إِذَا قَال الله تَعَالى فِي الصُّبْحِ: "صَلُّوا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ رَكعَتَينِ"، ثُمَّ قَال قَبْلَ حُضُورِ ذلِكَ الْوَقْتِ: "لَا تُصَلُّوا"- فَهذَا- عِنْدَنَا- جَائِزٌ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
===
والضَّابِطُ الكُلِّيُّ -في هذه الصُّوَرِ-: أَنَّ كُلَّ نَصٍّ متأخِّرٍ اقتضى زيادةً مُغَيِّرَةً لحكمٍ ثَبَت بالشرع- فهو نَسْخٌ؛ إِذْ هو حقيقةٌ، وما لا فلا، والبحث في جميع الصورِ راجِعٌ إِلى تحقيق مناط.
ومن تمام هذا الأصل:
أنَّ نَسْخَ ما يتوقف عليه صِحَّةُ العبادة من جزءٍ أو شرطٍ هل يكون نسخًا للفعل أو لا؟
اختلفوا فيه:
مِثَالُ نسخ الجزءِ: قوله: صَلِّ الظهر أربعًا ثم أَسْقِط ركعتينِ.
قال الكرخيُّ والفخرُ صاحِبُ الكتاب: ليس بنسخ للأصل؛ لبقاءِ وُجُوبِ الركعتينِ وإجزائهما عن أنفسهما، ولأَنَّ النَّصّ المُتَنَاولَ لأمرين لا يَلْزَمُ من خُرُوجِ أَحَدِهِمَا خُرُوجُ الثاني؛ كالتخصيص.
وقال الغزاليُّ وجمهورُ الأُصوليين: يكون نسخًا للأَوَّلِ؛ فَإِنَّ وجوبَ الركعتين كان تابعًا لوجوب الأَربعِ، وقد سَقَطَ وجوبُ الأربع، فسقط وجوبُ الركعتين المنضمتين، وهاتان ركعتان مستقلَّتان، وليس طَلَبُ الأَربعِ طلَبَ الركعتين وركعتين [و] إلا لكان الآتي بالأَرْبَعِ بعد النسخ ممتثلًا.
وأمَّا نسخ الشرط: فكما لو أَمَرَ بالصلاة بطهارة ثم نَسَخَ وجوبَ الطهارة: فقد وافق الغزاليُّ
[ ٢ / ٤٥ ]
لَنَا: أَنَّ الله تَعَالى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ -﵇- بِذَبحِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ نَسَخَ ذلِكَ قَبلَ حُضُورِ وَقتِ الذَّبْحِ.
فَإِنْ قَالُوا: "لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ؛ بَل لَعَلَّهُ كَانَ مَأمُورًا بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ: مِنَ الإِضجَاعِ، وَتَحْدِيدِ السِّكِّينِ، مَعَ الظَّنِّ الْغَالِبِ بِكَوْنِهِ مَأمُورًا بِالذَّبْحِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصَّافَّات: ١٠٥] ":
قُلْنَا: لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ، لَوَجَبَ أَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ؛ لأَنَّهُ لَمَّا أَتَى بِتَمَامِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ، فَقَدْ أَتَى بِتَمَامِ الْمَأمُورِ بِهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَخرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ؛ فَكَانَ يَمْتَنِعُ احْتِيَاجُهُ إلَى الْفِدَاءِ، وَلَمَّا احْتَاجَ إِليهِ عَلِمْنَا: أَنَّهُ كَانَ مَأمُورًا بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ.
===
على أنه ليس بنسخٍ للأصل؛ قال: لأنَّهُما عبادتانِ منفصلتانِ، ورَفْعُ الوجوب لا يستلزمُ رَفْعَ الجوازِ؛ فيصح مع الطهارة وبدونها. نعم، لو أوجبها بشرط الحدث فيكون نسخًا.
ونُوقِشَ في الفَرْقِ إِلزام التسوية بعين ما ذَكَرَ؛ فَإِنَّ الصلاة الموصوفةَ بوجوب الطهارة مُغَايِرَةٌ للصلاة الموصوفة بجواز الطهارة؛ كما أَنَّ الركعتينِ المستقلتين مغايرتان للركعتين المنضمتين.
وقوله: إِنَّ رَفْعَ الوجوب لا يستلزم رَفْعَ الجوازِ، إن عنى به: الجوازَ الخاصَّ، فظاهِرٌ أنه ليس جزءًا له، بل قَسِيمُهُ، وإنْ عنى به الجوازَ العامَّ، فقد تقدم فيه بحث.
قوله: "إِذا قال الله تعالى: صلوا عند الغروب ركعتين، ثم قال قبل حضورِ ذلك الوقت: لا تصلوا- فهذا عندنا جائز خلافًا للمعتزلة " إلى آخرها:
[قوله: المسألة الرابعة]
اعلم أن هذه المسألةَ يُعَبَّرُ عنها بعبارتين:
إحداهما: النسخُ قبل دُخُولِ الوقت؛ وهو فيما يكونُ مأَمُورُهُ مُرْتَقَبًا، وصورتُه ما مَثَّلَهُ.
العبارة الثانية: النَّسْخُ قبل الإمكانِ، وهو فيما إِذا كان المأمور به مُنَجَّزًا، لَكِنَّ فِعْلَه يتوقَّفُ على مقدماتٍ وأسباب، فيأخذُ العَبْدُ في الإتيانِ بالمقدمات ثم ينسخ قبل الفعل؛ كقصة إبراهيمَ - ﵇ -.
"ومأخذ الفريقين في الصورتين واحدٌ:
فذهبتِ المعتزلةُ والحنفيةُ والصيرفيُّ وبعضُ الفقهاءِ إلى مَنْعِ ذلك.
وذهبتِ الأشعريةُ وأكثرُ الفقهاءِ إلى جوازه، واحتجوا بِمَسْلَكَينِ: العقل، والنقل:
أمَّا العَقْلُ: فقالوا: لو امتنع: فإما أنْ يمتنع لَذاته، أولما يلزمُ منه مِنَ الجمعِ بين النَّقِيضَينِ؛ وهو كونُ الشيءِ الواحِدِ في الزَّمَانِ الواحد من الشخص الواحدِ- حسنًا قبيحًا، مرادًا غَيرَ مرادٍ. أو للأمر المُعَلَّقِ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بلوغه. أو لعدم تَصَوُّرِ النسخ؛ فإنَّهُ تخصيصٌ في الأزمنة، ولا يُعْقَلُ مع اتحادِ الوقت والفعل.
وبيانُ اللزوم: الإِجماعُ على أنه لو قُدِّرَ انتفاءُ جميعِ ذلك لجاز، وواضح أنه لا يمتنع لذاته.
[ ٢ / ٤٦ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصَّافَّات: ١٠٥]- فَلَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى أنَّهُ أَتَى بِكُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ؛ بَلْ فِيهِ دَلالةٌ عَلَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِدْقُ الرُّؤيَا، وَعَزَمَ عَلَى الإِتْيَانِ بِهَا، وَأَمَّا أَنَّهُ فَعَلَهَا بِتَمَامِهَا، فَالآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَيهِ.
احْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأَنَّ مُتَعَلَّقَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فِي هذِهِ الصُّورَةِ -شَيءٌ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّ مُتَعَلَّقَ الأَمْرِ: هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ زَيدٌ رَكعَتَينِ وَقْتَ الْغُرُوبِ، وَمُتَعَلَّقَ النَّهْيِ: هُوَ أَلَّا يَفْعَلَ ذلِكَ الشَّخْصُ ذلِكَ الْفِعْلَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ.
إِذَا عَرَفْتَ هذَا، فَنَقُولُ: ذلِكَ الفِعْلُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، أَوْ قَبِيحًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَينِ: فَالآمِرُ وَالنَّاهِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحَالِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ:
===
وأما ثَبَاتُ التناقض فغيرُ لازمٍ؛ لوجوب اشتراطِ التأخيرِ في النسخ، ولا يمتنع كونُ الشيء حسنًا قبيحًا بالنسبة إلى وقتين. أو بمنع حضرِ الحِكْمَةِ في المأمور به، فقد تكون في نفس الأمر للابتلاء؛ كما ذكر في الجواب.
وأمَّا تَوَقُّف الأَمر على الإِرادة فقد أبطلناه بالإجماع؛ فَإِن الله تعالى أَمَرَ الكُفَّارَ والفَسَقَةَ، مع عدم إِرادته لوقوع الفعل منهم.
وأمَّا الأمرُ المُعَلَّقُ على شرطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بلوغه- فقد أقمنا الدَّلِيلَ فيما تقدم على جوازه، وأنَّ شَرْطَهُ جَهْلُ المأمورِ لِتَحَقُّقِ الابتلاء، لا جَهْلُ الآمرِ كما زعموا.
وأما عدمُ تصورِ النسخ فقد بيَّنا أَنَّ النسخ راجعٌ إلى الرفع، لا إلى التخصيص.
وأما النقل: فقصة إِبراهيمَ الخليل - ﵇ - فإنه أُمِرَ بذبح ولده، ونسخ منه قبل الامتثال.
وقد اعترضوا على التمسك بالآية بخمسة مقامات:
المقام الأول: لا نُسَلِّمُ أنه أُمِرَ؛ فَإِنَّهُ كان منامًا، وليس كُلُّ منامٍ للأنبياءِ وحيًا، بل منه ما هو مُحْتَاجٌ إلى التفسير؛ كرؤيته -﵊- كَسرَ سيفِ قَيصَرَ بسيفه، والاستقاء من البئر.
وقول ولده: "افعل ما تُؤمرُ": لا يَدُلُّ على الأمر؛ فإِنَّهُ لم يكنْ إذ ذاك نبيًّا، فلا مانِعَ من ظَنِّهِ ما ليس بأمرٍ أمرًا وقوله: "افعل ما تؤمر" صِيغَةٌ تصلُح للاستقبال.
وأُجِيبَ: بتقدير إِبراهيمَ - ﵇ - للأمر، وتقديرُه ما ليس بأمرٍ أمرًا يكونُ تلبيسًا، والظَّنُّ الكاذِبُ مُمْتَنِعٌ على الأنبياءِ -﵈- ولو جاز اعتقادُهُ ما ليس بأمرٍ أمرًا لَمْ يوثَقْ بشيءٍ مِمَّا يُبَلِّغُونَه، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات ١٠٣] يمنع من حَمْلِ الأمر على المستقبل.
المقام الثاني: قالوا: سَلَّمْنَا أَنه كان أمرًا، لكنه أمر بالعزم على الذبح.
[ ٢ / ٤٧ ]
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل- لَزِمَ: إِمَّا الأَمْرُ بِالْقُبْحِ، أَوْ النَّهْيُ عَنِ الحُسْنِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي- يَلْزَمُ الجَهْلُ فِي حَقِّهِ؛ وَهُوَ عَلَى الله تَعَالى مُحَالٌ.
الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ -وَهُوَ الَّذِي يَحْسِمُ الْمَادَّةَ-: أَنَّ هذَا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقبِيحِهِ؛ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ.
الثَّانِي: كَمَا يَحْسُنُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِحِكمَةٍ تَنْشَأُ مِنَ الْمَأمُورِ بِهِ، وَالمَنْهيِّ عَنْهُ-: فَقَدْ يَحْسُنُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ -أَيضًا- لِحِكمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الأَمْرِ وَالنَّهْي؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: "اذهَبْ إِلَى الْقَرْيَةِ غَدًا رَاجِلًا"، ويكُونُ غَرَضُهُ مِنْهُ: أَنْ يُظهِرَ فِي الْحَالِ انْقِيَادَ الْعَبْدِ لأَمْرِهِ، وَتَوْطِينَ نَفْسِهِ عَلَى الالْتِزَامِ بِذلِكَ الفِعْلِ الشَّاقِّ، مَعَ كَوْنِ السَّيِّد عَالِمًا بِأَنَّهُ سَيَرْفَعُ
===
وأجيب: بأَنَّ وُجُوبَ العزم على ما ليس بواجبٍ مُحَالٌ.
المقام الثالث: قالوا: أُمِرَ بالمقدمات وامتثل.
وأجيب: بأَنَّهُ لو كان كذلك لم يبق للفداءِ معنى.
المقام الرابع: أمر وتعذر الامتثال بانقلاب عنقه نُحَاسًا.
وأجب: بأنه من أغرب ما ينقل في القصة؛ فلو كان كذلك لتوافرت الدَّوَاعِي على نقله، ولتواتر، ولاشتملت الآيةُ عليه.
وضُعِّفَ: بأَنَّهُ لا مانِعَ من الدِّرَاسَةِ بعد التواتر، لا سيما واقعةٌ غُيِّرَ عليها دهورًا، وليس كُلُّ واقعٍ منقولًا في القرآن.
والأسَدُّ في الجواب: أنه ممتنع على أصولهم؛ فإِنَّهُ من تكليف المُحَالِ، وعلى أصولنا: أنه لا يبقى للفداء معنى.
المقام الخامس: قالوا أُمِرَ بالذَّبْحِ، وذَبَحَ، والْتَأَمَ، وهو باطِلٌ؛ بإيجاب الفداء.
وأما ما ذكره المصنف من المعارضة بإلزام التناقض، فقد تقدم الجواب عنه في المسلك العقلي، والله أعلم.
وقدِ اقتصر في هذا البابِ على أربعِ مسائِلَ؛ لأنَّها من أهمِّ ما يُذْكَرُ في النسخ، ولم يَذْكُرْ سواهُنَّ؛ لِقُرْبِ المأخذ فيهن.
ولا غِنى عنِ الإِشارة إليها، لا سيما مع وقوع الخلافِ في بعضها:
فمنها: أَنَّهُ يجوزُ نَسْخُ القرآنِ، خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، والدَّليلُ على جوازه وقوعه.
واحتجَّ: بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٣] والنسخ إِبطالٌ.
وجوابه: أَنَّه لا يمتنع حَمْلُهُ على نفى التكذيبِ.
[ ٢ / ٤٨ ]
ذلِكَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ غَدًا؛ وَعِنْدَ هذَا نَقُولُ: إِنَّهُ -حِينَ أَمَرَهُ- كَانَ الْمَأمُورُ بِهِ مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَانَ الأَمْرُ بِهِ أَيضًا- مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا جَرَمَ: حَسُنَ الأَمْرُ بِهِ، أَمَّا فِي الْوَقتِ الثَّانِي: فَإِنَّهُ وَإِنْ بَقِيَ الْمَأمُورُ بِهِ مَنْشَأ لِلْمَصْلَحَةِ؛ إلا أَنَّ الأَمْرَ بِهِ مَا بَقِيَ مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا جَرَمَ: حَسُنَ النَّهْيُ عَنْهُ.
===
ومنها يجوزُ نَسْخُ الكتابِ بالكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ فَإِنَّهُ ناسِخٌ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة ٢٤٠].
والسُّنَّةِ بالسُّنةِ؛ كقوله -﵊-: "كنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هجرًا.
ونَسْخُ الكتابِ بالسُّنَّةِ خلافًا للشافعيِّ.
واحتجَّ على الجواز بأَنَّ قوله -﵊-: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ناسِخٌ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠].
وبأَن قوله -﵊-: "البكرُ بِالْبِكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مائَةٍ، والرَّجْمُ" ناسخٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥].
ولا حُجَّةَ في الأَوَّلِ بجواز النسخ؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]
[ ٢ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَيَكونُ الحديثُ مُخْبِرًا عن ذلك، وهو ظاهِرُ قولِهِ -﵊-: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ".
ولا في الثاني؛ لأَنَّ الحبسَ مُقَيَّدٌ بغايةٍ؛ لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥].
واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] فأخبر أَنَّهُ هو الآتي بالنسخ وتَقْييدُهُ بالمِثل أو الخَبرِ والسُّنَّةِ ليست كذلك بالنسبة إِلى القرآن.
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس ١٥].
وأُجِيبَ عن الأول: بأنَّ الكُلَّ من عند الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٣ - ٤] ويُحْمَلُ المِثْلُ أو الخير على مَصْلَحَةِ المُكَلَّفِ أو الثواب؛ إِذْ لا يَتَحَقَّقُ في نَفْسِ كلامِ الله تعالى ذلك.
وعن قوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس ١٥] بما تقدم.
والسنة بالكتاب خلافًا للشافِعِيِّ في أحد قوليه- واحتجَّ بنسخِ استقبال بَيتِ المَقْدِسِ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٤] وَبِنَسْخِ تحريم المُبَاشَرَةِ في الصوم بعد الاضطجاعِ في الليلِ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧].
وما ضُعِّفَ به من جوازِ نَسْخِ الاستقبالِ بالسُّنَّةِ، ثم أَمْرِهِ باستقبال القِبْلَةِ بالقرآنِ- ضَعِيفٌ وبعيد؛ فإنه تَوَهُّمٌ لا مُستَنَدَ له، وجوازُ تحريمِ المباشرة بقرآنٍ نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ بعد.
احتجَّ الشَّافِعِيُّ، بأنَّ السُّنَّةَ بيانُ القرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ [النحل ٤٤] فلو بينت بالكتاب لصار المبين بيانًا.
وَرُدَّ: بأنه لا يلزم من كونه بيانًا في بعضٍ أَلَّا يكونَ مبينًا في بعضٍ.
وعُورِضَ: بقوله تعالى في وصف الكتاب: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ [النحل ٨٩].
ويجوزُ نسخُ المتواتِرِ بالمتواتر؛ كآية عِدَّةِ الوفاة.
والآحادِ بالآحادِ، كما تقدم، والآحادِ بالمتواتِرِ بطريقِ الأَوْلَى.
ولا يجوزُ نَسخُ المتواتِرِ بالآحادِ، خلافًا لبعض الظاهرية؛ لأنَّ المظنونَ لا يُقَدَّمُ على المقطوع.
واحتجوا: بأنَّ أَهْل "قباء" تَحَوَّلُوا بخبر الواحد وبالقياس على التخصيص.
وأُجِيبُوا: بأنه قد تَقْتَرِنُ به قَرَائِنُ تُفِيدُ الْعِلْمَ، والفَرْقُ أَنَّ التَّخصيصَ لرفع مُتَوَهَّمِ الثُّبُوتِ؛ فيكفي فيه الظَّنُّ، والنَّسْخَ رَفْعُ ما تَحَقَّقَ ثُبُوتُهُ.
ويجوز النسخُ لا إلى بَدَلٍ عند الجمهور، بدليلِ نَسْخِ وجوب الصَّدَقَةِ بين يَدَي النجوى [لا] إِلى بدل.
[ ٢ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويجوزُ نسخُ الأثقلِ إلى الأَخَفِّ بلا خلافٍ، والأَخَفِّ إلى الأثقلِ عند الجمهور؛ بدليل وُجُوبِ رمضانَ بعد التخييرِ بين الصومِ والفِدْيَةِ.
ويجوزُ نسخُ- التلاوة والحُكْمِ مَعًا؛ كما رُويَ عن عائِشَةَ - ﵂ - أنها قالت: فِيمَا يُتلَى: "عَشْرُ رَضْعَاتٍ يُحَرِّمْنَ" فَنُسِخنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ.
والتِّلاوَةُ دونَ الحكم خلافًا للمعتزلة؛ كقولِ عُمَرَ - ﵁ -: كانَ فِيمَا يُتلَى: "الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُما ألْبَتَّة".
واحتجَّ المعتزلة بأَنَّ بَقَاء اللازم بدون المستلزم مُحَالٌ.
وأُجِيبَ: بأنه دليل، ولا حاجَةَ له في الدوام.
ويجوز نسخُ الحكم دون التِّلاوَةِ بالاتفاق؛ كنسخ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بين يدي النجوى وغيره.
ويجوزُ نَسخُ القولِ بالفعل، والفِعْلِ بالقولِ. ويجوزُ نَسْخُ النُّطْقِ والفَحْوَى معًا، والنُّطْق
[ ٢ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويتبعه الفحوى وفي نسخ الفحوى دون النطق خلافٌ.
ولا يجوزُ نَسْخُ الإِجماعِ؛ لأنه لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بعد موتِ النبي - ﷺ - ولا يُنْسَخُ به؛ لأنَّ ثُبُوتَهُ على خلاف النَّصِّ إِجماعٌ على الخطأ؛ إلَّا أن يقولَ: إنَّهُم اجتمعوا على الناسخ؛ وحينئذ: تكونُ تسميتهُ ناسخًا مجازًا.
وَيصِحُّ نَسْخُ القياسِ بالنَّصِّ والإجماعِ، ونسخُ قياسٍ دليلُ أَمَارَتِهِ أَضعَفُ بقياسٍ دليلُ أَمَارَتهِ أقوى.
ويجوزُ نَسْخُ الخَبَرِ إذا كان مُتَعَلِّقُه قابلًا للتغيير، كالإِخبارِ عن تَعلُّقِ الثَّوَاب والعقاب ببعض المأموراتِ أو المَنْهِيَّاتِ، خلافًا للمعتزلة فإنهم قالوا: لا يجوزُ نَسْخُ الأمر والنهي؛ لأنه يوهم الخُلْف.
وأُجِيبَ: بأنه لو امتنع لإيهام الخُلْفِ لامتنع نَسْخُ الأمر بمعرفة الله تعالى؛ لما فيه من التناقض.
ولا تنسخ جملة الشريعة؛ لأنَّ الناسِخَ من الشريعة.
خَاتمَةٌ:
ويُعْرَفُ النَّاسِخِ بصريح القولِ؛ كقوله -﵊-: "نُسِخَ كَذَا"، أَوْ "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عِنِ ادَّخَارِ لُحُومِ الأَضاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا"، وكقوله تعالى:
[ ٢ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦].
وبالضِّمْنِ؛ كإضافة القول إلى ما قَبْلَ الهجرة وبَعْدَهَا، لا يثبت بالتأخير في التلاوة؛ فَإِنَّ الآية الناسِخَةَ من آيتي العِدَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ في التلاوة.
ولا بتأَخُّرِ صُحْبَةِ الرَّاوي وإِسلامه؛ لاحتمالِ سَمَاعِهِ من غيره.
وقولُ الصحابي: "نُسِخَ" لا يكفي في النَّسْخِ عند الأكثر؛ لاحتمالِ اعتقادِ ما ليس بناسخٍ ناسخًا، واختلافِ العلماءِ فيما يُنْسَخُ به.
[ ٢ / ٥٣ ]