فِي الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ:
===
يُوجِبْ فيهِ مَا زادَ عَلى مقدار دِيَةِ الحُرِّ، وَأَوْجَبَ نِصْفَ دينارٍ أَوْ عَشرَةَ دَرَاهِمَ، وَهُوَ نصابُ السَّرِقَةِ عِنْدَهُ الذِي لا يُقطَعُ فِي دُونِهِ؛ ليتَميَّزَ الحُرُّ عَنِ العبدِ بِما لَهُ اعتبارٌ شَرْعًا.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الأَوَّلُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ فِي الْمَحَلِّ مَا عُلِمَ كَوْنُهُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ -كَانَ
===
وَإِذَا فهمْتَ مَعْنَى الشَّبَه، وَأَنَّه درجةٌ بينَ المُخِيلِ وَالطَّرْدِ، وَأَنَّه يُشْبِهُ المناسِبَ المُخِيلَ مِنْ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
ذلِكَ دَلِيلًا عَلَى امْتِنَاعِ إِسْنَادِهِ إِلَى وَصْفٍ سِوَاهُ.
===
حيثُ إِنَّ رَبْطَ الحكمِ بِهِ يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً عَلَى الجملةِ فُهِمَت مِنْ مقصودِ الشرع، وأَنَّهُ يُشْبِهُ الطَّرْدَ مِنْ حيثُ إِنَّه لَمْ يُطَّلَعْ فِيه عَلَى عَينِ تِلْكَ الحكْمَةِ-: فَقَدِ اخْتَلَفَ، النُّظَّارُ فِي قَبُولِهِ: فرآهُ الشَّافِعِيُّ -﵁- وَأصْحَابُهُ خَلا أَبا إِسْحَاقَ المَرْوَزِيَّ، وَردَّهُ الدَّبُّوسِيُّ وأكْثَرُ أَصحابِ أبِي حنيفةَ.
وَتَردَّدَ فيهِ القاضي فقبلَهُ مرةً وَرَدَّهُ أخرى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اعتبارِهِ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الحُكْمَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وَأَنَّ عِلَّتَهُ لَا تَعْدُوا أَوْصَافَ مَحَلِّهِ، وَإِذَا لَمْ يوجدْ فِي المحلِّ مِثلُهُ وَلَا ما هو أَوْلَى مِنْهُ- غلب على الظَّنِّ أَنَّهُ العِلَّةُ. وَقَدْ اعْتَمَدَ القائِلُونَ بِهِ أيضًا على مُناظرات صَحْبِ رسولِ الله - ﷺ - في المواريثِ وغيرِهَا؛ فَإِنَّها تدورُ على
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الثَّانِي: النَّقْضُ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ ذلِكَ الْوَصْفُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مَعَ عَدَمِ الْحُكمِ:
===
مَحْضِ الشَّبَهِ.
قَالُوا: وَإِذَا تَصَفَّحْنَا فتَاوَى الصحابة وَأَقْضِيَتَهُمْ فِيما اعْتَمدُوا فِيهِ على الرَّأْيِ، وَجدنَا المُنَاسبَ لا يفِي بِها، وَقَد بَطَلَ الجميع بالطَّرْدِ؛ فإِنه تحكُّمٌ في الدِّينِ لاستواءِ النِّسْبَةِ في ثبوتِ الحُكْمِ إِلَيهِ وَنَفْيِهِ، وَالتَّحكُّمُ فِي الدِّين باطلٌ بالإِجْمَاعِ؛ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُم إِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلى الشَّبَهِ؛ لانحصارِ الأَوْصَافِ فِي الثلاثةِ.
وَاحْتَجَّ الرَّادُّونَ لَهُ: بأنَّ الوَصْفَ إمَّا أنْ يُنَاسِبَ أَوْ لَا، ولا واسطةَ: وَالأَوَّلُ: المُخِيلُ، والثانِي: الطَّرْدُ.
وَأُجِيبَ: بِالاسْتِفْسَارِ، فقيل: مَا تعْنُونَ بالمناسب المُخِيلِ؟ أَتَعْنُونَ بهِ: مَا يتضمنُ مَصلحةً فِي نَفْسِهِ أَو مَا ظهرَتْ مَصْلَحَتُهُ؟: فَإِنْ فَسَّرتُمُ المنَاسِبَ بِالأَوَّلِ، فنحنُ نُسَلِّمُ أَنَّ مقابِلَهُ هُوَ الطردُ، لَكِنْ ما سَمَّيتُمُوهُ مُنَاسِبًا يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَظْهَرُ لَنَا مصلحتُهُ، وَإِلَى مَا لَا يَظْهَرُ: وَالأَوَّلُ عِنْدَنا: هُوَ المُخِيلُ، والثاني: الشَّبَهُ، وَإِنْ فسَّرتُمُ المُنَاسِبَ المُخِيلَ بما ظهرَ لَنَا مَصْلَحَتُهُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ما يُقَابِلُهُ هُوَ الطَّرْدُ، بَل مَا يقابِلُهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ما [تكونُ] نِسْبَةُ ثُبُوت الحكم إليهِ وَنَفْيهُ عَلى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَإِلَى ما تكونُ نسبةُ ثُبُوتِ الحكمِ إِلَيهِ أَرْجَحَ فِي الظنونِ، والأَولُّ عِنْدَنَا: هوَ الطَّردُ، وَالثانِي: الشَّبَهُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَصَوُّرُهُ، وَأَنَّه حُجَّةٌ -فَالشَّبَهُ تارةً يُعْرَفُ بكثرةِ الأحكام، كَمَا مَثَّلَهُ المُصَنِّفُ، وَتارةً يُعْرَفُ بالخِلْقَةِ؛ كَمَا مَثَّلْنَاهُ، وَتارةً يُعْرَفُ بِالاشْتِراكِ في الخاصِّيَّةِ كإِلحاق الأقواتِ بالبُرِّ والشَّعيرِ في الرِّبا، وإلحاقِ ما يتفكَّهُ بِهِ تارةً، وَقَدْ يُقْتَاتُ بهِ تارةً، ويُؤْتَدَمُ بهِ أخرى؛ كالتِّينِ وَالتَّمْرِ، وإِلْحَاق مَا يُسْتَعْمَلُ للتَّدَاوي وَإصلاحِ القُوتِ بالملحِ.
وَمِمَّا يَشْتَرِكانِ فِي الخَاصيةِ قولُ الشَّافِعيُّ -﵀- فِي الجمعِ بَينَ الوضوءِ وَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ، فكيفَ يفترقانِ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمَا شُرِعَا لِمَقْصُودٍ وَاحدٍ؛ فإنَّه لا يَسْتَمِرُّ عَلى السيرِ فِي الوَضوءِ مَقْصُودٌ عاجلٌ، وغايةُ ما يلوحُ فِيهِ الوضاءةُ والنظافةُ عِنْدَ الإقبال عَلَى مُنَاجَاةِ الله تَعَالى، إِلَّا أَنَّ هذَا المعنى ينخرم بمَنْ خرَجَ مِنَ الحمَّام عَلى أَكْمَلِ حالةٍ مِنَ النَّظافَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَلَمْ يَجِدْ إِلَّا ماءً مُتَغَيِّرًا بالطُّحْلُب فإنَّه يَجِبُ عليهِ اسْتِعْمَالُهُ، وَيُشْكلُ بِإِقَامةِ التُّرَابِ بَدَلًا عنْهُ، وَالبَدَلُ هُوَ الذِي يقومُ مَقَامَ المُبْدَلَ فِي المقصودِ مِنْهُ، وَلَوْ على قصورٍ، وَهذَا ضِدُّ المقصودِ في الوَضَاءةِ وَالنظافةِ، وَإِذَا لَمْ يَلُحْ فِيهِ غَرضٌ عاجلٌ؛ فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ المقصودِ مِنْهُ إِلَى أمرٍ آجِل، وَالمقصودُ الآجِلُ: هُو الثوابُ، وحُصُولُ الثوابِ مَنُوطٌ بِقَصْدِ التعبُّدِ، وَقَدْ وَقَعَ الإِجماعُ عَلى اعْتِبَارِهِ فِي التَّيمُّمِ فَيغلِبُ على الظَّنِّ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ.
ثُمَّ شَرْطُ التعليلِ بالشَّبَهِ وَاعتبارِهِ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارَ تَأْثِيرٍ لَا مُلاءَمَةٍ- وعَدَمُ المناسِبِ وَمَا هوَ مِثْلُهُ أَوْ أَوْلَى؛ فَلَا يُعرفُ ذلِكَ إِلا بالسَّبرِ، وَاشْتراطُهُ فِيهِ وَفِي المخيل إنّما يكونُ شَرْطًا لاسْتِقْلالِهِ علةً لا فِي أصلِ اعْتِبَارِهِ، وَقَد يستقلُّ السَّبْرُ والتقسيمُ بِأَصْلِ الاعتبارِ؛ فَيُعَدُّ مِنْ مَسَالِكِ التعليلِ
[ ٢ / ٣٧٠ ]
قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ هذَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ عِلَّةً؛ وَهُوَ قَوْلُ الْمُنْكِرِينَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
===
وَمَعْنى السَّبْر؛ في اللُّغَةِ الاخْتبَارُ، وَمَعْنَى التقسيمِ: الإفراز.
وَهُوَ فِي الاصْطِلاح كَذلِكَ، إِلا أَنَّهُ خُصَّ بِاعتبارٍ خاصٍّ، وَهُوَ أنْ يَخْتَبِرَ النَّاظِرُ أَوْصافَ المَحَلِّ ويفرز مَا يصلحُ للتَّعْلِيلِ بإِبْطَالِ مَا عَدَاهُ، وَاعْتمادُ الدلالةِ فيهِ عَلى رُكْنَينِ: الحَصْرُ، وَالإبْطَالُ، فَإِنْ كانَ الحَصْرُ فِيهِ قطعيًّا بأَنْ كان دَائِرًا بينَ النَّفْي وَالإِثْباتِ، وَكَانَ دليلُ الإبطالِ قَطْعَيًّا، وَكَانَ الحكمُ فِي الأصلِ مُجْمَعًا عَلَى تعليلِهِ في الجملةِ -ثَبَتَ التعليلُ قَطْعًا، وَلَا خَفَاءَ بصحَّةِ هَذا إِنْ أمكنَ، وَلَكِنَّهُ عَزِيزٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَ الحصرُ ظاهِرًا، وَالإبطالُ ظاهرًا، أَو أحدُهُما- فَهُوَ ظَنِّيٌّ، وَالرُّكْنُ الأَوَّلُ مَحَلٌّ للشَّغْبِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّظَّارُ فِيهِ:
فَقَال قَوْمٌ: هُوَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا للناظرِ وَالمناظرِ، وهُوَ الأظهرُ؛ لأَنَّه يَغْلبُ عَلَى الظَّنِّ.
وَقَال قومٌ: لَا يكونُ حجِةً مُطْلَقًا، وَهُوَ بعيدٌ؛ لِمَا تقدَّمَ تقريرُهُ، وَهُوَ أَنَّ الحُكْمَ لَا يَخْلو عَنْ عِلَّةٍ غَالِبًا، وأَنَّ عِلَّتَهُ لَا تَعْدُو أَوْصَافَ محلِّهِ، وَإِذَا ظَهَرَ بُطْلان مَا سِوَاهُ فَيَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّه هُوَ العِلَّةُ؛ لأَنَّا بَينَ أُمورٍ ثَلاثَةٍ: إِمَّا أنْ نقولَ: إِنَّه لا علةَ للحُكْم، وَهُوَ خِلافُ الأَصلِ، أو العلَّةُ أَمْرٌ لمْ يُطَّلَعْ عَلَيهِ، وَهُوَ خِلافُ الظَّاهِرِ؛ فَيَتَعَيَّنُ الثالِثُ؛ وَهُوَ أَنَّ العِلَّةَ هُوَ المُسْتَبْقَى. وَإِذَا عُورِضَ بأَنَّه لَوْ كَانَ فيهِ مصلحةٌ، لاطَّلَعَ عَلَيها -رُجِّحَ السَّبر الأَوَّلُ بأنَّ جِنْسَ المصالحِ مِمَّا لَا يَخْفَى؛ بِخلافِ الأَوْصَافِ.
وَشَرَطَ الإمَامُ فِي كوْنِهِ حجةً: انعقادَ الإجماع عَلى تعليلِ الحُكمِ فِي الأَصْلِ عَلى الجملةِ؛ فإنَّ الاحتمال أَنْ يكونَ تعبدا، وَمَا ذَكَرَهُ محتمَلٌ، إِلا أَنَّه خلافُ الأصلِ؛ عَلى مَا مَهَّدْنَاهُ؛ فَإِلحاقُ هذَا الفردِ بالأَعَمِّ الأَغْلَبِ أَقْرَبُ مِنْ إلحاقِهِ بالأَشدِّ الأَنْدَرِ، وَقَدْ رَدَّ الشَّارعُ إلى الأغلب حيثُ قال للمُسْتَحاضَةِ: "تحيضي فِي عِلْمِ الله تعالى سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؛ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ
[ ٢ / ٣٧١ ]
وَقَال آخَرُونَ: إِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، إلا بشَرْطِ أَنْ يُوجَدَ -هُنَاكَ- مَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ مَانِعًا مِنَ الحُكمِ.
وَقَال الْقَائِلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ لَا يَقْدَحُ أَصْلًا، سَوَاءٌ حَصَلَ هُنَاكَ مَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ مَانِعًا مِنَ الْحُكْم أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
===
وَيَطْهُرَنَ، لمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ".
وَفَرَّقُ آخَرُونَ فَقَالوا: هُوَ حُجَّةٌ للنَّاظِرِ دُونَ المُنَاظِرِ، وإلَيهِ مَيلُ الآمِدِي، فإِنَّ المُسْتَدِلَّ إذَا بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ وَصْفٍ زائدٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ المسْتَبقَى سَاقِطٌ عَن درجةِ الاعْتبار- أحَسَّ مِنْ نَفْسِه بَغَلَبَة الظَّنِّ بالعدم، وَأَنَّ المستبقَى عِلَّةٌ.
أَمَّا الخَصْمُ فَيقولُ -بعدَ أَنْ يُسَلِّمَ أنَّ خَصْمَهُ بَحَثَ وسَبَرَ وَلَمْ يَجِدْ، وَيُصَدِّقَهُ فِي جميعِ مَا ادَّعاهُ؛ فإنَّهُ لا يسمع منهُ منعه لذلك؛ فَإنَّ مَنْعَ ذلِكَ مَحْضُ السَّفَه، وَلَا يسمع فِي المناظراتِ؛ فيساعدُهُ عَلَى ذلِكَ ظَنٌّ بِالعَدَمِ، لا عَدَمُ ظَنٍّ- فيقولُ لَهُ: إنَّ بَحْثَكَ وَسَبْرَكَ يَختَصُّ بِكَ، فيغلِبُ عَلى ظَنِّكَ، وَأَنْتَ فِي هذَا المَقَامِ مستلزم إِظهارِ مَا يَغْلِبُ عَلى خَصْمِكَ، لينقادَ إلى مَذْهَبكَ، فَكَيفَ يقبلُ مَنْكَ بمجرَّدِ التَّقْلِيدِ؟
وَأَجابَ المُعَمِّمُونَ: بِأَنَّه يَقُولُ له: قَد أَرْشَدتُكَ إلَى الجهةِ التِي غَلَبَت على ظَنِّي، وأنَّ الأَوصافَ الَّتِي يمكنُ دَعْوَى علِّيَّتِهَا هِيَ مجموعُ مَا ذَكَرْتُهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا؛ كَقَولِهِ "علة الرِّبا إِمَّا الطَّعْمُ فِي الجِنْسِ، أَو التَّقْدير، وَهُوَ الكَيلُ وَالوَزْنُ فِي الجنْسِ، أَو القُوت فِي الجِنْسِ، أو الماليةِ، أَوْ ما يتركَّبُ؛ مِن ذلِكَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ احتمالٌ آخرُ فَأبْرِزْهُ، واحْذَرْ مِن كِتْمانِ عِلْم مَسَّتِ الحاجةُ إِلَى إِظْهَارِهِ" فَإنْ أَبْدَى المعترضُ وصَفًا زَائِدًا، فلا يُكَلَّفُ بَيانَ صلاحيته للتَعْليلِ؛ فإنَّ المستَدِلَّ لَمْ يعتمد فِي صلاحيةِ مَا ادَّعَاهُ إلا بإبطال مَا عَدَاهُ، وَهذَا يحْرِمُ دَلِيلَهُ، وَلَا يكونُ المستَدِلُّ مُنْقَطِعًا بمجرَّدِ إِظهارِه مَا لَمْ يعجزْ عَن إبْطَالِهِ؛ فَإنَّهُ إِنَّما ادَّعَى العَدَمَ ظَاهِرًا، أَو اسْتِصْحابًا لِعَدَم مَا سِوَى المذكورِ.
وَقَدْ يتفقُ الخصمانِ عَلى إِبْطالِ مَا عدا الوَصْفَينِ، فَيَكْفِي المُسْتَدِلَّ الترديدُ بَينَ عِلَّتِهِ وَعِلَّةِ خَصْمِهِ فقط؛ اكتِفاءً بالاتِّفاقِ مِنْهُما عَلى إبطالِ ما سِواهُما؛ فتبطلُ علَّةُ خَصْمِهِ فَقَطْ، فتصح عِلَّتُهُ، كَما لَوْ وَقَع الخلافُ مَعَ الحَنَفِيِّ، فَيقولُ الشَّافعيُّ: العِلَّةُ مَّا الطَّعْم فِي الجِنْسِ، أو التَّقْدِيرِ، وَهُو
[ ٢ / ٣٧٢ ]
حُجَّةُ الْقَائِلِ الأَوَّلِ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ كَوْنَ ذلِكَ الْوَصْفِ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيثُ هُوَ هُوَ مِنْ غَيرِ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حُصُولِ التَّأثِيرِ قَيدٌ سِوَاهُ، أَوْ لَا بُدَّ مَعَ ذلِكَ الْوَصْفِ مِن قَيدٍ آخَرَ:
===
الكَيلُ والوَزْنُ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا علي إِسلام الذَّهَب والدراهم فِي الموزوناتِ وَالمَكيلاتِ، وَلَوْ جَمَعَتْهما علَّةٌ واحدةٌ؛ لمَا جَازَ إسْلام أحَدِهِمَا فِي الآخَرِ، ومَعَ المَالِكِيِّ فَيقولُ: لَوْ كَانَ القُوتُ هُوَ العِلَّةَ، لَما حُرِّمَ التفاضُلُ فِي المِلْح بِالمِلْحِ، فإِنْ قال: العلَّةُ القوتُ أَوْ مَا يصلحُ للقوتِ أُبْطِلَ عَلَيهِ بالحَطَبِ، فَإذَا ثَبَتَ الحصْرُ: إِمَّا قَطعًا أَوْ ظَاهِرًا، فَطِريقُ الإبطالِ -وَهُوَ الركنُ الثانِي- بأَحَدِ أمورٍ ثلاثة: إِمَّا بَبَيانِ أَنَّ الوصفَ طَرْدٌ محضٌ بالنسبةِ إلَى جَميعِ الأحكامِ: كَالسوادِ وَالبَياضِ، أَوْ أَنَّه طَرْد بالنسبةِ إِلى الحُكْم المنازع فِيهِ؛ كالذكورةِ والأنُوثةِ بالنسبةِ إِلى العِتْقِ مثلًا، أَوْ يُبَيِّنَ إلْغَاءَهُ، وَإِنْ كانَ مُنَاسبًا باسَتقلالِ المسْتَبقَى دونَهُ فِي صورةٍ مُجْمِع عَلَيها، أَوْ يرجَّح التعليلُ بالمستبقى عَلى المحذوفِ.
وَمِنْ مَسَالِكِ التعليلِ: "لا فَارِقَ"، وَهُوَ المُكْمِلُ للمسالِكِ التسْعَةِ، وَينْقَسِمُ إِلى قطعي وظَنِّيٍّ:
فَالقطعيُّ: كإلحاقِ الأَمَةِ بالعَبْدِ فِي السَرَايَةِ، وإلحاقِ صَبِّ البَوْلِ منَ الكُوزِ فِي الماءِ الراكدِ بالبَوْلِ فِيه، وهذَا هُوَ الملقَّبُ بالقياسِ فِي مَعْنى الأصلِ عندَ الجمهورِ.
والظنيُّ راجعٌ عند التحقيق إِلَى ضَرْبٍ من الشَّبَهِ، وكذلك الدوران والسَّير؛ فإنَّ الجميع يغلب على الظنِّ من حيث الجملةُ ولا يشير إِلَى تَعْيينِ جهة الصَّلاحَ، وهو الشَّبَه نَفْسُه، وإِنَّما خصوا كلَّ واحدٍ منهما باسْم خاصٍّ؛ لاختلافِ النُّظَّار فِي بعضِها، ولأَنَّ الاسْمَ يتبع أَبدًا الأَخصَّ؛ فإن المخِيل أشدُّ اقتضاءً لمشابهة الفرْعِ الأَصْل؛ فيختصُّ باسْمِ المُخِيل؛ لاشتماله علَى خصوصٍ، واكْتُفِيَ بِالاسم الأعَمِّ، فقيل: شبه. ووجه دلالة "لا فارق"؛ أنَّه إذا لم يفارق الفرْعُ الأَصْلَ إلا فيما لا يؤثِّر، فيتعيَّن اشتراكُهما فِي المؤثِّر، وهو إما جميعُ المستَبْقَى أو بَعْضُهُ، وأيّا ما كان فيلزَمُ من ثبوتِ الحُكْمِ فِي الأصْلِ ثبوتُهُ فِي الفَرْعِ.
وأما وجْهُ حَصْرِ مسالِكِ التعليل فِي التسْعَةِ المذكورةِ؛ فنقول: كُلُّ ما تُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ شرعًا، فلا يخلو: إما أنْ يَتَّفقَ عليه عُلَمَاءُ عَصْر من الأعْصَارِ أو لا:
والأول: الإجماع، والثاني: لا يخلو: إما أن يوجَدَ فيه منقولٌ من الشرْعِ، أَوْ لَا: فَإنْ
[ ٢ / ٣٧٣ ]
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل، وَجَبَ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ مَتَى حَصَلَ ذلِكَ الْوَصْفُ -فَقَدْ حَصَلَ ذلِكَ
===
وُجِدَ، فلا يخلُو: إِما أن يُشعَرَ به صريحًا أو لا:
والثاني: الإيماء، والأول لا يخلُو: إما أن يحتملَ غَيرَ التعليلِ، أوْ لا:
والثاني: النَّصُّ، والأول لا يخلُو: إما أن يُصْرَفَ عن حقيقته أو لا:
والثاني: الظاهر، والأول إما أن يصرف على وجه تنص دلالتُهُ على التعليلِ أَوْ لَا:
والثاني: ليس مِن مسالِكِ التعليلِ فِي شيءٍ، والأول: التنقيحُ. هذا كُلُّه إذا وُجدَ فيه نَقْلٌ من جهة الشَّرْعِ.
فإن لم يوجَدْ، فلا يخلو: إما أن يقترن الحُكْمُ به فِي صُورَةٍ أَوْ لَا: فإن لم يقترنْ: فهو إمَّا المُرْسَلُ؛ إن ناسب ولم يَقُمْ دليلٌ على اعتباره، أو الطَّرْدُ؛ إن كان لم يناسب فهو باطلٌ.
وإن اقترن به الحكْمُ فِي صورةٍ، فلا يخلو: إما أن تتعيَّن العلة بإبطالِ ما عَدَاهُ أَوْ لا: فإن عُيِّنَتِ العلَّة بإبطال ما عداه: فلا يخلو إما أن يتعيَّن الوصْفُ فِي نفسِهِ أوْ لا: فإنْ تَعَيَّن، فهو السَّبر، وإن لم يتعيَّن، فهو نَفْيُ الفارِقِ.
وإن لم يتعيَّنْ بإبطالِ ما عَدَاهُ: فلا يخلُو: إما أن يَلْزَمَ مِنْ رَبْطِ الحُكْمِ به مصلَحَةٌ أوْ لا: الثاني: الطرد، ولا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ نِسْبَةَ ثبوتِ الحُكْمِ إلَيهِ ونَفْيهِ على حدٍّ سواءٍ؛ فإثباتُ الحُكْمِ به تحكُّمٌ، والتحكُّم فِي الدِّين باطلٌ بالإجماعِ.
وإن لَزِمَ مِنْ رَبْط الحُكْم به مصلحةٌ: فلا يخلو إما أنْ يتعيَّن فيه جهةُ الصَّلاح أوْ لَا: الأول: المُنَاسِبُ، والثاني: الشَّبَهُ.
هذا طريقُ الحَصْرِ من حيثُ التفصيلُ؛ فقد تبين لَكَ انْدِرَاجُ السَّبْر، ونَفْي الفارِقِ والدَّوَرَانِ تحت الشبه، واندراجُ الشَّبَهِ والمُخِيل تحتَ العِلَّةِ المستَنْبَطَةِ، واجتماعُ النصِّ والظَّاهِرِ والإيماءِ والتنقيحِ تَحْتَ المنقولِ؛ فإذنْ دَلِيلُ العِلِّيَّةِ من حيثُ الجُمْلَةُ: إما إجماعٌ، أو منقولٌ، أو معقولٌ.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الحُكْمُ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ مَا عَدَا ذلِكَ الْوَصْف عَن ذلِكَ الحُكْمِ.
وَإِنْ تَوَقَّفَ تَأْثِيرُ ذلِكَ الْوَصْفِ فِي ذلِكَ الْحُكمِ عَلَى انْضِمَامِ قَيدٍ آخَرَ إِلَيهِ- كَانَ الْمُؤَثِّرُ هُوَ ذلِكَ الْوَصْفَ مَعَ ذلِكَ الْقَيدِ، وَذلِكَ يَقْدَحُ فِي قَوْلِنَا: إِنَّ ذلِكَ الْوَصْفَ هُوَ الْعِلَّةُ.
فَإنْ قَالُوا: إِنَّ ذلِكَ الْقَيدَ قَد يَكُونُ عَدَمًا، فَكَيفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ جُزءًا مِنَ العِلَّةِ؟:
فَنَقُولُ: ذلِكَ الْعَدَمُ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ قَيدٍ وُجُودِيٍّ؛ لِيُضَافَ إِلَى الْوَصْفِ الأَوَّلِ؛ حَتَّى يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مُؤَثرًا فِي الحُكْمِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هذَا وَصْفٌ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْوفَاقِ مَعَ الْحُكمِ، وَالْمَعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَحَصَلَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ، وَذلِكَ يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ؛ فَلَمْ يَكُنْ
===
ومِنْ تَمَام هذه القَاعِدَةِ الإشَارَةُ إِلَى إبطالِ طُرُقٍ مَوْهُومَةٍ تَمَسَّكَ بها من ادَّعَى كَوْنَ الوصْفِ علَّةً: منها: مجَرَّدُ الاطِّرادِ، وليس بحجَّةٍ؛ لأن حاصلَهُ السَّلَامَةُ عن قادِحٍ واحدٍ، ولو سلم الوصفُ عن جميع القوادِح، لَمْ يكُنْ فِي نَفْسِهِ عِلَّةً؛ فإنَّ الشَّيءَ إنَّما يثبُتُ لِوُجُودِ مُثْبتِهِ لا لانتفاءِ مُبْطِلِهِ.
ومنها: قولُهم: عَجْزُكَ عن الاعتراضِ عَلَيهِ دليلٌ علَى صِحَّتِهِ؛ كالمعجزة، وهذا معارَضٌ بأن يُقَال: عَجْزُكَ عن إقامَةِ الدَّليلِ علَى صِحَّتِهِ دليلٌ علَى بطلانِهِ، والعَجْزُ فِي المعجزةِ لا يكفي ما لَمْ ينضمَّ إليه وقوعُ الخَارِقِ المُوَافِقِ لتحدِّي الرسول - ﷺ -، ثم العجْز المُعْتَبَرُ فيه عَجْزُ كافَّةِ من تحدَّى به علَيهم مِن أهْلِ ذلك الشأنِ؛ فيتحدَّى بالبلاغةِ والفَصَاحَةِ على البُلَغَاءِ والفصحاء، وتقلب العصا ثُعْبَانًا عَلَى السَّحَرَةِ، وبإحْيَاءِ الموتى وإبراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ على الأَطِبَّاءِ.
خَاتِمَةٌ
قَد زعَمَ بعْضُ النُّظَّار أَنَّ مما يُطَالبُ به المُعَلِّلُ أَوَّلًا إقامَةَ الدليلِ علَى أنَّ هذا الحكْمَ معلَّلٌ، وهذه الطَّلِبَةَ لا وجْهَ لها؛ فإنه إذا طُولِبَ بإثْبَاتِ العِلَّةِ الخاصَّة، ففي ضِمْنها طَلَبُ أصل التعْلِيلِ، وإذا ثَبَتَ دليلٌ على التعليلِ بالعلَّةِ الخَاصَّة، فقد أثبت أصْل التَّعْلِيلِ؛ فما أبداه دليلُ الأمرَينِ معًا؛ لاستلزام الأخَصِّ الأعمَّ.
وإذا عرفْتَ انحصار مَسَالِكِ التعْلِيلِ جملةً وتفصيلًا، فالاعتراضُ عليها يقَعُ عَامًّا وخَاصًّا: فالخاصُّ ما يخص كُلَّ مسلَكٍ:
والإجماعُ إن كان قطعيًّا نوزع فِي تواتُرهِ وفي نُصُوصِيَّتِه، بإبداءِ احتمالٍ، وإن كان ظَنِّيًّا، فالمطالبة بسنده، ويكْفيه فِي جوابه الإعْزَاءُ إِلى كتاب مشهورٍ لإمامٍ، يرجع إليه، ولا يكلَّفُ بالعنعنةِ، أو بالطعن فِي سنده بأنَّ راويَهُ ضعيفٌ أو مجهولٌ أوْ متْرُوك، أو وَضَّاعٌ، أو انقطاعِ سندِهِ.
وأما مِن حيثُ إشعارُهُ: فيمنع ظهور ما ادعى ظهوره ببيان احتمالٍ غَيرِ المُدَّعَى، أو تأويلِهِ.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
الاسْتِدْلَالُ بِحُصُولِ تِلْكَ الْمَعِيَّةِ عَلَى حُصُولِ الْعِلِّيَّةِ- أَوْلَى مِنَ الاسْتِدْلَالِ بِحُصُولِ هذَا التَّخَلُّفِ عَلَى الْقَدْحِ فِي الْعِلِّيَّةِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ هذَا: أنَّ إِحَالةَ عَدَمِ الْحُكمِ عَلَى عَدَمِ الْمُقْتَضِي أَوْلَى مِنْ إحَالتِهِ عَلَى المَانِعِ.