بذكر مسألة وهي: حَمْلُ المُطْلَقِ على. . . . . .
[ ١ / ٤٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المُقَيَّدِ:
[ ١ / ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وله أحوال:
أَحَدُها: اتحادُ الواقِعَةِ، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ؛ كقوله -﵊-:
[ ١ / ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"لَا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ"، وقوله مرة: "إلا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَي عَدْلٍ"، فإِنَّهُ تقييدٌ لِلشَّهَادَةِ بالعدالة، وجَمْعُ الشهود فِي الأول؛ لاشتراطه فِي الجنس.
الحالة الثانية:
اختلافُ المُوجَبِ واتحادُ المُوجِبِ؛ كتقييد الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ القتل بالإِيمَانِ، وإطلاقها فِي الظِّهَارِ:
فمذهبُ الشافعيَّةِ: حَمْلُ المطلق على المقيد واختلفوا فيه:
فمنهم: مَن شَرَطَ الجَامِعَ.
ومنهم مَنْ قال: لا يُحْتَاجُ إليه؛ وكأنه يقول: إِذا قَيَّدَ الشَّارعُ الرَّقَبَةَ أوَّلًا بصفة من سلامة أو إيمان، ثم ذَكَرَهَا مَرَّةَ أُخْرَى فَكَأَنَّ المُتَقَدِّمَ صار معهودًا فَيُحْمَلُ عليه.
أَوْ أَنَّ الأولَ قدِّرَ عُرْفًا للشرع، وهنا يَقْوَى إذا تَكَرَّرَ المُقَيَّدُ أوَّلًا مرارًا.
وقد قَيَّدَ الرقبةَ بالإيمان ثلاثَ مراتٍ فِي آية القَتْلِ، واختيارُ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لا بُدَّ من جامعٍ.
الحالة الثالثة:
اتحاد الموجب واختلاف الموجب، كاشتراط الإيمانِ فِي الرَّقَبَةِ، وإطْلَاقِ طعام المسكينِ مع اتحادِ السَّبَبِ: كالظِّهَارِ مثلًا، فهل يُقَيَّدُ المسكينُ بالإِيمانِ؟ الخلافُ فيها كالَّتِي قبلها.
وكذلك تقييدُ الإِطْعَامِ بأقلِّ المُيَسَّرِ، لتقييدِ الإِعْتَاقِ به والصِّيَامِ.
[ ١ / ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأبو حنيفةَ يَزْعُمُ أَنَّ تقييدَ المُطْلَقِ زِيَادَةٌ على نَصِّ القرآن، وأَنَّ بين المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ تنافيًا، فيكونُ نسِخًا؛ والقرآنُ لا ينْسَخُ بالقياسِ.
والحقُّ: أنَّ إِجْزَاءَ الرَّقَبَةِ الكافرةِ عند الإطلاقِ لم يكن من إِشعارِ اللفظ؛ وإنما كان من عَدَمِ دليلٍ، فَرَفْعُهُ لا يكونُ نسخًا، ثم لو سُلِّمَ إِشعارُهُ بإجزَاءِ كُلِّ رقبة، وأَنَّ تقييدَهُ بالإِيمانِ- يُخْرِجُ بَعْضَ الرقابِ عن الإِجْزَاءِ، فلا يَزِيدُ إشعارُهُ على إشعارِ العامِّ بأفرادِهِ، وقد جُوِّزُ تخصيصُهُ بخبر الواحِدِ، والقياسِ، وقد نَاقَضَ ما أَصَّلَهُ؛ فإنه قَيَّدَ الرقبةَ بالسلامة، وقيد: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] فِي آية الغنيمة بالفقر.
فرع:
إِذا قُيِّدَ فِي مَحَلَّينِ بمتقابلينِ، ثم أُطْلِقَ فِي موضع آخرَ، فلا يُقَيَّدُ فِي أَحَدِهِمَا لا بترجيح؛ كما قَيَّدَ الشارعُ الصومَ فِي الظهارِ بالتتابُعِ، وقَيَّدهُ فِي التَّمَتُعِ بالتفريقِ، وأطلقه فِي كَفَّارَةِ اليمينِ، فلا يُحْمَلُ على أحَدِهِمَا إلَّا بِمُرَجِّحٍ.
الحالة الرابعة:
اختلاف المُوجَب والمُوجِب، فلا خِلَافَ على أَنَّ أَحَدَهُمَا لا يُحْمَلُ على الآخر إلَّا بجامعٍ، والله أعلم.
ومِمَّا يَعْرِضُ لألفاظِ الكتاب العزيز والسُّنَّةِ: الإِجمالُ، والبَيَانُ، وقد اختلف الأصوليون فِي حَدِّ البيانِ:
فقال الصيرفيُّ: هو إِخراجُ الشيءِ من حَيِّزِ الإِشْكَالِ إلى حَيزِ التَّجَلِّي والوُضُوحِ.
واعْتُرِضَ عليه: بأنه غَيرُ جامع؛ فإنَّهُ لا يَتَنَاوَل إلَّا بيانَ ما سبق إِشكالُه.
ونُوقِشَ أيضًا: باستعمال الخروجِ والحَيِّزِ فِي المعاني، وهو مَجَازٌ، لا سيما مع اختلافِ المُتَكَلِّمِينَ فِي حقيقة الحَيِّزِ ما هو؟ وبأنه اشتملَ على زيادَةٍ مُسْتَغْنًى عنها، وهي قوله: والوضوح، وهو التجلي.
وقيل فِي حده: إِنَّهُ العِلْمُ.
[ ١ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَرُدَّ: بِأَنَّهُ ثمرةُ البيانِ لا نَفْسُهُ.
وقال القاضي: هو الدَّلِيلُ.
ونُوقِشَ: بِأَنَّ الدليلَ فِي عُرْفِ العلماءِ يَخْتَصُّ بما يُفِيدُ التصديقَ، فيخرجُ منه بيانُ التَّصَوُّرِ، وحملُ قولِهِ على الدليلِ اللُّغَويِّ، وهو المرشد.
والأولى أنْ يقال: البَيانُ هو الخِطَابُ المُسْتَقِلُّ بإِفادَةِ المُرَادِ منه.
والإجمالُ: مُقَابَلَةٌ مع استواءِ الاحتمالِ. وهما بالحقيقة حَدُّ المُبَيَّنِ والمُجْمَلِ، لا البيانِ والإِجمالِ.
ومنهم من حَدَّ الإجمال، بأنه: اللَّفْظُ الَّذي لا يُفْهَمُ منه شَيءٌ.
ونقض بالمهمل.
ثم الإجمالُ قد يكونُ بسبب الاشتراكِ؛ كالقُرْءِ لِلطُّهْرِ والحَيضِ، أو التصريفِ كالمُخْتَارِ للفاعل والمفعول أو التركيبِ؛ كقَوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لِتَرَدُّدِهِ بين الوَلِيِّ الخاصِّ والزوجِ والإضمارِ؛ كقولهِ تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الضميرُ مُتَرَدِّدٌ بين القرآن العزيز والنبي - ﷺ -.
أو لاستواءِ جِهاتِ المجازِ عند تَعَذُّرِ إرادَةِ الحقيقة.
أو لِغَلَبَةِ استعمالِ المجازِ، بحيث ساوى الحقيقةَ؛ كلفظِ النكَاحِ؛ فإنه حقيقةٌ فِي الوطءِ، مجازٌ فِي العَقدِ الَّذي هو سَبَبُهُ إلَّا أنَّه كثيرٌ، ولم يَتَرَجَّحْ على الحقيقةِ.
ومن وجوه الإجْمَالِ: تخصيصُ العَامِّ بصفة مجهولةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ١] قبل البيان.
[ ١ / ٥٠٩ ]
تأليف
ابن التلمساني عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري
(٥٦٧ هـ - ٦٤٤ هـ)
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ علي محمد معوض
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٣٣٩ ]