تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَاقِعٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَنَزِيدُهُ ههُنَا وَجْهَينِ آخَرَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّكْلِيفَ: إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ حَال اسْتِوَاءِ الدَّاعِي إِلَى الفِعْلِ وَالتَّرْكِ، أَوْ حَال رُجْحَانِ أَحَدِ الْجَانِبَينِ عَلَى الآخَرِ:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ التَّرْجِيحِ حَال حُصُولِ الاسْتِوَاءِ؛ وَهَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
===
وعن الرابع: إنما تعين نفي الأخص؛ لأن المنع على خلاف الدليل، وبتقدير نفي الأخص فقط تكونُ المخالفةُ أَقَلَّ؛ فوجب المصير إليه، والله أعلم.
[قوله: "المسألة الرابعة عشرة]: تَكْلِيفُ مَا لا يُطَاقُ وَاقِعٌ" الخِلَافُ في هذه المَسْأَلَةِ في طريقين: في الجَوَازِ، والوُقُوعِ. وقدِ اختار صَاحِبُ الكِتَابِ: أنه واقع، وفي ضمنه اختيار الجَوَازِ.
ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وإمامِ الحرمين، والغزاليِّ: أنه لا يَجُوزُ.
ومذهب الأَشْعَرِيِّ: جوازه،، وقد تردد النَّقَلَةُ عنه في وقوع ما جَوَّزَهُ.
قال الإمام: وهذا سوء معرفة بمذهبه؛ فإن التكاليف كُلَّهَا واقعةٌ على خلاف الاستطاعة.
وَبَيَّنَهُ من وجهينِ:
أولًا: أن قدرة العبد لا تأثيرَ لها في وقوع المَقدُورِ عنده، فهذا كُلَّفَ بالفعل فقد كُلَّفَ بفعل غيره.
ثانيًا: أن القدرة عنده لا تبقى زمانينِ، ولا توجد إلَّا مُقَارِنَةً للامتثال والتكليف بالفعل مُتَوَجِّهٌ قبل الامتثال، فقد كُلِّفَ بما لا قدرةَ له عليه. وما ذكره الإمام من الالتزام لا يمنع من تردد النقلة؛ فإن ما تئول إليه المذاهب لا يلزم أن يكونَ مذهبًا لقائله.
وهذه المسألة تذكر في أصلي الدِّين والفقه معًا؛ لِتَعَلُّقِهَا بهما: أما تعلُّقُها بأصول الدين: فإنَّ الأشعرية إذا أثبتوا عمومَ الصفات لله تعالى، وبيّنوا أن كل حادثٍ واقعَ فهو بمشيئة الله تعالى وقدرته.
قالت المعتزلة: هذا يلزم منه التكليف بالمحال؛ لأنه تعالى إذا أخبر بفعل، وهو مِن خلقه كان حاصِلُ التكليف به: افعلْ يا مَنْ لا فِعْلَ له، أو افعلْ ما أنا فاعل، وهذا عَينُ التكليف بالمحال.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَالرَّاجِحُ وَاجِبٌ، والْمَرْجُوحُ مُمْتَنِعٌ، فَإِنْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ -كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ وَقَعَ الأَمْرُ بِتَحْصِيلِ المَرْجُوحِ- كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْمُمْتَنِعِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
===
وأجاب الأصحاب بوجهين:
أحدهما: التزامه والتزامهم مِثْلَهُ على قواعدهم؛ فإن اختلافَ المعلوم مُكَلَّفٌ به، وفعله مُتَوَقِّفٌ على خَلْقِ داعٍ من الله تعالى، دفعًا للتسلسل، فقد كَلَّفَهُ، ولم يَخْلُقْهُ له، وطَلَبَ الفعلَ لاستصلاح مَنْ عَلِمَ أنه لا ينصلح،، إلى غيرِ ذلك مما يقررونه في محله.
الثاني: قالوا: إنْ أثبتنا عمومَ القدرة والإرادة لله تعالى، وقلنا: إِن كُلَّ حادث باختراعه ومشيئته، إلا أَنَّ للعباد في بعض الأفعال كَسْبًا؛ على ما نطق به القرآن المجيد: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والكسب فعل فاعل بمعين فلا نقول بالاستقلال ولا بالجبر فإنا نفرق بالضرورة بين حركة المرتعش والمسحور والمختار، والتكليف إنما يتعلق بالمكسوب.
وأمَّا تَعَلُّقُها بأصول الفقه: فلأنَّ أُصولَ الفقه عبارة عن: العِلْمِ بِأَدِلَّةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَيثُ الإِجْمَال.
وذلك يستدعي البحثَ في طرفينِ: طرف الأَدِلَّةِ، وطرف الحُكْم، والبحثُ في طرف الحكم يستدعي البحثَ في تعيين الحاكم، وهو الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠].
والمحكومِ عليه: وهو البالغ العاقل، الفاهِمُ للخطاب.
والمحكومِ فيه: وهو فعل المُكَلَّفِ، وله شروط منها: أنْ يكونَ مقدورًا لمنْ كُلِّفَ به، فَمِنْ ثَمَّ استدعي البحثَ في تكليف ما لا يُطَاقُ، وقدْ اتَّفَقَ الجميعُ أن التكليفَ بخلاف المعلومِ واقِعٌ، وقد احتج به على جواز التكليف بما لا يُطاقُ ووقوعِهِ.
قالوا: لأنه إذا كُلِّفَ بفعل، مع علمه تعالى أنه لا يوقعه -فوقوعُهُ مُحَالٌ؛ لأَنَّه لو وقع لانقلب العلمُ جهلًا.
قالوا: ولا فرقَ بين المستحيلِ لغيرِهِ، والمستحيلِ لنفسه.
قالوا: ولأن الله تعالى أخبر عن قوم كَلَّفَهُم بالإيمان أنهم لا يؤمنون، فلو وقع لَلَزِمَ الخُلْفُ في كلامه؛ وهو محال.
قالوا: ولأنَّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى انتفاءَ وقوعِهِ، فهو لا يريدُهُ، ووقوعُ خلافِ المُرَادِ مُحَالٌ.
وأجاب المانعون: بأنَّ تَعَلُّقَ العلم بعدمِ وقوعِ الفعل لا يُخرِجُهُ عن الإمكانِ؛ فإنَّ العلمَ يَتَعَلَّقُ بالشيءِ، ولا يُؤَثِّرُ فيه؛ بدليل صِحَّة تَعَلُّقِهِ بِالواجب والمستحيل، وإذا لم يُؤَثِّرْ، لم يخرجْ المُمْكِن عن إمكانه؛ ولذلك كان مقدورًا لله تعالى، وإلَّا لم تَعُمَّ صفاتُهُ تعالى.
قالوا: والشرط في التكليفِ إمكانُ الفعل عادةً بالنسبة لِمَنْ كُلِّفَ به، فَمَنْ كُلِّفَ بالطيران
[ ١ / ٣٥٤ ]
فَإِنْ قَالُوا: "إِنَّهُ -حَال الاسْتِوَاءِ- مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ التَّرْجِيحِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي":
فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: أَنَّهُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي، أَوْ المُرَادُ مِنْهُ: أَنَّهُ عِنْدَ مَجِيءِ الزَّمَنِ الثَّانِي يَصِيرُ مَأْمُورًا بِتَحْصِيل الْفِعْلِ فِيهِ:
===
فقد كُلِّفَ بما لا طاقَةَ له به، بخلاف تكليفِه بالمشي.
ثم ما لا يطاق ينقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: المستحيل في نفسه؛ كقلبِ الأجناسِ، والكونِ في مَحَلَّينِ في زمانٍ واحدٍ، وهذا لا تَتَعَلَّقُ به قُدْرَةٌ ألْبَتَّةَ، لا قديمةٌ، ولا حادِثَةٌ.
الثاني: المستحيل بالنسبة إلى العبدِ خَاصَّةً؛ كخلق الأجسامِ، وبعضِ الأعراضِ كالطُّعُومِ، والروائح.
الثالث: ما لا تجري العادَةُ بِخَلْقِ القدرة على مِثْلِهِ، وإنْ جاز خَلْقُهَا؛ كالمشي على الماءِ والطَّيَرَانِ في الهواءِ.
الرابع: ما لا قدرةَ للعبد عليه حَال التكليفِ، وله قُدْرَةٌ عليه حال الامتثالِ.
الخامس: ما هُوَ من جِنْسٍ مقدورٍ للبشر، لكنْ في الحمل عليه مَشَقَّةٌ عظيمة؛ كالأمر في التوبة بقتلِ النفس، وثُبُوتِ الواحد للعشرةِ، وعليه يُحْمَلُ قولُهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذْ لا معنى للابتهالِ في دفعِ ما لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ.
والخامِسُ واقع بالاتفاقِ.
والرابع أيضًا واقعٌ على أصل أَبِي الحَسَنِ، وهو لا يَعُدُّهُ مِن تكليف ما لا يُطاقُ؛ لأنه لا يَشتَرِطُ التمكُّنَ إلَّا على حالِ الوقوع، فلا يَضُرُّ عَدَمُهُ قبل ذلك.
والثلاثة الباقية جَوَّزها أبو الحسن، والتردُّدُ المنقولُ عنه إِنَّما هو في وقوعها.
وقد احتج صاحب الكتابِ على وقوعه ها هنا بوجهين:
الأَوَّلُ: أَنَّ الأمر: إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ حَال استواءِ الدَّاعِي، أَوْ تَرَجُّحِهِ، ووقوعُ الفعل مع الاستواءِ مُحَالٌ، ومع الترجيح للفعل واجب، والتَّرْكُ مُمْتَنِعٌ والتكليفُ به تكليفٌ بالواجبِ، أو المستحيلِ.
وَرُدَّ: بأن تَعَلُّقَ الدَّاعِي لا يُصَيِّرُهُ واجبًا، فإنَّهُ واقع باختياره وقُدْرَتِهِ،، ولُزُومُ وقوعِ الجائِزِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ لا يُصَيِّرُهُ واجبًا، وإلَّا لكان البارِي تعالى موجبًا بالذَّاتِ لا فاعلًا بالاختيار؛ فإنَّ ما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ وإرادَتُهُ وقدرتُهُ بوقوعه فهو لازم الوقوعِ؛ فعدمُه واجبٌ بالتفسير الذي ذكره.
قوله في الاعتراض: "فإن قالوا إنَّهُ حَال الاستواءِ مأْمُورٌ بتحصيلِ الترجيح في الزمان الثاني.
فنقول في الجواب: إمَّا أَنْ يكونَ المرادُ منه أنه في الزَّمَنِ الأَوَّلِ مأمورٌ بتحصيلِ الفعل فيه، أو المُرَادُ منه أنه عند مَجِيءِ الزمن الثَّاني يصيرُ مأمورًا بتحصيل الفعل فيه، فَالأَوَّلُ تكليفُ ما لا
[ ١ / ٣٥٥ ]
وَالأَوَّلُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؛ لأَنَّ تَحْصِيلَ الفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي مَوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ الزَّمَنِ الثَّانِي، وَحُصُولُ الزَّمَنِ الثَّانِي -عِنْدَ وُجُودِ الزَّمَنِ الأَوَّلِ- مُحَالٌ؛ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ.
===
يُطَاقُ -أي: في الزمن الثاني- لأنه تحصيلٌ للفعل في الزمن الثاني، وهو موقوف على حصولِ الزمن الثاني، وحصولُ الزمنِ الثَّانِي عند وُجُود الزمن الأَوَّلِ مُحَالٌ".
والاعتراض عليه: أَنْ يقال: المُرَادُ منه: أنه في الزمن الأَوَّلِ مأمورٌ بإِيقاع الفعل في الزمن الثاني، والموقوفُ على وُجُودِ الزمن الثَّاني وقوعُ المأمورِ به، لا الأَمْرُ؛ فإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ، ولم يُؤْمَرْ بإِيقاعِهِ في الزمن الأوَّلِ بشرط حُصُولِ الزمن الثاني؛ فإنه مُحَالٌ.
والقسم الثاني: ظاهر البُطْلَانِ؛ فلا نقولُ به.
قوله: "الوجه الثاني: أَنَّ الأمر بمعرفةِ اللهِ تعالى حَاصِلٌ" يعني بالإجماع على الجملة.
قوله: "فهذا الأمر: إمَّا أنْ يَتَوَجَّهَ على المُكَلَّفِ حَال كونِهِ عارفًا باللهِ تعالى، فيكون أمرًا بتحصيلِ حاصِلٌ" يعني: وهو من التكليف بالمحال.
قوله: "أو قبل كونه عارفًا بربه وقبل كونه عارفًا بربه لا يكون عارفًا بأمر ربه" يعني: فقد كُلِّف بالمشروط بدونِ شَرْطِهِ.
والجواب عنه: اختيار الثاني، ولا يلزم منه التكليفُ بالمشروط مع عدم الشَّرْطِ؛ فإنَّ شرطَ التكليفِ به تَصَوُّرُ أَنَّ له رَبًّا يَأْمُرُهُ، لا عِلْمُهُ بأنَّ له ربًّا يأمره، والتَّصَوُّرُ حاصِلٌ بقول الرسول - ﷺ -: "إِنَّ لَكَ رَبًّا يأمُرُكَ، فَإنْ شَكَرْتَهُ أَثَابَكَ، وَإِنْ كَفَرْتَهُ عَاقَبَكَ".
وقدِ احتجَّ الإِمامُ والغزاليُّ على امتناعِ التكليف بما لا يُطَاقُ: بأنَّ التكليفَ طَلَبٌ واستدعاءٌ، والطَّلَبُ يستدعي مطلوبًا، وشَرْطُهُ أَنْ يكونَ معلومًا للطالبِ، والمستحيلُ وُقُوعُهُ غَيرُ معلومِ الوقوع؛ فلا يكونُ مطلوبًا؛ لاستحالةِ تَحَقُّقِ المشروطِ بدونِ الشرط.
وَاعْتُرِضَ عليه: بأنَّ المستحيلَ محكومٌ عليه بالاستحالةِ، والحُكْمُ على الشيءِ موقوفٌ على تَصَوُّرِهِ، فالمستحيلُ مُتَصَوَّرٌ.
وَأُجِيبَ: بأنه محكومٌ عليه بالنفي، فَيَتَوقَّفُ على تَصَوُّرِهِ منفيًّا. أمَّا الحُكْمُ عليه بالطلب، فيتوقفُ على تَصَوُّرِهِ مثبتًا تَصَوُّرَ الشيءِ على خلافِ ما هو به، ولا يَقَعُ الأمر به إلا من جاهلٍ أو مَقْدُورٍ، والجَهْلُ على الله تعالى مُحَالٌ؛ لأَنَّهُ نَقْصٌ، والتقديرُ لا يكونُ إلَّا حادثًا، ولا يَتَّصِفُ سبحانه بحادِثٍ.
ويمكن أن يُقَال: الحُكْمُ عليه بأنه لا يُتَصَوَّرُ طَلَبُهُ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ، فهو متناقض، والحَقُّ أَنَّ قوله في الفَرْقِ: إنَّ الحكم عليه بالنفي يَتَوَقَّفُ على تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا، والحُكْمَ عليه بالطَّلَبِ يتوقف على تصوره مُثْبَتًا -مُغَالطَةٌ؛ فإنَّ فيه أَخْذَ الحكمِ في المَحْكُومِ عليه، وجَعْلَ التَّصَوُّرِ تصديقًا.
ومعنى الحكم على الشيء بالاستحالة: أَنَّ بعضَ التَصَوُّرَاتِ الثابتةِ في الذِّهْنِ إِذا عُرِضَتْ على العقل، قَضَى عليها بأَنَّها لا تَقْبَلُ الوجودَ الخارِجِيَّ بوجه ما، فإِذا فُرِضَ جَوْهَرٌ ما في
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ أَنَّهُ عِنْدَ مَجِيءِ الزَّمَنِ الثَّانِي يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِذلِكَ الْفِعَلِ-: فَنَقُولُ: إِنَّ عِنْدَ مَجِيءِ ذلِكَ الزَّمَانِ- يَعُودُ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَهُوَ: أَنَّ عِنْدَ ذلِكَ الزَّمَنِ، الْمُكَلَّفُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَسَاويَ الدَّوَاعِي، أَوْ مَا كَانَ كَذلِكَ:
===
مَحَلَّينِ، في زمانٍ واحد، قَضَى بذلك، وما لا حُصُولَ له في الذِّهْنِ يكونُ غَيرَ مشعورٍ به، ومغفولًا عنه؛ فلا يُتَصَوَّرُ القضاءُ عليه بإمكانٍ ولا وجوبٍ ولا استحالة.
وتشكيك صاحب الكتاب على هذا: بأن الثَّابِتَ في الذهن، إن لم يكنْ له ثُبُوتٌ مِنْ خارجٍ، فهو جَهْلٌ ومغالطة أيضًا- إنما يكونُ جهلًا مع اعتقادِ أنه ثابِتٌ من خارجٍ؛ فإنَّ التصور الساذَجَ -أعني: الحصول في الذهن- أَعَمُّ.
والحَقُّ أيضًا: جوازُ التكليف بِمَا لا يُطَاقُ؛ فإِنَّ الطَّلَبَ راجِعٌ إلى القول والذِّكْرِ النفسيِّ، وهما الصفاتُ التي تتَعَلَّقُ ولا تُؤَثِّرُ، فلا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُهَا بالممتنعِ، كما يتعلق بالمعدوم، والمُطْلَقِ.
واشتراطُه إِمكانَ الفعل إنما يلزمُ لِصِحَّةِ القصد إلى امتثال المأمور به؛ لحصول حِكْمَةِ الفعل، ولا يَنْحصِرُ مقصودُ التكليف في ذلك؛ بل قد يكونُ لِمَحْضِ الابتلاء؛ كأمرِ إِبراهيمَ ﵇ بذبحِ وَلَدِهِ، ونَسْخِهِ قبلَ الامتثالِ، ولم يكنْ الأمرُ لحكمةٍ تَنْشَأُ من نفس وقوع الفعل.
وإذا تَقَرَّرَ ذلك: تَبَيَّنَ أَنَّ التكليفَ يكونُ عِلْمًا لِلشَّقَاوَةِ، أو للسَّعَادَةِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، وإذا كان ذلك فلا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْمَرَ العَبْدُ بما لا قُدْرَةَ له عليه؛ علمًا لشقاوته.
وأمَّا الوقوعُ: فالأقربَ عَدَمُهُ، وقد دَلَّتْ آيَةٌ ظاهِرَةٌ على نفيه؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق ٧]، وقولِهِ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وما احْتَجَّ به على وُقُوعِهِ من الابتهالِ فقد تَقَدَّمَ تَأْويلُهُ على الأَثْقَالِ المُمْكِنَةِ التي كُلِّفَ بها مَنْ قبلنا.
ومِمَّا احتج به على وقوعه: أَنَّ اللهَ تعالى كلَّفَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يُصَدِّقَ رسولَهُ - ﵇ - في جميع ما أَخْبَرَ به، ومن جملة ما أَخْبَرَ به: أنه لا يُصَدِّقُهُ، فقد كَلَّفَهُ بأنْ يُصَدِّقَهُ بأنه لا يصدقه، والتكليفُ به: تكليفٌ بالجمع بين النقيضين.
واعتُرِضَ عليه: بمنع ورود التكليفِ له على هذا الوجه، وَيَفْتَقِرُ إلى نَقْلٍ قاطع.
[ ١ / ٣٥٧ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الأَمْرَ بِمَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالى حَاصِلٌ، وهذَا الأَمْرُ: إمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُكَلَّفِ، حَال كَوْنِهِ عَارِفًا بِرَبِّهِ؛ فَيَكُونُ هذَا أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، أَوْ قَبْلَ كَوْنِهِ
===
قالوا: إنما كُلِّفَ بِأَنْ يُؤْمِنَ به، وهو ممكن، وَأَعْلَمَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﵇ - بأنه لا يؤمن.
ومنهم من قال بالامتناع ها هنا، وإنْ جَوَّزَ التكليفَ بالمُحَالِ، وفَرقَ بِأَنَّ التكليفَ بالمحال إنما جُوِّزَ؛ علمًا للمحنة، وخطابُ مَنْ لا يَفْهَمُ كخطابِ الجمادِ، فيمتنع ها هنا وإن جاز ثمَّ.
والقولان منقولان عن الأشعري، والحق هو الثاني.
قال ابنُ العربيِّ: وَفَرْقٌ بين التَّكْلِيفِ بالمُحَالِ، وتكليفِ المحال، يعني أَنَّ التكليف بالمحالِ: كُلُّ ما يَرْجِعُ إلى خَلَلٍ في المأمور به، وتكليفُ المحال مما يرجع إلى خلل في المأمورِ.
واحتجَّ المُجَوِّزُونَ: بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وبقوله -﵊-: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ. ولا معنى لِلَّرفْعِ فيما يستحيل تَصَوُّرُهُ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
عَارفًا بِرَبِّهِ، وَقَبْلَ كَوْنِهِ عَارِفًا بِرَبِّهِ: لَا يَكُونُ عَارِفًا بِأَمْرِ رَبِّهِ؛ فَتَوَجُّهُ ذلِكَ الأَمْرِ إِلَيهِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
[ ١ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأُجِيبَ عن الآيةِ بوجهينِ:
الأول: أنه خطابٌ مع المستثنى، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣] أي حتى تستكملوا العلم.
الثاني: أَنَّ الآيةَ نزلت قبل تحريم الخمر، والمقصودُ منها النهيُ عن الإكثارِ في الشُّرْب إِلى حَد يَمْنَعُ من الصلاة، فَأُضِيفَ إلىَ الصلاة مجازًا، أي: لا تَسْكَرُوا فتمتنعوا من الصلاةِ؛ كما يُقَالُ: لا تَقْرَب التَّهَجُّدَ، وَأَنتَ شَبْعَانُ، أي: لا تَشْبَعْ فَيَمْنَعَكَ الشِّبَعُ من التهجدِ.
وأما الحديثُ فأجابوا عنه: بأنه لا يَلْزَمُ من الحُكْمِ على ذي صِفَةٍ أَلَّا يكونَ الحُكْمُ عليه باعتبارِ تلك الصِّفَةَ، وإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يقال: تَحَرَّكَ السَّاكِنُ، وَسَكَنَ الْمُتَحَرِّكُ.
[القَولُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ في المَحْكُومِ فِيهِ]
ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بالبحثِ في المحكومِ فيه مسألة:
قال أصحابنا: يَصِحُّ التكليفُ بِعَينِ المُكْرَهِ عليه وَنقِيضِهِ، خلافًا للمعتزلة في العَينِ دونَ النقيضِ.
[ ١ / ٣٦١ ]