لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ المُشتَرك فِي مَفْهُومَيهِ مَعًا:
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ الوَاضِعَ، إِذَا وَضَعَ لَفْظًا لِلْمَفْهُومَينِ مَعًا عَلَى سَبِيلِ الانْفِرَادِ: فَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ قَدْ وَضَعَهُ -مَعَ ذَلِكَ- لِمَجْمُوعِهِمَا، أَوْ وَضَعَهُ لِذَلِكَ الْمَجْمُوعِ:
فَإن كَانَ الأَوَّل: امْتَنَعَ استِعمَالُهُ في إِفادَةِ ذَلِكَ الْمَجمُوعِ، عِندَ فَرْضِ كَونِهِ مُتَكَلِّمًا بِتِلْكَ اللُّغَةِ.
وَإنْ كانَ الثَّانِي: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفظُ مُشتَرَكًا بالنِّسبَةِ إِلَى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: لِهَذَا
===
اعلَم أن اللَّفظَ المُشتَرَك لا خِلافَ أنَّه لا يتعيَّن لأحَدِ مسمَّياته إلَّا بقرينةٍ، وعندَ عَدَمِ القرائِنِ- اختلفُوا فيه:
فذهب بعضهم: إلى الوقفِ، وهو مذهبُ المصنف.
وقال بعضُهم: يَعُمُّ فيها، إن أمكن الجَمعُ؛ ويُعْزَى إلى الشَّافعي -﵀- والقاضي
[ ١ / ١٩٣ ]
وَحْدَهُ، وَلِذَلِكَ وَحدَهُ، وَلِمَجْمُوعِهِمَا؛ وَحِينَئِذٍ: لا يَكُونُ استِعمَال اللَّفظِ فِي إِفَادَةِ المَجمُوعِ استِعْمالًا لِلَّفظِ المُشْتَرَكِ فِي كُلِّ مَفْهُومَاتِهِ، بَل فِي أحَدِ مَفهُومَاتِهِ.
===
ابنِ البَاقِلاني، وجماعةٍ من المعتزلَةِ.
واختلف المعمِّمون: فمنهم من قال: يَعُمُّ فيها بطريق الحَقِيقةِ؛ ويُعْزَى إلى الشافعيّ -﵀- وهو بعيد.
ومنهم من قال: يعمُّ بطريق المجازِ، وإليه صَغْوُ إِمام الحرمين ﵀.
واحتجَّ المعمِّمون: بأنه لو لم يَعُمَّ:
فإِما أنْ يحمَلَ على أحدها بعينِهِ، وهو ترجيح بغَيرِ مُرَجَّح، أوْ لا يُحمَلَ عَلى شيء منها؛ وفيه إهمالٌ لِلَّفْظِ، وتعطيلٌ له، وهو على خلافِ الأصلِ؛ فتعيَّن التعميمُ.
وَاحتجَّ لهم: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] والصلاةُ من الله -تعالى-: الرحمَةُ، ومِنَ الملائكةِ: استغفارٌ؛ فقد عمَّ فيهما، وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ الآية [الحج: ١٨] فقد عَمَّ السجودَ الاختياري والجبريّ.
قالوا: وقد نُقِلَ عن سيبويه، أنَّه قال: "ويلٌ": خبرٌ ودعاءٌ، ولا حُجَّة في
[ ١ / ١٩٤ ]
بَقِيَ أَنْ يُقَال: إِنهُ مُسْتَعمَلٌ فِي المَجمُوعِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِن ذَيْنِكَ المُفرَدَينِ؛ إلا أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ؛ لأنَّ إِفَادَتَهُ لِلْمَجْمُوعِ تُفِيدُ أَن الاكْتَفَاءِ لَا يَحْصلُ إلا بِهِمَا، وإفَادَتَهُ لِكُلِّ وَاحدٍ مِن الْمُفرَدَينِ تُفِيدُ حُصُولَ الاكْتِفَاءِ بِكُل وَاحِدٍ مِنهُمَا؛ وَذَلِكَ يُوجِبُ الجَمْعَ بَينَ النَّقِيضَينِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
===
الاثنين؛ فإنَّه يمكنُ التعميمُ فيهما بقدرٍ مُشْتَرَكٍ؛ فيكونُ مِن باب التواطُؤِ، لا من بابِ الاشتراكِ؛ فَيَعمُّ الصلاةَ؛ بمعنى التعظيمِ والتوقير، ويعمُّ السجودَ؛ بمعنى الخُضُوعِ.
وسيبويهِ وإن قال في "ويل": إِنه خَبَرٌ ودعاءٌ- فلم يَقُل: إِنه يعمُّ فيهما؛ وهو محلُّ النزاع.
وقوله: "الدليل عليه: أنَّ الواضع " إلى قوله: "عند فرض كونه متكلِّمًا بتلك اللغةِ"-: يقال له: إِنه يمتنعُ استعمالُهُ حقيقة، أو مجازًا؟:
الأوَّلُ مسلَّم؛ فإِنه إِذا وضع لمعنيين فَقَط، فاستعماله في الثالث لا يكُونُ حقيقة. وإن قلتَ: إنه يمتنعُ استعمالُهُ مجازًا، فلا يسلَّم، وظاهرٌ أنَّه مجاز يتعيَّنُ الرجوعُ إِليه عند تعذُّر الحمل على الحقيقة؛ لأنَّ مِنْ لازِمِ استعمالِهِ في كُلِّ واحدٍ بعينه- استعمالهُ فيهما؛ إذ يلزمُ مِنْ صِدقِ الأوَّلِ صِدقُ الثَّاني.
ولا مَعْنَى للمجازِ إلَّا استعمالُ اللَّفْظِ في لازِمِ المسمَّى، داخلًا أو خارجًا.
قوله: "فحينئذٍ؛ يكونُ مُشتَرَكًا بالنِّسبَةِ إِلى أمورِ ثلاثةٍ إِلى آخرِهِ".
واعتُرِضَ عليه، وأجابَ عن السؤالِ: بأنه يلزم منهُ التناقُضُ؛ فإنَّ وضعَه لأحدهما يدلُّ على الاكتفاءِ به، وَوَضْعَهُ لهما يدُلُّ على عَدَمٍ الاكتفاءِ؛ فالتعميمُ على هذا القدر يلزم منه التناقُضُ.
يُقَالُ عليه: إِن الواحد إِذا أخذَ مِن حيثُ هُوَ هُوَ -لا بقيد التجرُّد- فلا مانِعَ أن يكونَ جزءًا من الاثنين، وإن أُخِذَ بقيد التجرُّد- امتنع أن يكُونَ جزءًا من الاثنين.
والفَرْقُ بين إرادة المُطلَقِ بقيدٍ، أو بلا قيد ظاهر، والثاني صالحٌ للإرادة.
ولا نسلِّم أنَّه حيثُ وُضِعَ للواحِد أُخِذَ في مسمَّاه سَلبُ وَضعِهِ لغيره؛ ليلْزَمَ التناقض.
وللمسألة فرعان:
الأوَّل: القائِلُونَ بِمَنعِ التعميم في المُشتَرَكِ في طَرَفِ الإثباتِ -اختَلَفُوا في التعميمِ في طَرَفِ النَّفْي؛ كقوله: "لَا عَينَ لي".
فمنهم: مَن عَمَّمَ، ومنهم: مَن لم يُعَمِّم.
قالوا: لأنَّ النفيَ داخِلٌ على الإثباتِ، وإذا لم يُشعِرِ الإثباتُ بكثرةٍ -لَم يُشعِر بها النفيُ، وفيه نظرٌ.
الفرع الثَّاني: اختلفوا في جَمعِهِ؛ كقوله: "اعْتَدِّي بالأقرَاءِ".
[ ١ / ١٩٥ ]