لقد تَبَّوأَ كِتَابُ المعالم في أصول الفقه مكانة عظيمة في قلوب العلماء والفقهاء، فَعَكَفُوا عليه دَرْسًا وتحليلًا، وتناولوا موضوعاته وأفكاره بالشرح والتفسير، بل صار مرجعًا أساسيًّا في علم الأصول لمن أراد أن ينهل من معين هذا العلم، أو يرتوي من مشاربه، وقد تعددت هذه الشروح والدراسات نظرًا لما يحويه الكتاب من أفكار غزيرة، ومواضيع متعددة، كل هذا أثرى خيال العلماء؛ فراحوا يلتفون حوله قراءة وشرحًا وتفسيرًا.
فممن شرحه:
الأول: علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن محمَّد، السيد العالم الفاضل، شرف الدين، أبو الحسن الحسيني، الأرموي، المصري، المعروف بابن قاضي العسكر. مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع منه جماعة واشتغل بالفقه والأصول والعربية، وأفتى، ودرس بمشهد الحسيني والفخرية والطيبرسية وولي نقابة الأشراف والحسبة، وولي وكالة بيت المال، وحدث، سمع منه جماعة. قال ابن رافع: وعين في وقت لقضاء القضاة بمصر. وكان من أذكياء العالم، كثير المروءة، أديبًا بارعًا. وقال السبكي في الطبقات الكبرى: كان رجلًا فاضلًا، ممدحًا، أديبًا، وهو والشيخ جمال الدين ابن نباتة والقاضي شهاب الدين ابن فضل الله أدباء العصر، إلا أن ابن نباتة وابن فضل الله يزيدان عليه بالشعر؛ فإنه لم يكن له في النظم يد، وأما في النثر فكان فيه أستاذًا ماهرًا مع
[ ١ / ١٣٠ ]
معرفته بالفقه والأصول والنحو. وقال بعض المتأخرين: كان مليح الهيئة، طلق العبارة، فصيح الإِشارة، كثير المشاركة في العلوم، ينشئ الإِنشاء الحسن، وشرح المعالم في أصول الفقه. توفي بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة سبع -بتقديم السين- وخمسين وسبعمائة.
الثاني: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، القاضي شرف الدين المناوي المصري.
أخذ عن عمه الشيخ ضياء الدين وغيره من علماء العصر، وسمع الحديث من جماعة وأفتى، واشتغل بالعلم وحدث، وناب في الحكم، ودرس بجامع الأزهر وبدار الحديث الفارقانية. قال الإسنوي: كان عالمًا فاضلًا، دينًا ثبتًا، وافر العقل كثير المروءة، محافظًا على أوقاته، منقطعًا عن أبناء الدنيا. وشرح فرائض الوسيط شرحًا جيدًا، وناب في القضاء، وتحدث في أعمال الديار المصرية كلها عن القاضي عز الدين ابن جماعة في غيبته وحضوره، ولم يزل كذلك إلى أن توفي. وقال الحافظ زين الدين العراقي: أحد فضلاء الشافعية، وكان فيه إحسان للطلبة، وتودد لأهل الخير. وقال الشيخ سراج الدين ابن الملقن: شرح المعالمين في الأصول، قرأت عليه قطعة منه. توفي في رجب، وقيل: في رمضان سنة سبع -بتقديم السين- وخمسين وسبعمائة. ودفن بتربتهم بقرب الإِمام الشافعي ﵁. وهو أخو القاضي تاج الدين المناوىِ، ووالد قاضي القضاة صدر الدين.