الأَمْرُ المُعَلَّقُ عَلَى الشَّيءِ بِكَلِمَةِ "إِنْ" عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذلِكَ الشَّيءِ؛ وَيَدُلُ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
===
هذ المسألةُ والتي تليها مِنْ مسائل "المفهوم"، وقد نُوقِشَ في إِيرادهما نعتًا، والعذر له أَنَّ البحْثَ في الأمر يتعلق بطرفين:
أحدهما: المسائل اللفظية، والثاني: المعنوية،، ولمَّا كان الأَمْرُ يرد مطلقًا أو مقيَّدًا، والشرطُ، والصفة مِنَ المقيدات- ساغَ ذكرهما فيه.
وبالجملة، فالمفهُومُ ينقسِمُ إِلى مَفْهُوم موافقةٍ، وإلى مفهومٍ مُخَالفَةٍ، وهو: ما يفهم منه
[ ١ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نقيض الحكم في المسكوت عنه.
[ ١ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وينقسم هذا إِلى: مَفْهُومِ الشرطِ، والصِّفَةِ، والزمان، والمكان، والغاية، والعدد، واللقب: أما مفهومُ الشرط؛ فقد قال به الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى-
[ ١ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ونفاه مالكٌ، وأبو حنيفة، رحمهما الله.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَةِ كَلِمَةِ "إِنْ" بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِي الحُكمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْوُضُوءَ شَرْطًا لِلصَّلاةِ؛ وذلِكَ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
===
واحتج صاحب الكتاب على إثباته بوجهين:
الأول: أن أهل اللغة اتفقُوا على أنَّ "إِنْ" للشرط، قال: والشرطُ هو الذي يتفي الحكم بانتِفائه، بِدليل أنهم يسمون الوضُوءَ شرطًا في الصلاة؛ وذلك يفيد المطلوب.
وقد غلط في هذه الحُجَّة؛ فَإِنَّهُ أخذ الشرط بالاشتراك؛
والشرط ينقسم إلى شرطٍ لُغَويٍّ: وهو ما دخل عليه "إِنْ"، وما يقوم مقامها من أسماء وظروف.
[ ١ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإلَى عَقْلِيٍّ: كالحياة بالنسبة إِلى العلم.
وشَرْعِيّ: كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، وحدُّها واحدٌ: وهو ما يلزم مِنِ انْتفائه انتفاء الشيء، ولا يلزم مِنْ ثُبوته ثبوته.
[ ١ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وليس بمفهوم احترازٌ من الجزء، وما يدخل عليه حرف الشرط حُكمه بالعكس من ذلك؛ فإِنَّه يلزم من ثُبوتِ الشرط ثبوت المَشرُوطِ، ولا يلزمُ مِن نَفيِه نفيُه؛ كقوله -﵊-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً، فَهِيَ لَهُ".
[ ١ / ٢٩١ ]
الثانِي: رُويَ أَن يَعلَى بنَ أُمَيَّةَ قَال لِعُمَرَ بنِ الخَطابِ - ﵁ -: "مَا بَالُنَا نَقصُرُ، وَقَد أَمِنَّا؟ ! فَقَال: هذِهِ صَدَقَة تَصدَّقَ الله بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛ فَلَولا أَنَّ
===
فالَّلازِمُ مِنْ ثبوت الإِحياء ثبوتُ الملك، ولا يلزَمُ مِن نَفْي الإِحياء نفي الملك؛ لتعدد أسباب الملك.
وكذلك إِذا قُلنَا: إِذا كان هذا إِنسانًا، فهو حيوان، فيما يسميه المنطِقيون شرطًا مُتصِلًا، واللَّازم عنه ثبوت الثاني لثبوت الأول ونفي الأول لنفي الثاني، ولا يلزم مِنْ نفي الأول، نَفْيُ الثاني؛ لجواز أَن يكونَ المشروط أعمَّ؛ كما في المثال المذكور.
وإذا انقسم مسمى الشرط إلى معنَيَينِ، فإنَّما ينتج المطلوب إذا أريد به في المقدمة الثانية عَينَ ما أريد به في المقدمة الأولى، وإلَّا كان جمعًا بمجرد اللفظ فلا ينتج.
وقد يعتذر عنه: بأن لا تنازع في أن ما ذكرتموه ثمرةُ مقتضى الكلام من حيث المنطوق، ولكن ندعي أنه يُشعر مع ذلك إشعارًا ظاهرًا، لا قطعًا بالانتفاء عند الانتفاء؛ فإِنه لو قال: أنتِ طَالِقٌ، وأطلق - كان مقتضاه تحقق الطلاق لتحقق السبب،، وإذا قال: إِن دخلتِ الدارَ، فليس أثره في وقُوع الطلاق، وإنما أَثَرُهُ في نفي الحكم بدُون ما علق عليه، فلم يظهر أَثَرُ الشرط إلَّا في النفي.
فأما وقوعُ الطلاق بسبب آخرَ، أو الملك بسبب غير الإِحياء - فليس ذلك هو المعلق بالشرط، بل غيره.
قوله: "الوجه الثاني: رُويَ عن يَعْلَى بنِ أُمَيةَ، قال لعُمَرَ بنِ الخطاب - ﵁ -: ما بَالُنَا نَقصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ ! فقال عُمَرُ - ﵁ - عَجِنتُ مِمَّا عَجِنتَ مِنْهُ، فَسَألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم؛ فَأقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
[ ١ / ٢٩٥ ]
الْمُعَلَّقَ عَلَى الشَّيءِ بِكَلِمَةِ "إن" عَدَمٌ عِندَ عَدَمِ ذلِكَ الشَّيءِ؛ وَإلَّا لَم يَبقَ لِلتعَجبِ مَعنى.
وَاحْتَجَّ الخَصْمُ بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وَيَجُوزُ الرَّهْنُ عِندَ وجدَانِ الكَاتِبِ. وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] وَذلِكَ النَّهْيُ قَائِمٌ، سَواءٌ حَصَلَتْ إِرَادَةُ التَّحَصُّنِ أَوْ لَم تَحصُل. وَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] وَالأَمرُ بِالشُّكْرِ قَائِمٌ، سَوَاءْ حَصَلَ الاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
[وَ] الجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتِ الدَّلائِلُ، فَقَوْلُنَا أَولَى؛ لأَنهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
===
ولولا أن الأمرَ المعلَّقَ على الشي بكلمة "إِن" يعدم عند عدم ذلك [الشيء]- وإلَّا لم يبق للتعجب مَعنى.
وقد عُورِضَ: بأن التعجب لا يتعينُ أن يكون لإشعارِ بالانتفاء، وترك؛ بل لما تقرر في الشرع أنَّ الأصلَ في الصلاة الإِتمامُ، وأن القَصرَ إِنما يكون لعارض، فإذا زال العارِضُ، فكان يجب الرجوعُ إِلى الأصل، لا مِن مجرد اللفظ، والذي يدل على أنَّ الأصل المستقر الإِتمامُ - قولُه تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
قولُه: "احتجَّ الخَصمُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وبقولِه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ولا مفهوم لشيء منها.
وأجاب: بأنه لما تعارضت الدَّلائِلُ، فقولنا أَوْلَى؛ لأنه أكثرُ فائدة، [و] لا معنى لإشعاره بالنفي والإِثبات معًا.
والحق في الجواب: أَنَّا لا ندعي أَنَّ الشرط يدلُّ على الانتفاء قَطعًا، وإنما يدل عليه ظاهرًا بطريق الالتزام، والدليلُ الظاهر لا يمتنع تركُه؛ لامتِناعِ إجرَائِه على ظاهره، أو لدليل أرجح منه؛ كما في العموم، وهو أظهر دَلالة على ما يخرج منه من المفرادات، وهذا جواب جملي.
وأما التفْصِيليُّ: فالآية الأولَى ترك العمل بالمفهوم فيها؛ لخروجها مخرجَ الغالِبِ.
والثانيةُ لامتناع إكراه المختارات؛ لأنهن إذا لم يُرِدنَ تحصنًا فهن مريدات للبغاء، ولا إكراه مع الإرادة، وفيه بَحثٌ.
وأما الثالثةُ: فهو قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] فليس جَارِيًا على الشرط الحَقِيقيِّ، وإِنما المرادُ التنبيه على المعنى المقتضى للشكر؛ كما يقول الرجلُ لولده: إِن كُنتَ ولدي فبرَّنِي، وليس شَاكًّا في البُنُوَّةِ، وإنما مرادُه أَنَّ مِن صفة الابن أن يَبَرَّ والده،، ومثل ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة
[ ١ / ٢٩٦ ]