لَا يَجِوزُ العَمَلُ بِرِوَايَةِ الْمَجَاهِيلِ؛ خِلافًا لأبَي حَنِيفَةَ، ﵀.
لَنَا: أَنَّ النَّافِيَ قَائِمٌ، وَالْفَرْقُ هُوَ أَنَّ الْوُثُوقَ بِصِدْقِ مَنْ كَانَ مَعْلُومَ الْحَالِ أَشَدُّ مِنَ الْوُثُوقِ بِصِدْقِ مَنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ.
===
[قوله: المسألة السادسة] "لا يجوز العَمَلُ برواية المَجَاهِيلِ، خلافًا لأبي حَنِيفَةَ، لنا: في المَسأَلَةِ أن النَّافِي للعمل قَائِمٌ، والفَرْقُ هو أَنَّ الوُثُوقَ بِصِدْقِ مَنْ كَانَ مَعْلُومَ الحال أشد من الوُثُوقِ بصدق من كان مَجهُولَ الحَالِ": اعلم أن العمل بخبر الوَاحِدِ له شروط: منها: ما يَرْجِعُ إلى المُخبِرِ. ومنها: ما يرجع إلى المُخبَرِ عَنْهُ. ومنها: ما يرجع إلى الخَبَرِ.
فأما ما يَرْجعُ إلى المُخْبِرِ فخمسة:
الأول: العَقْلُ، فلا تُقْبَلُ رِوَايَةُ المَجْنُونِ، وغير المُمَيَّزِ بالإجماع؛ لعدم الفَهْمِ والضبط.
الثاني: البُلُوغُ، فلا يُقبَل خَبَرُ الصبي المُمَيِّزِ الضابط عند الجمهور، وهو الأصح؛ لأنه إذا لم يُقْبَلِ الفَاسِقُ مع خَوْفِهِ من العِقَابِ على الكذب؛ فلأن لا يُقْبَلَ الصَّبِيُّ مع اعْتِقَادِهِ عَدَمَ العِقَابِ على الكَذِبِ -أوْلَى، ولأنه لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ على نفسه في نفسه، فلا يُقْبَلُ على غَيرِهِ، ولا يَنْتَقِضُ بالعَبْدِ والمغمى عليه إذا قيد بما ذكر.
قال الإمام وغيره: ولأن المُعْتَمَدَ في العَمَلِ بخبر الواحد ما علم من سِيرَتِهِ - ﷺ - وسيرة الصحابة، ولم يُنْقَل أنه كان يَبْعَثُ صبيًّا، ولا عن الصَّحَابَةِ مُرَاجعَةُ الصبيان.
واعترض عليه بأنه كان لا يَبْعَثُ العَوَامَّ أيضًا، وقد قبلتم أَخْبَارَهُمْ.
وقال القاضي: لا أَقْطَعُ برد الصَّحَابَةِ رِوَايَتَهُمْ.
قال الغزالي: ونحن قَاطِعُونَ بذلك، ولو كانت مَقْبُولَةً لما عُطِّلَتْ رِوَايَتُهُمْ وهم شَطْرُ الأُمَّةِ.
فإن قيل: كيف لا تقْبَلُونَ خَبَرَ الصَّبِيِّ الضَّابِطِ وقد حَكَمْتُم بِصِحَّه الاقتِدَاءِ به، وفيه اعْتِبَارُ صِدْقِهِ في الطَّهَارَةِ، ولم يزل السَّلَفُ يعتمدون على أَخبَارِهِمْ في الإِذْنِ في الدُّخُولِ، وقَبُولِ الهَدِيَّةِ، وقبلتم إسْلامَهْمْ، وقد أَجْمَعَ عُلَمَاءُ "المدينة" على قَبُولِ شَهَادَةِ بعضهم على بَعْضٍ في
[ ٢ / ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الدِّمَاء قبل تفرقهم؟ !
قلنا: أما صِحَّة الاقتِدَاءِ؛ فلأن صِحَّةَ صَلاةِ المَأمُومِ لا تَتَوقَّفُ على صِحَّةِ صَلاةِ الإمام. وأمَّا قَبُولُ أَخبَارِهِم في الإِذنِ والهَدِيَّةِ، فالاعتماد فيها على القَرَائِنِ، ومثله مَقبُولٌ من الفاسِقِ وإن لم تقبل روايته. وأمَّا قَبُولُ إِسلامِهِ، ففيه خِلافٌ مَشهُورٌ، وعلة القَبُولِ الاحتيَاط لِلإِسلامِ.
وأمَّا إجمَاعُ أهل "المدينة" فقد بَيَّنَّا أنَّه ليس بحُجَّة، ومن سلم كونَهُ حُجَّة، فإنما قبلهم لِلحَاجَةِ؛ لأنَّ الحاجة تكثر بينهم مُنفَرِدِينَ. نعم لا يشترط في تَحَمُّلِهِم سِوَى التَّميِيزِ؛ لأنَّ الصَّحَابَةَ قَبِلَت خبر عَبدِ الله بنِ عَبَّاس، وعبد الله بن الزُّبَيرِ، وغيرهم مِمَّن صَحِبَ رَسُولَ الله - ﷺ - في حال صِغَرِهِ، من غير بحثٍ في أن ما رَوَاهُ سَمِعَه حَال صِغَرِهِ أو كِبَرِهِ، ولإجماع عُلَمَاءِ الأَمصَارِ على إحضار الصِّبيَانِ مَجَالِس السماع؛ ولأنا نَقبَلُ شَهَادَتَهُم فيما تَحَمَّلُوهُ حَال صغَرهِم؛ فالرواية أَوْلى.
الثالث: الإسلام؛ فخبر الكَافرِ غَير مقبول بالإجماع لا لِلتُّهمَةِ، بل لِسَلبهِم أهلية هذا المَنصِب وإن كان مُتَحَرِّيًا في دينه، ولا تقْبَل رِوَايَةُ المبتَدِع المكفر ببدعته، فاما غير المُكَفَّرِ المُتَأوّلَ المتدين بتحريم الكَذِبِ؛ كالحَشَويَّةِ، والمعتزلة في بعض المَسَائِلِ- فقبلهم الشَّافِعِيّ وبعض الأصوليين، خِلافًا للقاضي مِنَّا، والقاضي عَبدِ الجَبَّارِ من المعتزلة، وأبي هَاشِم.
لنا: أنهم من أَهلِ القِبلَةِ مُعَظِّمُونَ للدِّين.
قالوا: فاسق، فلا يقبل، وجهله بفسقه لا يَكُونُ عُذرًا كالكافر.
وأُجِيبَ بِأن الفَاسِقَ عُرفًا: مسلم ارتَكَبَ كَبِيرَةً أو أصر على صَغِيرَة مع العلمِ.
[ ٢ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفرق مَالِكٌ بين من يَدعُو إلى بدعَةِ، ومن لا يَدعُو.
الرابع: العَدَالةُ: وهي هَيئة رَاسِخَة في النَّفسِ تَبعَثُ على مُلازَمَةِ التَّقوَى والمروءة، ومن ضَرُورَتهَا اجتِنَابُ الكَبَائِرِ، وَعَدَمُ الإضرَارِ على الصَّغَائِرِ، والكَفُّ عما ينافي المُرُؤة؛ كالأكل في الطَّرِيقِ، والبَولِ في الشَّارعِ، وصحبة الأرَاذِلِ، والمحكم فيه العرف.
وقد اضطُرِبَ في حدّ الكبيرة:
فقيل: كل ما تَوَعَّدَ الشَّرعُ عليه بخصوصه.
وقال البغوي في "التهذيب": كل ما يوجب الحَدَّ من المعاصي كبيرة. وهذا منه ليس بحصر؛ فإن الأحاديث تدل على كبائر لا يقام فيها حد؛ كالفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين.
وقيل: كل ما يحقق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سُنَّة- فهو كبيرة، ومنهم من حاول حصرها بالعدد، وقد روى عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "الكَبَائِرُ سَبعٌ: الشِّركُ بِاللهِ، والسِّحرُ، وَأكلُ مَالِ اليَتِيم، وعُقُوقُ الوَالِدَينِ المُسلِمينِ، والإِلحَادُ فِي البَيتِ الحَرَامِ".
وزاد أبو هُرَيرَةَ: أَكَلَ الرِّبَا، وزاد عَلِيٌّ: السَّرِقَةَ، وشُربَ الخَمرِ، ولم يذهب بذلك مذهب الحَصرِ، وإنما أراد التَّفحيمَ، ولما نقل لابن عَبَّاسِ قَوْلُ ابن عُمَرَ قال: هي إلى السَّبعِينَ منها أَقرَبُ إلى السَّبعِ.
قال مكي في كتاب "القُوت": والذي عندي في ذلك أن الكَبَائِرَ سَبع عَشرَةَ أستَخرجُهَا
[ ٢ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من أَحَاديثَ مُتَفَرِّقَةٍ يذكر في حديث ما لا يذكر في الآخر؛ وهي: أربع في القَلْبِ: الشِّركُ باب تَعَالى، والإِصرَارُ على معصية الله تعالى، والقُنُوطُ من رَحمَةِ الله تعالى، والأَمنُ من مَكرِ الله تَعَالى، وأربع في اللِّسَانِ وهي: شهادة الزُّورِ، وقذف المُحصَنَاتِ، واليمين
[ ٢ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغَمُوس، والسحر؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، وثلاث في البَطنِ: شُربُ الخَمرِ والمُسكِرِ من الأَشرِبَةِ، وأكل مال اليَتِيمِ ظُلمًا، وأكلُ الرِّبَا وَهُوَ يَعْلَمُ،
[ ٢ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واثنتان في الفَرجِ الزِّنَا واللِّوَاط، واثنتان في اليَدَينِ: وهما القَتلُ والسَّرِقَةُ، وواحدة في الرِّجلَينِ، وهي الفِرَارُ يوم الزَّحفِ إلَّا بشرطه، وواحدة في جميع الجَسَدِ، وهي عُقوقُ الوَالِدَين بقول أو فِعل.
ثم الفَاسِقُ مَردُودٌ بالإِجمَاعِ، ومن شَرِبَ يَسِيرًا من نَبِيذٍ لا يَعتَقِدُ تَحرِيمَهُ من مجتهد، أو مقلد، وفعل فِعلًا نَحوَهُ من الفروع الظَّنِّيَّةِ- فَلَيسَ بِفَاسِقٍ وإن قلنا: إن المُصِيبَ وَاحِدٌ؛ لئلا يُؤَدِّيَ إِلَى التَّفسِيقِ بما يَجِبُ عليه اتِّبَاعُهُ.
وقَولُ الشَّافعي: "أَقبَلُ شهادته وأَحدُّهُ" لظهور التَّحرِيمِ عنده، وضعف الشبهة.
وفي وجه: يُقبَلُ، ولا يُحَدُّ.
وفي وَجه: يُحَدُّ ولا يُقبَلُ.
وأمَّا المَجهُولُ وهو المَستُور، فلا يُقبَلُ عند الأكَثَرِينَ، خلافًا لأبي حنيفة، واحتجَّ له بِقولِهِ ﵇: "أَنا أَحكمُ بِالظَّاهِرِ"، وظاهر المُسلِمِ -مع سَلامَةِ الظاهر- العَدَالةُ، وينضم إليه وُجُوبُ إِحسَانِ الظَّنِّ بالمسلمين ولأن أَعرَابِيًّا أَسلَمَ وَشَهِدَ عند رَسُولِ الله - ﷺ - برُؤيَةِ الهِلالِ، فقبله وأَمَرَ بالصَّومِ: ولأنه يقبل خبره في الزَّكَاةِ، ورق جاريته، وخبر المَرأَةِ أنها لَيسَت مَنكُوحَة، ولا في عدة.
[ ٢ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأجيب بِمَنْع الظَّاهِرِ؛ فإن الغَالِبَ الفِسقُ والكَذِبُ أكثر ما يسمع، وقبوله - ﵇ - شَهَادَةَ الأعرَابِيِّ لَا نسلم أنَّه كان مع عَدَمِ الاطِّلاعَ على حَالِهِ، فلعله - ﵇ - عَلِمَ عَدَالتَهُ، وهي قضية عَين.
ولا نُسَلِّمُ اكتفاء الصَّحَابَةِ بظاهر الإِسْلامِ والسلامة، بل المَنقُولُ عنهم المُبَالغَةُ في طَلَبِ الثِّقَة، والاستظهار في بَعضِهَا بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ، ويكفي المستور أن يَستَويَ في حَقِّهِ العَدَالةُ والفِسقُ. وقبول خَبَرِهِ في الزَّكَاةِ، ورق جاريته وخَبَرَ المَرأَةِ فيما ذكر لِلحَاجَةِ، ومثله مَقبُول من الفَاسِقِ أيضًا، وما ذكره المُصَنِّفُ من المنافي ظَاهِر؛ ولأن الفِسقَ مَانِعٌ، فلا بد من تَحَقُّقِ انتِفَائهِ؛ كالصبي والرق.
الشرط الخامس: الضَّبطُ، وتكفي غَلَبَتُهُ عليه، ولا يُقبَلُ مَنْ كَثُرَ سَهوُهُ، ولا المساوى سَهوه لضبطه، ولا خبر من يتساهل في حديثه، ولا المشهور بالهزل واللعب؛ لأنَّ جميع ذلك يُبْطِلُ الثِّقَةَ، وأمَّا المدَلِّسُ فلا يُقبَلُ خَبَرُهُ حتَّى يقول: سَمِعتُ من فلان، أو حدثني فلان، وأمَّا إن قال: عن فلان، فلا يُقْبَلُ؛ لجواز وَاسِطَةٍ مَجْهُولَةِ لنا إيهامًا منه لعلو السند. ومن يقبل المَرَاسِيلَ يَقبَلُهُ. وكذلك لا يقبل إذا قال: أَخبَرَنِي؛ لجواز أن يَكُونَ بِكِتَابَةِ، حتَّى يبين.
ولا يُشتَرَطُ البَصَرُ، وقد كانت عَائِشَةُ تُحَدِّثُ من وَرَاءِ حِجَاب؛ وذلك اعتمادًا على الصَّوتِ مع القَرَائِنِ.
ولا الذكورة، وفي التَّرْجِيحِ بها خِلافٌ، ولا تمنع العداوة والولادة، وفيه نظر.
ولا يُشتَرَط الفِقهُ؛ لقوله ﵇: "فَرُبَّ حَامِل فِقهٍ غَيرُ فَقِيهٍ"، وشرطه أبو حَنِيفَةَ إذا كان مُخَالِفًا للقياس، وأدلة العَمَل شَامِلَةٌ، ولا يُشتَرَطُ علمه بالعَرَبِيَّةِ، ولا كونه مَعلُومَ النَّسَبِ.
[ ٢ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والصحابة كلهم عُدُولٌ، وهو المُعتَقَدُ، وهو مَذهَبُ السَّلَفِ وجمهور الخَلَفِ، والمعنى بذلك أن أَخْبَارَهُمْ مَقْبُولَةٌ من غير بَحث من أسباب العَدَالةِ.
وقيل: حكمهم في العَدَالةِ حُكمُ غَيرِهِم في التَّوَقُّفِ على البَحثِ، وقيل ذلك من حِين الفِتَنِ بينهم.
وقيل: عُدُولٌ إلَّا من قَاتَلَ عَلِيًّا، ويُعْزَى لبعض المعتزلة.
وَرَدَّ بَعْضُ القَدَرِيَّةِ شَهَادَةَ علي، وطلحة، والزبير مجتمعين ومتفرقين، ومنهم من قَبِلَهُم مُتَفَرِّقِينَ.
[ ٢ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والأَوَّلُ وهو عَدَالةُ الكُلِّ أَصَحُّ؛ لتزكية الله -تعالى- لهم، ورِضَاهُ، وكذلك رَسُولُهُ -﵇- ولا تَعدِيلَ فَوقَ تَعدِيلِ الله -تعالى- ورسوله؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وقال -﵇-: "أَصحَابِي كَالنُّجُوم بِأيِّهِمُ اقتَدَيتُمُ اهتَدَيتُمُ" وقال: "لَوْ أَنفَقَ أحَدُكُم مِلْءَ الأَرْضِ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ" وقال: "إِن اللهَ تَعَالى اختَارَ لِي أَصحابًا وَأَصهَارًا وَأَنصَارًا"، وقال: "لا تَسُبُّوا أَصحَابِي" وقال: "خَيرُ القُرُونِ قَرْنِي" إلى غير ذلك، هذا مع ما علم من حالهم في الجِدِّ، والاجتِهَادِ، والصِّدق، والإخلاص، وبذل المُهَج والأَموَالِ، واستحقار ذَهَابِ العَشِيرَةِ والأَهلِ في نُصرَةِ الحق، وما نقلوه من المَطَاعِنِ غَيرُ مَعلوم، فلا يُعَارِضُ المَقطُوعَ.
[ ٢ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النَّظَّام: لَا شكَّ عند أَهلِ النَّقلِ في طَعنِ بَعضِهِم على بَعضٍ، فإن لم يَصدُقِ الطَّعنُ، فليجرح الطاعن.
قلنا: الطَّاعِنُ منهم بَنَى ظَنَّهُ على اعتِقَادٍ غلط فيه، ومن لا يَعتَقِدُ فِسقَ نَفْسِهِ، فهو مَقبُول.
والصَّحَابِيُّ قيل: من رَآه - ﷺ - وإن لم يَرو عَنهُ، ولم تَطُل صُحبَتُهُ. وقيل: إن طَالت.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقيل إن اجتَمَعَا والثاني أَقرَبُ للعرف. وإن صَحَّ إِطلاقُ اسْمَ الصُّحبَةِ بدون الطُّولِ لُغَةً؛ إذ يقال: صحبه لَحظَة.
وهذه المَسألَةُ وإن كانت لَفظِيَّة، فتنبني عليها المَسألَةُ السَّابِقَةُ.
وتُعرَف العَدَالةُ بالخبرة والتزكية.
قال المُحَدِّثُونَ: ولا يَثبت التَّعدِيلُ والتَّجريحُ إلَّا بِعَدْلَينِ في الرِّواية والشهادة. وقال القاضي: يكتفى بالواحد فيهما. وقال الأكثرون: يكفي في الرِّواية فقط.
احتج المُحَدِّثُونَ بأن الاكتِفَاءَ في العَمَلِ بِقَولِ الوَاحِدِ علم مِن سِيرَةِ الصّحابة، ولم ينقل عنهم ذلك في التَّعدِيلِ والتجريح؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى قاعدة الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ ما يحتاج إلى إِثبَاتِهِ لا يثبت بدون عَدلَينِ.
وأجيبوا بأن شرط الشَّيءِ لا يزيد على أَصلِهِ؛ كشرط الإِحصَانِ في الزِّنَا؛ وعلى هذا يكتفى بتعديل العَبدِ والمَرأَةِ في الرِّواية.
قال القاضي: ويكفي الإِطلاقُ في التَّعدِيلِ والتجريح؛ لأنَّه إن لم يكن عَارِفًا بأسبَابِهِ لم يُقْبَل.
وقال قوم: لا يكفى فيهما؛ لاختِلافِ العُلَمَاءِ فيما يُجرَحُ به، ولتَسَارعُ النَّاسِ في الثَّنَاءِ.
وقال الشَّافِعِي: يَكفِي في التَّعدِيلِ؛ لأَنَّ أَسبَابَهُ تَكثُرُ، ويعتبر ذِكرُهَا في الجَرحِ؛ إذ الجَرحُ يحصل بِخَصلَةٍ.
وقيل: بالعكس؛ لأنَّ العَدَالةَ مُلتَبسَة؛ فيخاف التصنع.
وقال الإِمَامُ: يقبل إن كان عَالِمًا بِأسبَابِهِمَا، وإلا فلا.
والأَسَدُّ: إن كان عَالِمًا بِأسبَابِ التعديل قُبِلَ، وإلا استفصل؛ كما فَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - ولا يقبل الجرح إلَّا مُفَصَّلًا، كما ذكره.
وأعلَى مَرَاتِبِ التَّعدِيلِ أن يُحكَمَ بِشَهَادَةِ من عُلِمَ أنَّه لا يَكتَفِي في العَدَالةِ بِسَلامَةِ الظاهِرِ.
[ ٢ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودونه قوله: هو عَدلٌ عندي لكذا. ودونه التَّعدِيلُ المُطْلَقُ. وأمَّا العَمَلُ بروايته أَظُنُّهُ لا يكون تَعدِيلًا؛ فإن له أسبَابًا أُخَر.
والجرح مُقَدَّم على التَّعدِيلِ، إلَّا إذا عَيَّنَ الجَارِح سببًا، ونَفَاهُ المُعَدّل بطريق يَقتَضِي ذلك؛ كَمَا لو قَال الجَارح: قتل فُلانًا ظلمًا وَقْتَ كذا، فيقول الآخَرُ: كان حَيًّا في ذلك الوَقتِ، فَيَتَعَارَضَانِ. ولا ترجيح بكثرة المعدِّلِينَ.
وأمَّا ما يَرْجِعُ من الشُّروط إلى المخبر عنه: فَهُوَ ألا يَكُونَ مَدلُولُهُ مُخَالفًا لِدليل قَاطِعٍ.
وأمَّا ما يرجع إلى الخَبَرِ. فالنَّظَرُ في كَيفِيَّةِ لَفظِ الراوي، وهي مَرَاتِبُ أعلاها: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: سمعت رَسُولَ الله - ﷺ -، أو أخبرني، أو شافهني.
ودونه أن يقول: قال رسول الله - ﷺ -، أو حَدَّثَنَا، أو أخبَرَنَا، وليس كالأَوَّلِ؛ لاحتمال أن يَقُولَ ذلك عن وَاسِطَةِ كما في كثير رَوَوْا، ورَجَعُوا بَعْدَ الإطلاقِ، فقالوا: سَمِعنَاهُ من فُلانِ، وإن كان الظَّاهِرُ عند الإِطْلاقِ سَمَاعَهُ من الرَّسُولِ - ﷺ -.
ودونه أن يقول: أمرنا رسول الله - ﷺ -، أو نَهَانَا، أو أَبَاحَ، أو حَرَّمَ؛ لاحتِمَالِ اعتِقَادِهِ مَا لَيسَ بِأمرِ أَمرًا، وما لَيسَ بِنَهي نَهيًا، وإن كان بَعِيدًا، وهُوَ حُجَّة، خِلافًا لِدَاوُد، وبعض المتكلمين.
ودُونهُ أن يقول: أمِرنَا بكذا؛ كقول أَنَسٍ: "أُمِرَ بِلالٌ أن يشفع الأذَانَ، ويُوتِر الإِقَامَةَ"؛
[ ٢ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لاحتمال أن يكون الآمِرُ غَيرَ رَسُولِ الله - ﷺ - من الخُلَفَاءِ، أو فهمه عن اجْتِهَادٍ، وهو حُجَّة، خِلافًا للصَّيرَفِيِّ، والكَرخِيِّ، وهذا الاحتمال في غير الصَّحَابِيِّ أَظهَر.
ودونه أن يَقُولَ: من السُّنةِ كذا؛ كقول عَلِيّ - كَرَّم الله وَجْهَهُ -: "من السُّنَّةِ ألا يُقْتَلَ حُرّ بِعَبدٍ"؛ لأنَّه يحتمل أن يكون من سُنَّةِ الخُلَفَاءِ؛ يقول عَلِيّ -كَرَّم الله وجهه-: جَلَدَ رَسُولُ الله - ﷺ - في الخَمرِ أرْبَعِينَ، وجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثمانين، وكل سُنَّة" وقال -﵇-: "عَلَيكُمُ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعدِي"، وسُنَّةُ الخُلَفَاءِ في الظَّاهِرِ ما رَأوهُ، وحملُه على ما رَوَوهُ بَعِيدٌ.
وظاهر مَذهَبِ الشَّافِعِي أنَّه حُجَّة، خلافًا للصَّيرفيِّ أيضًا؛ لأنَّ الشَّافِعِيَّ احتَجَّ على قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ في صَلاةِ الجَنَازَةِ بِإِسنَادِهِ عن عَبدِ اللهِ بن عبَّاس؛ أنَّه - ﷺ - صَلَّى على جَنَازَةٍ، وقرأ فاتحة الكِتَابِ، وجَهَرَ بها، وقال: "إنَّما فَعَلتُ هذا؛ لِتَعلَمُوا أنها سُنَّة"، فمطلق السُّنَّةِ من قَولِ
[ ٢ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصَّحَابِيِّ مَحمُولٌ على سُنَّةِ الرَّسُولِ - ﵇ - ظاهرًا، واحتمال سُنَّةِ الخلفاء في إِطلاقِ التَّابعي أَقرَبُ ودونه قَولُ الصَّحَابِيِّ: عن رَسُولِ الله - ﷺ -، واحتمال أنَّه من غَيرِهِ قَرِيبٌ.
ودونه أن يقول: كانوا يَفعَلُونَ كذا؛ كقول عَائِشَةَ - ﵂ -: "كَانُوا لَا يَقطَعُونَ في الشيءِ التَّافِهِ"، وهذا ظاهر في التَّشرِيعِ، والظاهر أنَّه إِجمَاع، أو تَقرِير من رَسُولِ الله - ﷺ - فهذه سَبْعُ مَرَاتِبَ.
فأمَّا رِوَايَةُ غَيرِ الصحابي: فإنَّها على سَبعِ مَرَاتِبَ أيضًا:
أَعلاهَا أن يَقُولَ: سَمِعتُ من فُلانِ. ثم إن كان الشَّيخُ قَصَدَ إِسمَاعَهُ وَحدَهُ، أو مع غَيرِهِ - جاز أن يَقُولَ: أَسمَعَنِي، وأَخبَرَنِي، وحدثني وإن لم يَقصِدْ إِسمَاعَهُ قال: أَخبَرَ، أَوْ حَدَّثَ.
الثَّانية: أن يَقُولَ السَّامِعُ للمسموع عليه بَعْدَ القِرَاءَه: أسمعت؟ فيقول: نَعَم، أو الأمر كما قرئ، وهو كَقِرَاءَتِهِ عليه؛ قال الحَاكِمُ: القِرَاءَةُ على الشَّيخِ إِخْبَارٌ، وعليه عَهِدنَا أَئمَّتَنَا، ونقله عن الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ.
الثالثة: أن يكتب إليه، فلِلمَكتُوبِ إليه إن علم أنَّه خَطُّهُ، أو ظنه- أن يَقُولَ: أَخبَرَنِي؛ لأنَّ الكِتَابَةَ إِخبَارٌ، ولا يجوز.
الرَّابِعَةُ: أن يَقرَأَ عليه، فيقول له بَعْدَ السَّمَاع: أسمعت؟ فيشير بِرَأسِهِ، أو غير ذلك من أَنوَاعِ الإِيمَاءِ؛ فهي كالعِبَارَةِ في التَّصدِيقِ؛ فهو حُجَّة؛ لأنَّ المَقصُودَ منه الدَّلالةُ، لكن لا يَقُولُ: حَدَّثَنِي، ولا أخبرني، ولا سَمِعتُهُ مُطلقًا، بل يقول: حَدَّثني، أو أخبرني قِرَاءَةَ عليه، ويجوز في عُرفِ المُحَدِّثِينَ أن يَقُولَ: سَمِعتُهُ قِرَاءَةَ عليه ومُطلَقًا على الأَصَحّ.
ويجب العَمَلُ به، وفي الرِّوَايَةِ به خِلافٌ، وَأَجَازَهَا المُحَدَّثُونَ [و] الفُقَهَاءُ، وأَنكَرَهَا المُتَكَلِّمُونَ وبعض الظاهرية.
احتج المحدثون والفُقَهَاءُ بأن الإِخبَارَ: ما أفاد العِلمَ، أو الظَّنَّ، والسكوتُ والحالة هذه كذَلِكَ.
واحتج المُتَكَلِّمُونَ بأنه لم يُحَدِّثْهُ، ولم يخبره؛ فكان قولُهُ كذبًا.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجوابه لا نُسلِّمُ أنَّه كَذِبٌ، بل إِطلاقُ الإِخبَارِ عليه مَجَازٌ شَائِعٌ.
السَّادِسَةُ: المُنَاولَةُ؛ وهي أن يشير الشَّيخُ إلى كِتَاب، أو صَحِيفَةٍ، فيقول: هذا سَمَاعِي سَمِعتُهُ من فُلانٍ، فله أن يَرويَ عَنهُ، سواء قال: اروهِ عني، أو لم يقل؛ كما يَشْهَدُ على شَهَادَتِهِ إذا رَآهُ يُؤدِّيهَا عِنْدَ الحَاكِمِ، وإن لم يُحَمِّلهُ؛ ولا حَاجَةَ إلى مُنَاوَلَةِ الكِتَابِ، ولا يجوز أن يَرويَ من غير تلك النُّسخَةِ؛ لأنَّ النُّسَخَ تَخْتَلِفُ، إلَّا إذا أمِنَ الاختِلافَ.
السابعة: الإِجَازَةُ؛ وهي أن يَقُولَ: أجَزتُ لك أن تَرويَ عَنِّي كِتَابَ كذا وَمَا صَحَّ عندك من حَدِيثي، وهي مُعتَبَرَة عند المُحَدِّثِينِ مُسَلَّطَّةٌ على الرِّوَايَةِ عنه، فيقول: أَجَازَني، أو أخبَرَنِي إِجَازَةَ، وأكثر على مَنعِ حَدَّثَنِي، وأخبرني مُطْلَقًا بِخِلافِ النافي للفرق، وقال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ: لا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بها.
[ ٢ / ٢٢٥ ]