وَالمُرادُ مِنْ كَوْنِ الْمَأْمُورِ [بِهِ] مُجْزِئًا: أَنَّهُ كَافٍ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ.
===
والمُكْرَهُ على قسمينِ:
مُكْرَهٌ انتهى الإكراهُ به إلى سَلْبِ الْقُدَرةِ والاختيار، فإذا لا نِزَاعَ بيننا ولن المعتزلة أَنْهُ غَيرُ مُكَلَّفٍ.
ومُكْرَهٌ له قُدْرَةً وإرادَةٌ، لَكِنَّهُ لم يُخَلَّ وَدَوَاعِيَهُ، فهذهِ مسألة النزاع.
واحتجَّ أصحابُنَا على جوازِ تكليفه بأنَّ الفعل مُمْكِنٌ، والفاعلَ مُتَمَكِّنٌ، وشَرْطُ الاستصلاح قد أبطلناه.
وألزم القاضِي المُعْتَزِلَةَ المكره على القتل؛ فإنه مَنْهِيٌ عنه بالإجماع.
قال الإمامُ: وهذه هفوة من القاضي؛ فإن المعتزلة تشترط في المأمور به. أن يكونَ بحال يُثَابٍ على فعله، وإذا أُكْرِهَ على عَينِ المَأْمُورِ بِهِ، فالإتيانُ بِهِ لِداعِي الإكراهِ، لا لداعي الشرع، فلا يُثَابُ عليه، بخلاف ما إذا أتى بنقيض المُكْرَهِ عليه لداعي الشرْعِ؛ فإِنَّه أبلغُ في إجابة داعي الشرع، وما ذكره الإمامُ حَقٌّ من هذا الوجه، ولم يورده القاضي على هذا المأخذ، إنما أورده على منعهم أَنَّ المُكْرَهَ قادِرٌ، فَبَيَّنَ أنه قادِرٌ بتكليفه بالضِّدِّ، وعندهم أن الله -تعالى- لا يُكَلِّفُ العبدَ إلَّا بعد خَلْقِ القُدْرَةِ له، وهي عندهم من الأعراض الباقية.
والقُدْرَةُ عندهم على الشَّيءِ قُدْرَةٌ على ضِدِّهِ، فإذا كان قادرًا على تَرْكِ القَتْلِ، فهو قادِرٌ على الفعل المُكرَهِ على عَينِهِ.
وقال الغزاليُّ: الآتي بالفعل مع الإكراهِ، إنْ أتى به لداعي الشَّرع - فهو صحيحِ.
وإنْ أتى به لداعي الإكراه فليس بصحيح، يعني كمن أُكرِهَ على أداءِ الزكاةِ، فَأدَّاهَا.
قال بعضُ المتأخرين: وهذا الذي ذكره إنما هو في العباداتِ المُشتَرَطِ فيها النِّيَّةُ.
أَمَّا مَا لا يُشْتَرَطُ فيه النيةُ، كَمَنْ يجبُ عليه رَدُّ المغصوباتِ، والودائعِ، وتسليمُ المَبِيع وحَبْسُ المُعْتَدَّةِ - فالمقصودُ منه واقع، قُصِدَ أو لم يُقْصَدْ، فيخرجُ عن عُهْدَة التكليف به مع الإكراه.
وَبَحْثُ صاحبِ الكتابِ في هذه المسألة حَائِدٌ عن مأخذ الفريقين جِدًّا، والله أعلم.
[قوله: المسألة الخامسة عشرة]:
"الأَمْرُ يَقْتَضِي الإجْزَاءَ، خلافًا لأبي هَاشِمٍ، والمرادُ من كون المَأْمُورِ مُجْزيًا: أنه كَافٍ في الخروج عن العُهْدَةِ".
تفسيرُ الإجزاءِ: بأنه الكَافِي في الخُرُوج عَن العُهْدَةِ -يعني به عُهْدَةَ الأمرِ، وهذا مَذْهَبُ المتكلمين.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن بَعْدَ الإِتْيَانِ بِالْمَأمُورِ بِهِ، لَوْ بَقِيَ الأمْرُ -لَبَقِيَ: إِمَّا مُتَنَاولًا لِذلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي الْوُجُودِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ عَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: كَانَ ذلِكَ الأَمْرُ مُتَنَاولًا لِطَلَبِ ذلِكَ الْفِعْلِ مَرَّتَينِ؛ فَلَا يَكُونُ الإِتْيَانُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً إِتْيَانًا بِتَمَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ فَرَضنَاهُ كَذلِكَ؛ هذَا خُلْفٌ.
===
ومذهبُ الفقهاءِ: أنه الأَدَاءُ الكافِي في إِسْقَاطِ القَضَاءِ.
والخلاف فيه مَبْنِيٌّ على أَنَّ القضاءَ؛ حيثُ شرع استدراكًا للفائت، هل هو من مُقْتَضَيَاتِ الأمر الأول، أو بأمر جديد؟:
فالمتكلمونَ يَعْتَقِدُونَ: أنه بأمرٍ جديد، فَحَدُّوا الإِجْزَاءَ بما ذُكِرَ.
والفُقَهَاءُ يزعمون أنه من مقتضيات الأمر الأَوْلِ، فأضافوا إلى الإتيانِ بالمأمور به إسقاطَ القضاءِ.
قوله: "والدليل عليه أنه بعد الإتيان بالمأمور به": يعني: بما أَشْعَرَ اللَّفْظُ به.
قوله: "لو بقي الأَمْرُ لبقي إما: مُتَنَاولًا لطلب ذلك الفعل .. " إلى آخره، يعني: إمَّا أَنْ يكون متناولًا للمأتِيَّ به، أو غيرِهِ، والأَوَّلُ: طَلَبُ تحصيلِ الحاصلِ، والثَّاني: خلاف الفرض؛ إذِ التقدير: أنه أتى جميعِ ما أَشْعَرَ اللَّفْظُ به.
واحتجَّ الفقهاءُ: بأنَّ امتثال المأمورِ به، لو كان مُقتَضِيًا للإجْزَاءِ؛ لَمَا أُمِرَ مَنْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، وصَلَّى على حسب حالِهِ -بالقضاءِ؛ وكذا مَنْ ظَنَّ أنهُ مُتَطَهَّرٌ وصَلَّى على حَسَبِ حاله، ثُمَّ تَبَيَّنَ الحَدَثَ، وكذا مَن أَفْسَدَ حجَّهُ بالمُضِيِّ في فاسِدِهِ، أو صَوْمَهُ بِإِمْسَاكِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ وجوبَ القضاءِ في مسألة العازِم بأمر جديدٍ، وأَمَّا مَنْ ظَنَّ أنه مُتَطَهِّرٌ، فَإِمَّا [أن] يَعْتَقِد أَنَّ كُلَّ مجتهدٍ مصيبٌ أو لا: فإن اعتقدَ أن كل مجتهد مصيب، فقد خرج عن عهدة الأمر بما فعله أولًا، وهذا أمر ثانٍ بالقضاء، وَإِن اعتقد أنه واحِدٌ فالخطابُ بصلاةٍ بطهارَةٍ باقٍ في ذِمَّتِهِ، ولم يأتِ به، والخطابُ الأَوَّلُ: كان بحسب حالِهِ.
ومن أفسد حجَّهُ، أو صَوْمَهُ، فَالأَمْرُ الأَوَّلُ باقٍ عليه، والأمرُ بالمُضِيِّ فيه أَمْرٌ ثانٍ؛ مُعَاقَبَةً له، أو تشبهًا بالصائمين لِحُرْمَةِ الوقت، وهو مُمْتَثِلٌ للأمر الثاني.
قوله: "حجة المخالف: أَنَّ النهي إذا كان لا يَدُلُّ على الفسادِ، فكذلك الأمر لا يَدُلُّ على الإجزاءِ".
وَوَجْهُ الملازمة: أَن كُلَّ مُخزِئٍ صحيح، والصحيمُ نَقِيضُ الفاسِدِ؛ فالمجزئُ نقيضُ الفاسد.
فإذا كان المُجْزِئُ عِبَارَةً عن المُوَافِقِ لِلطَّلَبِ -كان الفاسِدُ هو المُخَالِف له، فإذا لم تَسْتَلْزِمِ المخالفَةُ الفسادَ، وجب أَلَّا تستلزمَ الموافقةُ الصِّحَّةَ والإِجْزَاءَ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
حُجَّةُ المُخَالِفِ: أَنَّ النَّهْيَ إِذَا كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، فكَذلِكَ الأَمْرُ لَا يدُلُّ عَلَى الإِجْزَاءِ.
===
تقرير الثانية: أَنَّ النهيَ لا يَدُلُّ على الفسادِ؛ لِصِحَّةِ الصلاةِ في الدَّارِ
[ ١ / ٣٦٤ ]
الْجَوَابُ: الْفَرْقُ أَنَّ النَّهْيَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْمَنْعَ مِنَ الفِعْلِ، وَذلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يُقَال لَهُ: "إِنَّكَ لَوْ أَتَيتَ بِهِ، جَعَلْتَهُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الْفُلانِيِّ"، أَمَّا الأَمْرُ فَلَا دَلالةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى اقْتِضَاءِ
===
المغصوَبةِ، ونُفُوذِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، وغير ذلك.
والجواب: مَنْعُ أَنَّ النهي: لا يَدُلُّ على الفسادِ، لا سيما في العباداتِ؛ فإنَّ الآتيَ بالمنهِيِّ لم يأتِ بالمأمورِ، فَيَتَعَيَّنُ القولُ بالفسادِ.
وبتقديرِ التسليم بالجمع بين الأمرِ والنهي، باعتبار الجهتين، وصرفِ النهي إلى أَمْر خارِجٍ مُفَارِقٍ، وَمَتَى تَحَقَّقَ رُجُوعه إلى عينِ الشيء، أو شَرْطِهِ، أو لازِمٍ غَيرِ مُنْفَكِّ -فَلا بُد من الحكم بالفساد.
قوله: "إن النهي لا يُفِيدُ إِلَّا المَنْعَ من الفعل، وذلك لا ينافي أن يُقَال له: إِنَّكَ لو أتيت به جعلتَه سَبَبًا للحكم الفُلانِيِّ".
هذا الجوابُ إنما يَتَحَقَّقُ في النهي المُتَعَلِّقِ بغير العباداتِ من العُقُودِ والتَّصَرُّفَاتِ؛ لأنَّ معنى الصحيح فيها هو المُسْتَمِرٌ، ولا مانِعَ أَنْ يُنْهَى الأَبُ عن وَطءِ أَمَةِ ابنهِ، وإِذَا وَطِئَ، وَعَلِقَتْ منه،
[ ١ / ٣٦٧ ]
الْمَأمُورِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإذَا أَتَى المُكَلَّفُ بِهِ- فَقَدْ أَتَى بِتَمَامِ مَا دَلَّ عَلَيهِ الأَمْرُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَبْقَى الأَمْرُ بَعْدَ ذلِكَ مُقْتَضِيًا لِشَيءٍ آخَرَ.