛ لأَن المفِيدَ يَجب تقدُّمه على المستَفَادِ، فلو أُثبِتَ الشيءُ بنفسه، لَزِمَ تقدَّمُ الشيءِ على نَفْسِهِ؛ وهو محال، أنَّا إثباتُ نوع من القياسِ بالنص أو بالإِجماعِ، وإثبَات ضرب آخَرَ مِنَ القيَاسِ بذلك القياسِ المَنصُوصِ- فلا يَلزَمُ منهُ المحذُورُ المذكور؛ فلا نسلم امتناعَهُ.
لا يقالُ: التنصيصُ عَلَى غَيرِ جِهاتِ القِبلَةِ غَيرُ ممكن، فدَعَتِ الضرورة إلى القياسِ، ولا ضَرُورَةَ، ولا حَاجَةَ إلى القيَاسِ فيما أمكَنَ التنصيصُ علَيه.
لأنا نقول: بفرض الكلامِ عند عدمِ النصِّ، واليأس منه؛ فقد استَوَتِ الحاجةُ إليه، وإن كان التنصيصُ عليه قد كان ممكِنًا، وكان يمكنُ أيضًا تأخر الصلاةِ إلى التبين؛ كما يقال -فيمَن عَدِمَ الماءَ والترَابَ؛ على رأي بعضِ العلماء، أو صَلى إلى أربعِ جهات، ولا ضرُورَةَ إلى الاجتهادِ، وإنما كان يتجه منهم المَنع من القياسِ أَن لَوْ دَعونَا إلى العملِ بقاطِعٍ، وإنما يَدعُونَنَا بتركِهِ إلى التعطِيلِ أو التحيين أو الحوالة على إِمام منتظَرٍ، لا يُعرَفُ له عَين ولا خبَر.
قَوْلُهُ: "احتج منكرو القياسِ بوُجُوه: الأَوَّلُ: أن القياسَ مبني على مَقَامَينِ:
أحدُهُما: أن الحكم في محل الوفاقِ معلل بالصفة الفُلانيةِ.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الثانِيَةُ: أَن الصفَةَ الفُلانيةَ حَاصِلَةٌ فِي مَحَل النزَاعِ.
فَهاتَانِ المقدمَتَانِ: إِن كَانَتَا قَطعِيتَينِ -فَهذَا القِيَاسُ لَا نِزَاعَ فِي كَونهِ حُجةً.
وإن كَانَتَا غَيرَ قَطعِيتَينِ، أَوْ كانَت إِحدَاهُمَا غَيرَ قَطعيةِ -كانَتِ النتِيجَةُ غَيرَ قَطعِية؛ لأَن الفرعَ لَا يَكُونُ أَقوَى مِنَ الأَصلِ، وَكُل مَا لَا يَكُونُ قَطعِيا كَانَ ظَنيا؛ لأَن الظن فِي مُقَابَلَةِ اليَقِينِ؛ قَال الله تَعَالى حِكَايَةَ عن قَوم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]؛ فَجَعَلَ الظنَّ فِي مُقَابَلَةِ اليَقِينِ.
وَإِذَا كَانَ الحُكمُ المُثبَتُ بِالقِيَاسِ لَيسَ يَقِينيًّا - ثَبَتَ كَونُهُ ظَنيا؛ فَثَبَتَ أَن القِيَاسَ لَا يُفِيدُ إلا الظن، وَالظن لَا يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ؛ لِقولهِ تَعَالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وَلقَولِهِ تَعَالى فِي ذَم الكُفارِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وَقَال تَعَالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، وَالآيَاتُ الدّالَّةُ عَلَى ذَمَّ الظن كَثِيرَةٌ.
وَأَيضا: فإنهُ تَعَالى نَهى عَنِ الحُكمِ بِغَيرِ العلم؛ فَقَال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وَقَال ﷻ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وَقَال تَعَالى مُخَاطِبًا اليَهُودَ: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠].
===
الثاني: حُصُولُ الصفة الفلانية في مَحَلِّ النزاعِ.
فهذان المقامانِ، إِن كانا قطعيَّينِ، فهذا القياسُ لا نِزَاعَ في كونه حُجَّة، وإِن كانا غيرَ قطعيين أو كان أحدُهُما غيرَ قَطعِي- كانَتِ النتيجةُ غَيرَ قطعية؛ لأن الفَرعَ لا يكُونُ أقوَى من الأصلِ، وكل ما لا يكون قطعيا، كان ظنيا؛ لأن الظنَّ في مقابَلَتِهِ؛ قال الله تعالى؛ حكاية عن قَوم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، فجعل الظن في مقابدة اليقينِ، وإذا كان هذا الحُكمُ المثبَتُ بالقياسِ لَيس يقينيا - ثبت كونُهُ ظَنيا؛ فثبتَ أن القياسَ لا يُفِيدُ إلا الظن، والظن لا يجوزُ العَمَلُ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾ [النجم: ٢٨]؛ ولقوله تعالى في ذَم الكفار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، والآيات الدّالّة على ذَم الظنَّ كثيرة":
حاصلُ هذه الحُجَّةِ: المعارَضَةُ بالنصوصِ المانِعةِ من العملِ بالظن.
وقد أُجِيبَ عنها - بَعدَ تسليم عُمُومِها- بتَنَاوُلِ محل النزاع؛ فينها لا تتنَاوَلُهُ بخصوصها؛ لوجوه:
الأول: أنه تمسك بالظن في إبطال العَمَلِ بالظن.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فَثَبَتَ: أَن القياس لَا يُفِيدُ إلا الظن، وَالعَمَلُ بِالظن غَيرُ جَائز.
ثُمَّ نَقُولُ: عَدَلنَا عن هذَا الدَّلِيلِ فِي صُور كَثِيرَة:
إِحدَاها: الاكتِفَاءُ بِالظن فِي فَتوَى المُفتينَ.
ثَانِيَتُها: فِي الشهادَاتِ.
ثَالِثَتُها: فِي تَقويمِ المُتلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.
رَابِعَتها: فِي طَلَبِ القِبلَةِ.
خَامِسَتها: فِي رُكُوبِ البحرِ عِندَ ظَنِّ السَّلامَةِ، وَفِي الإِقْدَامِ عَلَى العِلاجَاتِ عِنْدَ ظَن السلامَةِ.
إلا أَن الفرق بَينَ هذِهِ الصوَرِ وَبَينَ مَحَل النزَاعِ، ظَاهِر؛ لأَن الأَحكَامَ التِي اكتَفَينَا فِيها بِالظنُونِ فِي هذِهِ الصوَرِ -أَحكَام جُزئِية مُتَعَلقَة بأَشخَاصٍ مُعَينة فِي أَوقَات مُعَينة، وَكَانَ التنصِيصُ عَلَيها مُتَعَذِّرًا؛ فَوَجَبَ الاكتِفَاءُ فِيها بِالظن، بِخِلافِ الأَحكَامِ التِي يُرَادُ إِثبَاتُها بِالأَقيِسَةِ؛ فَإِنها أَحكَام كُليةٌ مَضبُوطَةٌ، فَيمكِن إِثبَاتها بِالنصُوصِ؛ فَظَهرَ الفرقُ.
الحجة الثانِيَةُ: أن نَقُولَ: الحُكمُ بِمُقتَضَى القِيَاسِ حُكم بِغَيرِ مَا أَنزَلَ الله تَعَالى؛ فَوَجَبَ أَلا يَجُوزَ:
بَيَانُ الأَولِ: أَن ذلِكَ الحُكمَ لَوْ كَانَ حُكمًا بِمَا أَنزَلَ الله، لَكَانَ تَارِكُهُ تَارِكًا لِلحُكمِ بِمَا أَنزَلَ الله؛ فَيلزمه الكفرُ؛ لِقولِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
===
الثاني: أنها محمولة على الظن فيما ينبَغِي فيه القَطعُ.
الثالِثُ: حَملُهُ على الحَدْسِ والتخمين، والاعتمادِ على الظن بغَير طريق مشروع.
الرابعُ: أن العَمَلَ عند الظن مستَنِد إلى القاطعِ، وهو الإِجماع لا بالأمارةِ.
والخامسُ: أنه مخصوص بمواقِعِ الإِجماعِ، وكُلما خص المُشتَرَكُ بالتخصيصِ ثَم، يكونُ تَخصِيصًا ها هنا.
قوله: "الثانيةُ: أن نقولَ: الحُكمُ بمقتضَى القيَاسِ حُكم بِغَيرِ مَا أنزل الله تعالى؛ فوجب إلَّا يَجُوزَ:
بيانُ الأَول: أن ذلك الحُكمَ: لو كان حُكمًا [بما] أنزل الله تعالى، لكان تارِكُهُ تاركًا للحُكم بما أنزل الله؛ فيلزمه الكُفرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وبالإجماعِ لم يحصل هذا، فوجَبَ القَطعُ بأن ذلك الحُكمَ ما كان حُكمًا بما أنزلَ الله.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]؛ وَبِالإِجمَاعِ لَم يحصُل هذَا؛ فَوَجَبَ القَطعُ: بِأنَّ ذلِكَ الحُكمَ مَا كَانَ حُكمًا بِمَا أنزَلَ الله تَعَالى.
وَإذَا ثَبَتَ هذَا -فَنَقُولُ: الحَاكِمُ بِالقِيَاسِ حَاكِم بِغَير مَا أَنزَلَ الله تعَالى، وَالْحُكْمُ بِغَيرِ مَا أَنزَلَ الله تَعَالى يَكُونُ غَيرَ حُكم بمَا أَنْزَلَ الله؛ فَحِينئِذِ: يَدخُلُ تَحتَ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وَنَقُولُ: القول بِالتكْفِيرِ مُتَعَذِّرٌ بِالإِجْمَاعِ، إلا أَنا قَدْ دللنَا عَلَى أَنهُ إِذَا نُسِخَ الوُجُوبُ، يَبقَى الجَوَازُ؛ فَههُنَا: لَما تَعَذَّرَ التكفِيرُ، وَجَبَ أَن يَبقَى الخَطَأُ وَالرجز وَالمَنعُ منهُ.
الحجة الثَّالِثَةُ: النصُوصُ وَافِيَة بِبَيَانِ الأَحكَام؛ وَمَتَى كَانَ الأَمرُ كَذِلِكَ كَانَ الْقَوْلُ بِالقِيَاسِ بَاطِلًا:
بَيَانُ الأَوْلُ: أَن الحُكمَ لَا يَخلو: إِمَّا أَن يَكونَ مَنشأً للمَصلَحَةِ الخَالِصَةِ، أَوْ للمفسَدَةِ الخَالِصَةِ، أَوْ كَانَ مُشْتَمِلا عَلَيهِمَا، أَوْ كَانَ خَالِيًا عَنهُمَا:
===
إذا ثبَتَ هذا، فالحَاكِمُ بالقياسِ حَاكِمٌ بغَيرِ ما أنزل الله، [فـ] كان يجبُ تكفِيرُهُ، لكن القولَ بالتكفيرِ متعذر بالإجماعِ، إلا أنا بينا أنه إذا نُسِخَ الوجُوبُ، بقي الجوازُ؛ فههنا لمَّا تعذر التكفيرُ، وَجَبَ أن يبقَى الخطأُ والحُرَمَةُ":
يعني: أنه لا يَلزَمُ من رَفعِ الأخص رفعُ الأعَمِّ؛ فيبقى التحريمُ ها هنا.
والجواب: أن التكفيرَ بالحُكمِ بغَيرِ ما أَنزَلَ الله مشروط بالعمل بالمخَالفَةِ قَطعًا؛ كحكم اليهودِ بعَدَمِ رَجمِ الزانِي المُحصَنِ مَعَ علمهم بأنه منصوص عليه في التورَاةِ، أنها الحُكمُ بغَير ما أَنزَلَ الله عن خطإ أو غَلَطٍ أو سهو- فَليَس كُفرًا بالإجماع.
قوله: "الثالِثَةُ: أَن النصُوصَ وافية ببيانِ الأَحكام؛ ومتَى كان الأمرُ كَذَلك، كان القول بالقياسِ باطلًا:
بيانُ الأَول: أن الأَمرَ إما أَن يكونَ منشأ للمصلحة الخالصةِ، أو للمَفسَدَة الخالصةِ، أو كان مُشتَمِلا عليهما، أو كان خَالِيًا عنهمَا":
يعني بـ "الأمر" ها هنا: الذي جعلَة مورِدًا لتقسِيم الشيءِ؛ كقولهم [من الوافر]:
لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَن يَسُودُ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
أَمَّا الأولُ -وَهُوَ: أَن يَكُونَ منشَأ للمَصلَحَةِ الخَالِصَةِ-: فَمُقتَضَاهُ الإِذنُ.
وَأمَّا الثانِي- وَهُوَ: أَن يَكُونَ منشَأ للمفسدة الخَالِصَةِ-: فَمُقتَضَاهُ الحُرمَةُ؛ لِوَجهينِ:
أَحَدُهُمَا: الإِقدَامُ عَلَى المفسدة قُبح؛ فَوَجَبَ أَن يَكُونَ مَمنُوعًا منهُ.
الثانِي: أَنهُ لَيسَ فِي تحصِيلِهِ مصلَحَة؛ فَوَجَبَ أَن يَكُونَ عَبَثًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الأَولِ: النصُوصُ، وَالمَعقُولُ:
أَما النُّصُوصُ-، فَكَثِيرَة:
أَحَدُها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ثَانِيها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ثَالِثُها: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
رَابِعها: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
خَامِسُها: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]؛ قَوْلُهُ: "ذلِكَ" ضَمِير؛ فَيَجِبُ عَودُهُ إِلَى أَقرَبِ المَذكُورَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
===
قوله: "وأما الأَوَّلُ، فمقتضاه الإِذنُ. وأما الثانِي، فمقتضاه الحُرمَةُ؛ والدليلُ عليه النصوصُ والمَعقُولُ: أما النصوصُ فكثيرة، أحدُها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وثانيها: قولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ورابعها: قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وخامسُها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، قوله: "لذلك" ضمير فيجبُ عَودُهُ على أَقرَبِ مذكُور":
وهذا بعيدٌ؛ فإن "الرحمَةَ" مؤنثَة، والإِشارةُ مذَكرة، وسياق الآيةِ، وهو قولُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كلمَةُ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
سَادِسها: قَوْلُهُ - ﵇ -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسلام".
سَابِعُها: قَوْلُهُ - ﵇ - حِكَايَةً عَنِ الله تَعَالى: "سَبَقَت رَحمَتِي غَضَبِي".
وَالمُرَادُ بِالسبْقِ الكَثْرَةُ؛ لأنّهُ ثَبَتَ أَن صِفَاتِ الله تَعَالى لَيسَت مُحدَثَة.
ثَامِنُها: قَوْلُهُ - ﵇ - حِكَايَة عَنِ الله تَعَالى: "خَلَقتُكُم لِتُرِبحُوا عَلَيَّ لَا لأُرِبحَ عَلَيكُم".
===
رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [هود: ١١٩]، يدل على عودته على الاختِلافِ الذي هو سَبَبُ مَلءِ جهنم.
[قوله]: "وسادسُها: قولُهُ - ﵇ -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسلام".
وسابعها: قوله -﵇- حكايةً عن ربه: "خَلَقتُكم لِتُربِحُوا عَلَى لَا لأربِحَ عَلَيكُم".
ومنها: قوله - ﵇ - عن الله تعالى: "سبقت رحمَتِي غَضَبِي"، والمراد بـ "السبق" الكَثرَةُ؛ لأنه ثبت أن صِفَةَ الله -تعالى- ليسَت مُحدَثَة.
يقال لَهُ: الرحمَةُ إذا لم تُحمَل على الرقة والشفَقَةِ التي هي حَقِيقَتُها في الشاهِدِ، رُدت -في حَق الباري سبحانَهُ- إلى إِرَادَةِ النفعِ والإنعامِ الذي هو لازِمُ الرقة، ورُد الغَضَبُ إلى إرادةِ الإِضرَار والانتقامِ؛ فلا كَثرَةَ في نفسِ الصَّفَةِ على هذا التقدِيرِ.
وإن رد ذلك إِلَى كثرةِ المتعلقاتِ وقلتها، فالأفعال المتعلقات حادثة؛ فلا يمتَنِعُ السبق فيها؛ فإن الله تعالى فَطَر الإِنسانَ على المَعرِفَةِ والإيمانِ؛ قال - ﷺ -: "كُل مَولُود يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَواه هُمَا اللذَانِ يهودانِهِ وينَصرَانِهِ وَيُمجِّسَانِهِ"؛ لذلك استَووا عند أَخذِ الميثاق، حيث قال
[ ٢ / ٢٨٠ ]
أَمَّا المَعقُولُ فَهُوَ أَن الله تَعَالى رَحِيم جَوَاد، فَإذا فَرَضنَا فِعلا كَانَ مَصلَحَةً مِنْ جَمِيعِ
===
الله تعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
قوله: "وأما المعقولُ: فهو أنه رحيم جَوَاد، ومَتَى فرضنَا فعلا كان مصلحَة مِنْ جميعِ الوجوهِ، والله تعالى متعالٍ عن المَضَار والمنافِعِ- كان المَنعُ منه بُخلا؛ وذلك على الله تعالى
[ ٢ / ٢٨١ ]
الوُجُوهِ، وَالله تَعَالى مُتَعَالٍ عن جَمِيعِ المَنَافِع والمضار- كَانَ المَنعُ فِيهِ بخِلافِ ذلِكَ عَلَى الله تَعَالى مُحَالا.
أَما القسم الثالِثُ وَهُوَ أَن يَكُونَ ذلِكَ الفِعلُ مُشتَمِلا عَلَيهِمَا-: فَنَقُولُ: هذَا القِسْمُ عَلَى ثَلاثةِ أَقْسَامٍ؛ لأَنهُ: إِما أَن تَكُونَ الْمَصلَحَةُ رَاجِحَةً، أَو الْمَفْسَدَةُ رَاجِحَةً، أَوْ يَتَعَادَلانِ: فَإِن كَانَتِ المصلَحَةُ رَاجِحَةً، وَجَبَ الإِذنُ؛ لِوَجهينِ:
الأَولُ: أَنْ نُقَابِلَ المِثلَ بِالمِثلِ؛ فَيَبْقَى القدر الزائِدُ مصلَحَةً مَحضَةً خَالِيَة عَنِ المعارض، وَمُقتَضَاهُ: الإذنُ.
الثانِي: أَنا لَوْ مَنْعَنَا مِنهُ، لَزِمَ تَرجِيحُ المرجُوحِ عَلَى الراجِحِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإن كَانَتِ المَفْسَدَة رَاجِحَةً- وَجَبَ الْمَنع؛ لِعَينِ الدَّلِيلَينِ المَذكُورَينِ.
وَأَما إِن تَعَادَلا، تَسَاقَطَا؛ فَوَجَبَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ.
أَمَّا القسم الرابع- وَهُوَ أن يَكُونَ خَالِيًا عَنِ المصلحة والمفسدة جَمِيعًا- فَحِينَئذٍ: لَم يُوجَدِ التعَارُضُ؛ فَوَجَبَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ.
===
مُحَالٌ. القسمُ الثالث، وهو أن يكونَ الفعلُ مشتَمِلًا عليهما - فنقولُ: هذا القسم ثلاثة أقسام:
إِمَّا أن تكون المصلحةُ راجِحَة، أو المفسَدَةُ راجحة، أو يتعادَلانِ:
فإن كَانَ الأَوَّل، وجب الإِذنُ؛ لوجهين:
الأَوَّلُ: أنه إذا قوبِلَ المثل بِالمِثلِ، فيبقى القَدرُ الزائِد مصلحَة خالِيَةً عَنِ المُعَارَضَةِ.
الثاني: أَنا لَوْ مَنعنَا منهُ، لزم ترجيحُ المرجُوحِ على الراجِحِ؛ وهو محال.
وإن كان الثانِي وجَبَ المنعُ للدليلَينِ المذكُورَينِ.
وأَما إِن تَعَادَلا، تَسَاقَطَا؛ فوجب بقاءُ مَا كَانَ عَلَى ما كان. [أما القسم الرابع وهو أن يكون خاليًا عن المصلحة والمفسدة جميعًا- فحينئذ: لم يوجد التعارض؛ فوجب بقاء مَا كانَ عَلَى ما كان].
فَثَبَتَ بهذا التقسِيمِ أن القرآن والعَقلَ وافيَانِ بجميعِ أقسامِ التكلِيفِ إلى الأَبدِ.
لكن ها هنا بحث آخَرُ، وهو أَن فِي بعضِ الوقائع جاءت النصوص الدالة على أحكام تلك الوقائِعِ على سَبِيلِ التفصيلِ، وأَينَمَا وجَدنَا مِثلَ هذا النص، قدمناه على الطريق الأَول؛ لما ثبت أَنه يجبُ تَقدِيمُ الخَاص على العَام":
اعلم أن هذا المَسلَكَ مبنيٌّ على التحسِينِ والتقبِيحِ العقلي، وحَصرِ جِهةِ الحُكمِ في العقلِ المكلف به أو تَركِه؛ وقد تقدّم إبطالُ الأمرَين.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
فَثَبَتَ بِهذَا التقسيم: أَنَّ الْقرآنَ وَالعَقلَ وَافِيَانِ بِتِبيَانِ جَمِيعِ أَقْسَامِ التكَالِيفِ إِلَى الأَبدِ.
إلَّا أَن ههُنَا بَحثًا آخَرَ، وَهُوَ: أَن فِي بَعضِ الوَقَائِعِ جَاءَتِ النصُوصُ الدّالَّة عَلَى أَحكَامِ تِلْكَ الْوَقَائِع عَلَى سَبِيلِ التفْصِيلِ، فَأَينَمَا وَجدنَا مِثلَ هذَا النص، قَدمنَاهُ عَلَى الطرِيقِ الأوَّلِ؛ لِمَا ثَبَتَ أَنَّه يَجِبُ تَقدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
===
وقد ادَّعَى أوْلًا: أن نصوص القرآنِ وافيَةٌ بالأَحكَامِ، ثم استنتج أن العَقلَ والقرآنَ كافِيَانِ، وعَنَى أن ما خلا من نَص خَاصٍّ، فيجبُ البحثُ عنه بالعَقلِ: فإن كان مصلحة خالصة أو راجحةً، فحكمُهُ الإذنُ مع عفمِهِ بانقسامِ الإِذنِ إلى مباح ومندوب وواجب، وأن مُطلَقَ الإذنِ لَا يَثبُتُ بدونِ خُصُوص، فَلَيتَ شِعرِي على أيِّ خُصُوص نُثبِتُهُ؟ !
وكذلك عَكسُهُ؛ وهو خالصُ المفسدة، أو راجِحُها يَقتَضِي المَنعَ مِن اَنقِسَامه إلى محظور ومَكرُوه، وقال: "عملًا بمقتضى العمومَاتِ الدالة علَى أَن الله -تعالى- شَرَعَ الأَحكَامَ لإصلاحِ العِبَادِ على الجملة"، فانظر كَيفَ مَنَعَ من القياس، وأَوجَبَ العَمَلَ بالاستحسانِ والمَصَالِحِ المُرسَلَةِ التي هي أَعَم من القياسِ، ومِن لازِمِها العَمَل بالقياسِ، واكتفى في الاعتبارِ باعتبارِ جنسِ المَصَالِحِ في جنسِ الأَحكَام، وحَكَمَ به مع قطعِ النظَرِ عن الخصوصيات، والقائلون بالقياسِ لا يكتَفُون بذلك القَدرِ؛ بل لَا بدَّ مع ذلك من اعتبار الجنسِ الأقرَب، ومراعاةِ مقصُودِ الشرع بتأثير أو ملائمة، حتى منَعَ بعضُهم العمَلَ بالمناسِب القَرِيب، ومَنْ قال بالمرسَلِ، فالصحيح مِن رأيه: أنه إنما يُعمَلُ به مع التقريب من مقصودِ الشَّرعِ، ويشترط أن تكُونَ المصلحةُ المعتَبَرَةُ قطعيةً؛ أي: حاصلة قطعًا، كُليةً؛ أي: عامة، ضرورية؛ على ما تحقق في موضعه، ويعني بـ "الضرورية": أنها من الضرورياتِ لا التتمات والتحسينَاتِ؛ فَانظُر ما في هذا الكلامِ من التناقُضِ والبُعدِ عن جميع مَآخِذِ الأئمةِ، والبناء على أُصُول باطلة؛ وتَرَك الاعتراضَ عليها.
والاستدلالُ بالعقل لمن ينفى الاعتمادَ على العَقلِ أو يحرّمه من الظاهرية: إِن أراد تعميمَ الحُجَّة؛ على ما هو ظاهرُ كلامِهِ، وإنما يمكنُ التمسك بها للرافضة أو المعتزلَةِ مِنَ البغداديين القائلين بالتحسينِ والتقبيحِ، فإن الأحكام من صفات أنفُسِ الأفعالِ، أو تابعَة لها؛ والشرع مخبر عن صفَتِها لا مُثبِتٌ للحكم فيها.
والذي يَشفِي الغليلَ في رَدِّ هذه الشبهةِ: أن نَقُولَ: وإنْ سلمنا أن الواقِعَ في الشرع مراعاةُ مصالِحِ العبادِ؛ فضلا من الله ونعمة، لا وجوبًا عليه؛ على ما أشارَت إِليه النصوص، ودَل عليه الاستقراءُ في كثير من الأحكامِ، إلا أن الشارعَ اعتَبَرَها بشرائِطَ وقيود لا يهتَدِي العقلُ إليها، ولا يستقِلُّ بإِدراكِها؛ فإن غايةَ ما في العَقل أن يدرك أَن السرِقة مَفسَدَة، وأنها تُنَاسِبُ شرعَ عقوبة صارفة لها، وليس في العقل ما يعين القطعَ صارفًا ودافعا لهذه المفسدة، دون شَرعِهِ صارفًا في الغَصْب والنَّهبِ، وليس فيه ما يُعَيِّن مَحَل القطع، ولا القَدرَ المقطوعَ منه، وكذلك غايَتُهُ في
[ ٢ / ٢٨٣ ]
إِذَا عَرفتَ هذَا- فَنَقول: الحُكم المُثبَت بِالقِيَاسِ: إِن كَانَ وَارِدًا عَلَى وَفقِ القرآن، فَفِي القرآن غُنْيَة عنه. وإنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى خِلافِ القرآن، كَانَ بَاطِلا؛ لأَن القرآن أَقوَى مِنَ القِيَاسِ؛ وَالضعِيف لَغو عِندَ قِيَامِ القوي.
===
الزكاة أن يُدرِك أَن أخذ الصدقة من أغنيائهم وصَرفها على فقرائهم، سَدّ لِخَلتهم. أَمَّا تَعيينُ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الْحُجَّةُ الرابعَةُ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "سَتَفتَرِق أُمَّتِي عَلَى ثَلاثِ وَسَبعِينَ فرقَةً؛ أَعظَمُهم فِتنَةً عَلَىَ أمَّتِي أَقوَام يُقِيمُونَ الأُمورَ بِرَأيِهم فَضَلوا وَأَضَلُّوا".
فَإن قِيلَ: هذَا خَبَرُ وَاحدٍ؛ فَلَا يُفِيدُ إلا الظنَّ، وَالمَسْأَلةُ يَقِينية:
===
أموالِ الزكَاةِ وتقدير نُصُبها وأوقَاصِها، وقَدرِ المُخرَجِ منها، وتَعيينُ مصارِفِها - فلا يهتدى العَقلُ إلى شيء من ذلك أَلبَتَّةَ، وهكذا سائرُ الأحكامِ الشرعية؛ وأنى يهتدي لتعيين جَلدِ الزانِي غَيرِ المُحصنِ مائَة وتغريبِهِ عامًا، وجَلدِ القاذف ثمانِينَ، وَجَلدِ الشارب ثمانين وأربعين، ثم إذا انقسمت المصالحُ لدَية إلى معتَبَرَة بالنصِّ ومُهدَرة: فالخارجُ عن القسمَينِ كيف يمكنُ إِلحاقه بأحدهما بدون التفاتٍ إلى مقاصِدِ الشرع؛ ولا يُعرَفُ مقصودُ الشرع إلا بنصه، أو إيمائِهِ، أو ما يَغلِبُ على الظن أنه مقصود من مناسبةٍ أوَ اقتران أو دَوَرَان؛ وذلك عين القياسِ: فانظر كَيف صارَ فسَادُ القياسِ صلاحًا، وإِصلاحه فَسَادًا، وليس المُنكَرُ إيرادَ الشبهة لِتُحَل، وإنما المنكَرُ إِخلاؤها عن الجوابِ بعد المُبَالغَةِ في تَقرِيرِها، والله الموفق للصواب.
قوله: "الحجة الرابعة:
قولُهُ - ﵇ -: "سَتَفتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاث وسَبعِينَ فرقَة، وَأَعظَمُهُم عَلَى أُمتِي قَوم يَقِيسُونَ الأُمُورَ بِرأيِهِم، فَضلوا وَأَضَلوا":
والجوابُ أنه محمول على الرأيِ المقابِلِ للنص أو الرأيِ غيرِ المستَنِدِ إلى أصولِ الشريعة، وبأنه مخصوص بالإِجماعِ.
قوله: "فإنْ قيلَ: هذا خَبرُ واحِدٍ، وخَبَرُ الواحِدِ لا يفيدُ العِلْمَ، والمسأَلَةُ يقينية.
قلنا: الدلائلُ التي ذَكرتم في جانِبِ الإِثباتِ أَضعَفُ مِنْ هذا الدليل":
الجوابُ: أنّه معارَض بما ذَكَرنَاهُ من نصوص الكِتَاب والسنة، وما ذَكَرنَاه أَوْلى؛ لأنَّ الكتابَ مَقطُوع به في نقلِهِ.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قُلْنَا: الدَّلائِلُ التِي ذَكَرتُمُوها فِي جَانِبِ الإثبَاتِ أَضعَفُ بِكَثِير مِنْ هذَا الدلِيلِ.
وَأَيضًا: هب أَنهُ خَبَرُ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنهُ يُفِيدُ أَن العَمَلَ بِالقِيَاسِ يُوجِبُ حُصُولَ الضرَرِ؛ فَوَجَبَ أَن يَكُونَ تركُ العَمَلِ بِهِ وَاجِبًا لِعَينِ مَا ذَكَرتمُوهُ مِنْ أَن الظن الراجِحَ وَاجِب العَمَلُ به.
الْحُجةُ الْخَامِسَةُ: أَن القياس لَوْ كَانَ حُجَّة-، لَكَانَ كَالثابِتِ الْمُطْلَقِ لِرَسُولِ الله - ﷺ - فِي بَيَانِ وَقَائِعِ الْمُكَلفِينَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ: لَكَانَ القول بِإِثبَاتِهِ مِنَ الأُصُولِ المهمة فِي الدِّينِ، وَمِنَ الوَقَائِعِ العَظِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ، لَبَيَّن الرسُولُ - ﷺ - أَنهُ حُجَّة، بَيَانًا شَافِيًا قَاطِعًا للعُذرِ.
وَحَيثُ لَم يُوجَد ذلِكَ: عَلِمنَا أَنهُ بَاطِل. وَهذَا هُوَ الدَّلِيلُ الذي عَوَّلَ عَلَيهِ الجُمهُورُ فِي بُطلانِ قَولِ الروَافِضِ فِي إِثبَاتِ النص عَلَى إِمَامَةِ عَلِي -﵁- حَيثُ قَالُوا: إِن النص عَلَيهِ لَوْ صَحَّ لَبَلَغَ فِي الشهرَةِ إِلَى حدِّ التوَاتُرِ؛ لِكونِهِ مِنَ الوَقَائِعِ العَظِيمَةِ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: لَوْ كَانَ القِيَاسُ حُجَّة فِي الشرعِ- لَكَانَ التنْصِيصُ عَلَى كَونِهِ حُجَّةَ بَالِغًا إِلَى حَدِّ التوَاتُرِ؛ لِكَونِهِ مِنَ الوَقَائِعِ العَظِيمَةِ.
===
وقوله "ما ذكرتُم مِنْ دلائِلِ الإِثباتِ، أضعَف":
قُلْنَا: مَمنُوع؛ فإنه لا يُعَارضُ الإِجماعُ القاطِعُ.
قولُهُ: "وأيضًا، فهو خَبَرُ واحدٍ، إِلا أنه يفيدُ أن الِعَمَلَ بالقياسِ يُوجِبُ حُصُولَ الضرَرِ؛ فوجب أَن يكُونَ تركُ العَمَلِ به وَاجِبًا؛ بعين ما ذَكَرتم من أن الطن الراجح واجب العَمَلُ به":
ويجابُ عنه: بأنه إذا تعارَضَتِ النصوصُ، فإن الترجيح لجانبنا يقطَعُ الطريقَ.
قوله: "الحجة الخَامِسَةُ:
لو كان القياسُ حُجَّة، لكان كالثابتِ المُطلَقِ لرَسُولِ الله - ﷺ - في بيان جمِيعِ وقائِعِ المكلفين
إلى يَوم القيامةِ، ولو كان كذلِكَ، لكان القَولُ بإثَباتِهِ من الأُصُولِ المُهمَّةِ في الدِّين، ولو كان كذلِكَ لَبَيَّنَ الرسولُ - ﵇ - أنه حُجّة بيانًا شافيًا قاطعًا للعُذرِ، وحيث لم يوجدُ، عَلِمنا أنه باطل، وهذا هُوَ [الدليل] الذي عَوَّل علَيه الجمهورُ في بُطلان قَولِ الروافضِ بإِثباتِ إمامةِ عَلِي بالنص " إلى آخره:
الجوابُ عَنهُ من وجهينِ:
أَحَدُهُمَا: إِلزامُهم مِثلَهُ، وهو أنه لَوْ لم يكُنْ حُجَّة مع مَا يَلزَم مِنْ إِسنادِ الأحكامِ إِليه من المفاسِدِ العظيمةِ؛ بتقدير كونه غَيرَ حُجَّة- لَبَينهُ بيانًا قَاطِعًا.
الثاني: أَنهُ لَوْ لَم يبينهُ بيانًا شافيًا، لما انعَقَدَ الإِجماعُ القاطِعُ على العَمَلِ به، وقد انعَقَدَ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الحجة السادسَةُ: القول بِالقِيَاسِ يَتَوَقفُ عَلَى تَعلِيلِ أَحكَام اللِه تَعَالى، وهذَا بَاطِل؛ فَذَاكَ بَاطِل:
بَيَانُ الأولِ: أَمَّا نَقُولُ فِي القِيَاسِ: الحُكمُ هُنَاكَ ثَبَتَ للمعني الفُلانِي، وَذلِكَ المعني قَائم ههُنَا؛ فَيلزَمُ حُصُولُ ذلِكَ الحُكم ههُنَا؛ فَقولُهُ: "الحُكمُ هُنَاكَ ثَبَتَ للمعني الفُلانيِ": قَولٌ بِتَعلِيلِ الحُكمِ.
فَإن قَالُوا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ المُرَادُ مِنَ التعلِيلِ التعرِيف؟ !
قُلْنَا: هذَا بَاطِل؛ لأَن طَلَبَ عِلةِ الحُكمِ فَرعٌ عن حُصُولِ مَعرِفَةِ الحُكمِ أَولا، فَإذَا كَانَ كَذلك؛ امتَنَعَ جَعلُ ذلِكَ الوَصفِ مُعرفًا لَهُ؛ لامتِنَاعِ تَعرِيفِ الْمُعَرفِ، وَتحصِيلِ الحَاصِلِ.
===
قوله: "الحجة السادِسَةَ:
القولُ بالقيَاسِ موقُوف على تَعلِيلِ أحكَامِ الله تعالى، وهذا باطل، فذاك باطل:
بيانُ الأَوَّلِ: أَنا نقولُ في القيَاسِ: إِن الحكم هناكَ ثَبَتَ للمعنى الفُلانِي، وذلك المعنى قائم ها هنا؛ فَيلزَمُ حصُولُ ذلك الحُكم ها هنا - فقوله: "إِن الحكم هناك ثبت للمعنَى الفُلانِي": تعليل للحُكمِ.
فإن قيل: لِمَ لا يَجُوزُ أَن يُقَال: المُرَادُ بالعلةِ ها هنا: المُعَرف؟؟ ! .
قُلْنَا: هذا باطل؛ لأَن طَلَبَ علة الحكم فرعٌ عن معرفة الحكم أولًا، وإذا كان كذلك، امتَنع جعلُ ذلك الوصفِ معرفًا؛ لامتناعِ تعرِيفِ المعرف، وتحصيلِ الحَاصِلِ.
والجوابُ عَمَّا ذَكَرَهُ: أَنه لا نزاع في إطلاق العلة على المؤثر والدَّاعِي والمعرف، وَيمتَنِعُ جَعلُ العلَّةِ الشرعيةِ مؤثرة على أصلِنَا؛ فإنَّ الحُكم الشرعي يرجعُ عِندَنَا إلى خطابِ الله -تعالى- المتعلقِ بأفعَالِ العِبَادِ عَلَى وجْه مخصوصٍ، وخطابُهُ وكلامُهُ قديم، والقديمُ لا يعللُ فَضلًا عن أن يُعللَ بعلة حادثَة؛ ولأنَّ العلَّة في الخمر الإِسكارُ، وهو متحقق قبل التحريمِ، والعلة العقلية يمتنعُ تَخلفُ حُكمها عنها؛ ولأنه لا يمتنعُ تَعلِيلُ الحُكمِ الواحِدِ بعلتَينِ شَرعًا.
وأمّا العِلَّة بمعنى الدَّاعِي: فإن عنَى به الغَرَضَ، فهو على الله -تعالى- عندنا مُحَال؛ لأنه مبني على قاعدة التحسِينِ والتقبِيحِ العقلي؛ ونحنُ لا نقُولُ به.
وإن أَطلَقنَا على السبَب الشرعي الدَّاعِيَ والحامِلَ، فنعني به أَن العلمَ باشتِمالِ شَرعِ الحُكمِ، على حِكمَة معتَبَرة شَرعًا تدعُو المُجتَهِدَ وتَحمِلُهُ على القَولِ بالحُكمِ لا أنه حامل وداع لله تعالى، وإن عنى بالغَرَضِ أن الإحكامَ في الواقِعِ يلزَمُها استصلاح العبادِ في سيرهم وسَرَائِرِهِم، وتلكَ المصالحُ تنشأُ من أوصافٍ ترتبطُ بأفعالِ العباد عادَة، وكونها عِللًا معرفة للأحكامِ بنَصبِ الشارع إِياها أَمَارَةً؛ فهذه هي التي نُسميها عِلَلًا شرعية، ولا يصخ أن يُطلَقَ عليها اسمُ "الغَرَضِ"؛ بالنسبة إلى الله تعالى، واختصاصُ المعرف بالمناسِبِ؛ كالإسكار، أو مَظِنةُ المعنى المُنَاسِبِ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كالسَّفَرِ؛ فإنه مَظِنة المَشَقةِ، أو ما يوهِمُ الاشتراكَ في المناسِبِ، وهو اللهُ عند القائلين به؛ كقولِنَا: صَوم مَفرُوضٌ -مما عرف مِنْ عادَةِ الشرعِ في الواقع إجراءُ الأحكامِ الشرعيةِ على المَألُوفِ من القَضَايَا العرفية؛ لتكُونَ النفوسُ لها أقبَلَ والطبَاعُ لها أذعَنَ.
وقد نص الشارعُ على التعلِيلِ بالوصفِ، ولا يُطلِع على وجْه الحِكمة فيه؛ كقولِه - ﷺ -: "من مَس ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ"؛ فيعلل به، ويعتقد اشتماله على حِكمَة تَغِيبُ عَنا، وقد لا ينص علَى عِلة، ويخفَى علينا وجهُ المصلحة فيه؛ فَنُسميه تَعبُّدًا.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَإِنمَا قُلْنَا: إِنَّ تَعْلِيلَ أَحْكَامِ اللِه تَعَالى- مُحَالٌ؛ لِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهِ -﷾- خَالِيَةٌ عَنْ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ؛ وَذلِكَ لأَنَّهُ تَعَالى أَوْجَبَ الإِيمَانَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالطَّاعَاتِ عَلَى الْفُسَّاقِ؛ مَعَ أَنَّهُ تَعَالى كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَا يُطِيعُونَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الأَمْرَ بِالإِيمَانِ وَبِالطَّاعَةِ -حَال حُصُولِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الإِيمَانِ- تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَينَ الضِّدَّينِ؛ وَذلِكَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تِلْكَ الأَوَامِرِ إِلَّا إِلْحَاقُ الْمَضَارِّ بِهِمْ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ تَكَالِيفِ اللِه تَعَالى خَالِيَةٌ عَنْ رعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ.
===
ولو نَصَبَ الشارعُ الأوصَافَ الطرديَّةَ أماراتِ معرِّفَةً للأَحْكَامِ- لم يمتنعْ عندنا عقلًا، لكنَّ الواقِعَ في الشَّرْعِ خلافُهُ.
وقوله: "إِنَّ طَلَبَ علَّةِ الحُكْمِ فرْعُ مَعْرِفَةِ الحُكْمِ أو لا": يقال له: إِنْ عَنَيتَ تصوُّرَ الْحُكْم، فمُسَلَّم، ولا يلْزَمُ منه تعريفُ المعرف؛ فإِن العلَّة تُعَرَفُ بثبوتِ الْحُكْم أو نَفْيِهِ، لا تصوُّرِهِ، وإنْ عَنَيتَ به أنَّه فَرْعُ ثبوته، قُلْنا: هي فَرْعُ ثبوتِهِ في الأصْلِ، والْحُكْم في الفَرْعِ فرعُ معْرِفةِ علَّةِ الأَصْل، وتَقْرِيرِهَا في الفرْعِ، وحكْمُ الأَصْل لا يُعْرَفُ بِهَا؛ وإنما يُعْرَفُ بالنَّصِّ أو الإِجْمَاعِ؛ فلا دَوْرَ، ولا تحصيلَ للحاصِلِ، وإِنَّما يَلْزَمُ ذلك المعتزلَةَ، ولا نفتقِرُ نَحْنُ إلى الجواب عن الوجُوهِ التي أَبْطَلَ بها الغَرَضَ على الله تعالى؛ لأَنَّا لا نقولُ به، إنَّما نَذْكُرُهَا لبيَانِ المقْصُودِ منْهَا، وتتبع ألفاظَهَا، وَنُنَبِّهَ على ما في مقدِّماتها من الخَلَلِ، إن شاء الله تعالى.
قولُهُ: "وإنما قلنا: إِن تعليل أحكام الله -تعالى- مُحَالٌ؛ لوجوه:
الأَوَّلُ: أنَّ أحكام الله -تعالى- خاليةٌ عن رِعَايَةِ المَصَالِحِ؛ وذلك أَنَّ الله -تعالى- أَوْجَبَ الإيمانَ على الكُفَّار، والطَّاعَةَ على الفُسَّاقِ مع أنَّه علم أَنهم لا يؤمنون ولا يطيعونَ، وقد
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الثَّانِي: أَنَّ الْعَالمَ مُحْدَثٌ، فَاخْتِصَاصُ حُدُوثِهِ بِالْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لاشْتِمَالِ ذلِكَ الْحَدَثِ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ لأَجْلِهَا اسْتَحَقَّ أخْتِصَاصَهُ بِالْحُدُوثِ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ المُعَيَّنِ بِحُدُوثِ الْعِلْمِ فِيهِ بِعَينِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّلَ -عَادَ التَّقْسِيمُ فِي اخْتِصَاصِ ذلِكَ الْحَدَثِ بِتِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الثَّاني- فَحِينَئِذٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ الْوَقْتُ يُوجِبُ بِذَاتِهِ حُصُولَ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ؛ فَحِينَئِذٍ: يَمْتَنِعُ الاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ هُوَ ذلِكَ الْوَقْتَ بِعَينِهِ. فَإِنْ كَانَ اخْتِصَاصُ ذلِكَ الْوَقْتِ بِتِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ لأَجْلِ اخْتِصَاصِهِ بِخَاصِّيَّةٍ أُخْرَى -لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ محَالٌ. وَإِنْ كَانَ اخْتِصَاصُ ذلِكَ الْوَقْتِ بِحُدُوثِ الْعَالمِ فِيهِ، لَيسَ لِغَرَضٍ وَلَا لِعِلَّةِ-: كَانَ تَوْقِيفُ أَفْعَالِ اللِه تَعَالى وَأَحْكَامِهِ عَلَى الْعِلَلِ- بَاطِلًا.
===
ذكَرنا أن الأمْرَ بالإِيمَانِ والطاعة تكليفٌ بالجَمْعِ بين الضدين -يعني: عَلَى هذَا التقْدِيرِ- وذلك محالٌ": يعني: أنَّه مع خَلْقِ دَاعِي المخْالفَةِ الذي تَعَلَّقَ علْمُهُ بوقوعه وإرادته له: لو خلق دَاعِيَ الموافَقَةِ، لكان ذلك جَمْعًا بين الضِّدَّينِ؛ فلا صلاح لهم على هذا التقدير في التكْلِيفِ بذلك.
يقال له بطريق الجَدَلِ: لِمَ قُلْتَ: إنه يلْزَمُ من نفي الصلاح بالنِّسْبة إِلَيهم نفْيُ أصْلِ الصَّلاحِ بالنِّسْبَةِ إلى التكليف مُطْلقًا؟ لا بد لهذا من دَليلٍ، وإنما هو أصْلُ الشَّيخِ أبي الحَسَنِ -﵀- فالتكليفُ عنده عِلْمٌ للشَّقَاوَةِ والسعادَةِ؛ فمِنْ ثَمَّ جَوَّز التكليفَ بما لا يُطَاقُ، وبخلافِ المَعْلُومِ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦].
قولُهُ: "الثَّاني: أن العالمِ مُحْدَثٌ؛ فاختصاص حدُوثِهِ بالوقْتِ المعيَّن: إما أن يكون لاشتمالِ ذلك الوَقْتِ على خصوصيَّةٍ لأَجْلِهَا اسْتَحَقَّ اختصاصَهُ بحدوثه فِيهِ بِعَينِهِ، أو لم يكُنْ كذلك: فإنْ كانَ الأَوَّل: عاد التقسيمُ في اختصاصِ ذلك الوقْتِ بتلك الخاصيَّة، فإن كان الثاني فحينئذٍ [يجوز أن يكون ذلك الوقت بذاته يوجب حصول تلك الخاصية وإذا جاز ذلك فحينئذ] يمتنع الاستدلالُ بحدوث الحوادِثِ على وُجُود الفاعِلِ؛ لاحتمال أَنْ يَكُونَ المؤثِّر فيه ذلك الوقْتَ بعينه، وإِن اخْتَصَّ ذلك الوقْتُ بتلْكَ الخاصِّيَّةِ [لأجل اختصاصه] بخاصِّيَّة أخرَى -لزم التسلسل، وهو محال، وإِن كان اختصاصُ ذلك الوقْتِ بحدوثِ العَالمِ لَيسَ لِغَرَضٍ ولا لِعِلَّةٍ- كان توقيفُ أحكامِ الله -تعالى- وأفعالِهِ على العِلَلِ مُحَالًا":
يقال له جَدَلًا: لِمَ قُلْتَ: إِن الْعِلَّة الغائبة يَجِبُ تقدُّمها في الوجُودِ العَيبِيِّ؛ ليلزم التسلسلُ؟؟ ومعلومٌ أن العلَّة الغائبة إنما يجبُ تقدُّمها في العِلْمِ، وأَنَّ وُجُودَهَا في الأَعيانِ تَبَعُ لوجُودِها هِيَ عِلَّةً فيه، ولا دَوْرَ لتميُّزِ الوجودِ العِلْمِيِّ عن الوجودِ العَينِيِّ، ومُغَايَرَتِهِما.
ومثالُ ذلك: أنَّ اعتقاد وجود الشِّفَاءِ بشُرْب الدَّواء يكون حَامِلًا وسَائغًا للشُّرْب، والشُّرْبُ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ، كَانَ حُصُولُ ذلِكَ الْغَرَضِ لَهُ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ حُصُولِهِ؛ فَيَكُونُ نَاقِصًا بِذَاتِهِ مُسْتَكمَلًا بِغَيرِهِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللِه تَعَالى.
فَإِنْ قَالُوا: غَرَضُ اللِه تَعَالى عَوْدُ النَّفْعِ إِلَى الْعَبْدِ:
فَنَقُولُ: عَوْدُ النَّفْعِ إِلَى الْعَبْدِ: إِنْ كَانَ أَوْلَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِه مِنْ عَدَمِ عَوْدِ نَفْعِهِ إِلَيهِ - فَقَدْ عَادَ حَدِيثُ الاسْتِكْمَالِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى، فَقَدْ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالْغَرَضِ.
===
علَّةٌ لوجودِ السِّقَاءِ، فإذا تقرَّر هذا، فللمعتزليِّ أنْ يَقُولَ: إذا عَلِمَ الله -تعالى- أَنَّ إِحْدَاثَ الحادِثِ المعيَّنِ في الوقْتِ المعيَّن يَتْبَعُ وقوعَهُ حكمةٌ لا تحصُلُ من غيره، فأراد إيقاعَهُ لترتُّب تلْك الحِكْمةِ عليه- فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ ذلك يستلزمُ الاستغناءَ عن الفَاعِلِ والتسلسُل علَى هذا التفْسِيرِ؟؟ فإِنْ قَال: الحِكْمَةُ ممكنةٌ في نَفْسِها، والقُدْرَةُ صالحةٌ لإِيجاد كُلِّ مُمْكِنٍ؛ فلا يتوقَّفُ إيجادها علَى غَيرها.
قُلْنا: لا نُسَلِّم أنَّ كلَّ ما كان مُمْكِنًا في نَفْسِه يمكنُ وجوده علَى تَجَرُّده، وإلا لَجَازَ خَلْقُ الأَعْرَاضِ بدون الجوهرِ، وخلْقُ العالم بدون حياة.
قولُهُ: "الثالثُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعلًا لِغَرَضٍ، كان حصولُ ذلك الغَرَضِ أَوْلَى به مِنْ لا حُصُولِهِ؛ فيكون ناقصًا بذاته، مُسْتَكْمَلًا بغيره؛ وهو مُحَالٌ في حَقِّ الله تعالى.
فإِنْ قالُوا: الغَرَضُ عَوْدُ النفْعِ إلى عبده.
قلنا: عَوْدُ النفْعِ إلى عَبْده: إِن كان أَوْلَى بالنسبة إِليه مِنْ عدمه، فَقَدْ حدث الاستكمال، وإن لم يكُنْ، فَقَدْ بَطَلَ التعليلُ":
أعلَمْ أنَّ أصْلَ هذه الشبهة للفَلاسِفة، وقد تمسَّكوا بها في قِدَمِ العَالمِ؛ فقالوا: إِنْ كان وَاجِبُ الوجودِ لم يكُنْ موجودًا في الأَزَلِ، ثم صار موجودًا لزم أن يكُونَ ناقصًا بذاته مُسْتَكْمَلًا بفعْلِهِ؛ وهو محال؛ فوجب أن يكونَ موجبًا أَزَلًا وَأَبدًا.
جوابها: أنْ نقول: مِنْ كمالِ ذاتِ البارئِ -تعالى- ثبوتُهَا في الأَزَلِ على صفَاتٍ يَتَأَتَّى بِهَا الخلق والاختراع حيث أَمْكَنَ ذلك؛ إذ إثباتُ الإِحْدَاثِ أَزَلًا محالٌ؛ لما ثبت أنَّه فاعلٌ بألاختيارِ، فإنَّ ما يقتضي لذاتِهِ لا يخصِّصُ مِثْلًا عن مِثْلٍ، والبارئ -سبحانه- قد خصَّص مِثْلًا عن مِثلٍ؛ وليس مُوجِبًا بالذَّاتِ؛ فهو فاعلٌ بالاختيارِ، والفاعل المختارُ لا بُدَّ وأن يكون قاصدًا لِفعْلِهِ، والقصْدُ إلى إيجادِ ما هو موجُودٌ تحصيلُ الحَاصِلِ؛ فَلا بُدَّ مِنْ سَبْقِ علْمِهِ علَى وجُودِهِ؛ لِيَصِحَّ القَصْدُ إلى إيجَادِهِ، ولَيسَ ذلك السَّبْقُ مجرَّدَ سبْق بالذَّاتِ؛ ليقال: عَدَمُهُ لذاتِهِ، ووجودُهُ من غيره، وهما معًا؛ لأنَّ عدم الشيءِ لا يجامِعُ وجودَهُ، والمسبُوقُ بالعَدَمِ لا يكون أزليًّا.
ويلزمهم على سياقِ شبهتهم أَلّا يوجَدَ شيءٌ من الحوادِثِ اليوميَّةِ؛ كيف ومِنْ مذهبهم أنَّ العَقْل الفَعَّال قديمٌ، وأنَّه يُفِيضُ على كُلِّ قابلٍ ما يستحقُّه عند كمال أستعدادِهِ لذلك، ولا يُعَدُّ ناقصًا بذاته قبل الحاجة ولا تخيُّلًا، وإذا تقرَّر بطلانُ أصْلِ هذه الشبهة عُدْنَا إلى استعماله لها في الرَّدَّ على المعلِّلة لأَحْكَامه -تعالى- وأفعالِهِ بالحُكْمِ المرتَّب عليها مِنْ صلاحِ العبادِ:
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الرَّابعُ: أَنَّهُ تَعَالى، لَوْ فَعَلَ لِغَرَضٍ -لَكَانَ ذلِكَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، أَوْ حَدِيثًا: فَإِنْ كَانَ حَادِثًا كَانَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ آخَرَ، وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا- لَزِمَ مِنْ قِدَمِهِ قِدَمُ الْفِعْلِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
===
فنقولُ له: أمَّا نحْنُ، فَقَدْ عُرِفَ من أصْلِنا أنا لا نعنى بالعلَّة إلا المُعَرّفَ؛ لثبوت الحُكْم بنصب الله -تعالى- له الذي يَلْزَمُ مِنْ تَعلُّق الحكْمِ به مصلَحَةٌ لنا عادَةً، ومنَّةٌ من الله تعالى.
وأما المعتزليُّ، فنقول له: لم قُلْتَ بأن الجَوَادَ إذا كان عطاؤُهُ عند الحاجَةِ يَلْزَمُ أن يكون ناقصًا لذاته عند عَدَمِ الحاجة؛ فإذا عَلِمَ الله -تعالى- أنْ كَمَال الإنسانِ في معرفته لربِّه، وعَلِمَ أن إكمال عَقْلِهِ ونَصْبَ الدلائلِ الظَّاهرة له علَى معرفته، وإِرْسال الرسولِ وإنزال الكُتُبِ- مما يُيَسِّرُ حصُولَ ذلك له، فأَنْعَمَ عليه بجميعِ ذلك، وأيَّده بأسْبَاب التْوفِيقِ له عنْدَ حاجَتِهِ إلَيها -: [وجب] أن يكونُ ناقصًا قَبْلَ ذلك؟ ! إِذا كان المرجعُ في الكَمَالِ والنقْصِ إلى تعارُفِ العقَلاءِ. هذا قولُهم، وأما نحن، فنقول: الكمال أَنْ يَفْعَلَ ما يشاءُ، ويحكم بما يريد؛ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؛ وإنما ينشأ هذا الغلَطُ للفلاسِفَةِ من اعتِقادهم أن كمال الشيءِ أَنْ يحصُلَ له بالفعْلِ مَا هُوَ له بالقوَّةِ، والبارئُ عنْدَهُمْ موجِبٌ لذاته، وتخلُّفُ ما هو للذاتِ نقْصٌ، وقد بيَّنَّا أنه فاعِلٌ بالاختيارِ؛ فَأضْمَحَلَّ هذا الخيالُ.
قوله: "الرابعُ: أنَّ الله تعالى لو فَعَلَ لغَرَضٍ، لكان ذلك الغَرَضُ: إما قديمًا أو حادثًا، فإن كان حَادِثًا، كان فِعْلُهُ لغَرَضٍ آخَرَ، ويَتَسَلْسَلُ، وإِن كان قدِيمًا، لَزِمَ مِنْ قِدَمِهِ قِدَمُ الفعْلِ؛ وهو محالٌ".
والجوابُ: أنْ يقال: لَفْظُ الغَرَضِ لا نُطْلِقُهُ على الله تعالى؛ فإنه يسبِقُ إلى الفهم منه ما هو مقرر في الشاهد؛ وهو أنَّ العاقِلَ إذا علم أو اعْتَقَدَ أن للفعْلِ سُرُورًا ولذَّةً في نفسه أَوْ ما إلى ذلك -ترتَّب عليه مَيلُهُ للفعْلِ بما جُبِلَ عليه من المَيلِ إلى المُوَافِقِ، وترتَّب عليه همه وقَصْدُه إلى الفعْلِ، وإِذا عَلِمَ أو اعْتَقَدَ أنَّه غَمٍّ أو أَلَمٌ في نَفْسه أو سَبَبٌ لذلك فرَّ عنه؛ فكان ذلك سببًا لترتُّب قَصْد الانكفافِ عنه؛ فيكونُ ترجيحُ العَبْد للفعْلِ أو التَّرْك مَبْنيًّا على النفْعِ والضُّرْ، والبارئُ تعالى يُنَزَّهُ عن ذلك؛ فالغَرَضُ لفظٌ موهِمٌ لم يَرِدْ به شرْعٌ؛ فلا نُطلِقه.
فإذا تقرَّر ذلك، فيقَالُ له: إنْ أُرِيدَ بالغَرَضِ هذا، وأنَّ فعل الله لا يتوقَّف علَى ذلك - فَمُسَلَّمٌ بطلانُهُ، وإن أُرِيدَ به أنَّه سبحانه إِذا كان عَالِمًا في أَزَلهِ؛ أنه إذا خَلَقَ الليلَ والنَّهار للسُّكون والمعاش؛ نعمةً منه، وأنَّه إذا أنشَأَ جناتٍ معْرُوشَاتٍ وغَيرَ معروشاتٍ، والنخْلَ والزرْعَ مختلفًا أُكُلُهُ؛ لِلاعتبارِ والأَكَلِ؛ فأوجده لهذه الحكمةِ؛ كلما أثار إِليه في كتابه العزيزِ إِلَى غير ذلك، وأنَّه إذا شَرَعَ القِصَاصَ لنا حَيَاةً، وحَرَّم الخمر؛ حِفْظًا للعقولِ، والزِّنَا؛ حفظًا للأنْسَابِ- فَمِنْ أَينَ يَلْزَمُ منه قِدَمُ الفِعْلِ أو التَّسَلْسُلُ في الحوادِثِ، وإنما الشَّنَاعَةُ في تسْمِيَةِ هذا غَرَضًا، وإن أريد به معنى آخَرَ، فلا بد مِنْ إفساد تصوُّره؛ لينظرَ استحالتُهُ أو جوازُهُ.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الْخَامِسُ: سُؤَالُ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أُسْتَاذَهُ أَبَا عَلِىٍّ الْجُبَّائِيَّ عَنْ ثَلاثَةِ إِخْوَةٍ؛ أَحَدُهُمْ: كَانَ مُؤْمِنًا بَرًّا تَقِيًّا، وَالثَّانِي: كَانَ كَافِرًا شَقِيًّا، وَالثَّالِثُ: كَانَ صَغِيرًا- مَاتُوا كُلُّهُمْ عَلَى ذلِكَ، فَكَيفَ حَالُهُمْ؛ فَقَال الْجُبَّائِيُّ: أَمَّا الزَّاهِدُ فَفِي الدَّرَجَاتِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَفِي الدَّرَكَاتِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَمِنْ أَهْلِ السَّلامَةِ. فَقَال أَبُو الْحَسَنِ: إِنْ أَرَادَ الصَّغِيرُ أَنْ يَذْهَبَ وَيصِلَ إِلَى دَرَجَاتِ الزَّاهِدِ، هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ؟ قَال الْجُبَّائِيُّ: لَا؛ لأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ أَخَاكَ إِنَّمَا وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَاتِ بِسَبَبِ طَاعَتِهِ الْكَثِيرَةِ، وَلَيسَ لَكَ تِلْكَ الطَّاعَاتُ. فَقَال أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ: فَإِنْ قَال ذلِكَ الصَّغِيرُ: التَّقْصِيرُ لَيسَ مِنِّي؛ لأَنَّكَ مَا أَبْقَيتَنِي، وَمَا أَقْدَرْتَنِي عَلَى الطَّاعَةِ؟ فَقَال الْجُبَّائِيُّ: يَقُولُ الله تَعَالى لَهُ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ بَقِيتَ، لَشَقِيتَ وَلَصِرْتَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ الأَلِيمِ؛ فَرَاعَيتُ مَصْلَحَتَكَ. فَقَال أَبُو الحَسَنِ: فَلَوْ قَال الأَخُ الْكَافِرُ: يَا إِلهَ الْعَالمِينَ، كَمَا عَلِمْتَ حَالهُ، فَقَدْ عَلِمْتَ حَالِي؛ فَلِمَ رَاعَيتَ مَصْلَحَتَهُ دُونِي؟ ! فَانْقَطَعَ الْجُبَّائِيُّ! .
هذِهِ الْمُنَاظَرَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ -﵎- يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْتَصُّ بِعَذَابِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ أَفْعَالهُ غَيرُ مُعَلَّلَةٍ بِشَيءٍ مِنَ الأَغْرَاضِ.
===
قوله: "الخامِسُ سأَلَ أبو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ أُستاذَهُ الجُبَّائِيَّ عن ثلاثةِ إخوةٍ: أحدُهُما كان مؤمِنًا بَرًّا تَقيًّا، والثاني: كان فَاسِقًا كَافِرًا شَقِيًّا، والثالث: كان صَغِيرًا- مَاتُوا كُلُّهم على ذلك؛ فكيف حَالُهُمْ في الآخِرَةِ؟
قال الجُبَّائِيُّ: الزَّاهِدُ في الدرجَاتِ العُلَى، والكَافِرُ من أَهْلِ الدركاتِ، والصَّغِيرُ من أهل السَّلامَةِ. فقَال له أبو الحَسَنِ: إِن أراد الصغيرُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى درجات الزاهِدِ، هل يُؤذَنُ له فيه؟ فقال الجُبَّائِيُّ: لا؛ لأنه يقالُ له: إِنَّ أخاك إنَّما وصَلَ إلى تلك الدرجَاتِ؛ بسبب طاعته الكثيرة، وليس لك تلْكَ الطاعَةُ.
فقال أبو الحَسَن: فإنْ قال الصغير: التَّقْصِيرُ ليسَ مِنِّي؛ لأنَّكَ ما أَبْقَيتَنِي، وما أَقْدَرْتَنِي على الطَّاعَةِ؟ ! . قال الجُبَّائِيُّ: يقولُ الله تعالى له: عَلِمْتُ أَنَّكَ لو بَقيتَ، لَشَقِيتَ وصِرْتَ مُسْتَحِقًّا للعقَابِ. قال أبو الحَسَنِ: فإن قال الكَافِرُ: يَا إِلَهَ العَالمِينَ، كما عَلِمْتَ حالهُ علمت حالي، فَلِمَ رَاعَيتَ مصلَحَتَهُ دُونَ مَصْلَحَتِي؛ فانقطع الجُبَّائِيُّ.
وهذه المناظَرَةُ دالَّةٌ عَلَى أنَّ الله -تعالى- يختصُّ برحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، ويختصُّ بعذابه مَنْ يَشَاءُ، وأن أفعالهُ تعالى غَيرُ معلَّلة بشَيءٍ من الأغْرَاضِ":
وما ذكَرَهُ لازمٌ على المعتزلَةِ علَى ما بَنَوْا عليه عقائِدَهُمُ الفاسِدَةَ مِنْ وُجوبِ الثوابِ والعقَابِ على الله تعالى عَقْلًا، وأنَّه لا يصحُّ أن يفعل فِعْلًا إلَّا لمصلحةِ العِبَادِ، وأنَّ الأغْرَاضَ لا يصحُّ التفضيلُ بِمِثْلِها، وكُلُّ ذلك فروعُ التحْسِينِ والتقبيحِ العقليِّ؛ وقد أبطَلْنَاه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وَلَنَا كِتَابٌ مُفْرَدٌ فِي "مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ"؛ فَمَنْ أَرَادَ الاسْتِقْصَاءَ فِيهِ، رَجَعَ إِلَيهِ؛ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَذْكُرَ بَعْدَ هذَا بَعْضَ تَفَارِيعِ الْقِيَاسِ:
===
ومما احْتَجَّ به الشيعةُ على بُطْلانِ العمل بالقياسِ: أَنْ قالوا: النفْيُ الأصليُّ معلومٌ؛ فكَيفَ يَرْفَعُ المظنون المقطوع، ونُقِضَ عليهم بقَبُولِ الشاهِدَينِ، وقَوْلِ المُفْتِي.
ومِنْ شُبَهِهِمْ: أن النبيَّ - ﷺ - أُوتِيَ جوامِعَ الكَلِمِ، فكيف تخْلَى الأحْكَامُ عن التنْصِيصِ؟؟ .
وأُجيبَ: كما تُرِكَ التنصيصُ على إِبطالِ العَمَلِ بالقيَاسِ عندكم، أو النَّصُّ القاطِعُ على الإمَامِ المعصومِ، دَلّ على نَفْيِ التَّشْبِيهِ.
ومِنْ شُبَهِهِمْ: أن الحُكْمَ لا يثبُتُ إلا بتوقيفٍ، والعلَّةُ غَايَتُهَا أن تكُونَ منصوصةً، فلو قال المالِكُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ- لم يَعْتِقْ عليه كُلُّ أسْوَدَ في مِلْكِهِ.
وأجيبَ: بأنَّه لولا قيامُ القاطِعِ على العَمَلِ بالقياسِ، لم نَقِسْ بالعِلَلِ الشرعيَّةِ؛ فَإِنَّا نسلِّم أنَّ التعْمِيمَ لا يَثْبُتُ لمجرَّد التعليلِ.
ومِنْ شُبَهِهِم: ما اعْتَمَدَهُ النَّظَّام؛ قال: كيف يتصرف بالقياس في شَرْعٍ مَبنَاهُ على التحكُّم، والفرقِ بين المتماثِلاتِ، والجَمْعِ بين المختَلِفَاتِ؟ ! وقَرَّرَ ذلك بأنه أَمَرَ بالغَسْلِ من بَوْلِ الصبيَّةِ، والنَّضْحِ من بَوْلِ الغُلامِ،
[ ٢ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأمر بالغُسْل من خُرُوجِ المَنِيِّ والحَيضِ، دون الغائِطِ والبَوْلِ، وحَرَّم النظَرَ إلى العَجُوزِ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحُرَّة الشَّوْهَاءِ، وأباحه إلى الشَّابَّة المَمْلُوكَةِ الحَسْنَاءِ، وعَدَّ صُوَرًا لا يخفَى على مَنْ شَدَا طَرَفًا من الفقْهِ تعليلُهَا:
والجوابُ الجُمَلِيُّ عما ذَكرَ، وما لم يذكُرْ: أنَّا لا ندَّعِي أن جميع الأَحْكَامِ الشرعيَّة معلَّلةٌ، بَلْ منها ما يعلَّلُ، ومنْها ما هُوَ تعبد، وأَنَّ شرْطَ القياسِ أَنْ يُعْلَمَ أو يُظَنَّ كونُ الحكْمِ في الأصْلِ مُعَلَّلًا وتحقُّقُ تلك العلَّة في الفَرْعِ مِنْ غَيرِ مُعَارِضٍ؛ فإنَّ للقياسِ مَجَارِيَ ومواقِفَ وشُرُوطًا،؛ وعَدَمُ جريانه في غير المعقولِ لا يَمْنَعُ من جريانه في المعقول.
ومِنْ شُبَههم: أن قالوا: إذا اشْتَبَهَتْ رضيعَةٌ بعَشْرِ أجنبيَّاتٍ، أو مَيتَةٌ بعَشْرِ مُذَكَّيَاتٍ -لَمْ يَجُز الاجتهادُ ولو وجد على ذلك أمارات؛ ما ذلك إِلَّا لاحتمالِ الخَطَإِ مع عدم الحاجةِ، والخَطَأُ في كُلِّ قياسٍ ظَنِّيِّ ممكنٌ؛ فلا يجوزُ العَمَلُ به، ولا يلْزَمُ عليه الاجتهادُ في جهة القِبْلَةِ، وعدالةِ الشَّاهِدِ والإمَامِ؛ لأنه مَحَلُّ ضرورةٍ؛ فإنَّ التنْصِيصَ على آحَاد الجِهَاتِ والأشْخَاصِ متعذِّر.
وأُجِيبَ: بأنَّ ما ذكرتُمُوهُ نَفْيٌ للقياسِ بالقياسِ، وبأنَّا لا نسلِّم أنَّ عَدَمَ القياسِ في الصورَتَينِ إنَّما كَانَ لإِمْكَان الخَطَإِ مع إمكانِ التحرُّز منه؛ فإنه لو شَكَّ في رضَاعِ امرأةٍ، حلَّ له نِكاحُهَا مع احتمالِ الخَطَإِ، وإنما امتنع ها هنا؛ لأنَّ يَقِينَ الحِلِّ عارَضَهُ يقينُ الحُرْمَةِ، وشرطُ الاجتهادِ ظُهُورُ العلامَاتِ، وهي مفقودَةٌ ها هنا، والاجتهادُ شَرْطُهُ أنْ يَرُدَّ الشيءَ إلى أَصْلِهِ، والأصل في الأَبْضَاعِ الحُرْمَةُ، وكذلك الحيواناتُ المأْكُولَةُ إلّا ما ذُكِّيَ، وفي الاجتهادِ في الميتة وجْهٌ ضعيف.
تَتِمَّةٌ: قد تقَدَّم أن القائلين بالقياسِ الشرعيِّ اختلَفُوا في فُرُوع:
منها: أنَّ القياسَ هل يجري في الأسبابِ والموانعِ والشُّرُوطِ أَوْ لا؟
[ ٢ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومثاله فِي الأسباب: قياسُ التَّسَبُّب إِلَى القَتْلِ بالإكْرَاه؛ على التَّسَبُّب بالشهادةِ.
ومثالُهُ فِي الموانِعِ: قِيَاسُ النَّاسي للماء فِي رَحْلِهِ؛ على المانِعِ الحِسِّيِّ من استعمالِهِ: مِنْ سَبْعٍ أو غيره.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومثاله فِي الشُّرُوط: قياسُ استقصاءِ الأَوْصَافِ على الرُّؤيَةِ؛ بجامِعِ الحِكْمَةِ فِي الجَمِيعِ.
واحْتَجَّ المانِعُونَ بأنَّه لو جَازَ لكَانَ الجامِعُ هو الحِكْمَةَ، ولو صحَّ التعليلُ بالحِكْمَةِ لَمَا عُلِّلَ بضابطها؛ لأنَّه تطويلٌ للطريقِ بغَيرِ فائدةٍ.
وأجيب: بأنَّه الأَصْلُ، وإنَّما امتنع إثْبَاتُ الحُكْمِ بها فِي الأشخاصِ؛ لأنها لا تتناهَى، وتتبع الآحاد الكثيرة، واعتبارُ ظُهُورِ المعْنَى فيها عسيرٌ؛ فَعَلَّقَ الْشارعُ الحُكْمَ بالأوصافِ الظَّاهرة المضْبُوطَةِ، فأمَّا قياسُ ضابِطٍ على ضابطٍ، فهو قياسُ كُلِّ على كُلِّ غيرُ مفْضٍ إِلَى المحذُورِ المذْكُور.
واحتجُّوا بأنَّ شَرْطَ القياسِ: القَطْعُ بوجودِ الجامعِ فِي الفَرْعِ، ولا سبيلَ إِلَى القَطْعِ بتَسَاوي الحِكْمَةِ فيهما.
وأُجِيبُوا بمَنْعِ اشتراط ذلك؛ فإن غَلَبَةَ الظَّنِّ بأنَّه قد حَصَلَ فِي الفرْعِ ما لأجْله ثبت الحُكْمُ فِي الأصل - يَسْتَلْزِمُ غَلَبَة الظَّنِّ بالحُكْمِ، وظَنُّ الحكْمِ مُوجِبٌ للعمل، وقد تكون الحكمةُ حاصلةً فِي الفرْعِ بطريق الأَوْلَى.
واحتجَّ المجوِّزون: بأن قالوا: قد ثَبَتَ قياسُ المُثَقَّلِ على المحدَّد، واللِّوَاطِ على الزنا، والإِفْطَارِ بالأكْلِ على الجمَاعِ.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأُجِيبُوا: بأنَّ مَنْ قال بالتَّسْوية فِي هذه الأحكامِ، فالجامعُ عنده قَدْرٌ مشتركٌ، وهو في القِصَاصِ القَتْلُ العَمْدُ العدوانُ.
وفي الحَدِّ إيلاجُ فَرْجٍ في فرجٍ، مشتهى طَبْعًا، مُحَرَّمٍ شَرْعًا، وفي الكَفَّارة عُمُومُ إفْسادِ صومِ يومٍ من رمضانَ.
ومنها: قولُ المبتدِعَةِ: لا يَجْري القياسُ فِي الأَوَامِرِ وَيجْرِي فِي النواهِي.
ولنا: أن أَدِلَّةَ العَمَلِ به شاملَةٌ.
قالوا: لو قال له: "كُلْ هذِهِ الرُّمَّانَةَ؛ لأنَّها حُلْوَةٌ، وَلَا تَأْكُلْ هذه الحَشِيشَةَ؛ فَإِنَّها سمٌّ" عَمَّ الثانِي دون الأوَّل.
وأجيبوا: بأن عموم الثانِي فُهِمَ من الشفقةِ، ولولا قيام القاطِعِ على تعدية الحُكْمِ من المنصوصِ عَلَى عِلَّته - لم نعدَّه لمجرَّد تعليل المعيَّن؛ فإنَّ النصَّ على التعليلِ فِي مُعْتَقَدِنا لَيسَ نَصًّا على التعميمِ.
ومنْها: قولُ الحنفيَّةِ: لا يجري القياسُ فِي الحُدُودِ وَالْكَفَّارَات والمُقَدَّرَاتِ والرُّخَص.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قالوا: لأنَّها مشتملةٌ على معقولٍ مِنْ وَجْهٍ وغَيرِ معقولٍ مِنْ وَجْهٍ؛ فإن ترتيب الزواجِرِ على المفاسِدِ معقولٌ، وكذلك وجْهُ المَحْو في الكفَّاراتِ معقولٌ، لكن حصول الزَّجْر بهذا القَدْر المعيَّن والمَحْو بهذا المعيَّن - لا يهتدي إلَيهِ العقْلُ، ولا يمكن تعدِيةُ المَعْقُولِ إلَّا بِعَينِ المَعْقُول.
وأما الرُّخَصُ: فإنَّها أُبِيحَت للضرورةِ، وبعد شرع الإباحة فِي المستثنَى لا تبقى الضَّرُورة التي خُولِفَ الأَصْلُ لها.
وأجيبُوا بأنَّه: إنْ لم يُمكْنِ الجمْعُ بالمُخيلِ، أمكَنَ بالشَّبَهِ، وقد قَاسَ عَلِيٌّ - كَرَّم الله وَجْهَهُ - في حَدِّ الخَمْرِ بمَحْضَرٍ مِنَ الصحابة، وصوَّبوه؛ فقال: "أَرَاهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَىَ؛ وَأَرَى عَلَيهِ حَدَّ المُفْتَرِي"، وبالجملة: فمتَى تحقَّق القياسُ بشرائطه، فأدلة العَمَلِ بالقياسِ شامِلَةٌ، ولا خصوصيَّةَ لها ببابٍ دون بابٍ، ومتى لم يتحقَّقْ، فامتناعُ القياسِ لِعَدَمِ وجُودِهِ، لا لأنَّ العَمَلَ به لا يجُوزُ.
وأمَّا ما ذَكَرَهُ فِي الرُّخَصِ: فنقولُ: إذا رَخَّصَ الشارعُ فِي العَرَايَا فِي الرُّطَبِ لحاجةِ التَّفَكُّهِ
[ ٢ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
للمحاويجِ الذين يَجِدُونَ فُضُولًا مِنْ التَّمْرِ، ولا يجدُونَ فَضْلًا مِنْ النَّقْدِ - فَمِثْلُها متحقِّق فِي الْعِنَبِ بالزَّبِيبِ، فلا تسند الحاجةُ إِلَى العِنَبِ بإِباحة بَيع الرُّطَب بالتَّمر، وقد اعتمد الشافعيُّ وأصحابه عَلَى إِبْدَاءِ مناقضاتٍ لَهُمْ، ومنها ما يتصوَّر الاعتذارُ عنها.
قال الغَزَّالِي: وقد أَفْحَشُوا فِي القياسِ فِي الحُدُودِ، حتَّى أَوْجَبُوا الحَدَّ فِي مسألة شهودِ الزوايا، وأوجَبُوا القَطْعَ بسرقة بَقَرةٍ بشهادةِ شاهِدَينِ - شهد أحدُهمَا أنَّه سَرَقَ بقرةً بيضَاءَ، والآخر أنَّها سوداءُ؛ لاحتمالِ أن البقرةَ مُلْحَةٌ، وقاسَ الإِفطار بالأكْلِ والشُّرْبِ على الإِفطار بالجِمَاعِ فِي وجُوبِ الكَفَّارة، وهذا غيرُ لازِم له؛ فإنَّه يحذف خصوص الجِمَاعِ وتعلق الكفارة بالإفسَادِ، ومِنْ باب "تَنْقِيحِ المَنَاطِ" قالوا: وقد قدَّر مَسْح الرأْسِ بالرُّبُع، أخذًا مِنْ حديثِ المُغِيرَةِ؛ أنَّه مَسَحَ بنَاصِيَتِهِ، وهو قَدْرُ الرُّبُعِ فِي زعمه، فكأنه استَنَدَ فيه إلَى توقِيفٍ، قالوا: وقد قُدِّر نَزْحُ ماءِ البِئْرِ عند النجاسَةِ بثُلُثَي دَلْوٍ، وعُذْرهم أنَّهم قلَّدوا فيه الأوزاعِيّ.
وقال الغزَّاليُّ: ولا ينفعهم هذا العُذْرُ؛ فإِنهم أَبَوْا عن تقليد الصَّحابة، ولعلَّهم يقولُونَ: إِن
[ ٢ / ٣٠٩ ]