وَقَال الأَكْثَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ يُفِيدُهُ.
===
هذه حُجَّةُ الواقفية، فإن كان المستعمل بها الواقف بناءً على الاشْتراكِ، فهي مُنْقلبةٌ عليه؛ إِذْ يقالُ: "الحكم بكون هذه الألفاظ موضوعة على وجه الاشتراك: إما أنْ يعرفَ بالعقل أو بالنقل " إِلى آخره.
وإنْ تمسك بها القائلون: "لا ندري" فالاعْتراضُ عليها مِنْ وجهين:
الأول: منع الحصر، فمن الطرق الاستقراءُ التام والمركَّبُ من العقل والنقل، ولم يبطلها.
والثاني: دَعْوى الآحاد، لا نسلّم شدة الحاجة إلى معرفتها؛ فإنَّ استعمالها عرية عن القرائن المقالية، والحالية - قَلِيلٌ.
قوله: "والجواب: لما تعددت الدَّلائِلُ، فالحمل على الاسْتِغْراق أَوْلَى؛ لأنا لو لم نقل به، للزمنا أن نقول: المراد به بعضٌ مجهول، أو بالوقف، وعلى التقدِيرَينِ يصير الكلام معطلًا".
[المسألة الرابعة]
قوله: "بِحَسَبِ اللُّغَةِ" احْتِرَازٌ من مِثْلِ قولهم: الرَّجُلُ خَيرٌ من المَرْأَةِ، والدينار خَيرٌ من الدِّرْهَمِ.
فَإِنَّ العُمُومَ، وإِنْ فُهِمَ منه، فليس هو باعْتِبَارِ اللَّفْظٍ فقط، وإنما هو مَفْهُومٌ من قَرِينَةِ الفَضِيلَةِ، والتسعير.
وقوله: "وَقَال أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يفيده"،، وسَاعَدَهُمُ الجُبَّائِيُّ، والمبرد، واحْتَجُّوا:
[ ١ / ٤٤٥ ]
لَنَا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أَنَّهُ يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ وَالرِّجَالُ"، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الرَّجُلُ" يُفِيدُ الاسْتِغرَاقَ - لامْتَنَعْتِ التَّثنِيَةُ وَالجَمْعُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْكُلِّ شَيءٌ يُضَمُّ إِلَيهِ.
الثَّانِي: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَال: "أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلاقَ" - لَمْ يَقَعِ الثَّلاثُ عَلَيهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ هذَا تَصْرِيحًا بِالثَّلاثِ وَأَكثَرَ.
===
بأن اللام تُفِيدُ التَّعْرِيفَ، وهو دائِرٌ بين العَهْدِيِّ، والجنسي، ولا يَصِحُّ إِرَادَةُ العَهْدِ إلا مع سَبْقِ ذِكْرِ، أو قرينة، والأصل عَدَمُ ذلك.
والخِلافُ عند تَجَرُّدِ الصِّيغَةِ عن القَرَائِنِ، فَيَتَعَيَّنُ الحَمْلُ على الجنس؛ ولأن العَهْدَ إذا لم يُفْهَمْ إلَّا بقرينة، كَانَ مَجَازًا، وكل مَجَازٍ يستدعي حَقِيقَةً، فيتعين أن يَكُونَ حَقِيقَةً في الجنس.
وَتَوقَّفَ الوَاقِفِيَّةُ؛ قالوا: لأن هذه الصَّيغَةَ، كما تُسْتَعْمَلُ لإفادة الجِنْسِ، تُستَعْمَلُ لإفادة الوَاحِدِ المعين، والأصل في الإطلاق الحَقِيقَةُ، فتكون مشتركة، أو لا ندري مَا هُوَ الحَقِيقَةُ.
وَفَرَّقَ الإِمَامُ بين ما يميز بين جِنْسِهِ وواحده بالهَاءِ؛ كالثَّمرة والثَّمَرِ، والبُرَّةِ والبُرِّ، وبين ما لا يميز بالهاء؛ كالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؛
فقال: الأول يُفِيدُ العُمُومَ؛ لانْتِفَاءِ إِرَادَةِ الوَاحِدِ المعين بدون الهَاءِ، وتوقف في الثَّانِي؛ لِصَلاحِيَّتِهِ للأمرين، وساعده الغزالي في "المَنْخُولِ" على هذا التَّفْصِيلِ، وزاد فقال: وما عرى عن الهاءِ فلا يَخْلُو: إِما أن يَتَكَرَّرَ لَفْظُهُ بتكرر مُسَمَّاهُ، أو لا يَتَكَرَّرُ:
فَالأَوَّلُ: كالرجل، والدرهم؛ فَإِنَّكَ إِذا ضَمَمْتَ إِليه غيره، قلت: رجلان، أو رجال.
وَالثَّانِي: كالذهب؛ فإنك لو رَدَدتَ أَمْثَالهُ، فاسم الذَّهَب بَاقٍ عليه لم يَتَكَثَّرْ.
قال: فالأول لا يَعُمُّ، والثاني يَعُمُّ.
قوله: "لنا وجوه: الأول: أنه يُقَالُ: جاءني الرَّجُلُ، والرجلان، والرجال، فلو كان قولنا: "الرَّجُلُ" يفيد الاسْتِغْرَاقَ لامتنعت التَّثْنِيَةُ، والجمع؛ لأنه لم يَبْقَ بعد الكُلِّ شيء ينضم إليه":
والاعْتِرَاضُ: أن يقال: نَحْنُ لا نَدَّعِي إِفَادَتَهُ للاستغراق نَصًّا، وإنما نَدَّعِيهِ ظَاهِرًا، مع احتمال إِرَادَةِ الوَاحِدِ المعين، فَحُصُولُ التَّثْنِيَةِ، والجمع - قرينة دَالَّةٌ على إرَادَةِ هذا المحمل، أعني: الواحد المُعَيَّن.
قوله: "أَجْمَعُوا على أنه لو قَال: أنت [طالق] الطلاق، لم تَقَع الثَّلاثُ عليها، فلو كان المُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يفيد العُمُومَ - لَكَانَ هذا تَصْرِيحًا بالثلاث"، يعني: أنه إِذا دَلَّ على الاسْتِغْرَاقِ، فيقع من الطَّلاقِ ما يملكه.
والاعْتِرَاضُ: أن هذا ظاهِرٌ عارضه أَصْلٌ، وهو أن الأَصْلَ: العِصْمَةُ،، وَلَا يُزَالُ اليَقِينُ إلا
[ ١ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بِمِثْلِهِ؛ بدليل قوله - ﵊ -: "فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا".
وأمره - ﵊ - لمن شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بالبِنَاءِ على اليقين.
[ ١ / ٤٤٧ ]
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأكِيدُهُ بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْعُمُومُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ" وَإذَا ثَبَتَ هذَا، كَانَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] مَجَازًا؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لاطَّرَدَ.
===
ولا يَلْزَمُ من ترك الظَّاهِرِ لمعارض رَاجِحٍ، أو مُساوٍ في صورة - تَرْكُهُ مُطْلَقًا.
قوله: "الثالث: أنه لا يَجُوزُ تَأْكِيدُهُ بما يُؤَكَّدُ به العُمُومُ، فلا يُقَالُ: جَاءني الرَّجُلُ كلهم أَجْمَعُونَ".
والاعْتِرَاضُ: أن من الصِّيَغِ ما يكون لَفْظُهُ مُفْرَدًا، ومعناه الجمع؛ كصيغة "من"، و"كل"، وما كان كذلك، فَالعَرَبُ تَارَةً تُرَاعِي فيه اللَّفْظَ، وتَارَةً تُرَاعِي فيه المَعْنَى:
ومن ثَمَّ: جاء قوله تَعَالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ﴾ [يونس: ٤٢].
والإتباع من الأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ، فَغُلِّبَ فيه جِهَةُ اللَّفْظِ،، وهذا هو الجَوَابُ عن بَقِيَّةِ حُجَجِ الإتباعات التي ذكرها.
قوله: "إذا ثَبَتَ هذا، كَانَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] مجازًا" يعني: أَن "كُلًّا" تفيد تَأْكِيدَ الاسْتِغْرَاقِ، تقدمت، أو تأخرت،، والتأكيد لتقوية المعنى، فيكون للاستغراق.
واعْتِذَارُهُ: بأنه مَجَازٌ؛ لأنه لو كَانَ حَقِيقَة لاطَّرَدَ - يرد عليه: أَنَّا لا نُسَلِّمُ وُجُوبَ اطِّرَادِ الحقائق، فقد سَمَّتِ العرب القَارُورَةَ قَارُورَةً؛ لاستقرار المَاءِ فيها، ولم تطرده، إلى غير ذلك.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الرَّابعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِمَا تُوصَفُ بِهِ الْجُمُوعُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ الْعُلَمَاءُ الْحُكَمَاءُ" إِذَا ثَبَتَ هذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] وَقَوْلُهُ نَعَالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]- مَجَازٌ؛ لِعَدَمِ الاطِّرَادِ.
الْخَامِسُ: لَا يَجُوَزُ اسْتِثْنَاءُ الْجَمْعِ مِنْهُ؛ فَلَا يُقَالُ: "جَاءَنِي الرَّجُلُ؛ إِلَّا الْعُلَمَاءَ وَالْحُكَمَاءَ"؛ إِذَا ثَبَتَ هذَا، كَانَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]- مَجَازًا؛ لِعَدَمِ الاطِّرَادِ.
السَّادِسُ: إِذَا قَال الرَّجُلُ: "لَبِسْتُ الثَّوْبَ، وَشَرِبْتُ الْمَاءَ" لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إِلَّا الْمَاهِيَّةُ؛ وَالأَصْلُ فِي الْكَلامِ الْحَقيقَةُ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيرِهِ؛ لِعَدَمِ الاشْتِرَاكِ.
السَّابعُ: أَنَّ قَوْلَنَا: "أَحَلَّ اللهُ هَذَا الْبَيعَ" -لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الْبَيعُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ- لَكَانَ خُرُوجُهُ عَنْ إِفَادَةِ الْعُمُومِ: إِنَّمَا كَانَ لأَجْلِ انْضِمَامِ لَفْظَةِ "هذَا" إِلَيهِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ؛ وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ.
===
سلمناه، ولكن لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الاطِّرَادِ، فإنه يقال: كُلُّ الماء، وكُلُّ الذَّهَبِ، وكل البُرِّ، وهو كثير.
قوله: "الرابع: أنه لا يَجُوزُ وَصْفُهُ بما يُوصَفُ به الجَمْعُ، فلا يقال: جاءني الرَّجُلُ العُلَمَاءُ":
وقد تقدم التَّنْبِيهُ على الاعْتِرَاضِ عليه، بأَن الوَصْفَ تَابعٌ، فيراعى فيه اللفظ إذا ثبت هذا.
قوله: "إذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] مَجَازٌ؛ لعدم اطِّرَادِهِ".
يرد عليه ما تقدم، وإيراده: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] نَقْضًا على مَنْعِ الصفة بما يوصف به الجَمْعِ - لا يريد به الصفة الصِّنَاعِيَّة؛ فإن "بَاسِقَاتٍ" حال، بل يريد الصَّفَةَ المَعْنَويَّةَ.
قوله: "الخَامِس: لا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الجَمْعِ منه، فلا يُقَالُ: جاءني الرَّجُلُ إلا العُلَمَاء.
وإذا ثَبَتَ هذا، كان قوله تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] مجازًا لعدم الاطِّرَادِ.
يرد عليه: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الاطَّرَادِ، بل ذلك كَثِيرٌ في الاسْتِعْمَالِ إذا أريد بها تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
قوله: "السَّادِسُ: إذا قَال الرَّجُلُ: لَبِسْتُ الثوب، وشَرِبْتُ المَاءَ - لم يفهم منه إلا الماهية".
الاعْتِرَاضُ عليه: أن قَرِينَةَ اسْتِحَالةِ التعميم ها هنا مُعَينة لما علم من اسْتِحَالةِ شُرْبِهِ جَمِيعَ الماء، ولُبْسِهِ جَمِيعَ الثياب.
قوله: "السَّابع أن قولنا: "أَحَلَّ اللَّهُ هذا البَيعَ" لا يُفِيدُ عُمُومًا، فلو كان قولنا: "البَيعُ" يفيد العُمُومَ، لكان خروجه عن إِفَادَةِ الأَصْلِ؛ لانضمام لفظة "هذا"، وهذا يوجب التَّعَارُضَ".
[ ١ / ٤٤٩ ]
الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "رَأَيتُ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ"، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: "رَأَيتُ الرَّجُلَ الثَّلاثَةَ"؛ فَعَلِمْنَا: أَنَّ لَفْظَ "الرَّجُلِ" لَا يَحْتَمِلُ الْجَمْعَ؛ فَضْلًا عَنِ الْعُمُومِ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "الإِلهُ وَاحِدٌ"، فَلَوْ كَانَ قَوْلُنَا: "الإلهُ" يُفِيدُ الْعُمُومَ - لَكَانَ قَوْلُنَا: "الإِلهُ وَاحِدٌ" يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا: "الآلِهَةُ وَاحِدٌ"؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "الْحَيَوَانُ جِنْسْ"، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "كُلُّ حَيَوَانٍ جِنسٌ"؛ فَعَلِمْنَا: أَنَّ قَوْلَنَا: "الْحَيَوَانُ" لَا يُفِيدُ فَائِدَةَ قَوْلِنَا: "كُل حَيَوَانٍ".
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، إِنْ حَصَلَ هُنَاكَ مَعْهُودٌ سَابِقٌ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ - كَفَى فِي العَمَلِ بِهِ تَحْصِيلُهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهُ يَكْفِي فِي تَكْوينِ الْمَاهِيَّةِ تَكْوينُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا. وَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ السَّلْبِ - وَجَبَ الامِتنَاعُ عَنْهَا مُطلَقًا؛ لأَنَّ الامْتِنَاعَ عَنْ تَكوينِ المَاهِيَّةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ الامْتِنَاعِ عَنْ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا.
===
والاعْتِرَاضُ عليه أن غَايَتَهُ لُزُومُ إِرَادَةِ المَجَازِ لقرينة، وَيتَعَيَّنُ إِذا دَلَّ عليه دَليلٌ.
قوله: "الثَّامن: أنه يجوز أن يقال: رَأَيتُ الرَّجُلَ الواحد " إلى آخره.
هذا أيضًا من باب الإتباع، وقد تقدم أن المُغَلَّبَ فيه مُرَاعَاةُ اللفظ.
قوله: "التَّاسِعُ: أنه يقال: الإله وَاحِدٌ " إلى آخره.
الاعْتِرَاضُ عليه: أَن هذا إِخْبَارٌ عنه، وهو كالوَصْفِ في مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ.
قوله: "العَاشِرُ: أَنه يَصِحُّ أن يُقَال: الحَيَوانُ جِنْسٌ ولا يصح أن يقال: كُلُّ حيوان جِنْسٌ": يعني: أن اللام المُسْتَغْرِقَة تقدر بكل واحد، فقوله تَعَالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] تقريره: إن كل إِنْسَانٍ لفي خُسْرٍ، إلا الَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالحات.
ولا يصح التقدير ها هنا، فلا تكون للاسْتِغْرَاقِ؛ لما ذكر من القَرِينَةِ، يقال له: فلم لا تَدُلُّ عليه مع عَدَمِ القرينة؟
قوله: "إِذا ثَبَتَ هذا، فَنَقُولُ: المُفْرَدُ المُعَرَّفُ يَجِبُ حَمْلُهُ على المَعْهُودِ السابق، إن حَصَلَ هُنَاكَ مَعْهُودٌ سَابِقٌ" هذا لا نِزَاعَ فيه.
قوله: "وإِلَّا فإِن كان في جانب الثبوت، كَفَى في العَمَلِ به تَنْزِيلُهُ على صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لأَنَّهُ يكفي في تكوينِ المَاهِيَّةِ تَكوينُ فَرْدٍ من أَفْرَادِهَا.
وإِن كان في جَانِبِ السَّلْبِ، وجب الامتناع مُطلَقًا؛ لأن الامتناع من تكوين المَاهِيَّةِ لا يَتَحَقَّقُ إِلا بالامتناع من جميع أَفْرَادِهَا":
[ ١ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حاصله أنه أجرى الاسم مع التعريف مُجْرَاهُ مع التنكير، فَإِنَّ النَّكِرَةَ إنما تَدُلُّ على ذَاتٍ شَائِعَةٍ في الجِنْسِ، فَتَكْفِي في الإِثْبَاتِ بِفَرْدٍ من أَفْرَادِهَا.
وأما في النَّفْي، فالعُمُومُ فيها بالعَرَضِ لا بالذَّاتِ؛ لما ذكره من اللزوم العقلِيِّ. ولم يَجْعَل لِدُخُولِ لام التَّعْرِيفِ فيها على هذا التقدير أَثَرًا أَلْبَتَّةَ، وهو على خلاف الإِجْمَاعِ؛ فإنها لَا بُدَّ وأن تُفِيدَ تَعْرِيفًا، وإذا امْتَنَعَ العَهْدُ كما فرض، فَيَتَعَيَّنُ الجِنْسُ.
لا يقال: فَلْتُفِدْ تَعْرِيفَ الماهية؛ لأنا نَقُولُ: المَاهِيَّةُ مُعَرَّفَةً بالاسم، فتعريفها باللام تَحْصِيلُ الحاصل.
وههنا بَحْثٌ لَطِيفٌ:
وهو: أن لَفْظَ "إنسان" وُضِعَ لِلمَاهِيَّةِ، ولام التعريف إنما دَخَلَت لتعريف كَيفِيَّةٍ المَحَلِّ المَحْكُومِ عليه، وكيفية المَحَلِّ المَحْكُومِ عليه تختلف؛ فتارة تحكم على الإنسان مع قَيدِ وَحْدَةٍ، أو كَثْرَة معينة، فتكون اللام فيه لِلْعَهْدِ؛ كقوله تَعَالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥، ١٦].
وتارة تحكم عليه مع كثرة غير معينة، [فتكون اللَّامُ فيه لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ]؛ كقوله تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].
وتارة تحكم فيه على مُجَرَّدِ المَاهِيَّةِ؛ كقولك: الإنْسَانُ نَوْعٌ، فتكون لتعريف الماهية، أعني: أنها في المَحْكُومِ عليها فقط لا تفيد، وهو غير تَعْرِيفِ الاسم لِلْمَاهِيَّةِ، فكأن اللام تَجْرِي في استعمالها مُجْرَى سور القضية نحو: كل، وبعض؛ المعينين لكمية الحُكْمِ.
وعلى هذا، أمكن أن يُقَال: إنها تَدْخُل لأصل التَّعْرِيفِ، وتعيين هذه الجِهَاتِ بالقرائن دفعًا للاشتراك، أو المَجَازِ.
تَتِمَّةٌ:
قد تَقَدَّمَ أن الصِّيَغَ الدَّالَّةَ على العُمُومِ عَند المحققين سِتَّةُ أنواع:
الأسماء المُبْهَمَة، والشرط، والاسْتِفْهَامُ، والموصولة -وقد تَقَدَّمَ الاحْتِجَاجُ عليها- والجمع المُعَرَّفُ بلام الجِنْسِ- وقد تقدم الاحْتِجَاجُ عليه. ومثله الجمع المُضَاف إلى معرفة؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ والدليل على عمومه: صِحَّةُ تأكيده بالصِّيَغِ المُسْغرقة، وصحّة استثناء كُلِّ فَرْدٍ منه.
والاسم المُفْرَدُ المُعَرَّفُ باللام، وقد اختار أنه لا يَعُمُّ في الإِثبَاتِ، وقد تقدم الكلام على حُجَجِهِ؛ وذكر ما احتي به المُعَمِّمُونَ.
ومنها النَّكِرَةُ في سياق النَّفْي؛ وقد احتج على عمومها: بأنه لا يُتَصَوَّرُ نَفْيُ المَاهِيَّة إلا بالامتناع عن جميع أفرادها.
[ ١ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والاعْتِرَاضُ عليه: أنا نُسَلِّمُ العموم مع "من" المستغرقة؛ مثل: ما في الدَّار مِن رجل، وفي النكرة المبنية مع "لا" لتضمنها معنى "مِن"، كقولك: لا رَجُلَ في الدار.
ولا نُسَلِّمُ عُمُومَهَا فيما عدا ذلك؛ لأن الاسمَ النكرة: هو الاسمُ الدال على مَاهِيَّةِ مع وَحْدَةٍ غير معينة.
فإذا قال القَائِلُ: "ليس في الدار رجل"، فقد نَفَاهُ بصفة الوَحْدَةِ، فلا يَلْزَمُ ألَّا يكون فيها رَجُلانِ، أو رجال.
ثم ما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بقولهم: ليس كُل كذا كذا، فإنها نَكِرَةٌ في سيَاقِ النفي، ولا تعم، وإلَّا لكانت القَضِيَّةُ الجزئية كلية.
والجَوَابُ عن الأَول: أنا وان سَلَّمْنَا أن المنفي الماهية بصفة الوَحْدَةِ، فنفي المَاهِيَّةِ بصفة الوَحْدَةِ يَقتضي العُمُومَ في كُل مَوْصُوفٍ بتلك الصِّفَةِ؛ كما لو قال: لا رجل عالم في الدار، فإنه يَعُمُّ في كُل مَوْصُوفٍ بهذه الصِّفَةِ.
وأما نقضهم بأن ليس كل كذا كذا، وأنها نكرة في سياق النفي، وما عمت؛ لأنها جُرئِيَّةٌ - فجوابه: أن صيغة النَّفْي اقتضت العُمُومَ فيما دَخَلَت عليه، وهي دَاخِلَة على الكلية، فتكون سَالِبَةً لكل كلية، فتلزم الجزَئية من المادة،، ومنها: "كُل"، و"جميع"، وهي بالحقيقة الصريحة في التعميم.
والدَّلِيلُ عليه: أنها نَقِيضَةُ "بعض كذا أو بعض كذا" جزئية، فَيَتَعَيَّنُ أن يكون كل " [كل] كذا" مستغرقة؛ لأن جزئيتين لا تتناقضان.
قال السهروردي في "التَّنْقِيحَاتِ": "ومن زَعَمَ أن كل حقيقة في "لا كل" مجاز في "كل"- فهو من غريب ما يذكر".
ومما يظن إِفادته في العُمُومِ وليس كذلك أُمُورٌ:
أحدها: النَّكِرَةُ المُتَعَلِّقَةُ بالأَمْرِ، أو المضافة إلى المصدر؛ كقوله: أعتق رقبة، وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
وقد زعم الغزالي: أنها عامة، وقد ناقض حده لِلْعَامِّ بأنه "اللَّفْظُ الدَّالُّ على شيئين فَصَاعِدًا" وهذه مَا دَلَّت إلا على شيء واحد شائع في جنسه، فهي مطلقة لا عَامَّةٌ.
[ ١ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثاني: المفهوم، قال الغزالي: لا عُمُومَ له؛ لأنَّ العَامِّ: هو اللفظ الدال على شيئين فَصَاعِدًا، والمفهوم ليس بِلَفْظٍ.
[ ١ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعترض عليه: بأن المَفْهُومَ تَابعٌ لِلْمَنْطُوقِ في عمومه وخصوصه، فإن لم يسمه عامًّا، فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ.
ودلالة المَفْهُومِ، وإن لم تكن لفظية، فهي تَابِعَةٌ للفظ، وقد عد من دَلالاتِ اللَّفْظِ دلالة الالتزام، والمفهوم منها.
الثالث: المَشْهُورُ أن المقتضى لا عُمُومَ له؛ لأَنَّ دَلالتَهُ ضرورية تُقَدَّرُ بقدر الحاجة، والحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بتقدير حُكْمٍ وَاحِدٍ، فلا دلالة له على التعميم.
والحَقُّ أنه قد يَعُمُّ، فإِنه تابع لمقتضيه، فإِذا كان المَوْصُوفُ عَامًّا؛ كقوله -﵊-: "لَا صَلاةَ إلا بِطُهُورٍ" - كانت الصفة المقدرة عامة بحسبه لا مَحَالةَ.
الرابع: العَطْفُ على العام لا يقتضي العُمُومَ، خلافًا لقوم.
لنا: قوله تَعَالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
والأول: عام في كل بَائِنَةٍ، ورجعية غير حامل، والمعطوف خَاصٌّ بالرجْعِيَّةِ.
قالوا: إِن العَطْفَ يقتضي التَّسْويَةَ بين المَعْطُوفِ، وبين المَعْطُوفِ عليه.
قلنا: لا نُسَلِّمُ ذلك مُطلَقًا، فإن قولك: رأيت زيدًا وعمرًا، لا يَقتَضِي الاسْتِوَاءَ في الزمان، والمكان، والحال.
ومنها: الجَمْعُ المنكر، قال الجُبَّائِيُّ: يَعُم بدليل صِحَّةِ الاستثناء؛ قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
[ ١ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والاعتراض: لا نُسَلِّمُ أن "إلَّا" ها هنا استثناء، بل صفة، ثم لو سلم الاستثناء فيه في غير هذا المِثَالِ، فيتعين لإِخْرَاجِ الصَّالِحِ؛ لأن الجَمْعَ المنكر: هو الدَّالُّ على جَمْعٍ مُطلَقٍ شائع، والاستغراق يُنَافِي الشُّيُوعَ.
واحْتَجَّ الفَخْرُ على نَفْي العُمُوم فيه: بأنه يَصِحُّ تقسيمه إلى أنواع الجُمُوع، ومورد التَّقْسِيم مشترك.
وما ذكره يَبْطُلُ بالجَمْعِ المُعَرَّفِ، فإنه يَصِحُّ تَقْسِيمُهُ كذلك، وهو للاسْتِغْرَاقُ عنده. وأما الضمائر، فعمومها بحسب ما يَعُودُ إِليه.
فروع لهذه القَاعِدَةِ:
الأول: صيغة "من" تَتَنَاوَلُ المُذَكَّرَ والمؤنث، وكذلك "النَّاسُ".
ولفظ "الرجال"، و"النساء" لا يَتَنَاوَلُ أحدُهما الآخر اتِّفَاقًا.
ومثل: "المسلمين"، و"المؤمنين" اختلفوا فيه:
فقال قوم: يتناولهما.
والصَّحِيحُ: أنه لا يَتَنَاوَلُ الإِنَاثَ إِلا عند إِرَادَةِ التَّغْلِيب؛ لأن الجَمْعَ تكثير المفرد، والمفرد ما دَلَّ إلَّا على المُذَكَّرِ فقط.
الثاني: قوله تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]:
زعم قوم: أنه عَامٌّ.
وظاهر: أنه لا يَعُمُّ باعتبار اللَّفْظِ، وإن عم، فإنما يَعُمُّ بدليل خارج.
الثالث: المخاطب يَنْدَرجُ في العُمُومِ على الأصح، قال تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهو عليم بذاته وصفاته.
احْتَجَّ المانع بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وبقول القاتل: من دخل داري، فأعطه درهمًا، فإنه لا يَتَنَاوَلُهُ.
وأجيب: بأن الأول مَخْصُوصٌ بدليل العَقلِ.
[ ١ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثاني بالعرف، والمُحَكَّمُ في ذلك كله القرائن.
الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ١] و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١]- يتناول الموجودين حَال نزول الخطاب، أما من يأتي بعدهم، فلا يَتَنَاوَلُهُمْ إلا بدليل مُنْفَصِلٍ، وهو: الإجْمَاعُ على أن الناس في الشرع سواء، إِلا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله -﵊-: "حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ".
وقال الإمام أحمد بن حَنْبَل: يعم بنفسه، وهو بعيد.
الخامس: قول الرَّاوي في مثل نَهْيِهِ -﵊- عن بَيعِ الغَرَرِ يفيد العُمُومَ،
[ ١ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خِلافًا للأكثرين؛ لأن الرَّاويَ فَاهِمٌ للغة، فلا ينقل بِصِيغَةِ عِلْمِهِ، إلا عند القَطْعِ بِالعُمُومِ، أو
[ ١ / ٤٥٨ ]