اعْلَمْ: أَنَّ الْمُرَادَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِـ "خَبَرِ الْوَاحِدِ": الْخَبَرُ الَّذِي لا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ.
===
قال الفَخْرُ: وهذا غَلَطٌ؛ فإنَّه يَجُوزُ أن يكون خَبَرَ آحاد، ثم اشتهر؛ بحيث لا يُقْدَرُ على إِخْفَائِهِ، والله أعلم.
[قوله]: "المسألة الرابعة: المراد فِي "أُصُول الفقه" بخبر الوَاحِدِ الذي لا يُفِيدُ العِلْمَ وَاليَقِينَ" يعني: أنَّهم لا يَقْصُرُونَ اسم "الآحَادِ" على ما يَرْويهِ الوَاحِدُ، كما هو حقيقة فيه، بل يريدون به ما لا يُفِيدُ العِلْمَ مع جَوَازِ الصِّدْقِ، وإن كان من عَدَدٍ، ولو أفاد خَبَرُ الوَاحِدِ العِلْمَ بانْضِمَامِ قَرَائِنَ إِلَيهِ، أو بالمعجزة - فليس منه اصْطِلَاحًا، فاصطلاحهم على خِلَافِ اللُّغَةِ طردًا وعكسًا، والمشهور انْقِسَامُ الخَبَرِ إِلَى قِسْمَينِ: متواتر وآحَاد.
وقال الأستاذ أبو إسْحَاقَ، وابن فورك، وجماعة:
الخبر ينقسم إِلَى ثَلاثةِ أقسام: متواتر، وآحاد، ومستفيض، وميزوا التَّوَاتُرَ بخبر جَمَاعَةٍ يفيد العِلْمَ ضَرُورَةً، والآحاد بما يفيد الظَّنَّ، والمستفيض بما أَفَادَ العِلْم بمخبره نَظَرًا، ومثلوه بما تَتَلقَّاهُ الأمة بالقَبُولِ، أو تعمل بمُقْتَضَاهُ؛ كقوله - ﵇ -: "فِي الرقة ربع العشر"، و"لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وخَالتِهَا".
[ ٢ / ١٦٧ ]
وَمَذهَبُ الجمهُور: أنَّ العَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ في الجُملَةِ خِلافًا لِقَوْمٍ.
===
وأنكره الإِمَامُ والغزالي، وقالا: ما لم يَتَوَاتَر، فيتصور فيه التوَاطُؤُ والغَلَط، وهذا منهما نِزَاعٌ في تَصَوُّرِهِ، والحق أنه لا يَمتَنِعُ تَصَورهُ في بعض الوَقَائِعِ، وإذا قيدوا المُتَوَاتِرَ بما أَفَادَ العِلمَ الضروري- بَقِيَ بَعضُ الصور التي يَحْصُلُ العلم بِصِدقِ خبرهم نظرًا؛ فيحتاج إلى تَميِيزِهِ باسم.
ومن الناس من قَال: المستفيض ما زاد ناقلوه على ثلاثة.
ومنهم من قال: المستفِيضُ ما يَعدهُ الناسُ شَائِعًا، وهؤلاء خَصوا بعض الآحَادِ باسم؛ لاشتماله على مَزِية، فالنزاع معهم يكون لفظيًّا.
قوله: "ومَذهَبُ الجمهور: أن العَمَلَ به وَاجِب في الجملة" يعني: بشرائط يأتي ذِكرُهَا، وإن اختلفوا في تفاصيل.
قوله: "خلافًا لقوم"، وعلى الجملة فقد اختلف الناس في جَوَازِ التَّعَبُّدِ به عَقلًا، فجوزه الجمهور، ومنعه قوم، والمُجوِّزونَ اختَلَفُوا في وقُوعِ التعَبدِ به شَرعا، والمُثبِتُونَ لذلك اتفَقُوا على دلالة السمع عليه. واختَلَفُوا في دَلالةِ العَقل: فذهب ابن سرَيج، والقَفالُ، وأبو الحسين إلى ذلك.
وأما المانعون له عَقلا، فَبَعضُ المبتدعة.
وأما المنكرون لوقوعه شَرعا، فقد اختَلَفوا: فمنهم من قال: لا دَلِيلَ عَلَيهِ، ومنهم من منعه سَمعًا، ويعزى إلى القاشاني، والنفرواني، وأبي بكر بن داودَ مِنَ الظاهِرِيةِ، وبَعضِ الشِّيعَةِ، وساعد الجميع على العَمَلِ بِقَوْلِ المُفتي، والشاهد، وعلى العمل به في الأُمُورِ الدنيوية.
وغلا قَومٌ من المحدثين، فقالوا: يفيد العِلمَ والعمل، وهؤلاء إن أَرَادُوا بالعِلم اليقين، فلا يخفى سُقُوطُهُ؛ فإن الوَاحِدَ يجوز عليه الخَطَأُ، والكَذِبُ. وإن أَطلَقُوا اسم العِلم على الظنِّ فَمَجَازٌ بَعِيدٌ، والمشهور في الاستعمال عكسه؛ قال الله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إِلَيهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
ولا حُجَّةَ لهم في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنه يحتمل علمتم بِنُطقِهن
[ ٢ / ١٧٤ ]
وَاحتجَّ المُثبِتُونَ بِأَشيَاءَ:
الحُجةُ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وَجهُ الاسْتِدلالِ: أَن الفِرقَةَ ثَلاثةٌ، وَالطائِفَةُ مِنَ الفِرقَةِ: إما اثنَانِ وإمَّا واحد، وَقَد أَوْجَبَ الله تَعَالى عَلَى كُل طَائِفَة أن يَتَفَقهُوا في الدِّينِ؛ لِغَرَضِ أن يُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم، ثُمَّ أَوجَبَ عَلَى أُولَئِكَ السامِعِينَ لِتِلْكَ الإِنْذَارَاتِ الحَذَرَ؛ لأَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: كَلِمَةُ رجَاءِ، وَهُوَ عَلَى الله مُحَال؛ فَوَجَبَ حَملُهُ عَلَى الإِيجَابِ.
===
بكلمة الإِيمَانِ، أو علمتم حُكمَ الله -تعالى- عند النطقِ بذلك من جرَيَانِ أَحكَامِ الإيمان عليهن.
قوله: "واحتج المُثبتُونَ بحجج: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَجهُ الاستدلال أن "الفرقة" ثلاثة، والطائفة من الفرقة إما الاثنان أو الواحد، فقد أوجب الله -تعالى- على كُل طَائِفَة أن يَتَفَقهُوا في الدينِ بغرض أن يُنذِرُوا قومَهُم إذا رَجَعُوا إليهم، ثم أوجب على أولئك السَّامِعِينَ لذلك الإنذار الحذر؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ كلمة رجاء وهو على الله محال، فوجب حمله على الإيجاب".
قوله: "أن الفرقة ثلاثة" مُستدرَك؛ فإنه يوهم أنها لا تُطلَقُ إلا على الثلاثةِ، وليس كذلك؛ بل الثلاثة فرقة؛ فإن الفِرقةَ والطائِفَةَ من الناس بعضهم، وبعض الناس يَصدُقُ على الثلاثةِ، والاثنين، والواحد، وإذا صح إِطلاقُ الفِرقَةِ على الثلاثةِ، والطائفة من الفرقة بعضها - تَعَيَّن أن يكون الطائِفَةُ على هذا التقدير فيها اثنين، أو واحدًا كما ذكر.
قوله: "كلمة "لَعَل" لمة رجاء، وهو على الله -تعالى- مُحَال":
يعني: لأنه -تعالى- عَالِم بما سَيَكُونُ.
قوله: "فوجب حَملُهُ على مَجَازِهِ":
يعني: لِتَعَذُّرِ إرادة الحقيقة، فيحمل على ما يَستَلزِمُهُ الرَّجاء من الطلَبِ، ويتعين أن يكون الطلَبُ ها هنا لِلوُجُوبِ؛ لترتبِ الحَذَرِ عليه، وَالحَذَرُ إِنما يَتَحَققُ عِنْدَ سَبَبِ الخَوفِ، وَهُوَ من خَصَائِصِ الوُجُوب.
وَيرِدُ عليهَ أنه لا تَتَغَيَّرُ إِضَافَةُ الرجَاءِ في الآية إلى الله -تعالى- ليجب تأويله وحمله على الطلَبِ، بل جاز أن يُقَال: إِن ذلك حَثٌّ للفرقة النافرة على إنذار قَومِهِم إذا رَجَعُوا إليهم إنذَار من يرجو حذرهم؛ كقوله -تعالى- لمُوسَى وَهَارُونَ -﵉: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] أي: قول من يرجو تَذكُّرَهُ وخَشيَته مع عِلْمِ الله -تعالى- أن فِرعَونَ لا يَتَذَكرُ ولا يَخشَى، فلم قلتم: إن هذا غَيرُ مُرَادٍ؟ ! .
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَلقَائِلٍ أن يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أن يَكُونَ المُرَادُ من ذلِكَ الإِنذَارِ هُوَ الإنذَارَ بِالفَتوَى؟ !
وَهذَا أَوْلَى؛ لأنهُ تَعَالى رَتَّبَ هذَا الإِنذَارَ عَلَى التَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وَالإِنذَارُ المَوقُوفُ عَلَى التفَقهِ في الدينِ هُوَ الْفَتوَى.
الحُجةُ الثانِيَةُ مَا رُويَ أَن النبِيَّ -﵇- كَانَ يَبعَثُ رُسُلَهُ إِلَى القَبَائِلِ؛ لِتَعلِيمِ
===
قوله: "ولقائل أن يَقُولَ: لم لا يَجُوزُ أن يكون المُرَادُ من الإِنذَارِ هو الإِنذَار بالفَتوَى؟ وهو أَوْلى؛ لأنه -تعالى- رَتَّبَ الإِنذَارَ على التفَقهِ في الدِّين، والإِنذَارُ المَوقُوفُ على التفَقهِ في الدينِ هو الفَتوَى":
يرد عليه أن مَضمُونَ الآية البَحْثُ على الخُروجِ مع رَسُولِ الله - ﷺ - للغزو بِإِظهَارِ ما تَرَتبَ عليه بعد ما علم من فَوَائِدِهِ من الأَغرَاضِ المُهِمةِ لِلعقَلاءِ من التفَقهِ في الدينِ، والإنذار، ولكل واحد منهما غَرَضٌ حَامِل على الخُرُوجِ، وليس في ذلك ما يَقتَضِي تَرتِيبَ أَحَدِهِمَا على الآخَرِ؛ فإنه عطف أحدهما على الآخر بـ "الواو" ولا إِشعَارَ لها بالترتِيبِ، والتفَقُّهُ لغَةً أَعَلم من التهَيؤِ لِلفُتيَا؛ فحمله على ذلك بَعِيدٌ، لكن لِقَائِلٍ أن يَقُولَ: لم قلت: إِنه يَلزَمُ من وُجُوبِ الإِنذَارِ وُجُوبُ العَمَلِ به، وغايته لزومُ القَبولِ بخبرهم، ولا يلزمْ من وُجُوبِ القَبُولِ بخبرهم استِقلالُ العَمَلِ به؛ كما لا يَلزَم من وجُوبِ أَدَاء شهادة العَدلِ ووجوب قَبُولِهَا، استِقلالُ الحُكمِ بها؟ !
قوله: "الثانية: ما رُويَ أنه - ﷺ - كَانَ يَبعَثُ رُسلَة إلى القَبَائِلِ لِتَعلِيمِ الأَحكَامِ؛ وذلك يَدُل على أن خَبَرَ الوَاحِدِ حُجة":
هذا المَسلَكُ احتج به الشافِعِيّ، واعتمد عليه جُمهُورُ الأَئِمةِ؛ فإنه علم قَطعًا ويقينًا من سِيرَتِهِ - ﷺ - أنه كان يَبعَثُ كتبه على أيدي الآحَادِ، وسُعَاتِهِ، ورسله، وَوُلاتِهِ، وقد بعث معَاذًا، وعَلِيًّا، وَعَمرَو بنَ حَزمٍ إلى "اليمن"، ومصعب بن عُمَيْرٍ إلى "المدينة"، وَعَتَّاب بن
[ ٢ / ١٧٦ ]
الأَحكَامِ؛ وَذلِكَ يَدُلُّ أَن خَبَرَ الوَاحِدِ حُجَّةٌ.
===
أسيد إلى "مكة" وبعث عمر وأبي بن كَعبٍ، وأبا هُرَيرَةَ على الصدقات، وأمر مُنَاديًا أن يُنَادِيَ بتحريم الخَمرِ، ومناديًا بِتَحرِيمِ صِيَامِ أَيام "مِنى"، وغير ذلك؛ وكان يُكلفُهُمُ
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَلقَائِل أن يَقُولَ: لَعَلَّهُ كَانَ يَبعَثُ أُولَئِكَ الآحَادَ لأَجلِ الفَتوَى، وَعِندَنَا: أَنَّ فَتوَى الْوَاحِدِ وَاجِبٌ العَمَلُ بِهَا، وإنَّمَا النِّزَاعُ في أَن المُجتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أن يُفْتِيَ بِنَاءً عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ؟ وَمَا ذَكَرتُمُوهُ لَا يَدُل عَلَيهِ.
===
العَمَلَ بأقوالهم، ولو تَوَقفُوا إلى التوَاتُرِ لَحُزَّت رِقابُهُم.
قوله: "ولقائل أن يَقُولَ: كان يَبعَثُ الآحَادَ لأجل الفُتيَا" ورَجحَهُ بأنه حُكم خَاصٌّ في زمان خَاصٌّ، بخلاف الخبر؛ فإنه يفيد حُكمًا عَامًّا دَائِمًا؛ ولأَن الحَاجَةَ إليها أَمَسٌ وأَقرَبُ مما ذَكَرَهُ أن أكثرهم وُلاة وحُكام.
وجَوَابُهُ: أن يقال: الإِخبَارُ بأن هذا كِتَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَيكم، وأنه ألزمكم العَمَلَ بما فيه ليس من الفَتوَى، وكذلك تَفَاصِيلُ العِبَادَاتِ من الصلاةِ وَالصومِ وَالصدَقاتِ والجِزيَةِ مما لا يجوز الرأيُ والقياس فيها، ولا طريق فيها سوى النقلِ.
ثم ما ذكره من تَرجيح حَملِهِ على الفُتْيَا مُعَارَضٌ بأن ما ذَكَرنَاهُ أكثَرُ فائدة؛ لِعُمُومِ الإِنذَارِ بِالفَتوَى، والإخبار عن الأَحكَامِ، والقصص؛ لدعاء الحَاجَةِ إلى الجَمِيعِ.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَالدلِيلُ عَلَى الفَرقِ بَينَ البَابَينِ: أَن الفَتوَى تَقتَضِي ثُبُوتَ حُكم في حَق شَخصٍ مُعَين، في زَمَان مُعَين. وَأَمَّا التمَسكُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، فَإنهُ يُوجِبُ شَرعًا بَاقِيا عَلَى كُل المُكَلفِينَ إلى قِيَامِ يوْمِ القِيَامَةِ، بَلِ الطاهِرُ أَن الحَق مَا ذَكَرنَاهُ؛ لان أُولَئِكَ القَبَائِلَ كَانُوا عَوَام، فَكَانُوا مُحتَاجِينَ إِلَى المُفتِي، وَلَمْ يَكُنْ بَينَهُم مُجتَهِد حَتى يُقَال: إِنهُ كَانَ يَجتَهِدُ بنَاءً عَلَى خَبَرِ الوَاحِدِ.
الحُجةُ الثالِثَةُ: أنَّ بَعضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِمُقتَضَى خَبَرِ الوَاحِدِ، وَسَكَتَ البَاقُونَ عَنِ الإنكَارِ، وَمَتى عَمِلَ البَعضُ، وَسَكَتَ البَاقُونَ عَنْهُ حَصَلَ الإجمَاعُ.
وَإنما قُلْنَا: إنهُ عَمِلَ بَعضُ الصَّحَابَةِ بِمُقتَضَى خَبَرِ الوَاحِدِ؛ لأنهُم عَمِلُوا عِند سَمَاعِ ذلِكَ الخَبَرِ عَلَى وَفقِ ذلِكَ الخَبَرِ؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ لأجلِهِ:
بَيَانُ الأولِ: بِالرِّوَايَاتِ.
وَبَيَانُ الثانِي: هُوَ أَن الظَّاهِرَ عَدمُ غَيرِهِ.
وَأَما أَنهُ سَكَتَ الباقونَ عَنِ الإنكَارِ، فَهُوَ أَنهُ لَوْ حَصَلَ ذلِكَ الإِنكَارُ لاشتَهَرَ، وَلَو أَشتَهَرَ لنُقِلَ، وَلَوْ نُقِلَ لَوَصَلَ إِلَينَا، ولَمَّا لَمْ يَصِل إِلَينَا؛ عَلِمنَا أَنهُ لَمْ يوجد.
===
ومما أورد على هذه الحُجةِ: أنه جَازَ أن يكون عملهم بذلك؛ لِعِلمِهِم بما أخبروا به؛ لاحتِفَافِهِ بِقَرَائِنَ.
وجوابه: أَنا لا ننكر اتفَاقَ ذلك في بَعْضِ الوَقَائِع على نُدُورٍ، أما وُقُوعُهُ في كل ما أخبروا به مع كثرتها، فنعلم بالعادة نَفيَهُ، والله أعلم.
قوله: "الحجة الثالثة: أَن بَعضَ الصَّحَابَةِ عمل بخبر الوَاحِدِ، وسَكَتَ البَاقُونَ عن الإِنكَارِ، وذلك يوجب الإجماع، وإنما قُلْنَا: إن بعض الصَّحَابَةِ عمل بخبر الوَاحِدِ؛ لأنهم عملوا عند سَمَاعِ ذلك الخَبَرِ على وَفقِ ذلك الخَبَرِ، فوجب أن يَكُونَ لأَجلِهِ: بَيَانِ الأول: بالروايات. وبيان الثاني: هو أَن الظاهر عدم غيره، وأما أنه سَكَتَ البَاقُونَ عن الإنكار، فهو أنه لو حصل ذلك الإنكار لاشتهر، ولنقل، ولوصل إلينا؛ ولما لم يصل إلينا، علمنا أنه لا يُوجَدُ. وأما أنه متى حَصَلَ عملُ البَعضِ، وسكت البَاقُون عن الإنكار حصل الإجماع؛ لأنه لو كان باطلًا لوجب إظهار الإنكَارِ، وإلا لكانت الأُمةُ مُجمِعِينَ على الخَطَأ، وذلك باطل؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ الحُكمُ حَقًّا، وهو المَطلُوبُ": وما ذكره من التقريرِ واضح لا ليس فيه، إلا أنه لم يَنقُل من الوقَائِع التي عملوا فيها بخبر الوَاحِدِ شَيئًا؛ طَلَبًا للاختِصَارِ.
وقوله في تَقديم أنهم عَمِلُوا لأجلها: "لأن الظاهِرَ عدَمُ غيرها" فإن المحتجين بها يَدعُون العَمَلَ بها؛ جَزمًا بِقَرَائِنِ الأحوَالِ لا ظاهرًا.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وَأَمَّا أَنهُ مَتَى حَصَلَ عَمَلُ البَعضِ وَسكَتَ البَاقُونَ عَنِ الإِنكَارِ؛ حَصَلَ الإجمَاعُ-: فَلأنهُ لَوْ كَانَ ذلِكَ بَاطِلا - لَوَجَبَ إِظهَارُ الإِنكَارِ؛ وإلا لَكَانَتِ الأمة مُجمِعِينَ عَلَى الخَطَأ؛ وَذلِكَ بَاطِل؛ فَوَجَبَ أن يَكُونَ ذلِكَ الحُكمُ حَقا؛ وَهُوَ المَطلُوبُ.
===
وأما مَوَاقِعُ العَمَلِ: فمنها عَمَلُ أبي بَكر الصديق - ﵁ - بخبر المغيرة ومحمد بن مسلَمَة في تَوْرِيثِ الجدة،
[ ٢ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعمل عمر بخبَرِ ابن عَوف في أَخذِ الجِزْيَةِ من المَجُوسِ، وبخبر حمل بن مالك بالغُرَّةِ
[ ٢ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الجنين، وبخبر الضحاك بن سُفيَانَ بأنه كتب النبي - ﷺ - إليه أن وَرث امرَأَةَ أَشيَمَ الضبَابي
[ ٢ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من دية زَوجها، وبخبر عمرو بن حَزمِ أن فِي كلِّ إصبَع عَشَرَة مِنَ الإِبِلِ، وَعَمَلُ عثْمَانَ
[ ٢ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابنِ عَفَّان بخبر فُرَيْعَةَ بنت مالك في سُكنَى المُتَوَفى عنها زَوجُهَا، وعمل زَيد بن ثابت
[ ٢ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
برواية امرأة من الأَنصَارِ أن الحَائِضَ تَنفِرُ بلا وداع، ورجع ابن عَباس عن قوله: إنما الرِّبا في النسِيئةِ بخبر أبي سَعِيد الخدري، وعملوا بقول أبي بَكر: "إنا مَعَاشِرَ الأَنبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَاهُ صَدَقَة"، وعمل المهاجرون والأنصار بقَولِ عَائِشَةَ في التِقَاءِ الخِتَانَينِ.
[ ٢ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال عبد الله بن عمر كنا نُخَابرُ أربعين سَنَةً لا نرى بذلك بَأسًا، حتى أخبرنا رَافِعُ بن خديج بِنَهيه - ﵇ - فتركناها لِقَولِ رافعٍ، وتحول أَهلُ "قباء" إلى الكَعبةِ بخبر الوَاحِدِ، وعَمِلَ الصحَابَةُ بِقَولِ أبي بَكرِ: "الأئِمةُ مِن قُرَيش"، إلى غير ذلك.
[ ٢ / ١٨٧ ]
اعلم: أَن هذَا الكَلامَ دَلِيل عَوَّلَ عليهِ الأُصُوليونَ في إِثبَاتِ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَفِي إِثبَاتِ القِيَاسِ، وَجَوَازِ تَخصِيصِ عُمُوم القرآنِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ وَبالقِيَاسِ، وَفِي إِثبَاتِ أَن العَام المخصُوصَ حُجة، وَفِي إِثبَاتِ أن المرَاسِيلَ حُجة؛ وَكَانَ النصفُ مِن مَسَائِل الأُصُولِ مُتَفَرعًا عَلَى هذَا الدَّلِيلِ:
فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمَ أَن بَعْضَ الصحَابَةِ عَمِلَ عَلَى وَفقِ خَبَرِ الوَاحِدِ:
وَأَما الروَايَاتُ: فَإِنِ ادعَيتُمْ بُلُوغَهَا إِلَى حَدِّ التوَاتُرِ، فهوَ مَمنُوعٌ، وإنِ ادعَيتُم أَنهَا مِن بَابِ الآحَادِ، كَانَ ذلِكَ إِثبَاتًا لِخَبَرِ الوَاحِدِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ.
الثانِي: هَب أَنهُم عَمِلُوا عَلَى وَفقِ ذلِكَ الخبَرِ، فَكَيفَ عَلِمتُم أَنهُم إِنمَا أَقدَمُوا عَلَى ذلِكَ العَمَلِ لأَجلِ ذلِكَ الخبَرِ. وَلم لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنهُم عِندَ سَمَاع ذلِكَ الخبر تَذَكرُوا دَلِيلًا آخَرَ؟ !
وَقَولُهُ: "الأَصلُ عَدَمُ الغَيرِ" قُلنَا: هذَا مُسَلم إِلَّا أَن دَلِيلَكُم يَصِيرُ ظَنِّيًّا ويخرُجُ عَن كَوْنهِ يقِينيًّا.
===
قوله: "واعلم أن هذا الكَلامَ دَلِيلٌ عَوَّلَ عَلَيهِ الأُصُولِيونَ في إثبَاتِ خَبَرِ الوَاحِدِ، وفي إثبات القِيَاسِ، وجَوَازِ تَخصِيصِ عُمُومِ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وبالقياس، وفي إثبات أن العَام المَخصُوصَ حُجة، وفي إثبات أن المَرَاسِيلَ حُجةٌ، وكان النصف من مسائل الأصول متفرعًا على هذا الدَّلِيلِ، فنقول: لا نُسَلِّمُ أن بَعضَ الصحَابَةِ عمل على وَفقِ خَبَرِ الوَاحِدِ " إلى آخر الأسئلة:
اعلم أنه لَا شَك في اعتِمَادِهِم على ما ذكر، إلا أن تَقرِيرَ الإِجماعِ في بَعضِ هذه المَسَائِلِ قَطعِي، وبعضه ظَنِّيٌّ، والظني متفاوت؛ فإنه في بَعضِهَا أَقوَى من بَعض، فإن العمل بالمَراسِيلِ لم يُنقَل عَن عَدَدٍ كَثِير، ولا تَكَررَ، وَلَا شَاعَ شُيُوعَ العَمَلِ بخبر الواحد، والقياسِ، وأما التخصيص بهما والتمَسكُ بالعَام المَخصُوصِ- فمتوسط.
وحاصل الأسئلة عليه من أوجه:
الأول: مَنعُ بُلُوغِ الرِّوَايَاتِ إلى حَدِّ التوَاتُرِ، والآحَاد لا تكفي؛ فإنه إِثبَاتُ الشيءِ بنفسه.
الثاني: منع أنهم عَمِلُوا على وَفقِ الروَايَاتِ لأجلها، بل جَازَ أنهم إنما عَملُوا؛ لأَنهم تَذَكرُوا عند سمَاعِهَا دليلًا آخَرَ.
[ ٢ / ١٨٨ ]
الثالِثُ: سَلمنَا أَن بَعضَ الصحَابَةِ عَمِلَ بِخَبَرِ الوَاحِدِ؛ فَلِمَ قُلتُم: إِن البَاقِينَ سَكَتُوا؟ !
وَقَولُهُ: "لَو أَنكَرُوا لاشتَهَرَ، وَلَو اشتَهَرَ لَنُقِلَ، وَلَو نُقِلَ لَوَصَلَ إِلَينَا؛ لَكِنهُ لَم يَصِل إِلَينَا" قُلنَا: كُل وَاحِدَةٍ من هذِهِ المقَدمَاتِ الثلاثةِ مُقَدمَة ظَنية ظَنًّا ضَعِيفًا.
وَأَيضًا: قَولُهُ: لَوَصَلَ إِلَينَا، قُلنَا: إِن أُرِيدَ بِهِ أنهُ كَانَ يَجِبُ وُصُولُهُ إِلَى كُل وَاحِد مِنَّا - فَهذَا بَعِيدٌ؛ لأنهُ كَيفَ يُمكِنُ ادعَاءُ أَن كُل مَا ذَكَرَهُ الصحَابَةُ يَجِبُ أَنْ يَصِلَ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنَّا. وإن أُرِيدَ بِهِ أَنهُ كَانَ يَجِبُ وُصُولُهُ إِلَى وَاحِدِ مِن أَهلِ هذَا الزمَانِ- فَهذَا مُسَلَّمٌ؛ لَكِن المعلُومَ عِندِي حَالُ نفسِي، لَا حَالُ غَيرِي، فَكَيفَ يُعرَفُ أنهُ لَم يَصِل؟ !
الرابع: هَب أَنهُ عَمِلَ بِهِ البَعضُ وَسَكَتَ البَاقُونَ؛ فَلِمَ قُلتُم: إِن هذَا يُفِيدُ الإجمَاعَ؟ !
وَتَقرِيرُهُ: مَا ذَكَرنَاهُ فِي "بَابِ الإجمَاعِ": أَن هذَا النوعَ مِنَ الإِجمَاعِ ضَعِيف جِدًّا.
الخامِسُ: مَا ذَكَرنَاهُ فِي "بَابِ العُمُوم": أَن حِكَايَةَ الحالِ لَا عُمُومَ لَهَا؛ فَيَكفِي فِي الْعَمَلِ بِمُقتَضَى هذَا الدلِيلِ الذِي ذَكَرتم- إِثبَاتُ أَن نَوعًا مِن أَنواعِ خَبَرِ الوَاحِدِ حُجة، وَلَا يُفِيدُ العُمُومَ، ثُم إِن ذلِكَ النوع غَير مَعلُوم بِعَينِهِ، فَعَلَى هذَا: لَا نَوعَ مِن أَنوَاعِ خَبَرِ الوَاحِدِ إلا ويبقَى مَجهُولا فِي أَنهُ هَل هُوَ ذلِكَ النوْعُ الذِي أَجمَعُوا عَلَى قَبُولِهِ، أَو هوَ غَيرُهُ.
وَعَلَى هذَا التقدِيرِ: يَخرجُ الكُل عَن أن يَكُونَ حُجة.
السادِسُ: أَنكم تَتَوَسَّلُونَ بِهذَا البَيَانِ الذِي ذَكَرتم إلى أَنهُم أَجمَعُوا عَلَى أَن كل وَاحِدٍ
===
الثالث: منع سكوت البَاقِينِ، وقولهم: إنهم لو أنكروا لاشتهرَ، ولو اشتهر لَنُقِلَ، ولو نقل لَوَصَلَ إلينا، كل هذه المقدمَاتِ مَمنُوعَة.
وأيضًا قوله: "ولو وَصَل إلينا إن أَرَادَ به أنه كان يَجِبُ وُصُولُهُ إلى كل وَاحِد، فهذا بعيد؛ لأنه كيف يمكن ادعَاءُ أن كُل ما ذكره الصحَابَةُ -﵃- يجب أن يَصِلَ إِلى كُل وَاحِدٍ منا، وإن أَرَادَ أنه كان يَجِبُ وُصُولُهُ إلى وَاحِدٍ من أَهلِ البلاد، فهذا مُسَلم به، لكن المَعلُومَ لِي حَالُ نفسي، لا حَال غيري.
الرابع: هَبْ أنه عمل به البَعضُ، وسَكَتَ البَاقُونَ، منع إفادته الإجماع، وتقريره ما ذكرناه في "باب الإجماع".
الخامس: أن هذه حِكَايَةُ حَال، وقد ذكره في "باب العموم"، وهل يكفي العَمَلُ بمقتضى هذا الدليل في صدقها إذا قيل: كانوا يَفعَلونَ كذا المرة الواحدة؟، قيل: على العُمُومِ، بل يَدُل على أَن نَوعًا مِن أَنوَاعِ الخَبَرِ حُجة، لكنه مَجهُول لنا.
السادس: العمل بموجبه؛ فإنه إنما يَدُل عَلَى وُجُوب العَمَلِ بخبر وَاحِدٍ تَأكَّدَ بِالإجمَاعِ، فلم قلتم: إنه يَجِب العَمَلُ بِخَبَرِ العَدلِ مُطلَقا؟ .
[ ٢ / ١٨٩ ]
مِنْ أَخبَارِ الآحَادِ حُجة، أَو إِلَى أَنهُم أَجمَعُوا عَلَى أَن ذلِكَ الخَبَرَ الذِي ذَكَرُوهُ وَنقلُوهُ حُجة؟ !:
وَأَما الأَولُ: فَمَمنُوعٌ؛ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَيهِ؟ !
وَأَما الثانِي: فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنهُم أَجمَعُوا عَلَى أَن ذلِكَ الخَبَرَ الذِي نَقَلُوهُ- حُجة؛ وَعَلَى هذَا التقدِيرِ: يَكُونُ ذلِكَ الخَبَرُ خَبَرًا وَاحِدا تَأكدَ بِالإِجمَاعِ.
فَلِمَ قُلْتُم: "إن خَبَرَ الوَاحِدِ إِذَا تَأكَّدَ بِالإِجمَاعِ، لَما كَانَ حُجة -وَجَبَ أن يَكُونَ خَبَرُ الوَاحِد الخالِي مِن تأكِيدِ الإِجمَاعِ- يَجِبُ أن يَكُونَ حُجة"؟ !
===
هذا ما أشار إليه من الأسئِلَةِ، ولم يذكر [أجوبتها] ها هنا، ولا يحسن منه تَركُ أجوبَتِهَا مع قوله: إن النصفَ مِن مَسَائِلِ الأُصُولِ مُفَرَّعٌ عَلَى هَذَا الدلِيلِ؛ فإن يُورثُ غَضًّا من الشريعَة في نُفُوسِ الضعَفَاءِ. [وها هي الأجوبة]:
أما مَنعُ بلوغ الرِّوَايَاتِ حَدَّ التوَاتُرِ، فلا نسلم؛ فإن فيها كثرة، وما ذكره منها فللتنبيه، لَا لِلحَصرِ، وبه قال الصحابة منذ مَاتَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَامِلِينَ بذلك من غير إنكار إلى انقراض جميعهم، وهو قَرِيب من مائة سنة، وهي مع اختلافها مُشتَرَكَة في العَملِ بخبر الواحد العدل؛ وذلك يفيد التواتر المعنَوي؛ كالعلم بشجاعة عَلِيٍّ، وسخاء حَاتِم، ثم التابعون بَعدَهُم عَمِلُوا بذلك من غير نَكِير، وَمَن تَصَفَّحَ مَوَارد العمل منهم أَفَادَهُ العِلم الضرُورِي بذلك، وعلم أن بَعضَهُم كان يَنقُلُ خَبَرَ بَعض، ولا يكتبه تَوَاتُرًا؛ لاستِفَاضَتِهِ.
وعن الثاني: القَطعُ بأنهم إنما عَمِلُوا لأَجلِهَا بدليل قَرَائِن الأحوال والمقال؛ فإن أكثرهم رَجَعَ إلى موجبها بغير تَرَدد، وطلب السمَاع؛ كَمُنَاشَدَةِ أبي بكر في ميراث الجدة، وقول عمر في حديث الغُرَّةِ: لو لم نسمع هذا اكتفينا بِغَيرِهِ، وتصريح ابن عمرَ بِتَركِ المُخَابَرَةِ بخبر رافع بن خديج، وعَدَم التعَرض منهم لمأخذ سِوَى المَنقُول، وتقرر هذه الأمور، وعدم الوقوف مع البَحثِ في مآخذ هذه الوَقائِعِ سواه، ومجموع ذلك يُفِيدُ العلم بأن العمل لأجلها.
وعن الثالث -وهو منع سكوت الباقين-: ما ذكر أنه لو أنكروا لاشتهرَ، ولنُقِلَ، ولَوصَلَ إلينا؛ فإن العمل بخبر العدل أَصل عَظيمٌ مُهِمٌّ في الدين يستَنِدُ إليه كثير من الأحكام، ومع تقرره وكثرة وقوعه منهم وما جُبِلَتِ النفوس عليه؛ من المُخَالفَةِ؛ إذا لم ينقل شيء من ذلك -قطع بعدمه عادة؛ كما يقطع بأن القرآنَ لم يُعَارَض، وبعدم النص على إِمَامَةِ شَخص بعينه، وكيف يخفى مثل هذا الإِنكَارِ، وينقل إِنكَارُ عَائِشَةَ على زَيدِ بن أَرقَمَ في العينة، وعلى ابن عُمرَ
[ ٢ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في أن المَيتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاء أهله وإنكار ابن عَباس لِلعولِ، وإنكاره أن الأَخَوَينِ إخوة، وينقل تَفصِيلُ خِلافِهِم في مِيرَاثِ الجَد والإِخوَةِ، ومسألة الحَرَام، وإنكار امرأَة على عمَرَ في نَهيِهِ عن المُغَالاةِ في الصَّدُقَاتِ وغير ذلك من المسائل الحَريَّة.
قوله في الاستِفسَارِ: "ما تعني بقولك: لَوَصَلَ إلينا؟ ".
قلنا: المَعنِيُّ به أن العادة تَقضِي أنه لو وُجِدَ لاطلَعَ عليه المُعتَنُونَ بِنَقلِ الوَقَائِعِ والأَخبَارِ، ولَتَوَاتَرَ عندهم؛ فإن تواتر كُل شَيء إنما يَتَحَققُ عند أَهلهِ، فتواتر الأَحَادِيثِ يَعرِفهُ المُحَدِّثُونَ، وتواتر كل مَذهَب يعرفه أَهلُهُ، وأشهر التوَاتُرِ تَوَاتُرُ القُرآنِ، وتواتره عند حَمَلَتِهِ، فكم في الأُمةِ من لم يُحِط عِلمًا بِألفَاظِ القُرآنِ، ولا يقدح ذلك في تواتره.
وعن الرابع وهو مَنعُ أن ذلك إِجمَاع: "ما قَررنَاهُ في باب الإِجماع، وهو أن مِثلَ هذه الوَقَائِعِ إذا كَثُرَت وَتَكَررت لا يحتمل السكُوتُ فيها إلا عن المُوَافَقَةِ، وأَن جَمِيعَ ما يُمكنُ أن يُحَال عليه السكُوتُ غيرها من إمهَالِهِ في مُهلَةِ النظَرِ، أو المَهَابَةِ، أو التَّقِيَّةِ، أو أن مجتهدًا لا يَعْتَرِضُ على مجتهدٍ، أو اعتقاد أن غيره قَامَ بوظيفة الإِنكَارِ، وغير ذلك يَنتفِي بِالكَثرَةِ، والتكرار، وإن اتجه في المَرة وَالمَرتينِ.
والجَوَابُ [عن] الخامس -وهو قوله: إنه حِكايَةُ حَالٍ، فلا يفيد العُمُومَ-: أن ذلك إنما يُمكِن إذا اقتَصَرَ الراوي على قَولِهِ: كانوا يفعلون، أما مع التصرِيحِ بنقل التَّكرَارِ، فلا يبقى هذا الاحتِمَالُ.
قوله: "إنه يَدُل على العَمَلِ بنوع من الخَبَرِ، وهو ما اجتَمَعَتِ الأُمة عليه، وتَلَقَّتْهُ بِالقَبُولِ مُطلَقًا":
[ ٢ / ١٩١ ]
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي لَا نَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ، مَقْبُولٌ فِي الْفَتَوْى، وَفِي الشَّهَادَاتِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَقبُولًا فِي الرِّوَايَاتِ؛ وَالْجَامِعُ: تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ الْمَظنُونَةِ، أَوْ دَفْعُ الْمُفْسَدَةِ الْمَظنُونَةِ.
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ إلا الظَّنَّ الضَّعِيفَ.
===
قلنا: دَلَّتِ القَصَصُ على أنهم لم يَعْمَلُوا إلا بما روي، وقد بَيَّنَّا أن خَبرَ العَدْلِ إنما يفيد الظَّنَّ لا العلم، ولو أَفَادَ العِلْمَ لَوَجبَ تخطئة مُخَالِفِه بالاجتهاد؛ كالمتواتر، ولعارض المُتَوَاتر، ولصدق النقيضان، ولما كلف المُدَّعِي بَيِّنَة، وكل ذلك خِلافُ الإِجْمَاعِ، أو العَقلِ، وإذا عَمِلُوا به، ولم يُوجِبْ عِلْمًا كان العَمَلُ للظَّنِّ المُسْتَفَادِ من قول العَدْلِ، وهو القَدْرُ المُشتَرِك في جَمِيعِ الوَقَائِعِ؛ فإنا نَقطَعُ بأن خُصُوصِيَّاتِ تلك الصُّوَرِ الفَرْعِيَّةِ سَاقِطَةٌ عن الاعْتِبَارِ؛ فإنها طَرْدٌ مَحْضٌ، وما ينقل عن الصَّحَابَةِ من رَدِّ بعض الأخَبَارِ، أو التَّوَقُّفِ عن العَمَلِ إلى زيادة رَاوٍ، وتحليف- لا يُعَارِضُ مَا قَرَّرْنَاهُ، وطريق التوفيق حَمْلُ الرَّدِّ على عدم ظُهُورِ الثِّقَةِ، أو العَدَالةِ، أو الاستظهار بما يُؤَكِّدُ الظَّنَّ، وجميع ذلك لا يبلغه إلى رُتْبَةِ العِلْمِ، ولا يخرجه عن الظَّنِّ، وهو من جُمْلَةِ الشواهد لنا، والله أعلم.
قوله: "الحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَجْمَعْنَا على أَنَّ الخَبَرَ الذي لا يقطع بِصِحَّتِهِ مَقبُولٌ في الفَتْوَى والشهادة، فَوَجَبَ أن يكون مَقبُولًا في الرِّوَايَاتِ":
هذه العبارة مستدركة، وهي قوله: "أَجْمَعْنَا على أن الخَبَرَ الذي لا يُقطَعُ بصحته مَقبُولٌ"؛ فإنه يُوهِمُ أنهم إنما قَبِلُوهُ؛ لأنه لا يقطع بِصِحَّتِهِ، ويلزم منه قَبُولُ خَبَرِ الكَافِرِ والفاسق، وليس الأَمْرُ كذلك؛ بل إنما قُبِلَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بصحته مع زَيادَةِ تَحْسِينَاتٍ شرْعِيَّةٍ في عَدَمِ قَبُولِ خبر الكَافِرِ حطًّا لِمَنْصِبِه، وإن كان مِمَّنْ يُجَانِبُ الكَذِبَ، وعدم قبول شهَادةِ العَبْدِ فإنه منحط، وكذلك عَدمُ قَبُولِ شهادة النِّسَاءِ في بَعْضِ المَحَالِّ، وإنما أراد التَّعْرِيضَ بأن عَدَمَ القَطعِ مع ظُهُورِ العَدَالةِ ليس بِمَانِعٍ لقبول الخَبَرِ؛ إذ لو منع في الخبر لَمَنَعَ في الفَتْوَى والشهادة؛ وفيه تَنْبِيهٌ على وَجْهٍ آخر؛ وهو أنه لما قسم الخَبَرَ من قبل إلى ما يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وإلى ما يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وإلى ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، واسْتَوْعَبَ أَحْكَامَ القِسمَينِ الأولين- أراد التَّصْرِيحَ بِأَنَّ البَحْثَ في أن خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ حُجَّةٌ مندرج تحت القِسْم الثَّالِثِ، وأنه مَعْمُولٌ به على ما سَنُبَيِّنُهُ إن شاء الله تعالى؛ ليكون بالكَلامِ عليه مستوعبًا لجميع أَحْكَامِ الأَخبَارِ.
قوله: "والجامع تَحْصِيلُ المَنْفَعَةِ المَظنُونَةِ، أَوْ دَفْعُ المَفْسَدَةِ المَظنُونَةِ" هذه حكمة الحكم، وفي التعليل بالحِكْمَةِ خِلافٌ، والأقوى مَنْعُهُ؛ لعدم انضباطها، فلا يعلم مُجْرَى الحُكمِ من مَوْقِفِهِ؛ وإنما الجَامِعُ ها هنا عُمُومُ الحَاجَةِ إلى الحُكمِ، وعُسْرِ اليقين؛ فاكتفى بالظَّنِّ كَدَأبِ العُقَلاءِ في تَصَرُّفَاتِهِمْ؛ فإنهم عند العَجْزِ عن اليقين يَفْزَعُونَ إلى الظُّنُونِ الرَّاجِحَةِ.
قوله: "ولقائل أن يَقُولَ: إنه لا يُفِيدُ إلا الظَّنَّ الضعيف":
يعني: والمسألة قَطعِيَّةٌ؛ فإنها من الأُصُولِ المُهِمَّةِ في الدِّين يَسْتَنِدُ إليها كَثِيرٌ من الأَحْكَامِ.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وَأَيضًا: الْفَرْقُ ثَابِتٌ؛ لأَنَّ الحُكمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ وَالْفَتوَى، لَا يُفِيدُ شَرْعًا بَاقِيًا عَلَى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. أَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ: فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُفِيدُ ذلِكَ.
وَأَيضًا: إِذَا أَثبَتُّمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِالْقِيَاسِ- لَزِمَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَضعَفَ حَالًا مِنَ الْقِيَاسِ؛ وَذلِكَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ.
===
قوله "وأيضًا فإن الفَرْقَ أن الحُكمَ الحَاصِلَ بسبب الشهادة والفَتْوَى، لا يفيد شَرْعًا عَامًّا بَاقِيًا على المُكَلَّفِينَ إلى قيام السَّاعَةِ وأما خَبَرُ الوَاحِدِ فإنه يُفِيدُ -بتقدير صِحَّتِهِ- ذلك": يعني: فمحذور الخَطَأ فيه أَعْظَمُ.
قوله: "أيضًا إذا أَثبَتُّمْ خَبَرَ الوَاحِدِ بالقياس، لزم أن يكون خَبَرُ الوَاحِدِ أَضعَفَ حَالًا من القِيَاسِ؛ وذلك باطل بالإجماع":
يعني: لِكَثرَةِ مُقَدِّمَاتِهِ، فتطرُّق الخَلَلِ إليه أكثَرُ.
قوله: "والحُكمُ الَّذِي يَطلُبُونَهُ يجب أن يَكُونَ أَعْلَى حَالًا من القياس، فلا يفيده هذا الدَّلِيل": ولم يُجِبْ عن هذِهِ الأسئلة، والجَوَاب عنها:
قوله: "إن هذا الدَّلِيلَ لا يُفِيدُ إلا الظَّنَّ الضعيف" ممنوع؛ فإنه قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وهو إن لم يَكُنْ قَاطِعًا، فإنه يُدَانِي القَطْعَ؛ فإن الحُكمَ في الأَصْلِ ثَابِتٌ بالإِجْمَاعِ، والقياس مَعْمُولٌ به في الأُمُورِ الشرعية -على ما سَنُقَرِّرُهُ- بالإِجْمَاعِ، والمعنى الذي لأجله ثَبَتَ الحُكمُ في الأَصْلِ -وهو عُمُومُ الحَاجَةِ إلى الحُكمِ وعسر اليقين- مُتَحَقِّقٌ في الفَرْعِ بالإجماع.
وما فرق به من التَّفَاوُت في عُمُومِ الحكم [و] دَوَامه بالنِّسْبَةِ إلى المجتهد، وخُصُوصه
بالنسبة إلى المُقَلِّدِ- مَمْنُوعٌ؛ فإن الخَبَرَ لا يَقتَضِي حُكمًا إلا لمن وَقَفَ عليه، وَيتَقَيَّدُ دَوامُهُ بحياته،
وكذلك فَتوَى المُجْتَهِدِ بالنسبة إلى العَاميِّ، وقد يَعُمُّ لا سِيَّما فيما يَقتَضِي كَفًّا، أو تكليفًا دائمًا.
ولو سلم التفاوت من هذا الوَجْهِ، فيعارضه أنه إذا كان مُقْتَضَاهُ عُمُومَ الحُكمِ ودوامه -كانت الحَاجَةُ إليه أَمَسَّ، والحاصل منه بتقدير الثُّبُوتِ بِنَاءً على الصِّحَّةِ- منفعة عامة دَائِمَةٌ، أو دَفْعُ ضَرَرٍ عام دائم؛ فقد اسْتَوَيَا في عُمُوم الصَّلاحِ بتقدير الثُّبُوتِ؛ بناء على الصِّحَّةِ، وفي عموم الفساد ودوامه بتقدير عَدَمِ الصِّحَّةِ، لكن الثُّبُوتَ مَبْنِيٌّ على احتمال رَاجِح؛ وهو احتمال الصِّدْقِ المَبنِيِّ على عَدَالةِ الرَّاوي، وجَزمِهِ بالرواية، والفَسَادُ مَبنِيٌّ على احتمال مَرْجُوحٍ؛ وهو تَقدِيرُ الكَذِبِ منه أو الخطأ، والمبنى على الراجح رَاجِحٌ، والمبنى على المَرْجُوحِ مَرْجُوحٌ؛ وحينئذ يكون ثُبُوتُ الحُكمِ في الفَرْع بطريق الأولى، ومن وَجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنه إذا وَجَبَ العَمَلُ بخبر المُفْتِي عن اجْتِهَادِ نَفْسِهِ، فلأَن يجب بِإِخبَارِهِ عَنْ قَوْلِ الرسول أَوْلَى؛ لأن الخَطَأَ فيه أَقَلّ.
فقوله: "إنكم إذا أثبتم خَبَرَ الوَاحِدِ بالقياس، لزم أن يَكُونَ أضعَفُ الحكم الذي تطلبونه أقوى.
فنقول: لا نُسَلِّمُ أنه يَكُونُ أَضْعَفَ مُطْلَقًا، بل قد يَكُونُ بطريق الأولى، كقياس العمياء على
[ ٢ / ١٩٣ ]
إِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالحُكمُ الْذِي يَطلُبُونَهُ هُوَ كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً بِحَيثُ يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنَ الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُ هَذَا الدَّلِيلُ، وَالَّذِي يُفِيدُهُ هذَا الدَّلِيلُ، بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ؛ فَسَقَطَ هذَا الدَّلِيلُ.
===
العَوْرَاءِ في مَنْعِ الأضحية، ومَكْسُورَةِ الرِّجْلَينِ على العَرْجَاءِ البَيِّنِ عَرَجُهَا، وقد يكون مُسَاويًا؛ كقياس تحريمِ شَحْمِ الخِنْزِيرِ على لحمه، وإلحاق العَبْدِ بالأَمَةِ في تَنْصِيفِ العَذَابِ، والحط عن مَنَاصِبِ الأحْرَارِ، وإِلْحَاقِ الأَمَةِ به في سرَاية العِتقِ، وقد يكون أَدْنَى، وما ذَكَرْنَاهُ من القِسْمِ الأول على ما حَقَّقْنَاهُ.
لا يقال: فوجب ألا يُقَدَّمَ الخَبَرُ على القِيَاسِ عند التَّعَارُضِ في العَمَلِ مُطلَقًا؛ لأنا نقول: من الأئمة من يُقَدِّمُ الرَّاجِحَ منهما عند التعارض قِياسًا كان أَو خَبَرًا؛ كما ينقل عنْ بعض أَصْحَابِ مَالِكٍ: أنهم يُقَدِّمُونَ قِيَاسَ الأُصُولِ على الخَبَرِ المُخَالِفِ لها، وأن أبا حَنِيفَةَ يُقَدِّمُ القِيَاسَ الجَلِيَّ على خَبَرِ الوَاحِدِ؛ كخبر المُصَرَّاةِ.
[ ٢ / ١٩٤ ]
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: هُوَ أَنَّ العَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ، يُفِيدُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظنُونٍ؛ فَكَانَ العَمَلُ بِهِ وَاجِبًا:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أَنَّ الرَّاويَ الْعَدْلَ إِذَا أَخبَرَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَمَرِ بذلِكَ الفِعْلِ، فَقَدْ حَصَلَ ظَنٌّ أَنهُ وُجِدَ ذلِكَ الأَمْرُ، وَعِنْدَنَا مُقَدِّمَةً يَقِينِيَّةً؛ وَهِيَ أَنَّ مُخَالفَةَ الرَّسُولِ -﵇- تُوجِبُ الْعِقَابَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ مِنْ ذلِكَ الظَّنِّ وَمِنْ هذَا العِلْمِ: ظَنُّ أَنَّا لَوْ تَرَكنَا العَمَلَ بِهِ، صِرْنَا مُخَالِفِينَ مُسْتَحِقِّينَ الْعِقَابَ؛ إِذَا ثَبَتَ هذَا: وَجَبَ أَنْ يَجِبَ العَمَلُ بِهِ؛ لأنَّهُ إِذَا حَصَلَ الظَّنُّ الرَّاجِحُ، وَالْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ- امْتَنَعَ العَمَلُ بِهِمَا؛ لامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَينِ، وَامْتَنَعَ الإِخلالُ بِهِمَا؛ لامْتِنَاعِ زَوَالِ النَّقِيضَينِ، وَامْتَنَعَ إِيجَابُ تَرْجِيحِ الْمَرْجُوحِ عَلَى
===
وساعد الشَّافِعيُّ على التَّخْصِيصِ به، وهو تقديم له من وجه، ومن يرى تقديم الخَبَرِ على القِيَاسِ مُطلَقًا، فَاعْتِقَادُهُ أن جِنْسَ الخَبَرِ مُقَدَّمٌ على القياس، وإن كان الظَّنُّ الحَاصِلُ من القياس أَقوَى؛ تعبدًا بخبر مُعَاذٍ، وسيرة الصَّحَابَةِ، وكيف ينكر مثل هذا والقائلون بالإجْمَاع يثبتون صِحَّته بالنص، ويُقَدِّمُونَهُ في العمل به عليه؟ ! .
قوله: "الحُجَّةُ الخَامِسَةُ: هو أن العَمَلَ بخبر الوَاحِدِ والقياس يفيد رَفْعَ ضَرَرٍ مَظنُونٍ؛ فكان العَمَلُ به وَاجِبًا":
قد تَقَدَّمَ أن القائلين بالعَمَلِ بخبر العدل منهم من يثبته بالحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ، والحجج المتقدمة من ذلك، ومنهم من يُثْبِتُهُ بِالحُجَجِ العقلية أيضًا، وهذه الحُجَّةُ على زَعْمِهِ منْهَا.
قوله: "بَيَانُ الأَوَّلِ: الرَّاوي العَدْلُ إذا أَخبَرَ عن رَسُولِ الله - ﷺ - بذلك الخَبَرِ المُعَيَّنِ، فقد حَصَلَ أنه وجد ذلك الأمر، وعندنا مُقَدِّمَةٌ يقينية؛ وهي أَنَّ مُخَالفَةَ الرَّسُولِ - ﷺ - تُوجبُ العِقَابَ؛ فحينئذ يَحْصُلُ من ذَلِكَ الظَّن ومن ذلك العَلم أَنَّا لو تَرَكْنَا العَمَلَ به، صِرْنَا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقَاب، وإذا ثَبَتَ هذَا وَجَبَ أن يَجِبَ العَمَلُ به؛ لأَنَّهُ إذا حَصَلَ الظَّنُّ الرَّاجِحُ بالوجوب، والجَوَاز المَرْجُوح، امتَنَعَ العَمَلُ بهما؛ لامتناع حصول النَّقِيضَينِ، وامْتَنَعَ الإِخلالُ بهما؛ لامْتِنَاعِ زَوَالِ النَّقِيضَينِ، وامْتَنَعَ إِيجَابُ تَرْجِيحِ المرجوح [على الراجح]؛ لأنه ضِدُّ المَعْقُولِ؛ فلم يَبقَ إلا إِيجَابُ الرَّاجِحِ؛ وذلك يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الرَّاجِح؛ لأَنَّهُ ضِدُّ الْمَعْقُولِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلا إِيجَابُ الرَّاجِحِ؛ وَذلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا تَقْرِيرُ هذَا الدَّلِيلِ فِي الْقِيَاسِ، فَهُوَ أَنَّا إِذَا رَأَينَا الْحُكمَ ثَابِتًا فِي مَحَلِّ الإِجْمَاعِ، ثُمَّ ظَنَنَّا كَوْنَهُ مُعَلَّلًا بِالصِّفَةِ الفُلانِيَّةِ، ثُمَّ عَلِمْنَا أَوْ ظَنَنَّا: حُصُولَ الصِّفَةِ الْفُلانِيَّةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ-: يَحْصُلُ حِينَئِذٍ ظَنُّ أَنَّ حُكمَ الله تَعَالى فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ يُسَاوي حُكمَهُ فِي مَحَلِّ الْوفَاقِ.
وَعِنْدَنَا مُقَدِّمَةٌ يَقِينِيَّةٌ؛ وَهِيَ: أَنَّ مُخَالفَةَ حُكمِ الله تَعَالى تُوجِبُ الْعِقَابَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ الظَّنُّ بِأَنَّ تَرْكَ العَمَلِ بِهذَا الظَّنِّ يُوجِبُ الْعِقَابَ، وَأَنَّ العَمَلَ بِمُقتَضَاهُ يُوجِبُ الْخَلاصَ مِنْ هذَا الْعِقَابِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا: كَانَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا؛ لِلتَّقْرِيرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: السُّؤَالُ عَلَيهِ مِنْ وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ ذلِكَ الظَّنَّ إِنَّمَا يَبْقَى لَوْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَمَلَ بِه لا يَجُوزُ، أَمَّا لَمَّا رَأَينَا أَن الله تَعَالى مَلأَ كِتَابَهُ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ العَمَلَ بِالظَّنِّ لا يَجُوزُ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا لَا يُعْلَمُ لَا يَجُوزُ- فَقَدْ زَال ذلِكَ الظَّنُّ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
الْثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ ذلِكَ الظَّنَّ، إِنَّمَا يَبقَى مُعْتَبَرًا، لَوْ لَمْ يَحْصُل ظَنٌّ أَقْوَى مِنْهُ بِخِلافِهِ، وَها هُنَا قَدْ وُجِدَ؛ لأَنَّهُ ﷾ لَمَّا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَبَيَّنَ فِيهِ الأَحْكَامَ، فَقَال فِي آخِرِ عَهْدِ
===
وأما تَقريرُهُ في القِيَاسِ: فهو أَنَّا إِذَا رأينا الحْكمَ ثَابِتًا في مَحَل الإِجْمَاعِ، ثم عَلِمْنَا أو ظَنَنَّا أنه مُعَلَّلٌ بالصِّفَةِ الفُلانِيَّةِ، ثم عَلِمْنَا أو ظَنَنَّا حُصُولَ الصِّفَةِ الفُلانِيَّةِ في مَحلِّ النِّزَاعِ- فَيَحْصُلُ لنا حينئذ ظَنُّ أن حُكمَ الله -تعالى- في مَحلّ النِّزَاعِ مُسَاوٍ لِلْحُكمِ في مَحلِّ الإِجْمَاعِ، وعندنا مُقَدِّمَةٌ يَقِينيَّةٌ أَنَّ مُخَالفَةَ حُكْمِ الله -تعالى- تُوجِبُ العِقَابَ " إلى آخره، هذا وَاضِحُ المُرَادِ.
قوله: "وَلقَائِل أن يَقُولَ: السُّؤَالُ عليه من أَوْجُهٍ:
الأَوَّلُ: أن ذلِكَ الظَّن إنما يَبْقَى أن لو لم نَجِدْ ما يَدُلُّ على أن العَمَلَ بِالظَّنِّ لا يَجُوزُ، أما إذا رَأَينَا أَنَّ اللهَ -تعالى- مَلأَ كِتَابَهُ من الآي الدَّالَّةِ على أن العَمَلَ بالظَّنِّ لا يَجُوزُ، وأن العَمَلَ بما لا يُوجِبُ لا يجوز- فقد زَال ذَاكَ الظَّنُّ الذي ذَكَرْتُمُوهُ بالكلية.
الثَّانِي: أَنَّ ذلك الظَّنَّ إنما يَبْقَى مُعْتَبَرًا لو لم يَحْصُل ظَنٌّ أَقْوَى منه يُخَالِفُهُ، وههنا قد وُجِدَ ظَنّ أَقوَى منه يُخَالِفُهُ؛ لأن الله -تعالى- لما أَنْزَلَ القُرْآنَ، وَبَيَّنَ فيه الأَحْكَامَ، فقال في آخر عَهْدِ مُحَمَّدٍ -﵊-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، وإِكمَالُ الدين إنما
[ ٢ / ١٩٧ ]
مُحَمَّدِ -﵇-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَةُ: ٣]، وَإِكمَالُ الدِّينِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي وُجِدَ كَامِلًا وَتَامًّا، وَمَتَى كَانَ القَدْرُ كَامِلًا تَامًّا - كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيهِ لَغْوًا غَيرَ مُعْتَبَرَةٍ؛ وَحِينَئِذٍ: لَا يَبْقَى للظَنِّ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ عِبرَةٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْقُرْآنَ وَافٍ بِبَيَانِ جَمِيعِ الأَحْكَامِ- وَإِذَا كَانَ وَافِيًا بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ، لَمْ يَبقَ للظَّنِّ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ أَثَرٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ظَنٍّ حُجَّةً، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ -لَكَانَ ظَنُّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَن خَبَرَ الْوَاحِدِ لَيسَ حُجَّةً- مُعْتَبَرًا، وَمَا أَفْضَى ثُبُوتُهُ إِلَى نَفْيهِ، كَانَ بَاطِلًا.
===
يكون [إذا كان] ذلك القدر الذي وجد كَاملًا تَامًّا، ومتى كان ذلك القدر كاملًا تامًّا كانت الزيادة عليه لَغوًا غير مُعْتَبَرَةٍ؛ فحينئذ لا يَبْقَى لِلظَّنِّ الذي ذَكَرْتُمُوهُ عِبْرَةٌ.
الثالث: أَنا بَيَّنَّا أن القُرْآنَ وافٍ بِتِبْيَانِ جَمِيعِ الأَحْكَامِ.
الرابع: أَنَّ الطَّرِيقَ الذي ذَكَرْتُمُوهُ يُوجِبُ أن يكون كُلُّ ظَنٍّ حُجَّةً، ولو كان كذلك، لَكَانَ ظَنُّ مَنْ غلب على ظَنِّهِ أن خَبَرَ الوَاحِدِ ليس بِحُجَّةٍ مُعْتَبَرًا، وما أَفْضَى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ، كان بَاطِلًا": وقد يُوَجَّهُ هذا السُّؤَالُ نَقضًا، فيقال: فيجب العَمَلُ بخبر الكَافِرِ إذا ظُنَّ صِدْقُهُ، والفَاسِق، ويلزم قَبُولُ شَهَادَةِ العَبِيدِ والنساء في القِصَاصِ والحُدُودِ، وشَهَادَةِ الوَاحِدِ في المال، والاثنين في الزِّنَا؟ !
ولم يُجِبْ عن هذه الأَسْئِلَةِ، والجواب عنها:
أما الآيُ فَأكثُرَهَا وَارِدٌ في ذَمِّ الاكتفاء به في عُقُودِ التَّوْحِيدِ، ونحن نَقُولُ به، أو نقول: أَجْمَعْنَا على تَخصِيصِهَا بِقَوْلِ المُفْتِي وَالشَّاهدين، وإنما خص للمشترك، فالتَّخْصِيصُ ثَمَّ يكون تَخصِيصًا هَهُنَا.
وأما تَمَسُّكُهُمْ بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] فنقول: لم يقل: بِمُجَرَّدِ الكِتَابِ، بل إِكمَالُهُ بالكتاب المُبَيَّنِ على لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - بِأَقْوَالِهِ، وأفعاله، وتقريره، وبالنَّظَرِ إلى مَعْقُولِهِ؛ كما قَال اللهُ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل ٤٤] فالسُّنة مُبَيِّنَةٌ لمُجْمَلِهِ ولمؤوله، ومُخَصِّصَةٌ لعمومه، ومقيدة لمُطلَقِهِ؛ قَال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب ٣٤] وقيل: الحِكمَةُ ها هنا: السُّنَّةُ، وليس في الكِتَابِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ، ولا بيان الأَرْكَانِ من السُّنَنِ، ولا تقديرُ نُصُبِ الزَّكَاةِ، ولا مِقْدَار المُخرَجِ، ولا أَفْعَال الحَجِّ، ولا شرائط البَيعِ والنكاح، ولا مقدار ما يُقْطَعُ فيه، ولا بَيَانُ مَحَلِّ القَطْعِ،
[ ٢ / ١٩٨ ]
وَالْمُعْتَمَدُ لَنَا فِي إِثبَاتِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجُرَات: ٦].
===
إلى غير دلك من تَفَاصِيلِ الأَحْكَامِ المَشرُوعِ أَصْلُهَا في الكتاب، المَأخُوذ جميع ذلك من بَيَانِهِ - ﵇ - ودَعْوَى أن جَمِيعَ هذه التَّفَاصِيلِ ثَابِتَةٌ بالتَّوَاتُرِ لا سَبِيلَ إليها، وهذا هُوَ الجَوَابُ عن السُّؤَالِ الثَّالث؛ وهو أن القُرْآن وافٍ بِبَيَانِ جَمِيع الأَحْكَامِ.
قوله: "هذا الطَّرِيقُ يُوجبُ أن يكون كُلُّ ظَنٍّ حُجَّةَ" قلنا: الأَمْرُ كذلك في كُلِّ ظَنٍّ مُسْتَفَادٍ من أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، ما لم يَدُلَّ قَاطِعٌ على إلغائه أو يُعَارِضُهُ ما هو أَوْلَى منه.
قوله: "وكون ظَنّ من غَلَبَ على ظَنِّهِ أن خَبَرَ الوَاحِدِ ليس بِحُجَّةٍ- معتبرًا":
قلنا: إذا قَامَ قَاطِعٌ على نَقِيضِهِ، فلا يُتَصَوَّرُ معه اعْتِبَارُهُ.
وَوَجْهُ الاعْتِرَاضِ على هذه الحُجَّةِ [الخامسة]-وهي بالحقيقة شُبْهَةٌ- أن يقال: قولك: إن العَمَلَ به يُوجِبُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظنُونٍ، وما ذكرته يُنَاسِبُ دَفْعَ ذلك. والاحتراز عنه مطلقًا بتقدير خُلُوِّهِ عن المُعَارِضِ، أو المُسَاوي؟: الأول ممنوع، والثاني مُسَلَّمُ؛ لكن لا نُسَلِّمُ خُلُوَّهُ عن المعارض الراجح.
وبيانه: أن في الاحْتَرازِ عنه الْتِزَامَ ضَرَرٍ مَقطُوع به ناجزًا، وهو إِتْعَابُ النَّفْسِ، وتَرْكُ مَلاذِّهَا، ومحتوياتها مع التَّصَرُّفِ في مِلْكِ الغَيرِ بغير تحَقُّقِ إِذنِهِ؛ فإن العَبْدَ ومَنَافِعَهُ مِلْكٌ لله تعالى.
قوله: "فَيَجِبُ الاحْتِرَازُ عنه" يقال له: ما تَعْنِي بالوُجُوبِ؟ تعني به: الوجوب الشَّرْعِيَّ أو العَقلِيَّ؟
فإن عَنَيتَ به الوُجُوبَ الشَّرْعِيَّ، فممنوع، ولا بد له من دَلِيلٍ. وبتقدير ثبوته تخرج الحُجَّة عن أن تَكُونَ عَقلِيَّةً.
وإن عَنَيتَ به الوُجُوبَ العَقْلِيَّ، فالوُجُوبُ العَقلِيُّ ما لا يَقبَلُ الانْتِفَاءَ بِحَالٍ، أو [هو] ما يَلْزَمُ من فَرْضِ انْتِفَائِهِ مُحَالٌ، وليس الأَمْرُ ها هنا كذلك.
قوله: "إن في تَرْكِ العَمَل بالرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ الخُرُوجَ عن النَّقِيضَينِ":
قلنا: لا نُسَلِّمُ، بل اللَّازِمُ خُرُوج المَذكُورِ عن الدلالة، وليس بِمُحَالٍ؛ كما لو تَسَاوَى فيه الاحْتِمَالانِ، ثم الدَّلِيلُ لا يلزم عَكسُهُ، ومع تقدير انْتِفَاءِ دلالته، فلا يَمتَنِعُ ثُبُوتُ الحُكم، ونَفْيُهُ بدليل آخر، والبقاء على البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ أو على ما كَانَ عليه عند عَدَمِ النَّاقِلِ والمغير، فلَم قلتم: إِن ذلك مُحَالٌ؟ وما ذكره الفَخرُ من الأَسْئِلَةِ، فأكثرها مُعَارَضَةٌ في أَصْلِ المسألة؛ لاختصاصها بهذا المَسْلَكِ، والله أعلم.
شُبهَةٌ ثانية لموجبي التَّعَبُّد بالآحَادِ عَقْلًا:
قالوا: تَبْليغُ الشَّرْعِ وَاجِبٌ، وإرسال العَدَدِ المتواتر إلى كل النواحي مُتَعَذِّرٌ؛ فيجب بَعْثُ الآحَادِ، وقبول أَخبَارِهِمْ.
[ ٢ / ١٩٩ ]
أَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ بَعْدَ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ فَاسِقًا، وَكَوْنُهُ فَاسِقًا يُنَاسِبُ أَلَّا يُقْبَلَ خَبَرُهُ، وَذِكرُ الْحُكمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ- مُشعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ؛ فَهذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهُ فَاسِقًا عِلَّةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ خبَرِهِ.
===
وأُجِيبُوا بأنا لا نُسلِّمُ وُجُوبَ تَعْمِيمِ الحكم عَقلًا، وما المانع أن يَكُونَ التَّبليغُ بحسب الإِمْكَانِ، والتكليف به مَشرُوطٌ بالبلاغ، دمانما علمنا التَّعْمِيمَ من الشَّرْعِ.
قوله: "والمُعْتَمَدُ في المَسْأَلَةِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] أَمر بالتَّبَيُّنِ بعد وصفه بكونه فَاسِقًا، وكونه فَاسِقًا يُنَاسِبُ ألا يُقبل خبره، وذكر الحُكمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المناسب يُشْعِرُ بالعِلِّيَّةِ، فهذا يَقتَضِي أن يكون كَوْنُهُ فَاسِقًا علة لعدم قبول خبره.
وإذا ثَبَتَ هذا، فنقول: خَبَرُ الوَاحِدِ إنْ لَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ، لَمْ يَبقَ لِكَوْنِهِ فَاسِقًا أَثَرٌ فِي الدَّفْعِ، لكنَّا بَيَّنَّا أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّأْثِيرِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً في الجملة": يعني: أنه لو كَانَ مَرْدُودًا لكونه خَبَرَ وَاحِدِ، سواء كان فَاسِقًا أو عَدْلًا، لكان معللًا بالذاتي الَّلازِمِ السَّابِقِ، فلا أَثَرَ للطَّارِئ العَارِضِ، وهو الفِسْقُ.
قالوا: وتقريره من وَجْهٍ آخر؛ وهو أن تَقْييدَهُ بالفِسْقِ يَدُلُّ على الانتفاء؛ عملًا بِمَفْهُومِ الشرْطِ. وهذه الحُجَّةُ قد اعْتَمَدُوا فيها على دَلالةِ الإِيمَاءِ على التَّعْلِيلِ، ووجوب اتحاد العِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، ووجوب عكسها، أو دليل الخطاب، وكل هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ ظَنِّيَّةٌ ضعيفة، وقد قَال بِخَبَرِ الوَاحِدِ من يَنْفِي أَكْثَرَهَا، كيف وتَخصِيصُ الرَّدِّ وتعْلِيلُهُ بالفِسْقِ في الآية جَارٍ على سَبَبٍ، وهو أنه - ﷺ - كان قد بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عقبة لأَخذِ الصَّدَقَاتِ من بني المُصْطَلق، فخرجوا ليلقوه، فَخَافَ منهم، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا، وأخبر النبي - ﷺ - أَنَّهُمْ ارْتَدُّوا، فَهَمَّ النبي - ﷺ - بِغَزوهِمْ، فأنزل اللهُ -تعالى- هذه الآيَةَ، ثم إن الموحدة وإن كَانَت كَافِيَةً في الرَّدِّ، ولا يمتنع التَّعَرُّضُ للفسق
[ ٢ / ٢٠٠ ]
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ لَوْ لَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ، لَمْ يَبقَ لِكَوْنِهِ فَاسِقًا أَثَرٌ فِي الدَّفْعِ؛ لَكِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى ذلِكَ التَّأْثِيرِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا فِي الْجُمْلَةِ.
احْتَجَّ الْمُخَالِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ العَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الظَّنَّ؛ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً:
بَيَانُ الأَوَّلِ: أَنَّ ذلِكَ الْوَاحِدَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْعِصْمَةِ، لَمْ يُفِدْ قَوُلُهُ الْقَطعَ.
===
لِلْمُبَالغَةِ في الرَّدِّ وقد أورد الخُصُومُ على هذِهِ الآيَةِ أنها مُشْتَرِكَةُ الدلالة؛ فإنه عَلَّلَ مَنْعَ قَبُولِ خبر الفَاسِقِ بعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ في خَبَرِ العَدْلِ، وهي عَدَمُ العِلْمِ والجهالة؛ كما نَبَّهُ عليه بقوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ﴾ [الحجرات ٦].
وأجاب القاضي عنه بأن الجَهَالةَ هَهُنَا بمعنى السَّفَاهَةِ وفعلِ ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ لا العَقْد غير المُطَابق؛ بدليل قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦]، فلو كان المراد به الغَلَطَ في العقد، لما جَازَ قَبُولُ الشَّهَادَةِ والفتوى.
لا يقال: إن الفَرْقَ أن الفَتوَى في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ؛ لأن وُجُوبَ تحصيل صِفَاتِ الاجتهاد على كُلِّ أَحَدٍ غير مُتَيَسَّرٍ، لا سيما الضعفاء التمييز، واشْتِغَالُ الجميع به عَائِقٌ عن المَعَاشِ الذي به بَقَاءُ العالم، وفي توقيف الشهادة على حُصُولِ العِلْمِ تَضيِيعٌ لحقوق النَّاسِ، والمجتهد إذا عدم النص والإجماع ولوازمهما يرجحُ البراءة الأَصْلِيَّة.
لأنا نَقُولُ: معرفة النُّصُوصِ، ومَوَاقِعِ الإجماع للجميع قَرِيبٌ، ويمكن الرُّجُوعُ بعدها إلى البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ.
وقولهم: "في قَبُولِ الشَّهَادَةِ الظنية صِيَانَةُ حَقِّ المُدِّعِي": يُعَارِضُهُ أنه إِضرَارٌ بالمُدَّعَى عَلَيهِ
[ ٢ / ٢٠١ ]
بَيَانُ الثَّانِي: أَن الله تَعَالى لَمَّا ذَكَرَ الظَّنَّ فِي كِتَابِهِ، ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ؛ قَال الله تَعَالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾ [النَّجْمُ: ٢٨]، وَقَال أَيضًا: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ [الأَنْعَامُ: ١١٦]، وقَال الله تَعَالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحْزَابُ: ١٠].
وَهذَا النَّوْعُ مِنَ الآيَاتِ كَثِيرٌ، وَكُلُّهَا مَذْكُورَةٌ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةُ: ١٦٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإِسْرَاءُ: ٣٦] وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةُ: ٨٠].
===
بسفك دَمِهِ، وقطع أطرافه، وإِبَاحَةِ عِرْضِهِ وماله بقول من يجوز عليه الغَلَطُ والسَّهْوُ والكذب، ولا يناسب إِزَالة الضَّرَرِ بِالضَّرَرِ.
والأَسَدُّ بِالجَوَابِ -إذا كانت المَسْألةُ عنده ظَنِّيَّةً من حيث إنَّ مآلها إلى العَمَلِ- أن يقال: كَيفَ يسوى بين خَبَرِ الفَاسِقِ والعدل، وظَاهِرُ خَبَرِ الفاسق الكَذِبُ، وظاهر خبر العَدْلِ الصِّدْقُ؟ ! وحملُ القاضي الجهَالة على فِعْلِ ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ لا يدفع السؤال؛ فإنه إنما يَنْشَأُ عن الغَلَطِ في الاجتهاد، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْعًا لازِمًا عَلَى كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ، أَوْ مَا كَانَ كَذلِكَ:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: كَانَ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إِيصَالُهُ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ: فَإِمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّ إِيصَالهُ إِلَى ذلِكَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ يَقْتَضِي إِيصَالهُ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ أَوْ لَا يَقْتَضِي ذلِكَ:
فَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ ذلِكَ الْوَاحِدَ: إِن لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الْعِصْمَةِ، كَانَ فِي مَحَلِّ السَّهْو وَالنِّسْيَانِ، وَمَعْرِضِ التَّحْرِيفِ وَالإِخْفَاءِ؛ وَإِذَا ثَبَتَ هذَا: ثَبَتَ أَنَّ إِيصَالهُ إِلَيهِ لَا يُفِيدُ إِيصَالهُ إِلَى الكُلِّ؛ فَكَانَ هذَا تَقْصِيرًا فِي الإِيصَالِ مِنَ الْوَحْيِ وَخِيَانَةً مِنْهُ؛ وَإِنَّهُ عَلَى الرَّسُولِ - ﵇ - مُحَالٌ.
أَمَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، مَا كَانَ شَرْعًا لازِمًا عَلَى كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ - فَحِينَئِذِ: جَعْلُهُ شَرْعًا لازِمًا عَلَى كُل الْمُكَلَّفِينَ، عَلَى خِلافِ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﵇ - فَوَجَبَ كَوْنُهُ بَاطِلًا.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ تِلْكَ الأَلْفَاظَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - مَا كَانُوا يَكْتُبُونَهَا، وَإِذَا خَرَجُوا عَنْ حَضرَةِ الرَّسُولِ - ﵇ - مَا كَانُوا يُكَرِّرُونَ عَلَى تِلْكَ الأَلْفَاظِ، بَل كَانَت تِلْكَ الأَلْفَاظُ عَلَى مَسَامِعِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْوَاحِدَ مِنهُمْ كَانَ يَرْوي تِلْكَ الأَلْفَاظَ بَعْدَ السِّنِينَ المُتَطَاولَةِ؛ وَإِذَا كَانُوا كَذلِكَ: كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا؛ بِأَنَّ هذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا تَكُونُ عَينَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تَعَوَّدَ تَلَقُّفَ الدُّرُوسِ مِنَ الأُسْتَاذِ، وَصَارَ مَاهِرًا في هذِهِ الصَّنْعَةِ
===
قوله: "واحتج المُخَالِفُ " إلى آخر الشُّبْهَةِ:
وأجوبتها ظاهرة، وفيما تَقَدَّمَ إِشَارَةٌ إلى ما أغفل من أجوبتها، وبالجُمْلَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أن المُخَالِفِينَ لنا في هذه المَسْأَلَةِ فِرَقٌ، ولكل فِرْقَةٍ على مَقَالتِهَا شُبْهَةٌ، فلنذكر أخيلها: أما المَانِعُونَ لِجَوَازِ التّعَبُّدِ به عَقْلًا، فلهم وُجُوهٌ:
الأول: قالوا: التَّكْلِيفُ إنما يَحْسُنُ بشرط أن يَكُونَ فيه مَصْلَحَةٌ، والمَصْلَحَةُ لا يَعْلَمُهَا إلَّا اللهُ - تعالى - وَرَسُولُهُ - ﵇ - بالوَحْي، والمخبر عنه بطريق الانْفِرَادِ يجُوزُ عليه السَّهْوُ والغَلَطُ والكَذِبُ، وإذا جَازَ ذلك، لم تُعْلَمِ المَصْلَحَةُ؛ والجَهْلُ بالشَّرْطِ مَانِعٌ من العلم بالمَشْرُوطِ.
الثاني: لو جَازَ في الفُرُوعِ، لَجَازَ في الأُصُولِ.
الثالث: لو جاز لَجَازَ نَقْلُ القُرْآنِ به.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
عَدِيمَ النَّظِيرِ، إِذَا أَلْقَى عَلَيهِ أُسْتَاذُهُ دَرْسًا فَإِنَّ ذلِكَ التِّلْمِيذَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَ ذلِكَ الدَّرْسَ، بِعَينِ تِلْكَ الأَلْفَاظِ، فِي عَينِ ذلِكَ المَجْلِسِ؛ بَل لَا بُدَّ وَأَنْ تَقَعَ فِيهِ زِيَادَات كَثِيرَةٌ، وَنُقْصَانَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وَإِذَا كَانَ كَذلِكَ: فَالْقَوْمُ الْذِينَ لَمْ يُمَارِسُوا تَلَقُّفَ الأَلْفَاظِ وَحِفْظَهَا وَضَبْطَهَا، إِذَا سَمِعُوا كَلِمَاتٍ وَمَا قَرَءُوهَا وَمَا أَعَادُوهَا وَمَا كَرَّرُوا عَلَيها أَلْبَتَّةَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعَدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاولَةِ يَروُونَهَا ويذكُرُونَهَا - كانَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا بِأَنَّ شَيئًا مِنْ هذِهِ الأَلْفَاظِ لَا يُنَاسِبُ شَيئًا مِنَ الأَلْفَاظِ التِي ذَكَرَهَا الرَّسُولُ - ﷺ - وَالْمَعَانِيَ -أَيضًا- لَا تَكُونُ بَاقِيَةً بِتَمَامِهَا، بَلِ التَّغَيُّرَاتُ كَثِيرَةٌ فِي اللَّفْظِ، وَالمَعْنَى يَكُونُ حَاصِلًا؛ فَثَبَتَ أَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ أَنَّ شَيئًا مِنْ هذِهِ الْكَلِمَاتِ لَيسَ مِنْ كَلام رَسُولِ الله - ﷺ -؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَكونَ شَيءٌ مِنْهَا حُجَّةً، وَلَا يُقَالُ: الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الرَّاوي أَلَّا يَذكُرَ شَيئًا، إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّ الرَّسُولَ - ﷺ - قَال كَلامًا مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ هذَا الرَّاوي؛ لأَنَّا نَقُولُ: غَرَضُنَا مِنْ هذِهِ الْحُجَّةِ: بَيَانُ أَنَّ شَيئًا مِنْ هذِهِ الأَلْفَاظِ لَا يُطَابِقُ لَفْظَ الرَّسُولِ - ﵇ - يَقِينًا مَعَ الْمَعَانِي؛ فَنَقُولُ: الشَّرْطُ فِي رِوَايَةِ الْمَعَانِي أَنْ يَكُونَ الرَّاوي عَالِمًا بمَا قَبْلَ الكَلام، وَبِمَا بَعْدَهُ، وَبِالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَقَالِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -؛ فَإِنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أَنَّ الرَّاويَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ، كَانَ قَدْ ذَكَرَ كَلامًا قَبْلَ ذلِكَ، تَغَيَّرَ حَالُ هذَا الْكَلام بِسَبَبِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ؛ فَكَانَ يَجِبُ أَلَّا تُقْبَلَ إِلَّا رِوَايَةُ الْعَالِمِ، وَالمُتَيَقِّنِ فِي الْعِلْمِ، إِلَّا أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُجَوِّزُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا يَعْتَبِرُ ذلِكَ؛ فَوَجَبَ سُقُوطُه.
الحجة الرَّابِعة: أَنَّ خَبَرَ الوَاحِد: إِمَّا [أن] يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَسَائِلِ الأُصُولِ؛ وَهِيَ: الْكَلامُ فِي ذَاتِ الله تَعَالى وَفِي صفَاتِهِ وَفِي أَفْعَالِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشتَمِلًا عَلَى مَسَائِلِ الْفُرُوعِ؛ وَهِيَ: بَيَانُ الأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَبَاطِلٌ؛ لأَنَّ تِلْكَ الْمَطَالِبَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَقِينِيَّةً، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ.
أَمَّا الثَّانِي: فَبَاطِلٌ؛ لأَن تِلْكَ الأَحْكَامَ لَمَّا كَانَت شَرِيعَة عَامَّةً، وَجَبَ عَلَى النبِي - ﷺ - إِيصَالُهَا إِلَى كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ، فَلَمَّا لَمْ يُوَصِّلْهَا إِلَّا إِلَى ذلِكَ الْوَاحِدِ؛ وَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى ذلِكَ الْوَاحِدِ إِيصَال ذلِكَ الْخَبَرِ إِلَى كُل الْمُكَلَّفِينَ؛ وَإِلَّا لَحَصَلَتِ الْخِيَانَةُ فِي
===
الرابع لو جاز لأَدَّى إلى التَّنَاقُضِ عند التَّعَارُضِ.
الخامس: إذا لم يقبل خَبَرُ الرَّسُولِ عن الله - تعالى - إلَّا بما يعلم به صِدْقُهُ، فخبر غيره أَوْلَى.
السادس: أَنَّ حَقَّ العَمَلِ أَنْ يكون تابِعًا لِلْعِلْمِ، وإلَّا فلا.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أَدَاءِ الشَّرِيعَةِ؛ وَذلِكَ مُحَالٌ عَلَى الأُنْبِيَاءِ، ﵈.
إِذَا ثَبَتَ هذَا؛ فَقَدْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى ذلِكَ الرَّاوي: إِيصَالُ ذلِكَ الحُكمِ إِلَى كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالسَّعْيُ فِي تَشهِيرِهِ، وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الكُلِّ؛ لَكِنَّ الرُّوَاةَ مَا فَعَلُوا ذلِكَ، وَإِنَّمَا رَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذلِكَ الْخَبَرَ بَعْدَ دَهْرِ بَعِيدِ وَزَمَانٍ طَويلٍ؛ فَكَانَ ذلِكَ خِيَانَة عَظِيمَةً صَادِرَةً عَنْهُمْ فِي الدِّينِ؛ وَظُهُورُ الْخِيَانَةِ يُوجِبُ رَدَّ الرِّوَايَةِ.
الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنَّ دَلِيلَكُمْ عَامٌّ فِي الْمَنْعِ مِنَ العَمَلِ بِالظَّنِّ، وَدَلِيلُنَا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبعُدُ أَنْ يُقَال: إِنَّ الشَّرَائِعَ عَلَى قِسْمَينِ: مِنْهَا مَا يَجِبُ إِيصَالُهُ إِلَى كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ بِالنَّقْلِ المُتَوَاتِرِ، وَمِنْهَا مَا يَجِبُ إِيصَالُهُ إِلَيهِمْ بِرِوَايَةِ الآحَادِ.
الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ: أَنا نُسَلِّمُ أَنَّ أَكْثَرَ هذِهِ الألَفَاظِ لَا تَكُونُ أَلْفَاظَ الرَّسُولِ - ﵇ - وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ؛ إِلَّا أَنَّ الأَحْكَامَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً مِنْهَا.
الْجَوَابُ عَنِ الرَّابع: أَنَّ إِظهَارِ الْحُكمِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَلَمَّا لَمْ تَحْصُلِ الْحَاجَةُ إِلَّا فِي ذلِكَ الْوَقتِ - لَا جَرَمَ: حَسُنَ مِنَ الرَّاوي تَأخِيرُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِلَى ذلِكَ الْوَقتِ.
===
وأُجِيبَ عن الأَوَّلِ: بأنه بَاطِلٌ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، وقول المُفْتِي، وقَبُولِ خَبَرِ المرأة في الطُّهْرِ والحَيضِ، وقَبُولِ خبر بَائِع اللَّحْمِ أنه مُذَكَّى.
وعن الثَّانِي: أن للظَّنِّ مَدْخَلًا في الفُرُوعِ بالإِجْمَاعِ دون الأُصُولِ.
وعن الثالث: أن القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، فقضت العَادَة بالتَّوَاتُرِ فيها.
وعن الرابع: يُعْمَلُ بالرَّاجِحِ، وعند التَّسَاوي التخيير أو الوقف.
وعن الخامس: إنما شرط في مُعْجِزةِ الرَّسُولِ العِلْم؛ لأن سائر السَّمْعِيَّاتِ تَنْتَهِي إليها، والظَّنُّ إنما يَجِبُ العَمَلُ به لاسْتِنَادِهِ إلى القَطْعِ.
وعن السادس: وهو قولهم: "إن حَقَّ العَمَلِ أن يَكُونَ تَابِعًا":
قلنا: الأَمْرُ كذلك، وإنما أَوْجَبْنَا العَمَل عندها لأدلة قَاطِعَةٍ، وهو ما علم من سِيرَتِهِ - ﵇ - وسِيرَة الصَّحَابَةِ.
وأما المَانِعُونَ لعدم دَلِيلٍ: فحاصل ما يذكرونه من نَفْي المَدَارِكِ يرجع إلى طَلَبِ دَليلٍ، وقد أقمنا الدَّليلَ عليه.
وأما المَانِعُونَ له سَمْعًا: فشبهتهم: ما أَشَارَ إليها من الظَّوَاهِرِ المَانِعَةِ من اتبُاع الظَّنَّ، والعمل بغير العِلْمِ، وأن في الكتاب غُنْيَةً عنه، وقد تَقَدَّمَ الجَوَابُ عن الجَمِيع، والله علم.
[ ٢ / ٢٠٥ ]