الأَمْرُ بِالشَّيءِ أَمْرٌ بِمَا لَا يَتِمُّ ذلِكَ الشَّيءُ إلَّا بِهِ؛ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ الأَمْرُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ الشَّرْطُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ.
===
وقوله -﵊: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبلَهُ" - مُشْعِرٌ بتوجه الخطاب؛ إذْ لا معنى لسقوط ما لم يَثْبُتْ.
[المسألة الحادية عشرة]
ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلّا به أقسام:
[ ١ / ٣٤٤ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الأَمْرَ اقْتَضَى إيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ [وَ] لَوْ لَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، لَكَانَ قَدْ كُلِّفَ بِالْفِعْلِ حَال عَدَمِ شَرْطِهِ؛ وَهذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ أَمَرَنَا بِفِعْلٍ بِشَرْطِ حُصُولِ ذلِكَ الشَّرْطِ؛ غَايَةُ مَا فِي البَابِ أَنْ يُقَال: هَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي إِيجَابَ الْفِعْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانِ حُصُولِ الشَّرْطِ- خِلافُ الظَّاهِرِ؛ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذَا لازِمٌ عَلَيكُمْ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى إِيجَابَ ذلِكَ الفِعْلِ، وَلَمْ يَقْتَضِ إِيجَابَ شَرْطِهِ، فَإِيجَابُ ذلِكَ الشَّرْطِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ؛ فَلِمَ كَانَ مُخَالفَةُ الدَّلِيلِ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَينِ أَوْلَى مِنْ مُخَالفَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي؟ !
الْجَوَابُ: أَنَّ مُخَالفَةَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ نَفْيُ مَا يُثْبِتُهُ اللَّفْظُ.
===
أحدها: ما يكون رُكْنًا فيه، ولا خلافَ أن الأمر بالشيء أمر بجميع أركانه.
الثاني: ما هو خارج عنه، ومنه شرعيٌّ، وعقليٌّ، وعادِيٌّ:
أما الشرعي: [فـ] كاشْتِرَاط الطهارة؛ لقوله -﵊-: "لَا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ"؛ فالأمر بالصلاةِ أَمْرٌ بها.
وأما العقليُّ: فما يتوقف عليه عقلًا، كالانكفاف عن الضد حال فعل ضده.
وأما العادي: فما يتوقف عليه عادةً؛ كإمساك جزء من الليل لوجوب إمساك اليوم، وهما مَحَلُّ النزاع، ولا شك في وجوبهما عقلًا، أو عادةً، وإنما النزاع في وجوبهما شرعًا لوجوبِ مُسْتَلْزِمِهِمَا.
[ ١ / ٣٤٥ ]
فَأَمَّا إِثْبَاتُ مَا لَا يَتَعَرَّضُ اللَّفْظُ لَهُ؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتٍ -فَلَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُهُ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَلَيسَ كَذلِكَ إِذَا خَصَّصْنَا إِيجَابَ الْفِعْلِ بِحَالِ حُصُولِ الشَّرْطِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا اقْتَضَى إيجَابَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ-: كَانَ تَخْصِيصُ الإِيجَابِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ -دُونَ مَا سِوَاهُ- مُخَالفَةً لِلظَّاهِرِ.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: أَنَّ صُدُورَ الإِيمَانِ مِنْ أَبِي جَهْلٍ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ اللهِ تَعَالى عَالِمًا بِصُدُورِ الإِيمَانِ مِنْهُ، وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الكُفْرِ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُقَال: الأَمْرُ بِالإِيمَانِ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ هَذَا الشَّرْطِ، أَوْ لَا [يَكُونُ]؛ وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا - لَزِمَ [أَنْ يَكُونَ الكَافِرُ مَأْمُورًا
===
قولهُ: "بشرط أن يكون ذلك الأمر مطلقًا"؛ يعني: أنه واجب على كل حال، كالأمر بعتق رقبة؛ فإنَّ الوجوبَ يتعلق بها، سواءٌ كانت حاصلةً في ملكه، أو لم تكن، إذا كان قادرًا على تحصيلها.
قوله: "ويُشْتَرَطُ أَنْ يكونَ ذلك الشَّرْطُ مقدورًا للمكلف" احتراز عن سلامة البنية وخلق القدرة على الفعل.
وقد احتج القاضي على الوجوب: بأنه لو لم يكن واجبًا، لكان إما محظورًا أو مندوبًا، أو مكروهًا، أو مباحًا؛ لانحصارِ الأحكام في الخمسة، ولا جائز أن يكون محظورًا؛ لأن الأمر بالمتوسل إليه، مع منع الوسيلة، تكليفٌ بالمُحَالِ، ولا جائز أن يكون مباحًا أو مندوبًا، أو مكروهًا؛ لأنَّ جميعَ ذلك يَسُوغُ تركُهُ، وفي تجويزِ تَرْكِهِ تجويزُ تركِ الواجب.
والاعتراضُ عليه: أن شرط التكليف إمكانُ الفعل، وإمكانُ الفعل يَتَحَقَّقُ بعدم المنْع من الوسيلة، ولا يتوقف على إيجابها، ولو صرَّح بذلك وقال: أوجبت عليك غسلَ الوجه، ولا أوجب عليك أَخْذَ جزءٍ من الرأس، ولا أمنعك منه، فإنْ فعلتَ أَثَبْتُكَ على غسل الوجهِ فقط، وإن تركتَ عاقبتُك على تركه فقط- لم يكنْ متناقضًا.
قوله: "والدليل عليه أن الأمر يقتضي إيجاب الفعل على كل حال"؛ لأنَّ الكلام فيه، وإيجاب الفعل على كل حال لو لم يقتض إيجاب شرطه لكان قد كلف بالفعل حال عدم شرطه مع عدم منعه منه؛ وأنه تكليف بالمحال.
والاعتراضُ عليه: أن التكليفَ بالفعل، حال عدمِ شرطه مع عدم منعه منه- لا نُسَلِّمُ أنه تكليف بالمحال.
قوله: "فإن قالوا: لم لا يجوز أَنْ يقال: إِنَّه أمر بالفعل بشرط حصول ذلك الشرط"؟ هذا الاعتراضُ إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا تحقق الوجوب، وكان لا يحصل ذلك الفعل إِلَّا بفعل آخر، كالأمر بالمعرفة التي لا يتأتى حصولها عادةً إلّا بتقديم النظر.
فقوله: "إنه لا تجب المعرفة إلّا بعد حصول النظر" - إحالة لصورة المسألة؛ فإنَّ الشروط تنقسم إلى قسمين:
[ ١ / ٣٤٦ ]
بِتَغْيِير صِفَةِ الله تَعَالى؛ وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنِ الْتَزَمْتُمْ] جَوَازَ الأَمْرِ بِهِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ-: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ أُمِرَ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُؤمَرْ بشَرْطِهِ"؟ ! فَلُزُومُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمَّا كَانَ وَارِدًا عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ- امْتَنَعَ الاحْتِرَازُ مِنْهُ!
===
شرطُ إيجاب: كملك النصاب في إيجاب الزكاة، فهذا لا نزاعَ في عدم وجوبِهِ.
وشرط أداءٍ: كالإيمان في العبادات، وهو محل النزاع.
قوله: "غاية ما في الباب أنْ يُقَال: هذا عدول عن الظاهر"، يعني أنه تقييدٌ للمُطْلَقِ، وتقييدُ المطلق على خلاف الظاهر.
قوله: "إلّا أَنَّا نقول: هذا لازم عليكم؛ لأن اللفظ اقتضى إيجاب ذلك الفعل، ولم يقتض إيجاب شرطه، فإيجابُ ذلك الشرط عدولٌ عن الظاهر.
وجوابه: بأنَّ مُخَالفَةَ الظاهر إثباتُ ما ينفيه اللفظ، أو نفى ما يثبته " إلى آخره- ظاهر.
قوله: "حجة المخالف: أن صدورَ الإيمانِ من أبي جهل مشروط بكون الله تعالى عالمًا بصدور الإيمان منه، وبعدم علمه بصدور الكفر"، يعني بعدم علمه تعالى بالنقيض؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما يَعْلَمُ خِلافَهُ.
وما ذكره من الاعتراض غيرُ لازم؛ لأن هذا الشرطَ غيرُ مقدورٍ عليه، فليس هو من محل النزاع.
قوله: إن غاية ما فيه تكليف المحال، والأمر بالمشروط بدون الشرط تكليف المحال، فلم قلتم: إِنَّ أحد الاحتمالين أولى؟ .
والاعتراض عليه: أن يقال: البحثُ في هذه المسائل كُلِّها مُفَرَّعٌ على امتناع التكليف؛ فلا يجاب بالتزامه.
[ ١ / ٣٤٧ ]