هَذِهِ آخِرُ مسألةِ ذكرها فِي قِسْمِ الأوامر، وقد أسقط مسائِلَ.
منها ما يَقْرُبُ الأَمْرُ فيها بعد ما قَرَّرَهُ مِنَ القَوَاعِدِ، ومنها ما تَقِلُّ جَدْوَاهُ بالنسبة إلى أُصُولِ الفقه.
والمقصودُ الأَعْظَمُ منها يَتَعَلَّقُ بأصول الدِّينِ؛ كأمرِ المعدومِ، وكونِ الفعلِ مأمورًا به حَال الامتثالِ، والأمرِ المُعَلَّقِ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ أَنَّ المأمورَ لا يبلغه.
[ ١ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فَمِنَ القسم الأَوَّلِ: أنَّه قد تَقَرَّرَ أَنَّ المنع من الترك جُزْءٌ من الواجب، فإِذن كُلُّ واجبٍ لا يسوغُ تَرْكُهُ، وَعَكْسُ نَقِيضِهِ؛ وكُلُّ ما يَسُوغُ تَرْكُهُ لَيس بِواجبٍ.
[ما ينبني على هذه القضية]:
وانبنى على هذه القضية مسألتان:
المسألة الأولى:
فسادُ قولِ مَنْ زعم: أَنَّ الحائِضَ مُخَاطَبَةٌ بالصَّوْمِ؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهو خطابٌ لِلْمُكَلَّفِينَ، ووجوبُ القَضاءِ بحسب الفائِتِ يُؤَيِّدُهُ.
وما ذكروه مُتَنَاقِضٌ؛ فَإِنَّ الحائِضَ يَسُوغُ لها التَّرْكُ، بل يَحْرُم عليها الفِعْلُ، فلا يجتمعان.
وما ذكروه مِنَ الدَّلائِلِ ظَاهِر فلا يُعَارِضُ القَطْعَ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْويلُها.
المسألة الثانية:
قول الكعبيِّ: كُلُّ مُبَاحٍ واجبٌ؛ إذْ ما مِنْ مُبَاح إلَّا ويتْرَكُ بفعله حرامٌ، وتَرْكُ الحرامِ واجبٌ، ومَا لا يُتَوَصَّلُ إلى الواجب إلَّا بِهِ- فهو واجب.
وما ذَكَرَهُ جَمْعٌ بين النقيضين؛ فَإِنَّ الواجِبَ لا يُسُوغُ تَرْكُهُ، والمُبَاحَ يسوغُ تركُهُ، وقد رُدَّ بمخالفة الإجماعِ من ثلاثة أوجه:
[ ١ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَوَّلُ أنَّه يلزم منه رَفْعُ المُبَاحِ من الشريعة، وهو خِلَافُ الإِجماع.
الثاني: يلزمه أَنَّ كُلَّ مندوب واجِبٌ لِعَينِ ما ذُكِرَ، وهو خلافُ الإِجماع.
الثالث: أنَّه إذا تَرَكَ مُحَرَّمًا بفعلِ مُحَرَّمٍ آخرَ، يلزمه وجُوبُ المُحَرَّمِ من حيثُ إنه تَرْكُ مُحَرَّمٍ، وهو خلاف الإِجماع.
والحَقُّ: أنَّه إن عَنَى أَنَّ الفِعْلَ واجب من حيثُ أُبِيحَ؛ فهو مُتَنَاقِضٌ، وإنْ عَنَى أَنَّ المُبَاحَ بحسب ذاتِهِ، لا يمتنع أَنْ يكونَ وسيلةً من وَجْهٍ إِلى تَرْكِ مُحَرَّمٍ، فيكونُ واجبًا من هذا الوجه، ولا تناقُضَ.
وَمَتَى سَلَّمُوا له: أَنَّ الأمرَ بالشيءِ أَمْرٌ بما لا يَتِمُّ إلَّا به، وأَنَّ التخييرَ لا يُنَافِي الوُجُوبَ- لَزِمَهُم عَين ما ذكره.
فلا خلاصَ لهم إلَّا بمنعِ قاعدةِ: أَنَّ ما لا يُتَوَصَّلُ إِلَى الواجِبِ إلَّا به فهو واجب.
وأمَّا فِعْلُ المحظورِ، فله أَنْ يُقَيِّدَ دَعْوَاهُ فيقولُ: مَعَ إِطْلَاقِ الفِعْلِ.
وَمِمَّا اختلفوا فيه:
قال القاضي: الوجوبُ لا يَتَوَقَّفُ على العِقَاب على التَّرْكِ، خلافًا للمعتزلة، وساعدهم الإمامُ والغَزالِيُّ.
واحتج القاضي: بأن الثوابَ والعقابَ مِنْ ثَمَرَاتِ الإِيجَابِ، فلا يَدْخُلَانِ فِي ماهِيَّتِهِ، ولا يَستَلْزِمُهُمَا عقلًا؛ بل كُلُّ ثوابٍ من الله تعالى فَضْلٌ، وكُلُّ عقاب منه عَدْلٌ، واللُّزُومُ بالشرْعِ.
فقال بِنَاءً على هذه القاعدة: لَو قُدِّرَ ورود الأَمْرِ الجازِمِ من الله تعالى بدون الثواب والعقاب- لَتَحَقَّقَ الوُجُوبُ.
والمعتزلة يمنعون ذلك؛ بناءً على التحسينِ والتقبيحِ العقليين.
وقد اختار الإمامُ فِي مسألة التحسين والتقبيح فِي "البرهان": مُوَافَقَةَ الأشْعَرِيَّةِ من وَجْهٍ، والمعتزلَةِ من وَجْهٍ:
فقال: إِن العُقُولَ لا تُحَسِّنُ ولا تُقَبِّحُ فِي حُكْمِ الباري تعالى؛ لاستواءِ الأفعالِ بالنسبة إليه، فوافق الأشعريَّةَ فِي هذا الطرف.
وقال: إِن العَقْلَ يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ بالنسبة إِلَى أَفْعَالِ العِبَادِ؛ فَإنَّ مَدَارَهَا على النفع والضر.
قال: وتمامُ القولِ فِي ذلك: أنَّه لو قُدِّرَ وُرُودُ أَمْرٍ من الشارع من غَيرِ تَعَلُّقِ نَفْعٍ، ولا ضُرٍّ، ولا ثواب، ولا عقابٍ- لم يَقْضِ العَقْلُ بوجوبِهِ. وَسَاعَدَهُ الغزالِيُّ على هذا الفرع.
ورد صاحبُ الكتاب عليه: بأنه يكفي فِي تَرْجِيحِهِ الذَّمُّ.
وَرَدَّ على المعتزلة: بأن العَفْوَ من الله تعالى مَأمُولٌ.
[ ١ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والرَّدَّانِ ضعيفان:
أما الأَوَّل: فإِنَّ الذَّمَّ نَوْعٌ من العِقَابِ العَاجِلِ، وهو خلافُ ما فَرَضَهُ القاضي.
أما الثاني: فلأن العَفْو يستدعي استحقاقَ العقابِ، فقد سَلِمَ تَعَلُّقُهُ به.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: أَنَّ المَنْدُوبَ مأمورٌ به أو لا؟
فذهب القاضي إِلى أنَّه مأمور به؛ لأَنَّ فِعْلَهُ طَاعَةٌ، والطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الأَمْرِ.
وَاعْتُرِضَ عليه: بأنه لا يَعْصِي بِتَرْكِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ العِصْيَانَ اسمُ ذَمٍّ؛ فلا يُطْلَقُ على تَارِكِهِ.
قالوا: والخِلَافُ لَفْظِيٌّ.
والتحقيقُ: أنَّه ليس بلفظِيٍّ؛ فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَأمُورٌ، فَإذَا وَرَدَ فِي الأَخْبَارِ: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ - ﷺ - بكذا، أو أُمِرْنَا بكذا - لم يَتَعَيَّن الوجوبُ إلا بقرينة، وإِنْ لم يكن مَأْمُورًا تَعَيَّنَ الوُجُوبُ، فتظهرُ ثَمَرَةُ الخِلَافِ؛ قاله المَازِرِيُّ.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: معنى التَّكْلِيفِ:
قال القاضي: هُوَ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فيه الواجِبُ، والمُحَرَّمُ، وَالْمَنْدُوبُ، والمَكْرُوه.
وقال الإمامُ: هو إِلْزَامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ؛ فَإِنَّ التكليفَ يُشْعِرُ بتطويق المَشَقَّةِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِيمَا جُعِلَ زِمَامُ الخَيرِ فِي تَركه إلى المُكَلَّفِ.
والقاضي يقول: إِنَّ رَبْطَ الثَّوَابِ بِفِعْلِهِ يَحْمِل العاقِلَ على فِعْلِهِ، والخِلَافُ فيه لَفْظِيٌّ.
وَأَمَّا الإِبَاحَةُ فليس من التكليف.
[ ١ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الأُستاذُ أبو إسحاق: هي من التكليف.
قال الإِمامُ: وَعُدَّت مِن هَفَوَاتِهِ.
وَلَمَّا رَجَعَ فِي ذلك، فَسَّرَهُ باعتقادِ أَنَّهَا من الشرعِ، ولا خِلَافَ فِي أَنَّ اعتقادَ أَنَّها من الشرع واجبٌ، إِذا فُسِّرَتْ بتسوية الثارع بين الفعلِ والتركِ؛ وإنَّمَا الخلافُ فِي نفس الإِبَاحَةِ.
ومِمَّا اخْتُلِفَ فيه: أَنَّ الإِباحةَ حُكمٌ شَرْعيٌّ أو لا؟
والصحيح: أَن ما أُخِذَ من خطابِ التَّسْويَةِ، فهو حُكْمْ شَرْعِيٌّ، وَرَفْعُهُ نَسْخٌ، وما أُخِذَ من البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، فليس بِحُكْمِ شرعيٍّ، ورَفْعُهُ ليس بنسخٍ.
ومِمَّا ذكر نيه: أَنَّ الأمْرَ بالأمرِ بالشيءِ، لا يكون أمرًا بذلك الشيءِ؛ لاختلاف المُتَعَلَّقِ؛ فَإن الأَمْرَ الأَوَّلَ: مُتَعَلَّقُهُ الأَمْرُ، والثَّاني: مُتَعَلَّقُهُ الفِعْلُ، وليس هو عَينَهُ، ولا من ضروراته.
احتج المُخَالِفُ: بأَنَّ أمْرَ اللهِ تعالى رَسُولَهُ بِأَمْرِهِ لنا - أَمْرٌ لنا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلك معلوم من قَاعِدَةِ التبليغ، لا من إِشعَارِ اللفظ.
هذا مِمَّا أغفله من القسم الأول.
وأمَّا القسم الثاني: فَمِمَّا أَسْقَطَهُ من المسائل المعنويَّةِ، مسائِلُ:
المسألة الأولى:
قالتِ الأَشْعَرِيَّةُ: الباري تعالى آمِرٌ فِي الأَزَلِ، والمَعْدُومُ مَأمُورٌ على تقديرِ الوجودِ، وشرط مُؤاخذته به البُلُوغُ إِليه.
وخالفهم سَائِرُ الفِرَقِ، ومعنى قولهم: "على تقدير الوجود": أَن مَنْ عَلِمَ الله -تعالى- أنَّه سَيُوجِدُهُ مُسْتَجْمِعًا لشرائِطِ التكليفِ، وأراد تكليفَهُ؛ فإن بَدْأَتَهُ تعالى فِي الأزل طلبًا، متعلقه إيمانُهُ فِي ذلك الوقت مثلًا.
والحاصل: أنَّه يجوز وجودُ الآمِرِ مع عَدَمِ المَأْمُورِ.
وقَرَّبَ الشَّيخُ مَذْهَبَهُ بمثالٍ، فقال: إِنَّ المَلِكَ الْعَظِيمَ المستولى على الأقاليم قد يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أمرًا لِمَنْ يُعَدُّ من نُوَّابِهِ، وَيَكْتُبُ بذلك إِليه، ولا يَصِلُ إِليه إلا بَعْدَ المُدَّةِ الطويلَةِ، ويكونُ مُؤَاخَذًا بِمُقْتَضَاهُ، مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والذَّمْ بشرط البلوغ.
ولا يُقَالُ: إنه إِنما أمره عِنْدَ البُلُوغ إليه؛ فَإِنَّ الآمِرَ قد يكونُ عند البلوغِ على حَالٍ لا يَصِحُّ الأَمْرُ منه من نِسْيَانٍ أَوْ نَوْمٍ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتجَّ صاحِبُ الكتابِ وغيرُهُ بِمَسْلَكَينِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّا فِي زَمانِنَا هذا مَأْمُورُونَ بأمرِ الرسولِ - ﷺ - فَقَدْ وُجِدَ أَمْرُهُ -﵊- مَعَ عَدَمِنَا.
الثَّانِي: أَنَّ مَنْ أَخْبَرَهُ صَادِقٌ بأنه سَيُوجَدُ لَهُ وَلَدٌ، فَإنَّهُ قد يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يأْمُرُهُ بتعلُّمِ العِلْمِ وغيره، وعند وُجُودِهِ وَبُلُوغِ ما عَهِدَ به إِليه- يكون مطيعًا بفعل ذلك.
قال الإِمامُ: ولا أرى ذلك أمرًا حَقًّا، بل ذلك تقريرُ الأمرِ.
وأمَّا أَمْرُ رسولِ الله - ﷺ - لنا فقد قيل: إِنَّا مأمورونَ الآنَ بأمرِ الله تعالى، وهو مَوْجُودٌ، والرسولُ - ﷺ - مُبَلِّغٌ لنا بواسطة النَّقْلِ عنه.
ونُقِلَ عن القَلَانِسِيِّ، وعبدِ الله بنِ سعيدٍ من أصحابنا: أَنَّ الباري -تعالى- مُتَكَلِّمٌ فِي الأَزَلِ، ولا يُوصَفُ بكونِهِ آمِرًا وناهيًا إلا عند وُجُودِ المأمورِ والمَنْهِيِّ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعُدَّ ذلك من صِفَاتِ الأفعالِ، كوصفه تعالى بأنه: خالق، ورازق.
وَاسْتُضْعِفَ: بِأَنَّ وُجُودَ كَلَامٍ لا يَتَخَصَّصُ بخاصِّيَّةِ أَمْرٍ، ولا نَهْيٍ، ولا خَبَرٍ، ولا غَيرِ ذلك من الخُصُوصِيَّاتِ- يَلْزَمُ منه وُجُودُ المُطْلَقَاتِ فِي الأَعْيَانِ، وأَنَّهُ مُحَالٌ.
ولو جاز وُجُودُ ذلك، لجاز وُجُودُ صِفَةٍ مُطْلَقَةٍ غَيرِ مُتَخَصصَةٍ من عِلْم، أو قُدْرَةٍ أو غيرِ ذلك، ثم تصير قدرةً، وعلمًا، وإرادةً، وأنه محال.
وأَوَّلَ بَعْضُ الأصْحَابِ كَلَامَهُمَا؛ لِعِظَمِ هذا الإِشْكَالِ، بأنَّهُمَا أَرادا أنَّهُ لا يُسَمَّى آمرًا ولا ناهيًا إلَّا عند وُجُودِ المأمورِ، والمَنْهِيِّ، كما لا يُسَمَّى خِطَابًا إلَّا عند وجودِ المُخَاطَب.
واحتجَّ المعتزلَةُ: بِأَنَّ الأَمْرَ من الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ، فالأمر يستدعي مأمورًا، والمأمورُ لا يكونُ إلا حادثًا ممكنًا، ولا مُمْكِنَ فِي الأَزَلِ، فلا أَمْرَ فِي الأزل.
قالوا: ولا فَرْقَ بَينَ عَدَمِ التَّعَلُّقِ، والتَّعَلُّقِ بِالعَدَمِ.
وقالوا: لو أَنَّ شخصًا جَلَسَ فِي بيته وَحْدَهُ يأمر، وينهي، وَيُخْبِرُ- لَعُدَّ ذلك سَفَهًا، واختلالًا، والباري يَتَعَالى عَن مِثلِ ذلك.
قال الإِمام: والمعطلة ألزمونا تقرر أمر آمر، ولا مأمور.
وما ذكروه يَبْطُلُ باتِّصَافِ الباري -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- بكونه تعالى قادرًا فِي الأَزَلِ بالاتفاقِ، والقَادِرُ يَسْتَدْعِي مَقدُورًا، والمقدورُ لا يكون إلا حادثًا ممكنًا، ولا مُمْكِنَ فِي الأَزَلِ.
ويُلْزِمُ الإِمَامُ ذلك فِي جَمِيع الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ فِي الأَزَلِ، بما سيكونُ؛ كالإرَادَةِ، والسَّمْعِ، والبَصرِ.
وقولهم: لا فَرْقَ بين عَدَمِ التَّعَلُّقِ، والتَّعَلُّقِ بالعَدَمِ يَبْطُل بالمأمورِ بِهِ، فَإنَّ شَرْطَهُ أَنْ يكونَ معدومًا، وإِلَّا كانَ طَلَبًا بتحصيلِ الحاصِلِ. وما ضَرَبُوه مِن مثالٍ غَيرُ مُطَابِقٍ، بَلِ المُطَابِقُ: أنَّ مَنْ جَلَسَ فِي بَيتِهِ وَحْدَهُ يُقَرِّرُ مواعظ وحِكَمًا، وأمثالًا، وَيَضَعُهَا؛ لِيَأْتَمِرَ بها وَيَنْزَجِرَ بها مَنْ سَيَقِفُ عليها مِمَّنْ سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلك، فَإنَّهُ يُعَدُّ حكيمًا، والعَقْلُ يَسْتَحْسِنُهُ.
المسألة الثانية: الفِعْلُ حَال حُدُوثِهِ مَأمُورٌ بِهِ
وقالت المُعْتَزِلَةُ: إِنَّما يكونُ مأمورًا قَبْلَ وُجُودِهِ، وَعِنْدَ وُجُودِهِ يَنْفَكْ التَّعَلُّقُ، وساعدَهم الإمامُ.
والمسألة مَبْنِيَّة علي وقتِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ:
[ ١ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعند الأَشْعَرِيَّةِ: الاستطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ؛ لأنَّ الإعراضَ عندهم لا ينفي، فالفعل مَقْدُورٌ حال الوجودِ، فيكونُ مأمورًا.
وعند المعتزلة: الفعل حَال الوجودِ حَاصِلٌ، وتحصيلُ الحاصِلِ مُحَالٌ، فالقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ به قَبْلَ حُصُولِهِ، وَحُدُوثُهُ بالفعلِ لا بالقدرة، والصلاحِيةِ.
وألزموا: أَنَّ قَبْلَ الحُدُوثِ: القدرةُ حَاصِلَةٌ، ولا مقدورَ.
وعِنْدَ الحُدُوثِ: المقدورُ حَاصِلٌ، ولا قُدْرَةَ، فَيَلْزَمُ: مُؤَثِّرٌ بالفعلِ ولا أَثَرَ، وأثَرٌ بالفعل ولا مُؤَثِّر.
وقد نَقَضُوا ذلك فِي العِلَّةِ والمعلولِ؛ كالعلم والعَالمِيَّةِ الحَادِثَةِ، وَسَلَّمُوا أَنَّ المعلولَ يُوجَدُ مع العِلَّةِ، ويكونُ أَثَرًا لها حَال وُجُودِه.
قال الإِمامُ: الأمرُ طَلَبٌ، وطلبُ الحاصِلِ مُحَالٌ.
وعُورِضَ: بأنَّ الواقِعَ حَال الحُدُوثِ منه طَاعَةٌ، والطاعةُ موافَقَةُ الأمرِ؛ [و] إذ لا أمر فلا طاعةَ.
وقوله: "طَلَبُ الحاصِلِ مُحَالٌ" يُوهِمُ بالمُسْتَمِرِّ، فَإنْ عَنَى به: إِنشاء الطَّلَبِ -لِمَا هو كائِنٌ، مُحَالٌ- فَمُسَلَّمٌ، وإِنْ عَنَى: أنَّ استمرارَ الطلبِ عليه حال وقوعه إلى الخروجِ عنه، مُحَالٌ- فهو مَحَلٌّ النزاع.
المسألة الثالثة
قال أصحابُنَا: المأمورُ يُعْلَمُ كونُه مأمورًا قبل التَّمَكُّنِ.
قالت المعتزلة: لا يُعْلَمُ، وساعدهم الإِمامُ.
واحتَجُّوا: بأنَّ التَّمَكُّنَ شَرْطٌ فِي التكليفِ، واحْتمالُ العَجْزِ والموتِ قَائِمٌ، والشَّكُّ فِي الشَّرْطِ شَكٌّ فِي المَشْرُوطِ، وَإنَّما يَغْلِبُ على الظَّنّ دَوَامُ التَّمَكْنِ واستصحاب الحالِ، فَإنْ بَقِيَ إلى حال الامتثالِ، قُطِعَ بكونِهِ مأمورًا، وإنْ لم يَبْقَ، تَبَيَّنَ عَدَمُ الأمرِ.
والمسألة مَبْنِيَّةٌ على: أَنَّ الأمر المُعَلَّقَ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بُلُوغِ المأمورِ إليه- هل يُتَصَوَّرُ أم لا؟
والمعتزلة تمنعُ التَّصَوُّر؛ بِنَاءً على قاعدتين لهم:
إحداهما: أَن المأمورَ به مُرَادٌ، وما عَلِمَ اللهُ تعالى أنَّه يَمْتَنعُ، لا يَصِحُّ إِرادَتُهُ.
الثانية: أنَّه إِنَّما يُؤمَرُ بالفعل؛ لمصلحةٍ تَتَعَلَّقُ بوجودِهِ.
هذِهِ المَسْأَلَةُ من قِسْم النواهي. والنَّوَاهِي: تَشْتَمِلُ على أَحكامٍ مُشْتَركَةٍ بينها وبينَ الأوامرِ، فَاسْتُغْنِيَ عن إِعادتها، وأحكَامٍ تَخْتَصُّ بالنواهي، فَفُرِضَ الكلامُ فيها:
[ ١ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فمن المشتركة: أَنَّ النهيَ قِسْمٌ من أقسامِ الكلام؛ كالأمرِ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والخلافُ فِي حَدِّهِ كالخلافِ فِي حَدِّ الأَمْرِ، وهو عندنا: يَرْجِعُ إِلى الطَّلَبِ كالأمر، ولا يُشْتَرَطُ فيه الإِرَادَةُ، ويُطْلَقُ على النَّفْسِيِّ، واللَّهْجِيِّ.
وَهَلْ هو مَقُولٌ عليهما بالاشتراكِ، أو بالحقيقة والمجازِ؟ الخلافُ فيه كما فِي الأمر، ومُطْلَقُهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ على الأَصَحِّ.
واختيارُ صاحبِ الكتابِ أنَّه لا يقتضي كالأمرِ، وقد تَقَدَّمَ الفَرْقُ بينهما.
وإذا كان مُقْتَضَاهُ التَّكْرَارَ، فَمِنْ لازمِهِ الفَوْرُ.
وَيصِحُّ النهيُ عن أَحَدِ الشيئين لا بِعَينِهِ، خلافًا للمعتزلة، كالنهي عن الجَمْعِ بين الأُخْتَينِ، كما يُؤمَرُ بأحدِ الشيئين.
[ ١ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد تَقَدَّمَ أَنَّ لـ "افْعَلْ" سِتَّةَ عَشَرَ مَحْمَلًا.
وأما "لَا تَفْعَلْ" فقد ذكر الغزاليُّ لها سَبَعَةَ مَحَامِلَ:
الأَوَّل: التَّحْرِيمُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
الثاني: التَّنْزِيهُ؛ كقوله -﵊- لعائشةَ - ﵂ - وقد شَمَّسَتْ مَاءً لِلوُضُوءِ: "لا تَفْعَلِي هذَا".
[ ١ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثالث: الدُّعَاءُ؛ كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
الرابع: التَّأدِيبُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
الخامس: التحْقِيرُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١].
السادس: اليَأسُ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦].
السابع: بَيَانُ العَاقِبَةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
والخلاف فِي مُطْلَقِ "لا تفعل" كالخلاف فِي مُطْلَقِ "افعل":
فمذهبُ الفقهاءِ، واختيارُ المُصَنِّفِ: أَنَّها ظَاهِرَةٌ فِي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
[ ١ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وَظَاهِرُ الأمر للوُجُوبِ بِالدَّلَائِلِ السابقة.
وَأَمَّا الأحكامُ المُخْتَصَّةُ فمنها:
أَنَّ الوَاحِدَ بِالشَّخْصِ لا يكون مأمورًا به مَنْهِيًّا عنه؛ حلالًا حرامًا، من جهة واحدة؛ فَإِنَّ أدنى دَرَجَاتِ الأمرِ رَفْعُ الحَرَجِ، والنَّهْيُ يُثْبِتُهُ؛ فالجَمْعُ بينهما مُتَنَاقِضٌ، إلا إِذا جُوِّزَ التكليفُ بالمُحَالِ، وليس التَّفْرِيعُ عليه.
وأما الواحِدُ بالجِنْسِ أو النَّوْع، فلا يَمْتَنِعُ انْقِسَامُهُ إِلى مأمورٍ مَنْهِيٍّ؛ كالسجودِ لِلَّهِ تعالى، والسُّجُودِ لِلصَّنَمِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧].
وَتَوَهَّمَ أَبُو هاشم التَّنَاقُضَ؛ فَرَدَّ النهيَ إلى القَصْدِ، وقال: يَعْصِي بِقَصْدِ سُجُودِهِ لِلصَّنَمِ خَاصَّةً، ولم يَنْتَهِ إِلى أنَّه قد يَجِبُ لأَحَدِ النوعينِ ما يستحيلُ على النوعِ الآخرِ باعتبارِ اختلافِ الفُصُولِ، وقد يَخْتَصُّ أَحَدُ الشخصينِ بما يَمْتَنِعُ على الآخرِ مع الاشتراكِ النَّوْعِيِّ؛ بسبب إِضافَةٍ، أو مَحَلٍّ.
أمَّا الوَاحِدُ بالشَّخْصِ المُتَعَدِّدِ بالجهة، فهو مَحَلُّ البَحْثِ.
ومسألة الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ المغصوبَةِ مِثَالٌ لهذا الأصلِ، لا أَنَّها مَقْصُودَةٌ فِي نفسها؛ فَإنَّ البَحْثَ فيها فَرْعِيٌّ.
وَحَظُّ الأُصُولِ: أنَّه مَتَى تَعَدَّدَتِ الجِهَةُ وأمكن انفكاكُ إِحْدَاهِمَا عنِ الأُخْرَى فِي العَقْلِ والوجود، ولم تَكُنْ إحداهما فِي وُجُودِهَا من ضرورة الأُخْرَى- فلا يَمْتَنِعُ الحُكْمُ على إِحْدَاهِمَا بالأَمْرِ، وعلى الأُخْرَى بالنهي، وإلَّا فلا.
[ ١ / ٣٨٦ ]