يَجُوزُ التمسكُ بِالعَام المخصُوصِ؛ ويدُل عَلَيهِ وَجُوهٌ:
===
[الكلام على المسألة الثالثة]
إِذا تَقَرَّرَ هذا: فإِذَا خُصَّ العام، فهل تبقى دَلالتُهُ على الباقي حقيقة أو مجازًا؟ ! .
اختلفوا فيه:
فقال الفقهاء: تبقى حقيقة.
وقال الجُبَّائِي: تبقى مجازًا.
وقال أبو الحسينِ: إِن خُص بدليل مُتصِل؛ كالشرطِ، والصفَةِ، والغَايَةِ، وَبَدَلِ البَعضِ، والاستثناءِ- فَإنهُ يَعُدهُ من المُخَصصَاتِ.
ويحد التخصيص بأنه: إخراجُ بَعضِ ما يتناوَلُهُ العَامُّ، فيدخل فيه الاستثناء، قال: فهو حقيقةٌ.
وإن خُص بدليل مُنفَصِل، كَنَص، أو إجماع، أو قياس- فهو مجاز.
وقال إمام الحَرَمَينِ: هو حقيقةٌ في التنَاوُلِ، مجازٌ في الاقتصار.
يعني: أنه وُضِع لِلدلالةِ على كُل واحد بصفة الاجتماع، فإذا لم يَرِدِ الكُل، فَقَصرهُ على البعض الباقي استعمال له في غير موضوعه الأَولِ، فيكون مجازًا.
إذا تَقَررَ هذا: فهل يَصِح الاحتجاج به أو لا؟
اختلفوا فيه:
فقالتِ المُعتَزِلَةُ: يصيرُ مُجمَلا؛ لأَن حَقِيقَتَهُ -وهي: الدلالة على الكُل- قد زالت
[ ١ / ٤٦٨ ]
الأَولُ: أن اللفْظَ العام عِبَارَةٌ عَنِ اللفْظِ الذِي يَتَنَاوَلُ الصوَرَ الْكَثِيرَةَ، فَنَقُولُ: إِما أَلا يَتَوَقفَ كَوْنُهُ حُجةً فِي شَيء مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ عَلَى كَوْنِهِ حُجة فِي الأُخْرَى، أَوْ يَتَوقفَ:
فَإنْ تَوقَّفَ: فَإِما أن يَحْصُلَ هذَا التوَقُّفُ مِنَ الْجَانِبَينِ، وَإِما أن يَحْصُلَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَينِ دُونَ الثانِي:
وَالأَولُ: هُوَ الْمَطْلُوب.
وَالثانِي: يُوجِبُ الدَّوْرُ.
وَالثالِثُ: يُوجِبُ الرجحَانَ مِن غَيرِ مرجح؛ وَهُوَ مُحَال.
===
بالتخصيصِ، فيبقى أنْ يُرَادَ به البَعضُ، وليس بَعْض أولى من بَعْض، فيتعارَضُ فيه جِهَاتُ المجاز؛ فيصير مُجمَلًا.
وقال عيسى بنُ أبان: إنْ خُص بدليل مُتصِل، جاز الاحتجاجُ به؛ لأنه لم يتناول بأصلِ وضعه سوى المخصوصِ.
وإن خُص بدليل منفصل، صار مجملًا.
وصار الفقهاءُ إلى أنه حُجة مُطلَقًا إذا خُص بمعلوم، ومُعتَمَدُهُم: ما ذكره من الحُجة الثانية، والثالثة.
قوله: "وَيدل عليه وُجُوهٌ: الأَولُ: أن اللفظَ العام عبارَة عن اللفظ الذي يتناول الصور الكثيرة".
لا يُرِيدُ أَن هذا تمامُ حَد "العَام"؛ فإنه يدخلُ فيه العَدَدُ، بل يعني: أن العام من شَأنِهِ أن يكونَ كذلك.
قوله: "فنقول: إما ألا يتوقف كونه حجة في شيء من تلك الصور على كونه حجة في الأخرى وإما أن يحصل هذا التوقف من الجانبين. وإما أن يحصل عن أحد الجانبين دون الثاني. والأول هو المطلوب، والثاني يوجب الدور، والثالث يوجب الرجحان بلا مرجح".
يعني: أنه إذا لم يَتَوَقَّف كونُهُ حُجة في شيء من تلك الصوَرِ على كونِهِ حُجة في الأُخرَى -فالفَائِتُ بالتخصيص ليس بشرط في دَلالتِهِ، وفَوَاتُ ما ليس بشرطِ في الدَّلالةِ- لا يَقدَحُ فيها.
قوله في الثالث: إن التوقف من أحد الجانبين ترجيح من غير مُرَجِّحٍ:
[ ١ / ٤٦٩ ]
الثانِي: أن المُقتَضِيَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي غَيرِ مَحَل التخصِيصِ هُوَ الصيغَةُ العَامةُ، وَهِيَ بَاقِيَة، وَالْمُعَارِضُ الْمَوجُودُ -وَهُوَ زَوَالُ الْحُكمِ عَنْ مَحَل التخْصِيصِ- لَا يَقْتَضِي زَوَالهُ عَن سَائِرِ الصوَرِ؛ فَثَبَتَ أَن فِي سَائِرِ الصوَرِ: المَقْتَضِي قَائِم، وَالْمُعَارِضُ مَفْقُود؛ فَوَجَبَ بَقَاءُ الحكْمِ.
الثالِثُ: أنهُ لَوْ خَرَجَ الْعَامُّ الْمَخصُوصُ عَن أَنْ يَكُونَ حُجة -لَخَرَجَ الْقُرْآنُ عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجة؛ لأَن العُلَمَاءَ قَالُوا: عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخصُوصَة؛ إِلا قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
===
يعني لاستواء اللفظِ بالنسبة إِلى سائِرِ أفرادِهِ، فليس جَعلُ بعضها مشروطًا ببعض بأولى من العكس.
والاعتراض عليه: اختيارُ التوَقفِ من الطرفين.
وقوله: إنه دَورٌ، مُسَلم، ولكن دور معي، والدورُ المعي لا يقدح، وإنما يَقدَحُ إذا وَجَبَ تَقَدمُ كُل واحد منهما على الآخَر من جهة واحدة، فَيُوجِبُ تَقَدمَ الشيء على نفسه.
أما فَرضُ شيئين لا يوجدان إلا معًا، فليس بِمُحَال في العقل؛ كالجواهر والأعراض عند المحققين، ولو امتنع ذلك، لامتنع وَجُودُ مَاهِية ذاتِ أجزاء؛ لِتَوَقفِ تَحَقُّقِها على أجزائها، ولكانت جميعُ الموجودات بَسَائِطَ.
قوله: "الثاني: المقتضى لثبوت الحكم في غير محل التخصيص هو الصيغة العامة".
يعني: أَن العام وضِعَ لِكُل فردٍ من أفرَاده؛ لأنه موضوع لِلكُل المستلزِمِ للأَفرادِ، فحينئذ يَدُل على المجموع بالمُطَابَقَةِ، ويدل على كُل فرد بطريق التضَمنِ لا بطريقِ الالتزام.
قوله: "والمعارض مفقود، فوجب بقاء الحكم":
يعني: أن الدلِيلَ إِذا دَل بأصله على إِثباتِ الحُكمِ في الجميع.
والمُنَافَاةُ: إِنما هي في صُورةِ التخصيصِ، ولا يُؤَثر المانِعُ إلا في مَحَلهِ، فَيَجِبُ استصحاب الدلالة فيما عداه؛ عملًا بالأَصلِ، وجمعًا بين الأَدِلةِ بحسب الإِمكانِ.
وقول المعتزلة: "إنه إذا زالتِ الحقيقةُ فليس بعض بأولى من بعضٍ"- لا يُسَلمُ؛ بل حَملُهُ على البَعضِ الخَالِي عنِ المعارضَ أولى.
قوله: "الثالِثُ: لو خرج العَام المخصوصُ عن أن يكونَ حُجة- لخرج القرآنُ عن كونِه حجةٌ":
[ ١ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذ الحُجَّةُ أيضًا مِمَّا اعتمدَ عليها الفُقَهَاء ويقرِّرُونَها إجماعًا، فيقولون: لم يَزَلِ الصحابَةُ، والتابعون ومَن بَعدَهُم -وهَلُمَّ جَرًّا- يَحتَجُّونَ بِعُمُومِيَّاتِ الكتابِ العزيزِ، مع أَنَّها مخصوصةَ إِلا ما ذُكِرَ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
وحَضرُهُمُ الاستثناءَ في هذه الآية غَيرُ مُسَلَّم، فَمِنَ العُمُومِيَّاتِ الباقيةِ على عُمُومِهَا قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٨٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ [الأعراف ٦٥] إلى غير ذلك.
تَتِمَّةٌ:
اختلفوا في جواز التمسك بالعامّ قبل البَحثِ عنِ المُخَصِّصِ:
قال ابن سريج: لا يَصِحُّ إلَّا بعد الاستقصاءِ في طَلَبِ المُخَصِّصِ وَعَدَمِهِ.
[ ١ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومعنى الاستقصاء: أَنْ يَجِدَ مِن نَفْسِهِ سُكُونًا تامًّا في عَدَم المُخَصِّص؛ كَمَنْ يطلب متاعًا يَعْرِفُ مَظَانَّهُ ولا يَجِدُه؛ لأنه وإنْ كان الأصلُ عَدَمَ المُخَصِّصِ إلّا أَنَّه يجب على المجتهد غايَةَ الإِمكانِ كما في البينات.
وقال أبو بكرٍ الصَّيرَفِيُّ: لا يَجِبُ، بل يُكتَفَى بِأَن الأَصلَ عَدَمُ المُخَصِّصِ؛ بِنَاءَ على الأصلِ، كما يُحمَلُ اللفظُ على حقيقته بدون بَحْثٍ عن عدم إِرادة المجازِ؛ بناء على الأَصْلِ.
وفرق بينهما: بأَنَّ التخصيصَ، وإن كان على خلاف الأَصلِ، إلّا أَنَّ أكثرَ العُمُومَاتِ مُخَصَّصَة، فقد عارض هذا الأصل الغالِبَ بخلاف المجاز؛ فإنه وإن كان على خلاف الأصل، إِلَّا أنَّ أكثر الألفاظِ محمولَةٌ على حَقَائِقِها؛ فقد وافق الاستعمال فيها الأصل، والله أعلم.
[ ١ / ٤٧٥ ]