إِذَا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ فِي مَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَينِ، كَانُوا مُطْبِقِينَ عَلَى أَن مَا يُغَايِرُهُمَا بَاطِلٌ؛ لَكِنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ يُغَايرُهُمَا؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ بَاطِلًا.
===
وأما إِلْزَامُ الشافعي المُنَاقَضَةَ: فإنه أثبت العمل بخبر الواحد، والقياس بمثل هذه الحُجَّةِ التي نَصَّ على إِبْطَالِهَا، وقال: لا ينسب إلى سَاكِتٍ قَوْلٌ - فغير لازِم؛ فإن السُّكُوتَ الذي تَمَسَّكَ به الشَّافِعِيُّ مع التكرار، ولم تَزَلِ الصَّحَابَةُ من حين وَفَاةِ رَسُولِ الله - ﷺ - يَحْتَجُّونَ بأخبار الآحَادِ، والأقيسة من غير نَكِيرٍ إلى حين انْقِرَاضِهِمْ، والعادة تَنْفِي جَمِيعَ ما ذكر من الاحْتِمَالاتِ سوى المُوَافَقَةِ والحالة هذه، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
"إذا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ في مَسْأَلَةٍ عَلى قَوْلَينِ، فقد كانوا مُطْبِقِينَ على أن ما يُغَايِرُهما بَاطِلٌ، لكن القَوْلَ الثَّالِثَ يغايرهما؛ فوجب أن يكون بَاطِلًا":
المَذَاهِبُ في هذه المَسْأَلَةِ ثَلاثَةٌ:
الأكثر من الأصوليين، والفقهاء: على أنه لا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قول ثالث؛ قالوا: لأنهم أَجْمَعُوا على الحَصْرِ، فذهولهم عن الحق مع كَثْرَتِهِمْ على مَرِّ الأَيَّام مُحَالٌ؛ لأن فيه تَخْطِئَةَ كُلِّ فريق، وهو تخطِئَةٌ لكل الأُمَّةِ، ولأنه ذَهَبَ الجَمِيعُ عنه؛ فكان خطأ.
وقال أَهْلُ الظَّاهِرِ: يجوز؛ لأنهم أَجْمَعُوا على تَسْويغِ الخِلافِ في المسألة، وفتحوا بابه.
وفَصلَ آخَرُونَ، وقالوا: إن كان القَوْلُ الثالث يَرْفَعُ ما اتُّفِقَ عليه، لم يجز، وإن لم يَرْفَعْ، جاز:
مثال الأول: مصير بعض الصَّحَابَةِ إلى أن الجَدَّ مع الإِخْوَةِ يَرِثُ المَال كله، وقول
[ ٢ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بعضهم: يقاسمهم.
هذا إِجْمَاعٌ منهم على أَصْلِ استحقاق الجَدِّ، فالقَوْل بأن الأَخَ يَأْخُذ المَال كله فيه حِرْمَانٌ للجد، وهو مُجْمع على بُطْلانِه.
ومثال الثاني: قَوْلُ زَيدٍ، وبعض الصحابة في زوج وأَبَوينِ، وزوجة وأبوين: للأم ثُلُث ما يَبْقَى.
وقول ابن عَبَّاس: للأم ثلث الأصل، فقول ابن سِيرِينَ من التابعين بِقَوْلِ، ابن عَبَّاسِ في زَوْجَةٍ وأبوين، وبقول غَيرِهِ في زَوْجٍ وأبوين- لا يكون رافِعًا، بل مُوَافِقًا لكل فَرِيقٍ في صورة.
قال قوم: هذا التَّفْصِيلُ هو الصَّحِيحُ؛ لأن الأول خَالفَ إِجْمَاعًا، فلم يَسُغْ، والثاني لم يُخَالِفْ إجماعًا، فَسَاغَ.
ومما يلتحق بهدا الأَصْلِ، وهو مما يَتَرَدَّدُ في أنه خَرْقُ الإجماع أَوْ لا - مسائل:
الأولى: إذا تَمَسَّكَ أَهْلُ العَصْرِ الأَوَّلِ بدليل، أَوْ صَارُوا إلى تَأْويلٍ، فَصَارَ من بعدهم إلى دَلِيل، أو تَأْويل غَيرِهِ- فلا يَجُوزُ إِبْطَالُ الأَوَّلِ؛ لأنه مُجَمَعٌ عليه، وأما الثَّانِي فإن كان يرفع الأَوَّلَ لم يجز؛ كما لو حَمَلُوا لفظًا مشتركًا على غير ما حَمَلَهُ الأَوَّلُونَ. وإن لم يَرْفَعْ، فالأكْثَرُونَ على جَوَازِهِ؛ لأن النَّاس في كل عَصْرٍ يَسْتَخْرِجُونَ دَلائِلَ واعتراضات من غَيرِ نكير.
واحتج المَانِعُ بأن ذلك غَيرُ سَبِيلِ المؤمنين، وبقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو كان مَعْرُوفًا لأمروا به.
وأُجِيبَ عن الأول: بأن سَبِيلَهُمْ ما نقل عنهم لا ما سَكَتوا عَنْهُ.
وعن الثَّانِي: بأنه مُعَارَضٌ بقوله تَعَالى: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو كان مُنْكَرًا لنهوا عنه.
المسألة الثانية: الفَصْلُ بين مَسْأَلَتَينِ لم تَفْصِلِ الأُمَّةُ بينهما، إن عمَّهما حُكْمٌ وَاحِدٌ، أو
[ ٢ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مَأْخَذٌ واحد -لم يَجُزْ، وإلَّا جَازَ، مثال الأول: تَحْرِيمُ الجمهورِ، فتحليل البَعْضِ خرق للإجماع، وهذا واضح.
ومثال الثاني: قول البعض مثلًا بِإِرْثِ إحداهما دون الأُخْرَى يَكُونُ خَرْقًا؛ لأنهم أَجْمَعُوا على التَّسْويَةِ بينهما في المَأْخَذِ، وإنما اخْتَلَفُوا في تعيين حكمهما.
ومثال الثالث: قَوْلُ فَرِيقٍ: لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يَصِحُّ بيع الغائب، كالشافعية مثلًا، وقول فريق: يقتل به ويصح، كالحَنَفِيَّةِ مثلًا- فقول الثالث: يقتُل، ولا يصح، لا يَكُونُ
[ ٢ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خَرْقًا، بل يكون مُوَافِقًا لكل فَرِيقٍ في مسألة؛ إذ لم يجمعهما حُكْمٌ ولا مأخذ واحد.
المسألة الثالثة: إذا أَجْمَعَ العَصْرُ الأول على قَوْلَينِ، ثم أجمع العَصْرُ الثاني على أحدهما - فهل يحرم الخِلافُ بعده، والأخذ بالقَوْلِ الأَوَّلِ:
قال قوم: لا يَجُوز؛ لأن الثَّانِي صَارَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ، ومنع بأنهم لَيسُوا كُلَّ المُؤْمِنِينَ بالنسبة إلى المَسْأَلَةِ، والقَوْلُ يَمُوتُ بِمَوْتِ قائله.
وقال الشافعي، والقَاضِي: يجوز؛ لأن الأَوَّلِينَ أَجْمَعُوا على تَسويغِ الخِلافِ، أما أهل
[ ٢ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العَصْرِ الأول إذا رَجَعُوا إلى أَحَدِ القولين، فإن كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الخِلافِ، كان حجة. وإن رَجَعْوا بعد اسْتِقْرَارِ الخِلافِ، فمن اعتبر انْقِرَاضَ العَصْرِ جَوَّزَ وُقُوعَهُ، وقال: هو حُجَّةٌ. ومن لم يَعْتَبِرْهُ فمنهم من مَنَعَ وْقُوعَهُ، والحق أنه بَعِيدٌ، إلَّا أن تكون الفرْقَةُ الراجعة قليلة؛ لأن الرجوع من الجَمْعِ الكثير إنما يكون لظهور خَبَرٍ قَاطِعٍ، أو قياس جلي، وفَرْضُ ذُهْولِ العَدَدِ الكثير عنه بَعِيدٌ في العادة، والمُجَوِّزُونَ لِتَصَوُّرِ وقوعه اختلفوا فيه.
واحتج المَانِعُ بأنه يَلْزَمُ تَعَارُضُ الإجماعين، ويلزم الاتفاق على الخَطَأ.
وأجيب: بأن الإجماع الأَوَّلَ مَشْرُوطٌ بعدم الوُقُوفِ على قَاطِعٍ، ولا يقال: فيلزم مثله في كل إِجْمَاع؛ لأن الإجماع القاطع منع منه.
خاتمة: إِنْكَارُ الإجْمَاعِ الظَّنِّي لا يُوجِبُ التَّكفِيرَ، وأما القَطْعيُّ فَكَفَّرَ به بَعْضُهُمْ، والتحقيق أن المتفق على ما يُكَفَّر به ثلاثة أمور:
الأول: ما يكون نَفْسُ اعْتِقَادِهِ كفرًا؛ كاعتقاد أن صَانِعَ العَالمِ عِلَّةٌ، أو طبيعة.
الثاني: ما تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنه ما يَصْدُرُ إلا من كَافِرٍ؛ كإلقاء المُصْحَفِ في القَاذُورَاتِ.
الثالث: إِنْكَارُ ما عُلِمَ كَوْنُهُ من الدِّينِ ضَرُورَة من غَيرِ عُذْرٍ؛ كإنكار من لَيسَ قَرِيبَ العَهْدِ بالإسلام- وُجُوبَ الصَّلاةِ، وإنكار الإِجْمَاعِ القاطع من هذَا القِسْمِ.
أما التَّكْفِيرُ بالمآل فاختلف فيه: فَذَهَبَ الأَشْعَرِيَّة إليه، وخالفه غيرهم، وإلى هذا مَيلُ الشافعي؛ فإنه قَال بِقَبُولِ شَهَادَةِ المبتدعة، إلا الخطابية.
وسئل مَالِكٌ عن القدري فقال مرة: كافر يُقتَلُ وقال مرة: يُضْرَبُ ويُحْبَسُ حتى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وفرق بين تكذيب الله -تعالى- والكذب عليه، والأَوَّلُ يكفر به بالاتفاق، والثاني مُخْتَلَفٌ فيه.
[ ٢ / ١٢٨ ]