إِذَا دَارَ اللفظُ بَينَ الْحَقِيقَةِ المرجُوحَةِ وَبَينَ المَجَازِ الرَّاجِحِ -لَم يَتَعَيَّنْ لأَحَدِهِمَا إلا بِالنيةِ؛ وَذَلِكَ لأن كَوْنَهُ حَقِيقَة يُوجِبُ الْقوةَ، وَكَوْنَهُ مرجُوحًا يُوجِبُ الضعفَ وَأَمَّا الْمَجَازُ الراجِحُ: فَكَوْنُهُ مَجَازًا يُوجِبُ الضعفَ، وَكَوْنُهُ رَاجِحًا يُوجِبُ الْقُوةَ؛ فَيَحصُلُ التعَارُضُ بَينَهُمَا؛ فَلَا يَتَعينُ لاحَدِهِمَا إلا بِالنيةِ.
===
أو المقابلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أَوْ إطلاقُ المتعلّق على المتعلق، كقولك: "اللهم اغفر لَنَا عِلْمَكَ فِينَا"، أي: معلُومَكَ، و"انظُر إِلى قُدَرةِ الله"، أي: مَقدُورِ الله تعالى، وإطلاقُ ما بالفعلِ على ما بالقُوةِ؛ كقولهم للسيف: قاطع، وهو في غِمدِهِ.
ومن المجاز أيضًا: إطلاقُ اللفظِ على ما يشابِهُ مسمَّاهُ سورة، أو معنى؛ كإطلاقِ "الأسدِ" على ما يماثله في الصُّورة، وعلى الشجَاع؛ لمشابهته في المعنَى؛ ويسمى هذا بالمستَعَارِ. وَمِنَ المجازِ تَسمِيةُ الشيءِ بِضدهِ؛ كتسمية المهلكةِ مفازَةً.
وهذا الحصر استقرائي.
[قوله]: "إذا دَارَ اللفظُ بَينَ الحقيقةِ المرجُوحَة، والمَجَازِ الراجحِ -لم يتعين لأحدهما إلا بالنيةِ". هذه المسألةُ لم يحرر صورتَها، ولم يحسن تمثيلَها، وبالجُملةِ فاللفظُ إذا كان له حقيقةٌ واحدة لغوية، ومجازٌ، أو مَجَازَانِ فصاعدًا، ولم يَكثُرِ استعمالُهُ في شيء من مجازاته- فلا خِلافَ أنه عندَ إطلاقه لا يُحمَلُ على أحدهما إلَّا بنية أو قرينة، وأنه لا يُحمَلُ علَى مجازه إلا بنية أو قرينة.
وإنْ كان له حقيقتان لُغَويَّتَانِ فصاعدًا، ولم يَكثُرِ استعمالُهُ في -شيءِ مِنْ مجازه- فلا خلافَ أنه عِندَ إِطلاقه لا يحمَلُ على أحَدِهِما إلَّا بنية أو قرينة. كان أكثر استعمالُ اللفظِ في شَيءٍ من مجازاته، سواء كانَت له حقيقة واحدة أو حقيقتان -فلا يخلو: إِما أن يَربُوَ على الحقيقة إلى حَدّ يصيرُ هو السابِق إلى الفهمِ عند الإِطلاق، وهو المسمى بالحقيقة الشرعية، أو العرفية- انعكس الحُكمُ ولا يحمل على حقيقته اللغوية، إلا بنية أو قرينة، ولا يحتاجُ في حَملِهِ على مجازه الشرعي أو العرفي إلى نية أو قرينة. وإن كان قد كَثُرَ استعمالُهُ حتَّى ساوى الحقيقةَ اللغويةَ، ولم
[ ١ / ١٨٧ ]
مِثالة: قول الشافِعي -﵁-: إِذَا قَال الرجُلُ لأَمَتِهِ: "أنتِ طَالِق"، وَنَوَى بِهِ العِتقَ- صَحَّ بِالنيةِ؛ لأَن تركِيبَ لَفظِ "الطاءِ وَالَّلامِ والْقَافِ"، لإِزَالةِ الْقَيدِ؛ يُقَالُ: لَفظٌ مُطْلَقٌ، وَأُطلِقَ فُلانٌ مِنَ الْحَبسِ، وَانطَلَقَ بَطنُهُ، ويقَالُ: حَلال طِلق، وَوَجهٌ طَلْقٌ.
===
يَسبِق إِلى الفهم عند الإطلاقِ -فهذه صورةُ المسألة- لأنها إِجمالٌ عارِضٌ، والمُجمَلُ لا يتعين لأحد مَحمَلَيهِ إلَّا بنيَّة أو قرينةٍ.
وقال أبو حنيفة -﵀-: يُحمَلُ على الحقيقة.
وقال أبو يُوسُفَ -﵀-: يُحمَلُ على المَجازِ.
ولفظُ المُصَنف يوهِمُ أَن سورة المسألةِ هو القِسمُ الذي قبل هذا، أو أنَّه مُنْدَرجٌ في صورة المسألة.
وأما تمثيلُه بلفظِ "الطلاق" فبعيدٌ أيضًا؛ فإنه لا خلافَ أن لَفظَ "الطلاقِ" صريح في إزالة
[ ١ / ١٨٨ ]
وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَحَدُ أنواعِ القَيدِ، فَإذَا قَال: "أَنْتِ طَالِقٌ"، وَنَوَى بِهِ إِزَالةَ الْقَيدِ -فَقَد
===
قيد النكاحِ لغة وشَرعًا، وأن الصريحَ لا يحتاجُ فيه بمعنَى احتياجه إلى نية أو قرينةٍ.
ولا خلافَ عند الشافعية أن استعمالهُ في العتقِ كنايةٌ، وأن الكنايةَ لا تؤثِّر إِلا مع النيَّة،
[ ١ / ١٨٩ ]
استَعمَلَهُ فِي حَقِيقَتِهِ الأصلِيةِ؛ إلا أَن هذِهِ الحَقِيقَةَ صَارَت مَرجُوحَةً فِي العرفِ، وَاختَص
===
فلم يطابِق تمثيلُهُ المسألَةَ.
وإِنما يَقْرُب تمثيلُها بلفظِ "النكاح"، فإنه حقيقةٌ في الوطْءِ؛ لأنه مأخوذٌ من التَّضَامِّ،
[ ١ / ١٩٠ ]
لَفظُ "الطلاقِ" -في العُرفِ- بِإزَالةِ قَيدِ النِّكَاحِ؛ فَصَارَ لَفظُ "الطلاقِ" دَائِرًا بَينَ الْحَقِيقَةِ الْمَرجُوحَةِ وَبَينَ المَجَاز الرَّاجِحِ؛ فَلَا يَنصَرِفُ إِلَى حَقِيقَتِهِ الْمَرْجُوحَةِ إلا بِسَبَبِ النيَّةِ.
[ ١ / ١٩١ ]
فَإِن قالُوا: "وَجَبَ أَلَّا يَنصَرِفَ إِلَى المَجَازِ الرَّاجِحِ، وَهُوَ إزَالةُ قَيدِ النِّكَاحِ إلا بِالنِّيَّةِ؛ وَلَيسَ كَذَلِكَ! ":
قُلْنَا: هُوَ غَيرُ لازِمٍ؛ لأَنَّهُ إِذَا قَال لِمَنكُوحَتِهِ: "أَنتِ طَالِقٌ": فَإنْ عَنَى بِهَذا اللَّفْظِ الْحَقِيقَةَ الْمَرجُوحَةَ -وَهُوَ: إِزَالةُ مُطْلَقِ الْقَيدِ- وَجَبَ أَن يَزُولَ مُسَمَّى القَيدِ، وَإذَا زَال هَذَا المُسَمَّى، فَقَد زَال الْقَيدُ الْمَخْصُوصُ.
وَإِن عَنَى بِهِ: الْمَجَازَ الرَّاجِحَ - فَقَدْ زَال قَيدُ النِّكَاحِ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى كِلا التَّقدِيرَينِ يُفيدُ الزَّوَال- لَا جَرَمَ اسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ، بِخِلافِ الْجانِبِ الآخَرِ؛ لأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَجَازِهِ الرَّاجِحِ- لَمْ يُفِدِ الحُكْمَ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ أَفَادَ؛ فَلَا جَرَمَ افتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّعيِينِ.
===
والتداخُلِ، يقالُ: تَنَاكَحَتِ الأشجَارُ؛ إذا تضامَّت، وتداخَلَت أغصَانُهَا بَعضُها في بعضٍ، وقد استُعمِلَ في "العَقْدِ" الذي هو سَبَبٌ له؛ فكان مجازًا.
وكَثُرَ استعمالُهُ مِنَ الشَّرع فيه، إِلا أنَّه لم يَبلُغ إلى حَدٍّ يكون هو السَابِق إلى الفَهمِ، فإذا أُطلِقَ، لم يتعيَّن للوطء، ولا للعقدِ، إلَّا بقرينةٍ.
قوله: "فإِن قالوا: فوجَب ألَّا يُصرَفَ إلى المجازِ الراجِحِ إلَّا بالنِّيَّةِ"- هذا السؤالُ لازمٌ.
قوله: "إنه غَيرُ لازم؛ لأنَّه إذا قال لمنكوحته: أنتِ طالقٌ؛ فإن عَنَى بهذا اللفظِ الحقيقةَ المرجُوحَةَ، وهي إِزالةُ مُطلَقِ القيدِ -وجَبَ أنْ يَزُولَ مسمَّى القيدِ، وإذا زال هذا المسمَّى فقد زال المسمى المخصُوصُ.
وإن عنى به المجازَ الرَّاجِحَ -فقد زَال قَيدُ النكاحِ، فَلَمَّا كَانَ يفيدُ الزَّوَال على التقديرينِ- استغنى عَنِ النيَّة":
يُقالُ له: الكَلامُ مفْرُوضٌ فيما إِذا ذَكَرَهُ، ولم ينو شيئًا؛ ولا خلاف أَنَّه يُحمَلُ على الطَّلاقِ.
فَقولُهُ: "إِن نوى وإن نوى ". حَيْدٌ عن السُّؤالِ.
[ ١ / ١٩٢ ]