أما شيوخه فهم أعلام عصرهم، وضياء مِصْرِهِمْ، وأشير إليهم بالبَنَانِ في كل طريف وتليد من العلم فحق لعالمنا الفخر بهم، والإنزواء إلى جانبهم فمن كان في العلم قطبًا كان للدجى شهبًا، ومن استنام إلى عالم فقد استنام إلى ركن سالم، كيف لا وقد قال الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ [المجادلة: ١١]. وهذا بيان بتعدادهم، ومذكور بِرَقْمِ أسمائهم:
الأَول: مُظفَّر بن عبد الله بن عليّ بن الحسين الإِمام تقيّ الدِّين المِصْرِيّ المُقْتَرَح.
[ ١ / ١٣١ ]
والمُقْتَرَح: لَقَبٌ عليه.
كان إمامًا في الفقه والخِلاف وأصول الدِّينَ، نَظّارًا قادِرًا على قهر الخُصوم وإزهاقهم إلى الانْقطاع. قال ابن قاضي شهبة في ترجمة مؤلفنا: قرأ الأصلين على المتقي المقترح.
صنّف التصانيفَ الكثيرةَ، وتخرج به خلقٌ.
قال الحافظ عبد العظيم: سمع بالإسكندرية من أبي الطاهر بن عوف، وسمعت منه، وحدَّث بمكَّة ومِصْر، وكان كثير الإفادة، منتصبًا لمَن يقرأ عليه، كثير التواضع، حسنَ الأخلاق، جميل العشرة، دينًا متورعًا.
ولي التدريس بالمدرسة المعروفة بالسِّلَفِي بالإسكندرية مدَّةً، وتوجّه إلى مكّة، فأُشيعت وفاتُه، وأُخذت المدرسةُ، فعاد ولم يتَّفق عَوْدُه إليها، فأقام بجامع مِصْرَ يقرئ، واجتمع عليه جماعة كثيرة، ودرَّس بمدرسة الشَّرِيف ابن ثَعْلَب، وتوفِّيَ في شعبان، سنةَ اثنتي عشرة وستمائة.
الثاني: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية. كردي الأصبل. ولد في أسنا (من سعيد مصر) ونشأ في القاهرة، وسكن دمشق، ومات بالإسكندرية. وكان أبوه حاجبًا فعرف به. ولد سنة (٥٧٠) من تصانيفه "الكافية" في النحو، و"الشافية" في الصرف، و"مختصر الفقه" استخرجه من ستين كتابًا، في فقه المالكية، ويسمى "جامع الأمهات" و"المقصد الجليل - ط" قصيدة في العروض، و"الأمالي النحوية" و"منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل" في أصول الفقه، و"مختصر منتهى السول والأمل" و"الإيضاح" في شرح المفصل للزمخشري، و"الأمالي المعلقة عن ابن الحاجب" في الكلام على مواضع من الكتاب العزيز وعلى المقدمة وعلى المفصل وعلى مسائل وقعت له في القاهرة وعلى أبيات من شعر المتنبي. توفي سنة (٦٤٦) وجاء في هامش طبقات ابن السبكي: في هامش (ز) أن ابن التلمساني قرأ على ابن الحاجب.
الثالث: الشيخ عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام السّلمي المغربي أصلًا، الدمشقي مولدًا، المصري دارًا ووفاة، الملقب بسلطان العلماء والملقب له هو الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
[ ١ / ١٣٢ ]
كان ﵀ شيخ الإِسلام علمًا وعملًا، وورعًا، وزهدًا، وتصانيف، وتلاميذ، آمرًا على الملك الصالح بمصر فلمّا خرج قيل له: ألم تخف من إذائه لك؟ فقال: استحضرت عظمة الله تعالى فصار قدّامي أحقر من قط.
ولما بنى الملك الظاهر مدرسته بالقاهرة مسألة أن يكون مدرّسًا بها، فقال: إن معي تدريس الصالحية فلا أضيّق على غيري، فسأله أن يشرط في وقفها أن يكون لأولاده فقال: إن في هذا البلد من هو أحقّ منهم، فقال: لا بد أن يكون لهم فيها وظيفة بالشرط فأنكر، وقال: إن كان ولا بُدَّ، فكون الإمامة فشرطًا لهم، ولمّا كان مقيمًا بدمشق، كتب إليه سلطانها بالإغلاظ عليه في حادثة وقعت، فأجاب عن كتابه بكتاب غريب ذكر في آخره: وبعد هذا فإننا نزعم أننا من جملة حزب الله، وأنصار دينه وجنده، وكلّ جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي.
وكان فيه مع ذلك حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، ويحضر السَّماع، ويرخّص فيه.
ولد بدمشق سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة ستين وستمائة وقد استندنا في عدِّ الشيخ من شيوخ مؤلفنا إلى ما وجدناه في هامش طبقات السبكي ونصه: جاء في هامش (ز) أمام الترجمة: "شرف الدين ابن التلمساني، أحد أئمة الكلام، قرأ على العز بن عبد السلام وابن الحاجب إلخ" وقد تقدم قريبًا ذكر هذا النص.