فِي التَّعَارُضِ الحَاصِلِ بَينَ أحوَالِ اللَّفظِ:
اعْلَم: أَن الْخَلَلَ الْحَاصِلَ فِي فَهمِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ؛ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِنَاء عَلَى خَمْسَةِ احْتِمَالاتٍ فِي اللَّفظِ، وَهِيَ:
===
فمنهم مَنْ عَمَّمَ في الجمعِ. وقيل: لَا يَعُمُّ؛ لأنَّ الجَمعَ تكثيرُ المُفرَدِ؛ فإذا لم يُشْعِرِ المفردُ بالتعمِيمِ- فلا يُشْعِرُ به الجَمعُ؛ وفيه نَظَرَ أيضًا.
[قوله]: "اعلم أَنَّ الخَلَل في فهم مُرادِ المتكلِّم؛ إِنَّما يحصل بناءً على خَمسِة احتمالات "
أورد عليه: بأنَّ الخَلَل قد يعرض بِاعتبار الزيادة؛ كقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فإنَّ ظاهره نفي مِثْل المِثل بالتقدِيم والتَّأخِير؛ كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥] وبالقلب؛ كقولِكَ: "أدخلتُ القَلَنسُوةَ في رأسي".
وأُجيب عنه: بأنَّ هذه الوجُوهَ ترجع إلى المجاز؛ فإنَّ حاصلها يرجِعُ إلى التركيب في الإسناد، فإنَّ المجازَ تارةً يكون في الإفراد فقط؛ كإطلاق الأَسَدِ على الشجاع، وتارة في
[ ١ / ١٩٦ ]
احتِمَالُ الاشتِرَاكِ، وَالنَّقْلِ، وَالْمَجَازِ، وَالإِضْمَارِ، وَالتَّخْصِيصِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ: أَنَّهُ إِذَا انتَفَى احْتِمَالُ الاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ -كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعنَى وَاحِدٍ. وإذَا انتَفَى احْتِمَالُ الْمَجَازِ وَالإِضمَارِ- كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا وُضِع
===
الإِسناد؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، والمنبتُ هو الله، وتارةً بهما؛ كقولِ القَائِل: أَحيانِي اكْتِحَالي بطلْعتِكَ، فإِنَّه أوقع "أحياني" موقع سَرَّني، و"اكتحالي" موقِع رؤيتي، وأسند الإِحياءَ إلى الاكْتِحال، وهو مجازٌ في الإِسناد، والأوَّلانِ مَجَازَان في الإفرَادِ.
لَا يُقَالُ: والإِضْمارُ -أيضًا- راجعٌ إلى المجاز في التركِيب، فلمَ عده؟؛ لأَنَّا نقولُ: إِنما أفرده لاخْتصاصه بمزيدِ غرضٍ في التَّرجِيح؛ فإنَّ الحذْفَ إنَّما يحسُنُ مع القرِينَةِ المقالية أو الحالية؛ كقَوْلِهم للقادِمِ: أَهْلًا وسَهلًا، أَي: صادفتَ أهلًا؛ لأنَّ الدعاء يطلب الفعل، ولمن سدَّدَ سَهمًا: القِرطَاسَ، أَي؛ أصبتَ القِرطاس، لقرينة التَّسدِيد، وقرينتُه لا تزايله، بخلافِ غيره من المجازات.
وقد يُقالُ مِثْلُ ذلك في التَّخصِيص؛ فإنَّه مِن إطلاق الكُلّ، وإرادة البعض، وهو من المجاز أيضًا، فلم أفْردَهُ؟
[ ١ / ١٩٧ ]
لَهُ. وَإِذَا انتَفَى احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ- كَانَ المُرَادُ بِاللَّفْظِ جَمِيعَ مَا وُضِعَ لَهُ؛ وَعِنْدَ ذلِكَ: لَا يَبْقَى خَلَلٌ أَلبَتَّةَ فِي الْفَهْمِ.
===
فنقولُ: إِنه اختصَّ بمزيد قُوَّةٍ من حيثُ إن استعماله في اللَّازم الداخل، فإشعاره من دَلالةِ التضمن، وهي أَقوى من دلالة الالتِزَام.
ولا يناقِضُ ما ذكره ها هنا، ما عدّه من شُرُوطِ الدَّلالةِ السمعيةِ في كَثِيرٍ من كُتُبه مضافًا إلى هذه الخمسة، وهي نَفْيُ النَّسخِ، والمعارض العقلِي، والتَّقدِيم والتَّأخِير، وصِحَّة النَّقل، ومَعرِفَة العربية؛ لأنَّ انتفاءَ النسْخِ، والمعارض العَقلِي، وصِحَّة النقل- شَرطٌ في العمل لَا فِي إشعار اللفظ.
والخَلَلُ مِنْ عدم فَهم العربية راجِعٌ إلى السامع لا إلى اللفظ؛ لأنَّه إذا قِيل: "ذَكاةُ الجنِينِ
[ ١ / ١٩٨ ]
ثُمَّ اعْلَمْ: أنَّ التَّعَارُضَ الحَاصِلَ بَينَ هذِهِ الجِهَاتِ الخَمْسِ يَقَعُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ؛
[ ١ / ١٩٩ ]
لأَنَّهُ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَبَينَ الأربَعَةِ البَاقِيَةِ، ثُمَّ بَينَ النَّقْلِ وَبَينَ الثَّلاثَةِ البَاقِيَةِ، ثُمَّ
===
ذكاةُ أمِّهِ" برفع الثَّاني -لم يحتج إلى ذكاة في الجنين، وبنصبه على معنى أَنَّه يذكى ذكاة مِثْل ذكاةِ أُمِّه؛ فيحتاج في حلِّه إلى ذكاة تخصه.
[ ١ / ٢٠٠ ]
بَينَ الْمَجَازِ وَبَينَ الْوَجْهَينِ البَاقِيَينِ، ثُمَّ بَينَ الإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ عَشَرَةً:
[ ١ / ٢٠١ ]
الأَوَّلُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الاشتِرَاكِ وَالنَّقْلِ، فَالنَّقْلُ أَوْلَي؛ لأَنَّ عِنْدَ النَّقْلِ يُكُونُ اللَّفْظُ لِحَقِيقَةٍ مُفْرَدَةٍ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ؛ أَمَّا قَبْلَ النَّقْلِ: فَلِلْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَ النَّقْلِ: فَلِلْمَنْقُولِ إِلَيهِ، وَأَمَّا الاشْتِرَاكُ: فَإِنَّهُ يُخِلُّ بِالفَهْمِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ؛ فَكَانَ النَّقْلُ أَوْلَى.
الثَّانِي: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَي؛ لأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي لَهُ مَجَازٌ؛ إِنْ تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ حَصَلَتِ الْقَرِينَةُ، وَجَبَ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ؛ وحِينَئِذٍ: يُفِيدُ عَلَي كِلا التَّقْدِيرَينِ؛ بِخِلافِ الاشْتِرَاكِ.
===
وَأمَّا التقدِيمُ، والتَّأْخِيرُ: فقد بَيَّنَّا رجوعهما إلى المجاز في التركيب.
وقولُه: "فاعلم أَنَّ التعارض بين هذه الجهات الخمس يقعُ مِنْ عشَرةِ أَوْجُهٍ"، أصل هذه العشرة التّي ذكرها مِنْ عِشْرِينَ، ولكنه أسقط المتكرر؛ لأنا إذا أخرنا كلَّ واحد من هذه الخَمْسة، قابلناها بالأرْبَعةِ الباقية، فتكون أربعةً في خَمْسَةٍ: فهي عِشُرون، إلّا أَنَّ ما عارض الشيء فقد عارضه الآخر، فَلَا فائِدَةَ في عَدّه ثَانِيًا؛ فلهذا كلُّ ما عَدَّهُ في درجة لم يعده في الثانية.
قوله: "الأول: إذا وقع التعارض بين الاشْتراك والنَّقْل، فالنقل أَوْلَي".
مثاله لفظ "الزَّكَاةِ" في اللُّغَةِ موضوعٌ للنَّماءِ، وقد استعمله الشّرْعُ في الجزء المخرج، فاستعماله دَارَ بينَ الاشتراك والنقل، والنقلُ أوْلَي، لما ذكره.
وقد عُورضَ ما ذكره بأَنَّ النقل يتوقَّفُ على مُنَاسبةٍ، ووضع ثان، وغلبةِ استعماله في الثاني، والاشْتراكُ لا يتوقف إلا على وضع ثان، فكان المحذور فيه أَدْنَى.
وأُجِيبَ: بأَنَّا لا نعينه للنقل إلَّا مع كثرة الاسْتعمال، وحِينَئِذٍ تزول المفاسِدُ المذكورةُ.
قوله: "الثاني: إذا وقع التعارض بين الاشْتِرَاكِ، والمجاز، فالمجازُ أولى".
مثالُه: إطلاقُ لفظ الأَمْر على القول المخصُوصِ حقيقة.
واختُلِف في إِطلاقه على الفِعل، فقِيلَ: هو حقيقة أيضًا، فيكون مُشْتركًا، وقيل: مجازٌ؛ وهو الأَوْلَى لِمَا ذُكِرَ.
وقد عُورِضَ ما ذكره بأنَّ المجاز يتوقَّفُ على العَلاقةِ والاسْتعمال؛ بخلاف الاشْتراك؛ فإنَّه
[ ١ / ٢٠٤ ]
الثَّالِثُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشتِرَاكِ وَبَينَ الإِضْمَارِ، فَالإضْمَارُ أَوْلَي، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَن الإِضْمَارَ إِنَّمَا يَحْسُنُ، حَيثُ يَكُونُ الْمَضمَرُ مُتَعَيِّنًا بِالضَّرُورَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالي: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادُ مِنْهُ: "وَاسْأل أَهْلَ الْقَرْيَةِ"؛ وَعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَالْفَهْمُ غَيرُ مُخْتَلٍّ؛ بِخِلافِ الاشتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَهْمَ فِيهِ مُخْتَلٌّ.
===
لا يتوقف إلَّا على أحدهما، وبأن استِعمال الاشتراكِ في معنييه حقيقة.
وأُجِيبَ: بمعارضة ذلك بكثرة فَوَائِد المجاز مِنْ خفَّة الوزْن، وعُذُوبة اللفظ وصَلاحِيَّته لأنواع البديع أو لعظم الحقيقة؛ كقولهم: تخدُم المقام أو للتحقير، كالغائط.
قوله: "الثالث: وإذا وقع التعارض بين الاشْتراك، والإِضمار، فالإضمارُ أَوْلَى" فَمِثَالُهُ: قوله - ﵊: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" فإِنَّ لفظة "في"حقيقة في الظَّرْفِيَّةِ، فإذا
[ ١ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تلف النصاب بعد الحَوْل، والتَّمكُّنِ، وقبل الأداءِ، فمقتضى اللفظ سقوط الزكاة، لزوال المظروف.
[ ١ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيُعَارَضُ: بأَنَّ "في" تقع لِلسَّببيَّة؛ كقوله - ﵊: "فِي النَّفْسِ المُؤمِنَةِ مائَةٌ مِنَ الإِبلِ".
فيقول الخَصْمُ: هذا يَلْزَمُ منه الاشْتراك.
فيعارضه: بأنَّ حَمْلَهُ على الظَّرْفِ يلزم منه الإِضمار؛ إذْ تَقدِيره: في مِقدَار أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ.
فيقول: الإِضمارُ الأولى مِنَ الاشتراك، وتقديرهُ ما ذكره.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الرَّابِعُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الاشْتِرَاكِ وَالتَّخصِيصِ - فَالتَّخصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ، عَلَي مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْمَجَازُ خَيرٌ مِن الاشْتِرَاكِ عَلى مَا تَقَدَّمَ.
===
قولُه "الرابع إذا وقع التعارضُ بين الاشتراك والتخصيص، فالتَّخْصِيصُ أَوْلَى".
مثالُه: الاسْتدلالُ على أنَّ الوطْءَ في النكاح الفاسد يُثبِتُ حرمَة المصاهرة: بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] والنِّكاحُ حَقِيقةٌ في الوطْء.
[ ١ / ٢٠٨ ]
الْخَامِسُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ النَّقْلِ وَالْمَجَازِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لأَنَّ النَّقْلَ لَا يَحْصُلُ إلا عِنْدَ اتِّفَاقِ أَرْبَابِ اللِّسَانِ عَلَي تَغْيِيرِ الْوَضْعِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَأَمَّا الْمَجَازُ، فَيَكفِي فِيهِ حُصُولُ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَي حَقِيقَتِهِ، وَهِيَ سَهْلَةُ الْوُجُودِ.
السَّادِسُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الإِضمَارِ وَالنَّقْلِ، فالإِضْمَارُ أَوْلَى؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ
===
فيقول المعترضُ أحْمِلُه على العَقْد؛ فإِنه موضعٌ له أيضًا.
فيقول الخَصْمُ: يلزم منه التَّخصِيصُ؛ فَإِنَّ حَمْلَهُ على العَقْدِ يقتضي تخصِيصَه بالعقد الصحيح، فيخرج النكاح الفاسد.
فيقول الخَصْمُ: التخصِيصُ أولى من الاشتراك؛ وتقريرهُ ما ذكر.
قولُه: "الخامس: إِذَا وقع التعارضُ بين النقل والمجاز، فالمجازُ أولى":
مثالُه: إطلاقُ لفظ "الصَّلاةِ" على الدُّعَاء حقيقةً، واستعمالُه في الأَفْعال المخصوصة إِمَّا بالمجاز عند قوم، أو بالنقل، والمجازُ أَوْلَى.
قوله: "السَّادِسُ: إذا وقع التعارضُ بين النقل والإضمار، فالإضمارُ أَولَى":
مثالُه: قولُ الحَنَفِيِّ في بيع الدِّرْهَم بالدرهمينِ: إِنَّ المُحَرَّم أخذُ الزيادة، فإذا تَوافَقا على إِسْقاطها، فيحكم بصِحَّة العَقْد؛ احتجاجًا بأنَّ الرِّبَا في اللغة: الزيادة. فيقول الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الرِّبَا
[ ١ / ٢٠٩ ]
عَينُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ النَّقلِ.
===
على لسان الشَّرْع عبارةٌ عن: عَقْدٍ مَخصُوصٍ فقولُه تعالي: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، نَهْيٌ عن نَفْسِ العقْدِ، فيكون فاسدًا، اتفقا على حَطِّ الزيادة، أو لم يتفقا.
فيقول الحَنَفِيُّ: حَمْلُ الرِّبَا على العَقْدِ يستلزم النَّقْلَ، وهو على خِلافِ الأَصْل.
فيقولُ الشَّافِعِيُّ: والإضمارُ -أيضًا- على خلاف الأَصْل؛ إِذْ تقديرهُ على زعمك: وحَرَّمَ أَخذَ الرِّبَا.
فيقول الحنفيُّ: الإضمارُ أَوْلَى مِنَ النقْلِ، وتقديره ما ذُكِر.
[ ١ / ٢١٠ ]
السَّابِعُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ النَّقْلِ والتَّخْصِيصِ؛ فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأَن التخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالمَجَازُ خَيرٌ مِنَ النَّقْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
===
قوله: "السابعُ إذا وقع التعارضُ بين النقل، والتخصِيصِ- فالتخصيصُ أولى": مثالُه؛ قَوْل الحَنَفِيِّ: يجوزُ بيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ مُتَسَاويًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فيقولُ الشَّافِعِي: البيعُ في لِسَانِ الشرْع عبارة عن: مُقَابلةِ مَالٍ بمَالٍ عن تراضٍ، على أَوْضَاع قدَّرها الشرعُ.
فيقول الحَنَفِيُّ: هذا يقتَضي النقلَ، وهو خِلافُ الأَصْل.
فيقول الشَّافِعِي: وحملُه على الوضْعِ اللُّغَويّ يلزم منه تخصيص البيعِ، وقَصْره على كُلِّ بيعٍ غَيرِ مَنْهِيٍّ عنه نهيَ فسادٍ.
[ ١ / ٢١١ ]
الثَّامِنُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالإِضْمَارِ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَكثَرُ وُقُوعًا، وَالْكَثْرَةُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مُخَالفَةِ الدَّلِيلِ.
التَّاسِعُ: إِذَا وَقَعَ التعَارُضُ بَينَ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ فِي
===
فيقول الحنفيُّ: التخصِيصُ أَوْلَى مِنَ النَّقْلِ وتقدِيرهُ ما ذُكِر.
قوله: "الثَّامِنُ: إِذا وقع التعارض بين المجاز والإِضْمارِ- فالمجازُ أولى":
مثالُه: إِذا قال السَّيِّدُ لعبدٍ مِن عبيده -وهو أكبرُ مِنْهُ سِنًّا: أَنْتَ وَالِدِي. فيحتمل الكِنَاية عن العِتْق بطريق المَجَازِ ويحتملُ التَّعْظِيم بإضمارٍ؛ لأَنَّ تقديره: أنت كوالدي فمن يوقعُ العِتْق به، يرجِّحُ المجازَ لما ذكر، وَمَنْ لم يوقعه، يرجِّح الإضمارَ؛ لأنَّ قرينته لا تزايله.
وقِيلَ: هما سواءٌ؛ لتوقفهما على القرينة مع إِمكان خفائها فيهما.
قوله: "التاسِعُ: إذا وقع التعارضُ بين المجاز والتَّخصِيص، فالتخصِيصُ أَوْلَى":
مثالُه: قولُ الحنفيِّ فِي مترُوكِ التَّسْمية عمدًا: لا يؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
[ ١ / ٢١٢ ]
صُورَةِ التَّخْصِيصِ: يَبْقَى اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي شَيء مِن مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ وَفِي صُورَةِ الْمَجَازِ: لَمْ يَبْقَ اللَّفْط مُسْتَعْمَلًا فِي شَيءٍ مِنْ مَوَارِدِهِ الأَصْلِيَّةِ؛ لأَن التَّغْيِيرَ فِيهِ أَكْثَرُ.
===
فيقول الشافعي: هو مجازٌ فِي ذبح عبدة الأَوْثَانِ، وما أهلَّ لغير الله تعالى لملازمته ترك التسمية.
فيقول الحنفي: المجَازُ على خلاف الأَصل.
[ ١ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيقول الشافعيُّ وحملُ الآيةِ على الذكر اللَّفظِيّ، يلزم منه التخصيص بالناسي بالإجْمَاع، وهو على خِلاف الأَصْل.
فيقول [الحنفي]: التخصيصُ أوْلَى من المجَازِ، وتقديره على ما ذكر.
[ ١ / ٢١٤ ]
الْعَاشِرُ: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَينَ الإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ، فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنَ الإِضْمَارِ -كَمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ التَّخْصِيصُ خَيرًا مِنَ الإِضْمَارِ.
===
قوله: "العَاشِرُ: إِذا وقع التعارضُ بين الإضمار والتخصيص، فالتخصيصُ أوْلَى":
مثالُه، قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
إذا قيل فِي تأويله المراد بالحياة: الحياة المعنوية، فإن القاتل إذا اقتص منه فِي الدنيا - زال ذنبُه، فينجو فِي دار الآخرة.
فيُقالُ: هذا التأويل يلزم منه المجازُ.
فيعارضه: أنَّه يحتمل أن يكون الخطابُ للجميع، فيكون معناه فِي شرع القِصَاص حياة؛
[ ١ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن القاتل إذا علم أنَّه متى قَتَلَ قُتِلَ، انزجر؛ فتبقى الحياةُ له، وللمقتول وهو أوْلَى؛ لإبقاء الحياة علي حقيقتها.
فيقول الآخر: إلَّا أن فيه إضمارًا؛ إِذ تقريره: ولكم فِي شَرْعِ القِصَاصِ حياة.
فيقول الآخَرُ: وفيما ذكرته تخصيصٌ، لقصره على القائلين.
فيقول الخَصْمُ: التخصِيصُ خير من الإِضمار، وتقديره ما ذكر.
فروع:
الأول: إذا تعارض الاشتراك والنسخ، فالاشتراك أَوْلَى؛ لأن النسخ إبطال، والاشتراك تأخير إلى غاية.
الثاني: إذا تعارض الاشتراك والتواطُؤُ، فالتواطؤ أَوْلَى؛ لأنه دال على حقيقة فرده، والكثرة فِي مواردها.
الثالث: إذا وقع التعارض بين الاشتراكِ، وبين معنيين، أو بين جِنْسين- فالمعنيين أَوْلَى؛ لقلة المحذور.
وكذلك إذا وقع بين مَعْنيينِ، وجنس، أو بَين جنسينِ، فالأول أَوْلَى؛ لقلة المحذور فِي أحد الطرفين.
"قد تقدم حَصْرُ دِلَالةِ الأَلفاظ فِي المطابقة"، وهي:
الحقيقة، والتضمن، والالتزام، وهما المجازُ، ولا بُدَّ فيهما مِنْ مُلَازمهَ، إِمَّا دَاخِلًا، أو خارجًا.
قوله: "لأنه إذا حصل لفظ يُفِيدُ معنى، فهناك أَمْرانِ: اللفظُ، ومعناه، فإذا لم يُفِدِ اللفظ ذلك المعنى الثالث، ولم يكن فهم معناه مستلزمًا لفهم ذلك الثالث- امتنع حصولُ ذلك الثالث".
يعني بالثالث: ما أردت التجوزَ فيه، فإذا لم يكن الثالث نفسَ الموضوع، ولا لَازِمَهُ -فنسبةُ اللفظِ إِليه، وإلى سائر المَعَانِي نسبة واحدة، فلَا ارْتباط، وإذا لم يكن ارتباطٌ، فلا شعور.
[ ١ / ٢١٧ ]