نال الإمام الرازي محبة الناس وثناءهم عليه، ونحن نذكر طرفًا من كلام أئمة العلم الذين نعتوه، وذكروا أخباره وسيرته. قال العلامة ابن السبكي:
"إمام المُتكلِّمين، ذو الْباع الواسِع في تَعْليق العُلوم، والاجْتماع بالشَّاسِع من حَقائق المَنْطوق والمَفْهوم، والارْتفاع قدرًا على الرِّفاق وهل يَجْرِي من الأقدار إلَّا الأمرُ المَحْتوم. بحرٌ ليس للبحر ما عندَه من الجواهر، وخَبَرٌ سَما على السماءِ وأين للسَّماء مثلُ ما لَه من الزَّوَاهر، وروضةُ علمٍ تَسْتِقلُّ الرّياضُ نَفْسَها أن تُحاكِي مَا لَدَيهِ من الأزاهر.
انْتظَمت بقَدْرِهِ العظيم عُقودُ المِلَّة الإسلامية، وابْتَسَمت بدُرِّه النَّظِيم ثُغورُ الثُّغور المحمَّدية، تنَوَّع في المباحث وفُنونِها، وترفَّع فلم يَرْضَ إلَّا بِنُكَتٍ تسحره ببُيُونِها، وأتى بجَنَّاتٍ طَلْعُها هَضِيم، وكلمات يُقْسِم الدهرُ أن المُلْحِد بعدَها لا يقدِر أن يضيم.
وله شِعار أوَى الأشْعَرِيُّ من سُنَنِه إلى رُكْنٍ شَدِيد، واعْتَزَل المُعْتزليُّ عِلْمًا أنه ما يلْفِظ من قَوْلٍ إلَّا لدَيه رَقِيبٌ عَتِيد.
[ ١ / ١١٥ ]
وخاضَ من العلوم في بحارٍ عميقة، وراضَ النفسَ في دَفْعِ أهلِ البِدَع وسُلوك الطريقة. أما الكلامُ فكلٌّ ساكتٌ خَلْفَه، وكيف لا وهو الإمام رَدَّ على طوائفِ المُبْتدِعة، وهَدَّ قَواعِدَهم حين رفض النفس للرفض، وشاع دَمارُ الشيعة، وجاء إلى المعتزلة فاغْتال الغَيلانيَّة، وأوْصَل الوَاصِلِيَّة النَّقَماتِ الوَاصِبِيَّة، وجعَل العُمَرِيَّةَ أعْبُدًا لطَلْحةَ والزُّبَير، وقالت الهُذَليَّة: لا تنْتهِي قدرةُ الله على خيرٍ وصَبْر، وأيقَنت النَّظَّاميَّة بأنه أذاق بعضَهم بَأْسَ بعض، وفَرَّق شَمْلَهم وصَيَّرهم قِطَعًا، وعبَست البِشْرِيَّة لما جعل مُعتزلَهم سبعًا، وهَشَم الهِشاميَّة والبَهْشَميَّة بالحُجَّة المُوَضِّحة، وقَصَم الكَعْبِيَّة فصارت تحتَ الأرْجُل مُجرَّحة، وعلمت الجبائية مُذ قطعها أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وانهزم جيش الأحيدية فما عاد منهم إلَّا مَن عاد إلى القِبْلة، وعَرَّج على الخَوارِج فدخلُوا تحت الطاعة، وعَلِمت الأزارِقَةُ منهم أن فَتَكاتِ أبْيَضِه المحمديَّة، ونارَ أسْمَرِه الأحْمديَّة، لا قِبَلَ لهم بها ولا اسْتِطاعة، وقالت المَيمُونيَّة: اليُمْنُ من الله والشَّرّ، وخنَست الأخْنَسِيَّة وما فيهم إلَّا مَن تَحَيَّز إلى فِئَةٍ وفَرَّ، والْتفَت إلى الرَّوافِض، فقالت الزَّيدِيَّة: ضرب عمروٌ وخالدٌ وبكرٌ زيدًا، وقالت الإماميَّة: هذا الإمام ومَن حاد عنه فقد جاء شَيئًا إدًّا، وأيقَنَت السُّلَيمانيَّة أن جِنَّها حُبَّسٌ في القَنانِي، وقالت الأزَلِيَّة: هذا الذي قدَّر الله في الأزَل أن يكون فَرْدًا وعَوَّذَه بالسَّبْع المَثانِي، وقال المنتظِرون: هذا الإمام وهذا اليوم الموعود، وجُعِلت الكَيسَانِيَّة في ظلال كَيسِه وسجَّل عليهم بالطاعة في يومٍ مَشْهود، ونظَر إلى الجَبْريَّة شَزْرًا، فمشى كلٌّ منهم على كُرْهِ الهُوَينا كأنه جاء جَبْرًا، وعلمت النَّجَّارِيَّة أن صُنْعَها لا يُقابِل هذا العظيم النَّجار، ونادَت الضَّرارِيَّة: لا ضَرَر في الإِسْلام ولا ضِرار، وتطلَّع على القَدَرِيَّة فعبَس كلٌّ منهم وبَسَر، ثم أقْبَل واسْتَصْغَر، وكان من الذُّباب أقَلَّ وأحْقَر، فقُتِل كيف قَدَّر، وانْعَطَف إلى المُرْجِئة وما أرْجأهم، وجعل العدميَّة منه خَالِديَّةً في الهُون وساءَهم بنارهم، ودعا الحُلولِيَّة فحَلَّ عليهم ما هو أشَدُّ من المَنِيَّة، وأصبحت الباطِنِيَّةُ تأخُذ أقواله ولا تتعدَّى مذهبَ الظَّاهِريَّة، وأما الحَشْويَّة قَبَّحَ المَنِيَّة صُنْعهم وفضَح على رُءوس الأشْهاد جَمْعَهم، فشربوا كأسًا قطَّع أمعاءَهم، وهربوا فِرارًا إلى حَسِيِّ الأماكن حتى عدم الناس مَحْشاهم، وصار القائلُ بِالجِهَةِ في أحسَن الجهات وعُرِض عَليه كل جسم وهو يضرب بسَيف الله الأشْعَرِيِّ ويقول: (هَلْ مِنْ مَزِيد)، هات، حتى نادَوا بالثُّبُور، وزال عن الناس افْتراؤُهم ومَكْرُهم (وَمَكْرُ أُولئِكَ هُو يَبُور)، وأما النَّصارى واليهود فأصبحوا جميعًا وقلوبُهم شَتَّى، ونفوسُهم حَيارَى ورأيت الفريقين (سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكارَى)، وما مِن نَصْرانِيٍّ رآه إلَّا وقال: أيها الفَرْد لا نقول بالتَّثْليث بين يديك، ولا يهُودِيٌّ إلَّا سلَّم، وقال: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيك).
[ ١ / ١١٦ ]
هذا ما يتعلَّق بعقائد العقائد، وفرائد القلائد.
وأمَّا علومُ الحُكَماء، فلقد تدَرَّع بِجِلْبابها، وتلَفَّع بأثْوابهَا، وتسَرَّع في طَلَبها، حتى دخل من كلِّ أبْوابها، وأقْسَم الفيلسوف: إنه لذو قَدْرٍ عظيم، وقال المُنْصِف في كلامه: هذا (مِنْ لَدُنْ حَكِيم)، وآلَى ابنُ سِينا بالطُّور إليه من أن قَدْرَه دون هذا المِقْدار، وعَلِم أن كلامَه المنثورَ، وكتابَه المنظوم، يكَادُ سَنَا بَرْقِهما يذهبُ بالأبْصار، وفهم صاحبُ أقليدس أنه اجْتهد في الكواكب، وأطْلَعها سَوافِر، وجَدَّ حتى أبْرَزَها في ظلام الضَّلال غُرَر نهارٍ لا يتمَسَّك بِعصَم الكَوافِر.
وأمَّا الشَّرْعيات تفسيرًا، وفقهًا، وأصولًا، وغيرها، فكان بحرًا لا يُجارَى، وبدرًا إلا أن هداه يشرق نهارًا، هذا هو العلم كيف يليق أن يتغافل المؤمن عن هذا، وهذا هو دوا الذهن الذي كان أسْرَعَ إلى كل دقيقٍ نَفاذًا، وهذا هو الحجةُ الثابتة على قاضي العقل والشرع، وهذه هي الحجة التي يثبُت فيها الأصلُ ويتفرَّع الفَرْع، ما القاضي عنده إلا خَصْم، هذا الجلل إن ماثَلَه إلَّا ممن تلبَّس بما لم يُعْطَ، ولم يَقِفْ عند حَدٍّ له ولا رَسْم، وما البَصْرِيُّ إلا فاقد بصره وإن رام لَحاقَ نَظرِه فقد فَقَدَ نَظَرَ العَين، ولا أبو المعالي إلَّا ممَّن يُقال له: هذا الإمام المُطْلَق إن كنتَ إمامَ الحرمين.
ولقد أجاد ابن عُنَيْن، حيث يقول فيه:
ماتتْ به بِدَعٌ تمَادَى عمرُها دهرًا وكاد ظلامُها لا ينْجَلِي
وعَلا به الإسلامُ أرْفعَ هَضْبةٍ ورَسَا سِواه في الحَضِيضِ الأسْفَلِ
غَلِطَ امْرُؤٌ بأبي عليٍّ قاسَهُ هيهات قصَّر عن هُناه أبو علِي
لو أن رَسْطاليِسَ يسمَعُ لفظةً من لَفْظِه لَعَرَتْه هِزَّةُ أفْكَلِ
ولَحار بَطْليموسُ لو لاقَاه من بُرْهانِه في كل شَكْلٍ مُشْكلِ
ولَو أنَّهم جُمِعُوا لَدَيهِ تيقَّنُوا أن الفضيلةَ لم تكنُ للأوَّلِ
وقال الإمام الذهبي في سيره:
"العَلامة الكبير ذُو الفُنون فخرُ الدِّين محمد بن عُمر بن الحُسين القُرَشِيُّ، البَكْرِيُّ، الطَّبَرَستانيُّ، الأصُوليُّ، المُفَسِّر، كبيرُ الأَذكياء والحُكماء والمُصَنِّفين".
وقال العلامة ابن قاضي شهبة:
"العلامة سلطان المتكلمين في زمانه، فخر الدين أبو عبد الله، القرشي، البكري،
[ ١ / ١١٧ ]
التيمي، الطبرستاني الأصل، ثم الرازي ابن خطيبها، المفسر، المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في علوم الشريعة. صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة.
وقال العلامة ابن الأثير:
الفقيه الشافعي، صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصولَين وغيرهما، وكان إمام الدنيا في عصره.
وقال العلامة ابن خلكان:
"الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والعجمي. وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة "هراة" أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بـ"هراة": شيخ الإسلام.
وقال الصلاح الصفدي:
"الإمام، العلامة، فريد دهره، ونسيج وحده".
علامة العلماء والبحرُ الذي لا ينتهي ولكلّ بحرٍ ساحِلُ
ما دار في الحنك اللسان وقلّبتْ قلمًا بأحسن من ثناه أنامِلُ
وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم، وكان خوارزم شاه يأتي إليه. وكان شديد الحرص جدًّا في العلوم الشرعية والحكمة اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمته من أمثاله وهي سعة العبارة في القدرة على الكلام وصحّة الذهن والاطلاع الذي ما عليه مزيد والحافظة المستوعبة والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تقرير الأدلّة والبراهين، وكان فيه قوة جدلية ونظره دقيق، وكان عارفًا بالأدب له شعر بالعربي ليس في الطبقة العليا ولا السفلى وشعر بالفارسي لعلّه يكون فيه مجيدًا. وكان عبل البدن، رَبع القامة، كبير اللحية، في صورته فخامة، كانوا يقصدونه من أطراف البلاد على اختلاف مقاصدهم في العلوم وتفنُّنهم، فكان كل منهم يجد عنده النهاية فيما يرومه منه.
[ ١ / ١١٨ ]