الأَمرُ المُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ، أَوْ الْخَبَرُ المُقَيَّدُ بِالصَّفَةِ: هَل يَدُل عَلَى نَفي الحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ أَو لَا؟
===
٢٧٨]، يعني: أن من صفة المؤمن تركَ الرِّبَا، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ونظائرهُ كثيرةَ، وبعضُهم يُسَمَّي هذا خطابَ التهيج والإلهاب.
[قوله: "المسألة السابعة"]
الأمر المُقَيَّدُ بالصِّفة هل يدُل على نَفي الحكم عَمَّا عداه؟ مثال ما إذا قال: زكُّوا عنِ الغنم السائمة، فهل يدلُّ على نفي الحكم عن غير السائمة؟
[ ١ / ٢٩٧ ]
مِثَالُهُ إِذَا قَال: "زَكوا عَنِ الغَنَمِ السائِمَةِ"- فَهَل يَدُلُّ عَلَى نَفيِ الزَّكَاةِ عَن غَيرِ السَّائِمَةِ؟:
[ ١ / ٢٩٨ ]
قَال الشَّافِعِيُّ - ﵁-: يَدُلُّ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِك - ﵄ -: لَا يَدُلُّ.
===
وقد قال به الشافِعِي ﵀ - وجمهورُ الصحابة، وخالف ابنُ سريج، وأَبُو حَنِيفة، والقاضي ابنُ البَاقِلانِي -﵏- وقال به إمام الحرمين: إذا كانت الصفةُ مناسبة؛ كتعليق الزكاة على السوم - فإنه يُشيرُ بنوع من الرفق، وهو مُعتَبَرٌ في الزكاة، ولأجله اعتُبِرَ الحولُ والنصاب والنمو، ولم يقل به إذا علق على صفة غير المناسبة؛ بل زعم أنها تجري مجرى اللقب، ولا مفهومَ للقب عنده، ولا عند الشافعي، رحمه الله تعالى.
ونقل المصنف عن مالك -رحمه الله تعالى- أنه لا يقول به.
ونقل الشيرازِيُّ عنه أنه يقول به، ولعلهما ينقلانِ عنه بالتخريج من مسائل.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَالْمُخْتَارُ: أَنهُ لَا يَدُلُّ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ؛ لَكِنَّهُ -عِندِي- يَدُلُّ بِحَسَبِ الْعُرفِ:
أَمَّا الأَوَّلُ- فَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الصِّيغَةَ مَا دَلَّت إِلَّا عَلَى ثُبُوتِ الحُكْمِ في تِلكَ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَالثُّبُوتُ في تِلكَ الصُّورَةِ مُغَايِرٌ لانْتِفَاءِ الحُكمِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَغَيرُ مُستَلْزِم لَهُ؛ لأَنَّهُ [يَثْبُتُ] في بَدِيهَةِ الْعَقْلِ: أنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ في الصَّورَةِ الأُولَى قَد لَا يَحصُلُ مَعَ ثُبُوتِهِ في الصورَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْلا ذلِكَ، لَمَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ الكُلِّيَّةُ [مُمكِنَةً] عَلَى الانْتِفَاءِ في الصُّورَةِ الثانِيَةِ: لَا بِحَسَبِ الْوَضعِ اللُّغَويِّ، وَلَا بِحَسَبِ الاستِلْزَامِ الْعَقْلِيِّ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
واختار المصنف أنه لا يَدُلُّ عليه بحسب اللغة، ويدل عليه بحسب العُرفِ.
قوله: أَمَّا الأَوَّلُ، يعني: عَدَمَ الدلالة لُغَة: فيدل عليه وجوه:
الأول: أن الصيغةَ ما دَلَّتْ إلَّا على ثُبُوتِ الحكم في تلك الصورة المُقَيَّدَةِ بتلك الصفة، والثبوتُ في تلك الصورة [مُغَايرٌ] للانتفاءِ في الصورة الثانية، وغيرُ مُستلْزِم له، وقرر بصدق القضية الكُلِّيةِ الممكنة.
وحاصله: نفيُ الدَّلالاتِ الثلاثِ؛ فإنه إذا لم يُشعِر به من حيثُ الوضع له ولا جزء له - انتفتِ المُطَابَقَةُ، والتَّضَمُّنُ، وإذا انتفتِ الملازمة انتفتْ دلالةُ الالتزامِ أيضًا؛ فإن شرطها اللزومُ، ومعنى قوله: "ولولا ذاك لما كانتِ القضيةُ الكلية ممكنةٌ"، يعني: كقولنا: كُل إنسان كاتب بالإمكان، فإن اللازِمَ فيها صِدقُ الجُزئيَّةِ، والحكمُ للباقي جائزٌ ثبوتُهُ وانتفاؤُهُ، وهي صادقة على التقديرينِ معًا.
ولو استلزم الحكمُ على الجزءِ نفى الحكم عن الجزءِ الآخرِ- لكان إثباتُهُ للجزء الثاني مُنَاقِضًا.
والاعتراضُ عليه: أَنا لا نُسَلِّمُ انتفاءَ الإِشعارِ من جهة الإفرادِ، ولا نسلم انتفاءَهُ من جهة التركيب التقييدِيِّ، وظاهِرٌ أنهُ يُشعِرُ به فإن وَضعَ الصفة للتخصيص، والتخصيصُ يستلزم التمييزَ عنِ المُخَالِفِ، والتمييزُ يستدعي إثباتًا ونفيًا، وعرف الاستعمال مُقَدَّرٌ لذلك، فإن مَنْ قال لغيره:
[ ١ / ٣٠٠ ]
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالصِّفَةِ: يَرِدُ تَارَة مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكمِ عَن غَيرِ الْمَذكُورِ؛ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَتَارَةً مَعَ ثُبُوتِهِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء ٣١] مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ -أَيضًا- عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الخَشيَةِ، وَقَال فِي قَتْلِ الصَّيدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥]، ثُمَّ أَجْمَعنَا عَلَى أَنَّ قَتلَهُ -خَطَأ- يُوجِبُ الْجَزَاءَ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: الاشتِرَاكُ وَالمَجَازُ، خِلَافُ الأَصْلِ؛ فَوَجَبَ جَعْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَينَ الصُّورَتَينِ، وَهُوَ ثُبُوتُ انحُكْمِ فِي المَذكُورِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَر عَن ثُبُوتِهِ فِي غَيرِ الْمَذكُور، وَانْتِفَائِهِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكم عَن غَيرِ الْمَذكُورِ، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ فِيهِ هذَا الانْتِفَاءُ - يَلْزَمُ تَرْكُ العَمَلِ بالدَّلِيلِ. أَمَّا لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الانْتِفَاءِ، فَفِي المَوضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الانْتِفَاءُ - يَكُونُ ذلِكَ إِثبَاتًا لأَمْرِ زَائِدٍ عَلَى مَفْهُومِ اللَّفْظِ؛ لَا تَعَلُّقَ لِذلِكَ اللَّفْظِ بِهِ: لَا نَفْيًا وَلَا إِثبَاتًا؛ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيهِ فِي العُرْفِ - فَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَا قَال: "الإِنْسَانُ الطَّويلُ لَا يَطِيرُ، وَالْمَيِّتُ اليَهُودِيُّ لَا يُبْصِرُ" - ضَحِكَ مِنْهُ كُل أَحَدٍ، وَيَقُولُ: إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ القَصِيرُ -أَيضًا- لَا يَطِيرُ، وَالمَيِّتُ المُسْلِمُ -
===
اشترِ لي ثوبًا قطنًا أو كتانًا، أو اشترِ لي عبدًا حبشيًّا، أو هنديًّا - لم يُرِدْ بالوصف سوى إخراج غيرِ الموصوفِ بالصفاتِ المُعَيَّنَةِ من مُطلَقِ إذنه فِي شراءِ المُسَمَّى من ذلك الجنس، وكُلُّ مَنْ توهَّم انتقاضَ حَدٍّ، فَأراد إخراجَ صورة النقض زاد وصفًا، والنقل على خلاف الأصل.
ولا يكفي فِي بيانِ انتفاءِ دَلالة الالتزام الانفكاكُ العقليُّ؛ فإنَّ الخصمَ لا يَدَّعِيهِ؛ وإنما يَدَّعي اللزومَ ظاهرًا.
وقد يُترَكُ الظاهرُ لدليل أرجحَ منه؛ وبهذا يُعْتَرَضُ على الوجه الثاني، وهو احتجاجُهُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوَا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمُ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥].
فَإنَّا نقول: إِن هذا خرج مخرجَ الغالب، فظهرَ للتخصيص؛ فإنه سوى نفي الحكمِ، أمَّا إذا لم يظهر غيرُها كانت هي المُتَبَادِرَة إلى الفهمَ، وما ذَكَرَ من الوجه الثاني والثالث - واضِحُ المُرَادِ.
قوله: "وأما أنَّه يدل عليه فِي العُرْفِ فيدل عليه وجهان:
الأول: أَنَّ الرجل إذا قال: الإنسانُ الطويلُ لا يطيرُ، واليهودِيُّ المَيِّتُ لا يبصرُ - يضحكُ منهُ كُلُّ واحد، ويقول: والقصير كذلك، والميت المسلم كذلك".
[ ١ / ٣٠١ ]
أَيضًا -لَا يُبْصِرُ-: كَانَ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ طَويلًا، وَبِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا -عَبَثًا، فَلَمَّا اتَفَقُوا عَلَى هَذَا الاسْتِقْبَاحِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَعْلِيلِ هَذَا الاسْتِقْبَاحِ بِهَذَا المَعْنَى-: ثَبَتَ لَكَ أَنَّ هَذَا الاسْتِقْبَاحِ حَاصِل فِي العُرْفِ العَامْ، وَفِي كُلِّ اللُّغَاتِ.
الثَّانِي: التَّخصِيصُ بِالصِّفَةِ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ؛ وَانتِفَاءُ الحُكْمِ عَنْ غَيرِ تِلْكَ الصُّورَةِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةً؛ بِدَلِيلِ أَنَّ المُتَبَادِرَ إِلَى الفَهْمِ فِي العُرْفِ العَام - لَيسَ إلا هذَا؛
===
يرد عليه: بأنه: لَا يَتَعَيَّنُ الاستقباحُ لأجل ذلك، بل يعارِضُهُ احتمالُ الإِخبارِ عنِ المعلوم.
قوله: "الثاني: أنَّ التخصيصَ بالصفة لا بُدَّ له من فائدة " إلى آخرهِ، الحُجَّةُ عَوَّلَ عليها الشافعي -﵀- وهو أَنَّ التخصيصَ من العالِمِ بمواقِعِ الخطاب، ونزولُهُ من الأَعَمِّ إلى الأَخَصِّ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن قَصْدٍ، فلا بُدَّ له من فائدة، ويتعين حَمْلُهُ من الشارع على فائدة شرعِيَّةٍ ما أمكن، واختصاصُ الحكم من الفوائد الشرعية، فيحمل عليه.
واعتُرِضَ عليه: بمنع حَصْرِ الفائدة؛ فإنَّ من فوائد التخصيص العنايَةَ بالمذكورِ، أو التنبيه بالأدنى على الأعلى، مع موافقة الحكم، وكذلك عكسُهُ، وهو التنبيهُ بالأعلى على الأدنى، أو لأَنَّ المذكورَ فِي مَظِنَّةِ الخفاءِ، أو اختصاصه بسؤال سائل، أو ترك النَّظَرِ فيه إلى المُجْتَهِدِ؛ لِيَبذُلَ جُهْدَهُ فِي إلحاقه؛ فيثاب عليه، أو لخروجِهِ مخرجَ الغالب، فتعيينُ فائدة التخصيص تحكم به.
وأجاب صاحب الكتاب: بأنها المتبادِرَةُ إلى الفهمِ، والخَصْمُ لا يُسَلِّمَ ذلك؛ بل الحق: أنَّه إنْ لم يظهر سواها، فتتعين.
وإنِ احتمل غيرَ ذلك اعتبر الراجحَ وَإِلَّا كان مجملًا، وقدِ اعتمد بعضُ الأئمةِ فِي إثبات مسألة دلالةِ المفهوم على أنَّه قال به كثيرٌ من أئمة العربية كـ "أبي عبيدة" وغيرِهِ.
قال: والشافعيُّ -﵀- منهم، وقد احتجَّ الأصمعيُّ بقوله، وصَحَّحَ عليه ديوان
[ ١ / ٣٠٢ ]
فَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا التَّخْصِيصِ عَلَى هذِهِ الْفَائِدَةِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْفَوَائِدِ -وَإِنْ كَانَت مُحْتَمَلَةً- إلا أَنَّ الْفَائِدَةَ التِي ذَكَرْنَاهَا أَرْجَحُ؛ بِدَلِيلِ مُبَادَرَةِ الْفَهْمِ إِلَيهَا.
===
الهذليين.
قالوا: وإذا كُنَّا نقبلُ قول أعرابيٍّ جلْفٍ، فلأنْ نَعْتَبِرَ قولَ أئمة العربية بطريق الأولى.
[ ١ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ورُدَّ عليهم: بأنَّ العربيَّ ينطقُ بطبعه، وأئمةَ العربية يقولون عنِ استدلالٍ ونظر واجتهاد، فيقابله اجتهادُ غيرهم.
فقد قال محمد بن الحسن -﵀- بنفيه، وهو من علماء العربية إلا أنْ ينقلوا ذلك فنقلهم مقبول، والله أعلم.
[ ١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومما يلحق بمفهوم الصفة:
مفهوم الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة ١٩٧]، احتجَّ به الشافعيُّ - ﵀ - على أنَّه لو أَحْرَمَ بالحجِّ فِي غير أشهرِه لم يَنْعَقِدْ حَجًّا، ويتحلل منه بعمرةٍ.
ومفهوم المكان كذلك؛ ومثاله قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
واحتج به على أنَّه لا يَصِحُّ الاعتكافُ فِي غير المسجد، وقربُهما من الصفة أنهما يُقَيِّدانِ المُطْلَقَ كتقييد الصفة، والخلافُ فيهما كالخلافِ فِي الصفة.
وَيَقْرُبُ من مفهوم الشرط مفهومُ الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
[ ١ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غيره﴾ [البقرة ٢٣٠] وكقوله -﵊-: "أُمِرت أن أُقَاتِلَ الناسَ حَتى يَقولُوا: لَا إِلَه إِلا الله".
[ ١ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن أنواع المفهم مفهوم العدد؛ كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقوله -
[ ١ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵊-: "إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكم فَلِيَغسِله سَبعًا" يُفهمُ منه نفيُ الزائد والناقصِ، وَرَدَّهُ الإمامُ والقاضي إلى الصفة أيضًا.
واحتج قوم على إفادته كذلك بقوله -﵊- لَما نزل قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]: "لأزيدن على السبعين".
[ ١ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واستُبْعِد من جهة النقل ومن جهة المعنى أيضًا؛ فإن المفهومَ منه المُبَالغَةُ في اليأسِ فيما زاد على السبعين.
وقد ذكر المُصَنِّفُ فيه تفصيلًا طويلًا، فَمَنْ أحَبه فليراجعه في "المحصول".
وَمن أنواع المفهوم: "مفهوم اللقب"، وهو تعليق الحُكْمِ والخبر على اسيم غيرِ مُشتَقٍّ؛
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كقوله -﵊-: "وَاغسِلِيهِ بِالمَاءِ"، "صُبُّوا عَلَيهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاء".
[ ١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يَقُل به سوى الدَّقاقِ من أصحابِ الشافعي -﵀- وبعضُ الحنابلة.
واحتج؛ بِأَن التخصيصَ لا بد له من فائدة، ولا فائدةَ سوى نفي الحكم عَما عداهُ، كاحتجاجِ الشافعي -﵀- على مفهوم الصفة.
وفَرقَ بينهما بأَن الاسمَ يُذكَرُ لبيانِ محل الحكم، والصفةَ تُذكر للتخصيص وضعًا وعُرفًا، ولأنَّه لو أُسقِطَ الاسمُ من اللفظ من غير مُسوِّغٍ للإضمارِ- لاختل الكلامُ، بخلافِ الصفة.
واحتجَّ مَنْ مَنَعَ: بأنه لو دَل لكان الظاهِرُ من مثل قول القائل: زيد موجود، وعيسى بن مريم رسولُ الله - كفرًا؛ لما يلزمُ من نفي الوجودِ عنِ الله تعالى، ونفي الرسالةِ عن غيرِ عيسى - ﵇ - من المرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
ويمكنُ أن يجابَ عنه: بأنه إشعارٌ ظاهر على خلاف القاطع فيسقط.
واحتج أيضًا: بأنه لو دَل لمنع القياس، فإنه إذا قال: "لَا تَبِيعوا البر بالبر، والشعِيرَ بِالشعِيرِ، والتمرَ بِالتمْرِ، وَالمِلحَ بِالمِلحِ، إلا سَوَاء بسواء"، وَدَل بمنطوقه على منع التفاضُل، فلو دَل بمفهومه على جواز التفاضل فيما سواها - لكان القياسُ على خلف مقتضى النص، ومن شرط الحكم المستَفَادِ من القياس أن يكونَ مستفادًا من النقل.
ويمكن أنْ يجابَ عنه: بأن دلالةَ المفهومِ دَلالةَ تابعة، ولا مانِعَ من تركها بدليل أقوى منها، كما يُخصص العام بالقياس، وإشعارُه بالمُخَصصِ أقوى.
ومِما عُدَّ من المفهوم الحصر؛ كقوله -﵊-: "إِنما المَاءُ مِنَ الماءِ"، و: "إنمَا الوَلاءُ لَمِن أَعتَق"، وكقولنا: "لا إله إلَّا الله"، والألف واللام في مثل قوله -
[ ١ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵊: "الشفْعَةُ فِيمَا لم يُقْسَم"؛ لأن تقديره: كُلُّ الشفعة فيما لم يقسم.
وتقديم الخبر؛ كقوله -﵊-: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحلِيلُها التَّسلِيمُ".
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكقولك: صديقي زيد، والعالم عمرو والرجل بكر.
وزعم الإمام: أن جميع ذلك خارجٌ عن المفهوم، ورَدَّهُ إلى المنطوق.
هذا تمامُ القول في مفهوم المُخَالفَةِ، ويسَمَّى دليلَ الخطاب، ونقيضُهُ مفهومُ الموافقة، وهو: فهم مثل الحكم المنطوق به في المسكوت عنه.
وينقسم إلى: قَطْعِيٍّ، وظَنِّيٍّ، فالقطعيُّ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، [الإسراء ٢٣]، وإنما يحصُل عند فهم المقصود من السياق، وإلّا فلا يمتنع أن يقول السلطان لعبده: أَقِرَّ بِعتْقِ هذا الملك، ولا تقل له: أف.
ومن حيث تَوَقَّفَ فهمُ المقصود منه على القرائن- ظَنَّ قوم أنه من قياس الأولى، والحَقُّ أنه ليس كذلك؛ لفهمه وإن لم يشعر القياس.
والظني كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، ومنه قال الشافعي -﵀-: إنه يُشعِرُ بإيجابها في العهد بطريق الأولى، وبالتنبيه بالأدنى على الأعلى.
[ ١ / ٣٢٣ ]