الكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَمَا يُعَاقَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَرْكِ الإِيمَانِ؛ فَكَذلِكَ يُعَاقَبُونَ -أَيضًا- عَلَى عَدَمِ إِتْيَانِهِمْ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ.
===
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية بالإجماع؛ وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وغيرِ ذلك.
وقال قوم: معنى فرض الكفاية توجُّهُ الخطاب على كُلِّ واحد، وسقوطُهُ بفعل البعض، وبهذا فارق المعين.
واحتجوا: بأنه لو لم يكن الخطاب لكل واحد- لما عصى بالتركِ كُلُّ واحد.
وعُورِضُوا: بأنه لو كان الخطابُ لكل واحد لما سَقَطَ بفعل البعض، فبهذا فارق المعين.
وأُجِيبَ: بأنه لا يُعَدُّ في سقوط الخطاب به غير الامتثالِ، كما يسقط بالنسخ والعجز، والسرُّ في سقوطه: أنهم إذا أُمِرُوا بغسل ميت، وتكفينه مثلًا، وفَعَلَ ذلك البعضُ- فقد حصل المطلوب، فبقاءُ الطلب على الباقين يكون تحصيل الحاصل؛ وهو محال.
واحتج الأولون: بأنه إذا صَحَّ الأمرُ بغير المعين، فليصح أمر غير المعين.
وفَرقَ الآخرون: بأن تَعَلُّقَ الأمر بالمأمور به راجع إلى الذكر، وأقول: ولا مانعَ من تعلقهما بالمطلق المُبْهَمِ، ويخرج عن عهدته بالمعين؛ لاشتماله عليه.
وأمَّا المأمور به فلازمه لُحُوقُ العقابِ، أو اللوم على تركه، وَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُهُمَا بغير المعين، وهو كخلق البياض، أو السواد في محل غير معين.
قالوا: فظاهر الخطاب في الآية دَالٌّ على ما ذكرنا.
أُجِيبوا: بأن ما ذكرناه قطعيٌّ، وما ذكرتموه ظنيٌّ، فيتعين تأويلُه؛ جمعًا بين الأدلة.
وزاد المصنف فقال: والتكليف به مَنُوطٌ بغلبة الظن، فَإِنْ غلب على ظن البعض أن البعض الآخر أتى به- سقط عن الجميع.
وهذا ضعيف؛ فإنه يُؤَدِّي إلى التواكل، وتضييع الواجب، ولا شك أنه يكفي في التوجه وُرُودُ الخطاب، وإنما البحث في المسقط، والأمر فيه منقسم، فما يُتَصَوَّرُ العلمُ بحصوله، كَمَيِّتٍ حاضر، خُوطِبَ بتغسيله وتكفينه ودفنه- فلا يسقطُ إلَّا بالعلم بالامتثال.
وما يتقرر العلم به يكفي في إسقاطه الظن، كما في قيام طائفة بالجهاد لإعلاء كلمة الدين.
[المسألة العاشرة]
اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة أَقوال:
فذهب الأَشعريُّ، والقاضي، وأكثرُ أصحاب الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- إلى أنهم
[ ١ / ٣٤١ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ المُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ هذِهِ الأعَمَالِ عَلَى الكُفَّارِ- قَائِمٌ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَالْكُفْرُ غَيرُ مَانِعٍ مِنْهَا؛ لأَنَّ الْكَافِرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِاللِه، ثُمَّ بَعْدَ الإِيمَانِ
===
مُخَاطَبُون بالفروع.
وصار أبو هاشم، وأكثر الحنفية إلى أنهم غيرُ مخاطبين، وغلا أبو هاشم فقال: إنَّ المُحْدِثَ لا يُخاطَبُ بالصلاة إلا بعد إزالة حدثه، ونُسِبَ إلى خرق الإجماع.
وفرق قوم بين الأمر والنهي، فقالوا: يجوز التكليف بالمنهى، لأنَّ المقصودَ منه الترك، وهو حاصل بدون نِيَّة التقرُّبِ، بخلاف المأمور، وهو لا يلزمهم جواز الأمر بالمأمورات التي لا يشترط فيها نية التقرب.
وهذه المسألة لا يظهر فيها أثرُ الخلاف في الدنيا؛ فإن الكافر لا يصح منه العبادة مع كفره، وإذا آمن لا يُخَاطَبُ بقضاء ما فات؛ لأنَّ "الإسْلامَ يجُبُّ مَا قَبْلَهُ"، ولأن إيجابَ القضاء تنفيرٌ من الدخول فيه، وإنما أثره في تَضعيف العقاب في الآخرة.
وهذه مسألة فرعية، وإنما فرضها العلماءُ مثالًا لأصل، وهو أَنَّ التكليف بالمشروط حالةَ عدم الشرط هل يصح أو لا؟
وحرف المسألة: ينبيء على أن الإمكانَ المشروط هل يُشتَرَطُ فيه التمكن الناجِزُ أم لا؟
فَمَنِ اشترطه مَنَعَ ذلك، ومنِ اعتقد أَنَّ الشرطَ التَّمَكُّنُ على الجملة -وهو الحَقُّ- جَوَّزَ التكليفَ به؛ فإنه يمكنه الإتيان بالمشروط، والتوسل إليه بالإتيان بالشرط.
وتحقيقه بالإجماعِ على تكليف الدَّهْرِيِّ بالإيمان بالرسولِ، المشروطِ بتقديم الإيمانِ بالله تعالى، والإجماعِ على أَمْرِ المُحْدِثِ بالصلاة بشرط تقديمِ الطهارة.
[ ١ / ٣٤٢ ]
يَأْتِي بِهذِهِ الأَعْمَالِ؛ كَمَا أَنَّ الدَّهْرِيَّ مُكَلَّفٌ بِالإِيمَانِ بِالرَّسُولِ؛ عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالإِيمَانِ بِالله أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِالإِيمَانِ بِالرَّسُولِ، وَالْمُحْدِثُ مَأْمُورٌ بِالصَّلاةِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِيَ بِالصَّلاةِ ثَانِيًا.
حُجَّةُ الْمُخَالِفِ: لَوْ وُجِّهَتِ الصَّلاةُ عَلَى الكَافِرِ- لَوَجَبَتْ: إِمَّا فِي حَالِ الكُفْرِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ حَال الْكُفْرِ: لَا يَصِحُّ صُدُورُهَا مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ الْكُفْرِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ بَعْدَ الكُفْرِ: تَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ السَّالِفَةِ؛ بِالإِجْمَاعِ، وَلِقَوْلِهِ -﵇-: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ".
الْجَوَابُ: أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ شَيءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ، وَعُوقِبَ عَلَى الْكُفْرِ: فَهَلْ يُعَاقَبُ -أَيضًا- عَلَى تَرْكِ هذِهِ الأَفْعَالِ؟ ! وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يُبْطِلُ ذلِكَ.
===
ولو شُرِطَ التمكنُ الناجزُ- لما صَحَّ التكليفُ بعبادة ذاتِ أجزاء جُمْلَة، كالصلاة مثلًا.
هذا هو البحثُ في طَرَفِ الجواز، وهو حظ الأصوليين، وأما الوقوع فهو من مباحث الفروع، ويكْتَفَى فيه بغلبات الظنون.
ويدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] وغيره.
قوله: "والدليل عليه: أَنَّ المُقْتَضِي لوجوب هذه الأعمال على الكافر قائم، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، يعني: وظاهِرُ "الناس" يَعُمُّ المؤمنين والكافرين، وهذا استدلال على الوقوع.
وقوله: "والكفرُ غيرُ مانع" وقَرَّرَهُ بالقياس على أَنَّ الدَّهْرِيَّ مُخَاطَبٌ بالإيمانِ بالرسول، والمُحْدِثَ مُخَاطَبٌ بالصلاة- هذا بحث في الجواز، وقد تقدم تقريرُه.
وقوله: "واحتجَّ المُخَالِفُ بأنه لو وجبتِ الصلاة على الكافر لوجبت: إما في حال الكفر وهو محال، أو بعده، وهو محال؛ لأن إيمانه يسقط عنه جميع الكاليف" -يعني أنه لا يُؤمَرُ بالقضاءِ، فأشبه الحائِضَ من حيثُ إنها لم تُؤمَرْ بالصلاة في حال الحيض، ولم تؤمر بالقضاءِ بعد زواله؛ فلم تكن مُخَاطَبَةً بالصلاة.
وجوابه: أنَّ محل النزاع شيء آخر يعني في تضعيف العذابِ في الآخرة، هذا مع أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
[ ١ / ٣٤٣ ]