لَا يَجُوز الْعَمَلُ بِالْمَرَاسِيلِ؛ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -[وجمهور المعتزلة].
===
قوله: "المسألة الخامسة: لا يجوز العَمَلُ برواية المَرَاسِيلِ، خلافًا لأبي حنيفة - ﵁ - وجمهور المُعْتَزِلَةِ":
مثال المَرَاسِيلِ أن يقول التَّابِعِيُّ: قال رسول الله - ﷺ - أو يقول: أخبرني رَجُلٌ، أو أَخبَرَنِي الثِّقةُ، ويجمع ذلك أن يروى العَدْلُ عمن لا يَعْرِفُ السَّامِع عنه.
وقد اختلف العُلَمَاءُ فيها:
فقبلها أبو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورُ المعتزلة، وأكثر من تَكَلَّمَ في الأُصُولِ.
قَال القَاضِي عبد الوهَّابِ: وهو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وردها المُحَدِّثُونَ مُطلَقًا، وهو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشافعي، ومن أَصْحَابهِ من تَأْوَّلَ أَنَّ مَذْهَبَهُ قَبُولُ مَراسِيلِ الصَّحَابَةِ، وأما مَرَاسِيلُ التَّابِعِينَ، فإنها مُعْتَبَرَةٌ عنده بِأُمُورٍ تقويها.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
لَنَا وَجهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّافِيَ لِلْعَمَلِ بِالْخَبَرِ الْمُرْسَلِ - قَائِمٌ؛ وَهُوَ كَوْنُهُ عَمَلًا بِالظَّنِّ، وَبِغَيرِ الْمَعْلُومِ؛ وَذلِكَ لَا يَجُوزُ وَالفَرْقُ بَينَ الْمَرَاسِيلِ وَغَيرِهَا قَائِمٌ؛ لأَنَّ أَسْبَابَ الْجَرْحِ
===
منها: أن يُسْنِدَهُ غيره، أو يرسله آخَرُ، وشيوخهما مُختَلِفَةٌ، أو يَعْضُدَهُ قَوْلُ صحابي، أو يُفْتِي بِمُوجَبِهِ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ، أو يعلم من حَالِهِ أنه إذا سَمَّى لم يُسَمِّ مَجْهُولًا، ولا مَنْ فيه علة تَمْنَعُ حَدِيثَهُ - فإن جَمِيعَ ذلِكَ يَتَقَوَّى به؛ ولذلك قال في بَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ: إنَّ إرسال سعيد بن المُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ. واحتج به على التَّحْرِيمِ، ولم يذكر غيره، ومن أَصْحَابِهِ مَنْ قَال: إن مَذهَبَهُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّب، والحسن البَصْرِيِّ دون غيرهما؛ لأنهما يَرْويانِ عن أَكابِرِ الصَّحَابَةِ مع شِدَّةِ عنايتهما بذلك.
ونقل عن عِيسَى بْنِ أَبَان قَبُول مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ والتابعين، وتابعي التَّابِعِينَ دون غيرهم.
واختَارَ الإِمَامُ أن المُرْسِلَ إن كان من أَئِمَّةِ الحديث، وعُلِمَ من عَادَتِهِ أنه لا يَرْوي إلَّا عن عَدْلٍ - قُبِلَ، وإلا فلا.
قوله: "لنا: أن النَّافِي للعمل بالخَبَرِ المُرْسَلِ قَائِمٌ، وهو كَوْنُهُ عَمَلًا بالظَّنَّ وبغير المَعْلُوم، وَذلِكَ لَا يَجُوزُ":
يعني أن العَمَلَ بالظَّنِّ على خِلافِ الأَصْلِ.
قوله: "والفَرْقُ بين المَرَاسِيلِ وغيرها " إلى آخره:
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَالتَّعْدِيلِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا بَيَّنَ الرَّاوي اسْمَ الشَّخْصِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ - يُمْكِن التَّأَخُّرُ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ أَسْبَابِ جَرْحِهِ وَتَعْدِيلِهِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَصِيرُ اعْتِقَادُهُ فِي قُوَّةِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ قَويًّا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُبَيِّنِ اسْمَهُ [و] عَجَزَ الْمُتَأَخِّرُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْوَالِهِ؛ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ فِي صِحَّةِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ ضَعِيفًا.
الثَّانِي: أَنَّ عَدَالةَ الأَصْلِ غَيرُ مَعْلُومَةٍ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ غَيرَ مَقْبُولَةٍ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أَنَّ ذَاتَهُ غَيرُ مَعْلُومَةٍ، وَالجَهْلُ بِالذَّاتِ يُوجِبُ الجَهْلَ بِالصِّفَاتِ.
بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ قَبُولَ رِوَايَتِهِ يُوجِبُ وَضْعَ شَرْعٍ عَامٍّ فِي حَقِّ كُل الْمُكَلَّفِينَ؛ وَذلِكَ
===
لما اسْتَشعَرَ أَنَّ تَرْكَ هذا الأَصْلِ في العَمَلِ بالمسند، احتاج إلى الفَرْقِ؛ فقال: إنما خُولِفَ النَّافِي لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ لم يَتَحَقَّقْ مثله في المُرْسَلِ؛ فوجب البَقَاءُ على حُكْمِ الأَصْلِ. ثم أشار إلى الفَارِقِ بأن أَسْبَابَ الجرح والتَّعْدِيلِ كَثِيرَةٌ، فإذا سمى العَدْلُ اسْمَ الشَّخْصِ الذي يَرْوي عنه، أَمْكَنَ المتأخر أن يَبْحَثَ عن أَسْبَابِ جَرْحِهِ وتَعْدِيلِهِ، وحينئذ يصير اعْتِقَادُهُ في تلك الرِّوَايَةِ قَويًّا.
أما إذا لم يُبَيِّنِ اسْمَ الشَّخْصِ، وعَجَزَ [المتأخر] عن الوُقُوفِ على أحواله، فيكون اعْتِقَادُه [في] تلك الرِّوَايَةِ ضَعِيفًا.
غَايَةُ ما فرق به أن الثِّقَةَ بمن سمى أتم، والظن بِعَدَالتِهِ أَقْوَى. وهذا يُعَارِضُهُ أنه إذا لم يُسَمِّهِ، فقد التزم تَعْدِيلَهُ، وعهدته، وإذا سَمَّاهُ وَأَطلَقَ الرواية والسَّمَاعَ منه، لم يلتزم عُهْدَتَهُ، ووكل النظر فيه إلى غيره.
وقد غلت طائفة، فَرَجَّحَتهُ على المُسْنَدِ بذلك، لا سيما إذا كَانَ المُرْسِلُ من أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ كابن مَعِينٍ، وأحمد، ومَالِكٍ، وعلم من حَالِهِ -أو صرح بقوله- أنه لا يَرْوي إلَّا عن عَدْلٍ.
وقد سُئِلَ مَالِكٌ عن عَدَالةِ رَجُلٍ فقال: هل رأيته في كتابي؟ فقال له السِّائِل: لا، فَقَال: لو كان عَدْلًا لَرَأَيتَهُ، وقال: أدركت عَدَدَ سَوَاري هذا المَسْجِدِ رِجَالًا، لَوْ نُشِرَ أَحَدُهُمْ بالمِنْشَارِ مَا كَذَبَ على رَسُولِ الله - ﷺ -، لم آخذ عن أَحَدٍ منهم حَدِيثًا؛ لأنهم لم يَكُونُوا من أَهْلِ هذا الشَّأْنِ.
فإن قيل: فقد رووا عمن لو سَأَلُوا عنه: عَدَّلُوهُ تارة، وجَرَّحُوهُ أخرى، وسَكَتُوا أُخرَى:
قلنا: التَّحْقِيقُ أن من عُرِفَ بالرِّوَايَةِ عن العَدْلِ وغيره، فإرساله غير مَقبُولٍ، وكذلك إِرْسَالُ غير العَالِم بأسباب الجَرْحِ والتعديل، فإنه لو سَمَّاهُ وَعَدَّلَهُ، لم يُكْتَف به.
وإِنَّمَا مَوْرِدُ البَحْثِ، ومحلُّ التَّجَاذُبِ غَيرُ هذا.
قوله: "الثاني: أن عَدَالةَ الأَصْلِ غَير مَعْلُومَةٍ، فَوَجَبَ أن تكون رِوَايَتُهُ غَيرَ مَقْبُولَةٍ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أن ذَاتَهُ غير مَعْلُومَةٍ، والجهل بالذات يُوجِبُ الجَهْلَ بالصِّفَةِ.
وبيان الثاني: قَبُولُ رِوَايَتِهِ تُوجِبُ شَرْعًا عَامًّا في حَقِّ كل المكلَّفِينَ، وذلك ضَرَرٌ مَنْفِيٌّ
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ضَرَرٌ مَنْفِيٌّ؛ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلامِ"، [وقد] عَدَلنَا عَنْهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَدَالةُ الرَّاوي مَعْلُومَةً؛ فَعِنْدَ عَدَمِ هذَا العِلْمِ: وَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ.
===
بالحَدِيثِ عَدَلْنَا عنه ما إذا كَانت عَدَالةُ الرَّاوي مَعْلُومَةَ فعند عَدَمِ هذا العِلْمِ، وَجَبَ البَقَاءُ على حكم هذا الأَصْلِ":
والاعتراض عليه: قَوْلُهُ: "عَدَالةُ الأَصْلِ غَيرُ معلومة":
قلنا: لا نُسَلِّمُ اشْتِرَاطَ العِلْمِ، بل الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وإلا لم يُعْمَل بالخَبَرِ المُتَّصِلِ.
قوله: "الجَهْلُ بالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ الجَهْلَ بالصِّفَةِ" ممنوع؛ فإنه إذا قَال العَدْلُ العَالِمُ بأسباب الجَرْحِ والتعديل: أَخَبْرَنِي الثِّقَةُ عندي، غلب على الظَّنَّ عَدَالةُ من يَرْوي عنه، إذا كان ظَنُّ العَدَالةِ كِافِيًا في العَمَلِ، فإذا قَال المُرْسِلُ بالصفة المَذْكُورَةِ: قال رَسُولُ الله - ﷺ - جَازِمًا، دَلَّ ظَاهِرًا على أَنَّهُ لم يَنْقُلْهُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ عنده، وإلا لكان مُدَلِّسًا، ولأنه لو سَمَّاهُ وقال: هو عَدْلٌ، قُبِل: واكتفى به وَحْدَهُ على الأَصَحِّ؛ فالرِّوَايَةُ عنه كَذَلِكَ.
يَبْقَى أن يُقَال: إذا سَمَّاهُ أَمْكَنَ البَحْثُ في تعديله عن نَفْي المُعَارضِ؛ فإنه بِتَقْدِيرِ أَنَّ يَجْرَحَهُ غيره، فالجَرْحُ مُقَدَّمٌ على التَّعْدِيلِ، فلم يَلْزَمْ من قَبُولِ التَّعْدِيلِ المُطلَقِ قَبُولُ المُرْسَلِ، والحَقُّ أن ذلِكَ صَالِحٌ للترجيح، وأما إذا فرع على قَبُولِ التَّعْدِيلِ المُطْلَقِ والاكتفاء فيه بِوَاحِدٍ، وكان المُرْسِلُ من أَهْلِ الشَّأْنِ - قرر العَمَلَ به، واعْبَرَ الإِمَامُ التَّفَاوُتَ المَذْكُورَ في الترجيح دون الرَّدِّ، وناقض القَاضِي الشَّافِعِيَّ في عمله بمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بن المُسَيَّب دون غيره، واعْتَذَرَ له بأنه كان يَرْوي عن أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وهم عُدُولٌ بِتَزْكِيَةِ الله ورَسُولِهِ؛ فقد أمَن مَحْذُور الإِرْسَالِ، ولم يَتَحَقَّقْ عنده ذلك في غَيرِهِ، ومن أَضَافَ إليه مَرَاسِيلَ الحَسَنِ، فكذلك يقول؛ فإنه كان يَقُولُ: إذا حَدَّثَنِي أَرْبَعَةٌ من الصَّحَابَةِ تَرَكْتُهُمْ، وقُلْتُ: قال رَسُولُ الله - ﷺ -.
فإن قيل: فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: أخبرني الثِّقَةُ، وأخبرني من لا أَتَّهِمُ، ولا يُكتفي بذلك عِنْدَكُمْ، وقال القاضي: فَهِمْتُ من مَذهَبِ الشَّافعي قَبُولَ المَرَاسِيلِ؛ فإنه قال في "المُخْتَصَرِ": أخبرني الثِّقَةُ، وهو المرسل بِعَينِهِ، وأجاب أَصْحَابُهُ عن ذلك بأنه إنما ذكره لِبَيَانِ مَذْهَبهِ لا احتجاجًا به على غيره.
وقيل: لأنه كان أَعْلَمَ أَصْحَابِهِ بذلك، ولهذا قيل في بَعْضِهِ: إنه أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وفي بعضه: إنه يَحْيَى بْنُ حَسَّان، وفي بعضه: إنه ابن أبي فديك، وسعيد بن سالم، وقيل ذكره فيما ثَبَتَ من طُرُقٍ مشهورة، والله أعلم.
[ ٢ / ٢١٠ ]