بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفِيدُ أَصْلَ الطَّلَبِ، الَّذِي هُوَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَبَينَ التَّكْرَارِ؛ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لأَحَدِهِمَا بِعَينِهِ إلا أنَّا لَا نَعْرِفُهُ.
وَقَال قَوْمٌ: إِنَّهُ يُفِيدُ التَّكْرَارَ.
===
وكذلك قوله ﵊-: فَإذَا أَدْبَرَتِ الْحَيضَةُ، فَاغْتَسِلِي، وَصُومِي، وَصَلِّي"؛ لأَنَّ الأصل وجوبُ الصوم والصلاة، وتركها لعارضٍ، فإذا زال العارضُ عاد الوجُوبُ، ومثل هذا قَلِيلٌ من ثبوت الحكم على خِلَافِ الأَصْل، وما ذكرناه على وَقْقِه: أعني البراءة الأَصْلِيَّة.
قوله: "الأمْرُ لَا يُفِيد التكرار " إلى آخر المذاهب.
[ ١ / ٢٦٤ ]
لَنا وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ فِي مَوَارِدِ التَّكرَارِ مَرَّةَ، وَفِي مَوَارِدِ الْوَحْدَةِ أُخْرَى،
[ ١ / ٢٦٥ ]
وَالأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ؛ فَوَجَبَ جَعْلُهَا حَقِيقَةً فِي الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَينَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَبَينَ التَّكْرَارِ، وَالدَّالُّ عَلَى مَا بِهِ الا شْتِرَاكُ غَيرُ دَالٍّ عَلَى مَا بِه الامْتِيَازُ: لَا بِالْوَضْعِ، وَلَا بِالالْتِزَامِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَكُون فِي هذَا اللَّفْظِ دَلالةٌ عَلَى التَّكْرَارِ.
الثَّانِي: أَنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ، لَوْ دَلَّتْ عَلَى التَّكْرَارِ -لَدَلَّتْ: إِمَّا عَلَى التَّكْرَارِ الدَّائِمِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ، أَوْ عَلَى التَّكْرَارِ بِحَسَبِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَذَا -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى تَعَيُّنِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ [فَوَجَبَ] أَلَّا يَدُلَّ عَلَى التَّكرَارِ.
===
الَّذي ذهب إليه المحصِّلُون مِنَ الفقهاء، وعلماءِ الأُصُولِ أَنَّ صيغةَ الأمْرِ إِذا وردت عَرْيَّةً عن قَيد التكرار، والوحدة، والمرار- لا تُشْعِرُ بشيء من ذلك، وإِنَّما عدّ الآتي بالمرة مُمْتَثِلًا؛ ضرورة أَنَّ حصول المستدعى لا يتصور بدونها؛ لأَنَّ اللفظ مُشْعِرٌ بها، وسر ذلك أَنَّ مدلولاتِ الأفعال أجناسٌ، والأجْناسُ لا تشعِرُ بالوَحْدَةِ الشخصية، ولا بقِلَّةٍ ولا بكَثْرةٍ؛ ومِنْ ثَمَّ لم تُثَنَّ ولم تُجْمَعْ، وحسن استعمالها فِي القليل والكثير بلفظ واحد؛
فقيل لمَنْ أوقع القِيَام مَرَّةً، أو مِرَارًا: قائم؛ لاشتراكها فِي الحقيقة الشاملة، وكُلُّ ما ثبت مع المتقابلين، فليس له من ذاته أحدهما.
وصار بعضُهم: إِلى أنها ظاهرة فِي المرار، وستأتي حُجَجُهُمْ.
وصارت الواقفية: إِلى الوقْفِ على المَذْهَبَينِ فيه، على ما مرَّ مِن وقف الاشتراك والخيرة.
احتجَّ القائلون بوقف الاشْتِرَاكِ: بأنه أُطْلِقَ تارةً وتارة، والأَصْلُ فِي الإِطلاق الحقيقةُ، وبحسن الاسْتفهام.
ودفع الأول: بأنَّ الاشْتراك على خِلَاف الأصْل.
والثاني: بأنَّه قد يحسُن الاستفهام لرفع المجاز أيضًا، ولأسباب وأَغْرَاض أُخْرَى.
واحتجَّ الفريقانِ مِنَ الواقفية بأَنَّ: دَعْوى أَن الصيغةَ للتَّكْرارِ، أو للمرَّةِ، إِمَّا أَنْ يعلمَ بالعقل، أو بالنَّقْلِ " إلى آخره على ما مَرّ، وجوابهُ على ما سبق.
وقطع القاضي بإِشْعارِها بالمرَّةِ، وتوقف فِيمَا زَادَ.
ونُوقِشَ: بأَنَّهُ مِنَ الواقفيَّةِ فِي أَصْلِ الصِّيغَةِ: وهَلْ تدلُّ على الوجوب، أو لا؟ فكيف يحسنُ منه الكلامُ فِي كيفية دِلَالتها عليه؟ .
واعتذر عنه: بأَنَّه تفريغٌ على مَذْهب غيره، أو بتقدير قرينة تدلُّ على أصل الأمر فَقَط.
قوله: "لنا وجوه: الأول: أن هذه الصيغة وردت للتكرار تارة" يعني: كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
[ ١ / ٢٦٦ ]
الثَّالِثُ: لَوْ قَال: "افْعَل دَائِمًا أَوْ لَا دَائِمًا"- لَمْ يَكُنِ الأَوَّلُ تَكرَارًا، وَلَا الثَّانِي نَقضًا.
الرَّابعُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلأَمْرِ إلا طَلَبُ إِدْخَالِ الْمَصْدَرِ فِي الوُجُودِ، وَلَا مَعْنَى لِصِيغَةِ الْمَاضِي إلا الإِخْبَارُ عَن حُصُولِ الْمَصْدَرِ فِي الزَّمَانِ المَاضِي، ثُمَّ الْمَصْدَرُ لَا دَلَالةَ فِيهِ عَلَى التَّكرَارِ؛ وَإِلَّا لَمَا صَدَقَتْ صِيغَةُ الْمَاضِي إلا عِنْدَ التَّكرَارِ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُفِيدَ الأَمْرُ التَّكْرَارَ.
===
قوله "وللوَحْدة أُخرى" يعني: كقوله -﵊-: "حُجُّوا". قولُه: "والأَصْلُ عدم الاشْتراكِ والمجاز"، يعني: لافْتقارهما إِلى القرينة.
قوله: "والدَّالُّ على الاشْترَاكِ غيرُ دالٍّ على ما به الامْتياز، لا بالوضْعِ ولا بالاسْتِلْزَامِ "- لا
يعني بالاستلزام: اللَّازم الخَارِجي، بل اللازم مُطلقًا؛ ليعم به أقسام الدَّلالات الثلاث، ويعني: أن العام لا يدلُّ على الخاصِّ لَا حَقِيقةً ولا مجازًا.
قوله: "الثاني: أَنَّ هذه الصيغة لو دَلَّت على التكرار -لَدلَّت: إما على التَّكْرَار الدائم، وهو باطل بالإِجماع" -يعني: لما فيه مِن تكليفِ المحال ولزوم نسخ الأمر الأول عند توجه الأمر الثاني.
قولُه: "أو على التَّكْرَارِ بحسب الوقْتِ المعين، وهو باطِلٌ " -يعني؛ لأنه ترجيحٌ بلا مرجِّح.
وما ذكره لا يُعَيِّنُ دعواه؛ لأَنَّهُ لم يدلَّ على إِبطال الموحدة، وإِنما ينتج له إِبطال مذهب الخَصْم بالتكرار فقط.
ورد: بأَنَّها تقتضي التكرارَ بحسب الإِمكان؛ كما لو وردت مُقَيَّدةً بالتكرار.
قوله: "الثَّالِثُ: لو قال: "افعل دائمًا، أو لا دائمًا" لم يكن الأول تكرارًا ولا الثاني نقضًا". وردَّ: بأَنَّ الأول تاكِيدٌ، والثاني لتعيين المجَازِ.
قوله: "الرابعُ: اتفقوا على أَنَّهُ لا معنى للأمر إلَّا طلبُ إدْخال المصدر فِي الوجود، ولا مَعْنى لصيغة الماضي إلا الإِخبارُ عن حصول المصدر فِي الزمان " إِلى آخره.
حاصله: أَنَّ أمثلةَ الأفعال الخمسة اشتركَت فِي الدَّلالةِ على المصدر، والزمان المعين، ولا فَارِقَ بين "فعل"، و"افعل" فِي الزمان إلَّا المضي، والاسْتقبال، والماضي لا يُشْعِرُ بالتكرار،
[ ١ / ٢٦٧ ]
[الْخَامِسُ: لَوْ قُلْنَا: "إِنَّ الأَمْرَ يُفِيدُ التَّكْرَارَ"؛ فَحَيثُ لَا يُفِيدُهُ -لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَوْ قُلْنَا: "إِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ"؛ فَحَيثُ حَصَل التَّكرَارُ- حَصَلَتْ زِيَادَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ اللَّفْظُ بِهَا: لَا ثُبُوتًا، وَلَا عَدَمًا؛ وَلَا شَك أَنَّ هذَا أَوْلَى.
السَّادِسُ: أَنَّ الإِيجَابَ حَرَجٌ، وَعُسْرٌ، وَضَرَرٌ؛ فَكَانَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ تَقْلِيلٌ لَهُ؛ فَكَانَ أَوْلَى].
===
فكذلك المستقبلُ وأكد ذلك بالإِجماع على بر من حلف "لَيَفْعَلَنَّ كذا بالمرَّةِ وكذلك لو نَذَرَهُ".
ورُدَّ: بأَنَّ ذلك يرجع إلى أحكام الشرع، والبحْثُ فِي مقتضى اللسان.
وأُجِيبَ: بأَنَّ حكم الشرع فِي هذه المواضع مَبْنِيٌّ على المفهوم مِنْ إِشعار اللفظ، وإنما يَرُدُّ على هذه الحُجَّةِ قولُه: "لا تفعل" إن سلم أنَّه يقتضي التَّكْرار، وسيأتي الفرقُ بينهما إِنْ شاء الله تعالى.
قوله: "الخامس: لو قلنا: إِنَّ الأَمر يُفِيدُ التَّكْرَارَ، فحيثُ لا يفيد، يلزمُ ترك العمل بمقتضى اللَّفْظِ:
ولو قلنا: إِنَّهُ لا يفيد فحيث حصل التكرار، لم يحصلْ منه مُخَالفَةٌ".
تمام هذه الحُجَّةِ أَنْ يُقال: ولو قلنا: إِنه يفيد المرة، فحيثُ يفيد التكرار، لزم منه مُخَالفَةُ الأَصْلِ، فيجعل حقيقةً فِي القدْرِ المشترك، وهي قريبةٌ من الحُجَّة الأولى.
قوله:: السادس: التكرار حَرَجٌ وعُسْرٌ وضَرَرٌ " إِلى آخرها - واضِحٌ.
قوله: "حجة المُخَالِف": يعني القائِل بالتَّكْرارِ فقط؛ فإِنَّا قدَّمنا فِي أول المسْألةِ أَنَّ المخالفين فِرَقٌ:
الفِرْقَةُ الحامِلَةُ لها على المرة لفظًا، والفِرْقةُ الواقفية على اخْتِلَاقِها فِي الوقف، وأشرنا إِلَى حُجَجِهم، والاعتراض عليها؛ لإِعْرَاضِ المصنِّف عنها، ولم يبق إلا الاحْتِجَاجُ للقائلين بالتَّكرَارِ.
قوله: "النَّهْيُ يفيد التكرارَ، وكذلك الأَمْرُ".
اعْتُرِضَ عليه: بأنَّ هذا قياسٌ فِي اللغة، ولا يَصِحُّ.
وأُجِيبَ عنه: بأنَّ القياسَ الممتنِعَ فِي اللغة -على رأى- أَنْ نَجِدَ مُسَمَّى باعتبارِ معنى، ويتحقق ذلك المعنى فِي غيره، فهل يكون مُسَمَّى بذلك الاسم أو لَا؟ والخِلَافُ ها هنا فِي لَوَازِم مَدْلُولات الأَلفاظ المعنوية؛ فإنَّ البحث فِي لازم الأمر فِي كُلِّ لغة.
قوله فِي الجمع: "لأنَّ كلَّ واحدٍ من الضدين يجب أَنْ يكون حُكْمه مثل حكم ضده".
هذا ضَعِيفٌ جدًّا؛ فإنَّه لا يلزم مِنِ اشْتراك المختلفين فِي حُكْمٍ عام، اشتراكها فِي سائر الأَحْكام.
وأَقْرَبُ ما يقرر به الجمع أَنَّ العرب قد تحمل الشَّيءَ على نقيضه، كما تحمله على نظيره؛
[ ١ / ٢٦٨ ]
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ أُمُورٌ:
الأَوَّلُ: النَّهْيُ يُفِيدُ التَّكْرَارَ؛ فَكَذَا الأَمْرُ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الضِّدَّينِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكمُهُ مِثْلَ حُكْم الآخَرِ.
الثَّانِي: يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "صَلِّ إلا فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ"، وَالاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ؛ وَذلِكَ لَا يَتِمُّ إلا إِذَا كَانَتْ هذِهِ الصِّيغَةُ مُتَنَاولَةً لِكُلِّ الأَوْقَاتِ.
===
كحمْلِهم "لَا" الداخلة على النكرة فِي عملها علي "إِنْ"، و"كم" الخبرية على "رُبَّ".
ومنهم مَنْ قرر الجمعَ بأَنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّه، والنهي للتكرار، والنهي يعم؛ فكذلك الأَمْرُ.
ورُدَّ: بأَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضِدِّه، ثم لو سلَّم، فَلَا نُسَلِّم أَنَّ مطلق النهي للتكرار، ثم لو سلم إشعاره بالتكرار، فإِنما يسلم فِي النهي الابْتدائي، أما المتضمِّنُ التابع لِلأَمْر، فهو بحسب مَتْبُوعه، إن عَمَّ عَمَّ، وإنْ خَصَّ خَصَّ؛ كما نقول فِي النهي المقيد بالمرة.
والحَاصِلُ: أنَّه استدلالٌ بفرع مَحَلِّ النزاع.
ومنهم مَنْ قَدَّر الجمع بأنَّه لَا مَعْنى للنهي إلَّا الأمر بالترك، وقد عَمَّ النَّهْيُ؛ فيعم.
قوله: "وعن الثاني: أنَّ الاستثناء يخرح مِنَ الكلام ما لولاه لصلح"- هذا منه مقابلة دَعْوَى بدعوى، ولم يحقق ها هنا أَن الاسْتثناء حقيقة فِي إِخراج الداخل، أو الصالح للدخول، ولا شكَّ فِي استعماله بالاعتبارين معًا.
أمَّا فِي استعماله فِي إخراج الداخل، فكقولك: له عليَّ عشرة إلَّا دِرْهمًا، وأما الصَّالِحُ، فكَاسْتِثناء ما زاد على العشرة مِنَ العشرة عَلَى وَجْهِ البدل من جموع القِلَّة.
وإذا استعمل فيهما فيحتمل أنْ يكون بالاشْتِرَاك إلا أنَّه على خِلَاف الأصل، ويحتملُ أنْ يكون بالحقيقة والمجاز، فإِمَّا يكون حقيقةً فِي إخراج الداخل، مجازًا فِي إخراج الصالح، أو بالعكس.
ولا جائز أنْ يكونَ حقيقةً فِي إخراج الصالح؛ لئلَّا يلزمَ مِنِ اسْتعماله مجازًا فِي إِخراج الداخل عدمُ المصحح بخلاف عكسه، كما قرر.
والأَقْربُ مِن ذلك كُلِّه أَنْ يكون مقولًا عليهما باعتبار قَدْر مشترك، فيكون مُتَواطِئًا، ويكون حقيقة الاسْتثناء: إخراج الثاني مِنْ حكم الأول بـ "إلا وأخواتها" مع قَطْعِ النظر عن الخصوصيتين؛ وحينئذ تسقطُ الحُجَّةُ، والجوابُ عنها.
قوله: "ولَئنْ سَلَّمنا ذلك، لكنْ لِمَ لا يجوزُ أَنْ يكون هذا الاستثناء قرينةً دالَّة عَلَى الأَمْرِ؟ " والجوابُ عنه بالفرق، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.
قوله: "الثاني: أنَّه يصح أن يقال: "صلوا إلَّا فِي الوقت الفلاني"، والاسْتثناء يُخْرِجُ من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك لا يتم إلَّا إذا كانت هذه الصيغة مُتَناولةً لكُلِّ الأوقات" وقوله:
[ ١ / ٢٦٩ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى التَّكْرَارِ أَحْوَطُ؛ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيهِ؛ لِقَوْلِهِ -﵇-: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ، إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّرْكَ الْمُسْتَمِرَّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ بِالاتِّفَاقِ، وَالأَمْرُ لَا يُوجِبُ الفِعْلَ المُسْتَمِرَّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ مَنْعٌ مِنْ تَكْوينِ المَاهِيَّةِ، وَالامْتِنَاعُ عَنْهَا فِي الْوُجُودِ لَا يَتَحَقَّقُ إلا بِالامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ.
أَمَّا الأَمْرُ: فَهُوَ حَمْلُ المُكَلَّفِ عَلَى إِدْخَالِ الماهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ، وَذلِكَ يَكْفِي فِي العَمَلِ بِهِ إِدْخَالُهُا فِي الْوُجُودِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، يَجْرِيَانِ مَجْرَى الإِيجَابِ وَالسَّلْبِ، فَكَمَا أَنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ الدَّائِمَةَ يَكفِي فِي ارْتِفَاعِهَا حُصُولُ الْمُوجَبَةِ الْجَزئِيَّةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ فَكَذلِكَ النَّهْيُ كَالسَّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ الدَّائِمَةِ، وَالأَمْرُ كَالْمُوجَبَةِ الْجُزئِيَّةِ.
وَعنِ الثَّانِي: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، لَا مَا يَجِبُ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذلِكَ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: حُصُولُ هذِهِ الاسْتِثنَاءَاتِ، صَارَ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى مَعْنَى التَّكرَارِ؟ !
===
"الثالث أَنَّ حملَه على التكرار أحوطُ"- وَاضِحُ المراد.
وقوله: "والجواب عن الأول مِن وجوهٍ: الأول: أنَّ النهيَ يُوجِب الانْتِهاء المستمر بخلاف الأمر".
ويرد عليه: أنَّه يجب أَنْ يثبت بحسب الإِمْكَان؛ كما لو قيده بالتكرار لَفْظًا.
قوله: "الثاني: أن النهي مَنْعٌ من تكوين الماهية " إلى آخره؛ يعني: أَنَّ النهي المطلق لا يتصور امتثاله إلا بالامْتناع عن كُلِّ أشخاصه، والأمرُ يقتضي مُطْلَقَ الوجود، وأنه يتحقق بالمرة.
قوله: "الثالث: أن الأمر والنهي يجريان مجرى الإِيجاب والسَّلْب" يعني: والنهي قد عم بالاتِّفاقِ من الخَصْم، والأمر يقابله.
فكما يكفي فِي رفع السالبة الكلية الموجبة الجُزئِيَّة- يكفي فِي رَفْعِ النهي العام الأمر الجزئي! فلا دَلَالة على التكرار تثبت. ومما احتجَّ به القائلون بالتَّكْرَارِ: أنَّه أتى بشاربِ خَمْرٍ إِلى رسول الله - ﷺ - فأمَرَ بضربه إِلَى أن كفهم عنه، ففهموا مِن أمره - ﷺ - التكرار.
وأُجِيبَ عنه بأَنَّ فهم التكرار لم يَكُن مِن مُجَرَّدِ الأمر، وإنَّما فُهِمَ من قرينة الزَّجْرِ، وأَنَّ المرة لا تصلح للزجر غالبًا.
[ ١ / ٢٧٠ ]
فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ هذِهِ الْقَرِينَةُ، لَمْ يَحْصُلِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ التَّكْرَارِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ تَرْكَ التَّكرَارِ قَدْ يَكُونُ أَحْوَطَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا قَال السَّيِّدُ لِمَمْلُوكِهِ: "ادْخُلِ الدَّارَ"، فَلَوْ أَنَّهُ أَخَذَ يَدْخُلُ الدَّارَ فِي كُل الأَوقَاتِ، رُبَّمَا اسْتَوْجَبَ اللَّوْمَ؛ وَهذَا الكَلامُ يَصْلُحُ لأن يُسْتَدَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْمَسَأَلَةِ.
===
واحتَجَّ الأُسْتاذُ بأَنَّ الشارع إِذا قال: قُمْ، مثلًا، فللصيغة مُقْتضَياتٌ ثلاثةٌ: اعتقادُ الوُجُوبِ، والعَزمُ على الفعل، والعزم على التكرار؛ فكذلك الفِعْلُ.
وأُجِيبَ بأنَّا لا نُسَلِّمُ اقتضاءَ كُل الأوامر كذلك، ولو سلم فبدليلٍ خَارجٍ عن اللفظِ؛ إِمَّا لأنَّ وجوبَ اعتقاده مِنْ قواعد الإِيمان، وهو على التكرار، أو لاسْتحالة العَزمِ عند الذكر عَنِ اعتقادِ الوُجُوبِ؛ أَوْ لَا وُجُوبَ:
والثَّانِي مُمْتَنِعٌ، فيجب الأولُ، وكذلك العَزْمُ،، وما ذكره منقوضٌ بالأمر المقيد بالمرَّةِ؛ كالحج؛ فإِن وجوبَ الاعتقاد، والعزْم عليه لِلتكرار دُونَ الفعل.
فَرْعٌ على هذه المسألة:
إذا قُلْنا: إِن الأَمر يقتضي التكرارَ، فإِذا عُلِّق على صِفَةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور ٢]، أو على شرطٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦].
قال قومٌ: يقتضي التكرار؛ مُحْتَجِّينَ بمثل هذه الآيةِ؛ فإِنها للتكرار بالإِجْمَاع.
وقال قومٌ: لا يقتضيه؛ مُحْتَجِّينَ بما إذا قال السيِّدُ لعبده: إِذا دخلتَ السُّوقَ فَاشتَرِ اللَّحْمَ؛ فإِنه لا يقتضي التكرار.
والحقُّ أنه لا يقتضيه بحسب الوضْعِ؛ فإِنَّ الصيغةَ لم تُشعِرْ بالتكرار على ما تقرر، والشَّرْطُ إِنما يفيد تعليق ما أشعر اللفظ به.
وكذلك لو قال للمدخُولِ بِهَا: إِنْ دخلتِ الدارَ فأنْتِ طالقٌ- لم يتكرر، والتكرارُ فِيمَا ذكرنا إِنَّما كان مِنْ شرعية القياس الشرعي، وأن الحُكمَ يتكرر بتكرار علته شَرْعًا.
[ ١ / ٢٧١ ]