خَبَرُ الْوَاحِدِ: إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلافِ الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ، فَعِنْدَنَا: أَنَّ الْخَبَرَ رَاجِحٌ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ -﵁-: الْقِيَاسُ رَاجِحٌ كَمَا فِي خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ.
===
ووجوب الوتر، ولا يَنْفَعُهُمُ الاعتِذَارُ بأن الوتْرَ مُتَوَاتِرٌ، فإن التَّوَاتُرَ في شَرْعِهِ، لا في وُجُوبِهِ.
ولا يَقدَحُ انفراد بَعْضِ التَّلامِيذ بِحَدِيثٍ عن شَيخِهِ، ولا اتصال ما أَرْسَلَهُ غَيرُهُ من الرُّوَاةِ عنه؛ إذ لاختصاصه به أَسْبَابٌ، وهو عَدَمُ قَدْحٍ جَازِمٍ بذلك، وزعم المُحَدِّثُونَ أن جَمِيعَ ذلك قَادِحٌ، والله أعلم.
ومنها: خَبَرُ الوَاحِدِ فيما يوجب الحَدَّ مقبول عند الأكثرين، خلافًا لِلْكَرخِيِّ، وأبي عبد الله البَصْرِيِّ.
قالوا: لأنه حد؛ فَيَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ.
وأجيب بأنه لا شُبْهَةَ مع الحديث الصَّحِيح؛ كما لا شبهة مع الشَّهَادَةِ، وظاهرِ الكتاب بالإجماع، هذا مع إيجابهم له بالاستحسان في مَسْأَلَةِ شهود الزِّنَا.
[المسألة العاشرة]
خَبَرُ الوَاحِدِ إِذا كان على خِلافِ القِيَاسِ المَظنُونِ، فعندنا أن الخَبَرَ رَاجِحٌ.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
لَنَا: أَن خَبَرَ مُعَاذٍ -﵁- يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَأَيضًا: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَتَينِ: إِحْدَاهُمَا: رِوَايَتُهُ، وَالثَّانِيَةُ: دَلالةُ أَلْفَاظِهِ.
===
وقالت الحَنَفِيَّةُ القِيَاسُ رَاجِحٌ، كما في خَبَرِ المُصَرَّاةِ.
لنا: خبر مُعَاذٍ، وأن العَمَلَ بالخبر يَتَوَقَّفُ على مُقَدِّمَتَينِ:
إحداهما: روايته، والثانية: دَلالةُ أَلْفَاظِهِ، وأما القِيَاسُ فهاتان المقدمتان معتبرتان في الدَّلِيلِ الدَّالِّ على ذلك الحُكمِ في أَصلِ القياس، وأما سائر المُقَدِّمَاتِ- وهي أَنَّ تَعلِيلَ الحُكْمِ في الأَصلِ بعلة مُعَينة، ثم بيان أنها حَاصِلَة في الفَراعِ، ثم بيان انتِفَاءِ المَوَانِعِ عن الفَرعِ- فكلها زائدة، فَوَجَبَ أن يَكُونَ الحكم الثَّابِتُ بالخَبَرِ أَقْوَى، فيكون رَاجِحًا على القياس:
جُمْلَةُ الأمر: أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ المخالف للقياس، إذا تَعَارَضَا من كل جِهَةٍ؛ بحيث لا يمكن العَمَلُ بهما - فالأكَثَرُ على أن الخَبَرَ مُقَدَّمٌ.
وقالت المالكية: إذا كان مُخَالِفًا لقياس الأُصُولِ، فالقِيَاسُ أَوْلَى، ونحوه عن الحنفية كخبر المُصَرَّاةِ، والتفليس، والقُرْعَةِ.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ مُعْتَبَرَتَانِ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ثُبُوتِ ذلِكَ الْحُكْمِ فِي أَصْلِ ذلِكَ الْقِيَاسِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمُقَدِّمَاتِ -وَهِيَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ
===
وقال أبو الحُسينِ: إن كانت العِلِّيَّةُ، وحكم الأَصْلِ بِنَصٍّ قاطع -فالقِيَاسُ أَوْلَى، وإن كان الأَصْلُ مَقطُوعًا به خَاصَّةً فموضع اجْتِهَادٍ، وإلا فالخبر أَوْلَى، والمُختَارُ إن كَانَتِ العِلَّةُ المَنْصُوصَةُ رَاجِحَةً على الخَبَرِ في الدَّلالةِ، وكان وُجُودُهَا في الفَرْعِ مَقْطُوعًا به- فالقياس أَوْلَى، وإن كانت رَاجِحَةً ووجودها في الفَرْعِ مَظْنُونٌ، فالوقف، وإلَّا فَالخَبَرُ أَوْلَى.
هذا إذا قلنا: إن النَّصَّ على العِلةِ لا يُخرِجُهُ عن القِيَاسِ، وهو الصحيح.
احتج الأَصْحَابُ بأن عُمَرَ تَرَكَ القِيَاسَ في الجَنِينِ بخبر حمَلِ بن مَالِكٍ، وقال: لَوْلَا هذا لَقَضَينَا بغرة؛ يعني: لأن فيه إِيجَابَ الضَّمَانِ مع الشك في سببه، وهو أنه مَاتَ بِجِنَايَتِهِ، وتركَ القياس في احْتِسَابِ دِيَةِ الأَصَابِعِ على قَدْرِ مَنَافِعِهَا؛ لحديث عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ من غير إنكار، وكان رَأْيُهُ أن في السَّبَّابَةِ عَشْرًا، وكذا الوُسْطَى، وفي البِنْصَرِ تِسْعٌ، وفي الخِنْصَرِ ست، وفي الإِبْهَامِ خمس عشرة، وفي دَعْوَى أن هذا قِيَاسٌ نَظَرٌ، ولا ننكر أن القِيَاسَ يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ على هذَا الوَجْهِ، فبعيد من نَظَرِ العَقْلِ.
احتج المَانِعُونَ بأن مُتَعَلَّقَ الاسْتِدَلالِ بالقياس فِعْلُ نَفْسِهِ، ومتعلقه في الخَبَرِ فِعْلُ غَيرِهِ، والثقة بما هُوَ من فِعْلِ نَفْسِهِ أَقْوَى.
ورد بأن القِيَاسَ يَتَوَقَّفُ على حُكْمِ الأَصْلِ، وهو فعل غيره، وقد نَقَضَتِ الحَنَفِيَّةُ ما أَصَّلُوهُ بِأَنَّ من أَكَلَ نَاسِيًا لا يفطر؛ لحديث أبي هُرَيرَةَ: "اللهُ أَطْعَمَكَ"، وفي إيجاب الوُضُوءِ بنبيذ
[ ٢ / ٢٤٥ ]
بَيَانُ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ- فَكُلُّهَا زَائِدَةٌ؛ فَوَجَب أَنْ يَكُونَ الْحُكمُ الثَّابِتُ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ أَقْوَى؛ فَيَكُونُ رَاجِحًا.
===
التَّمْرِ في السَّفَرِ بخبر ابْنِ مَسْعُودِ، وإيجاب الوُضُوءِ بالقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ، مع أن القِيَاسَ أن ما
[ ٢ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يَنقض خارجها لا ينقض فيها، وخَبَر القَسَامَةِ، وما ذكره المُصَنِّفُ من حديث مُعَاذٍ، فإنه
[ ٢ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قدم مُطْلَقَ السُّنَّةِ على الاجتهاد، وما اعتمد عليه من قِلَّةِ المُقَدِّمَاتِ فإن احتمال الخَطَأ يَكُونَ أقَلَّ، وبين أن كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ عليه العَمَلُ بخبر الوَاحِدِ، يَتَوَقَّفُ عليه العَمَلُ بالقِيَاسِ، مع مَزِيدِ مُقَدِّمَاتٍ، وهي أن الأَصْلَ مُعَلَّلٌ، وأنه مُعَلَّلٌ بغير هذه العِلَّةِ، وانتفاء المُعَارِضِ في الأصل، وَوُجُودُ غير تلك العِلَّةِ في الفَرْعِ، وانتفاء المُعَارِضِ فيه أيضًا كَلامٌ ظَاهِرٌ لا خَفَاءَ فيه، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٨ ]