اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسختين:
الأولى: المحفوظة بمكتبة أحمد الثالث بتركيا، وبها ميكروفيلم بمعهد المخطوطات العربية تحت رقم (١٣٥٥) (٦٢) أصول فقه مسطرتها (٢٣) سطرًا، كتبت بخط نسخ جيد وقد رمزنا لها بالمخطوط.
الثانية: المحفوظة بالإسكوريال بإسبانيا وهي ضمن بعثة معهد المخطوطات العربية إليها، تحت رقم ميكروفيلم (١٣٥٥) ٢٨٨/ ٤ أصول فقه كتبت بخط واضح وبها نقص من أولها، هذا وبعد المقابلة بين النسختين وإثبات ما كان صوابًا في النص قمنا في الكتاب بعمل الآتي:
١ - عزو الآيات إلى مواضعها.
٢ - تخريج الأحاديث النبوية.
٣ - ترجمة لأعلام الكتاب.
٤ - التعريف بالمصطلحات الأصولية والفقهية في الكتاب.
٥ - التعليق على غريب النص.
٦ - التعليق على بعض المسائل الأصولية والفقهية في الكتاب.
[ ١ / ١٣٥ ]
٧ - ضبط ما كان مشكلًا.
٨ - ضبط متن المعالم ضبطًا كاملًا ووضعه في أعلى الكتاب حتى يكون بين يدي القاري المتن كاملًا وشرحه.
٩ - وضع مقدمة أصولية في بداية الكتاب.
١٠ - ترجمة للمصنف وصاحب المتن.
هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[ ١ / ١٣٦ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ
قال الشيخ الإِمامُ، العالمُ، الفاضِلُ، المحقِّقُ، شرف الدِّين أبو عبدِ اللهِ بْنُ محمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الْفِهْرِيُّ، عُرِفَ بـ "ابْنِ التلْمِسَانيِّ"، تغمده الله برحمته.
هذا تعليقٌ أمليته معتصمًا بالله تعالى على "مَعَالِمِ أُصُولِ الْفِقْهِ" لمولانا الإمامِ العلَّامة فخْرِ الدِّينِ، حُجَّةِ الإِسلامِ محمَّدِ بْنِ عُمَرَ الخَطِيبِ الرّازِيِّ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، ونَوَّرَ ضَرِيحهُ.
قال: أعْلمْ: أَنَّهُ لا بُدَّ من تقديمِ مقدِّمَةٍ بها يتبين حد هذا العلم، ومقصوده، ومادته؛ فإنه حَقِيقٌ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم -أن يحيط بذلك منه.
ولما كان علم أصول الفقه هو العلْمَ بأدلَّةِ الأحْكامِ الشرعيَّة؛ من حيث الإِجْمَالُ، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المستدل -دار البحْثُ فيه على أمورٍ أربعة:
الدليل الشرعيِّ وأقسامهِ، والحكمِ الشرعيِّ وأقسامِهِ، ووجْهِ ارتباطِ الدَّليلِ بالحُكْم، وحال المستَدِلِّ به، وهو المجتهدُ.
وقولنا: من حيث الإِجمالُ: احترازٌ من عِلْمِ الفقه؛ فإِنَّ الفَقِيهَ ينظر في الدَّلِيلِ من حيثُ إِشْعَارُهُ بالمسأَلَةِ المعيَّنة، والأصوليُّ ينظرُ مِنْ حيثُ هو دليلٌ على الحكم على الجُمْلَة، لا من حَيثُ مسألةٌ معينةٌ.
ولما كانت الأدلَّةُ الشرعيَّةُ تُعْرَفُ من قول الرسولِ - ﷺ -؛ إذْ هو المبلِّغُ عن الله -تعالى- وإنِ انْقَسَمَ ما يبلِّغه إلى: مُعْجِزٍ؛ كالقرآن، وغيرِ مُعْجِزٍ؛ كالسنة، ولا حكم إلا لله -تعالى- في الحقيقةِ، وكان المبلَّغ لنا عربيًّا -: احْتِيجَ في البَحْث في هذا العلْمِ إلى طَرَفٍ صالحٍ
[ ١ / ١٣٧ ]
من العربية؛ ومِنْ ثَمَّ كان أَحَدَ موارده، وكان ينبغي أن تؤْخَذَ مسلَّمة في هذا العلْم كسائر المبادئ؛ إلا أنه لما كانَتِ الحاجةُ إلى بعضها أَمَسَّ؛ لقلَّة خُلُوِّ شيء من الأدلة عنها، واختلافُ الأصوليين في بعضها؛ كاختلافهم في أن القرآن يشتمل على ألفاظ مجازية، أو مشتركة، أو مترادفة، وهل يجري القياس في اللغات أو لا؟ إلى نظائر ذلك- بَوَّبَ الأصوليون باب "أحكام اللغات".
ولما كان الحكم الشرعي خِطَابَ الله المتعلقَ بأفْعَالِ المكلَّفين؛ على
[ ١ / ١٣٨ ]
جهةِ الاقتضاء، أو التَّخْيير، وخِطَابُ الله -تعالى- كلامُهُ، ولا بد في معرفة ذلك من إثبات واجب الوجود، وما يجب له؛ . . . . . . .
[ ١ / ١٣٩ ]
من العلم، والقدرة، والإِرادة، والحياة، . . . .
[ ١ / ١٤٠ ]
والكلام، وكل ما يتوقف إثبات صدق الرسول - ﷺ - عليه،
[ ١ / ١٤١ ]
وما يستحيل، وما يجوز في حقه، ومن جملة الجائزات منه: بعثة الرسل، وإقامة الدلِيلِ على إِثباتِ نُبُوَّةِ محمد - ﷺ - وعصمته فيما يبلِّغه-: احتيج في البحث في هذا العلم إلى طرف من عِلمِ الكَلامِ؛ ومن ثَمَّ كان أحَدَ مَوَارِدِهِ.
ولما كان الفقهُ مدلولَهُ، ولا يُتَصَوَّرُ فهمُ الدليلِ مع الذهُولِ عن المذلُولِ-: احتيجَ
[ ١ / ١٤٣ ]
إِلى الفِقهِ، وكان أَحَدَ موارده، إلَّا أن استمداده منه من حيث تصوره، لا من حيث ثُبُوتُهُ أو نفيه؛ فإن الفقه فرعه؛ فلا يكون مادة له؛ فَيَدُورَ.
ثم اعلَم: أن الكلام يُطلَقُ على المعنى القَائِم بالنفس، وعلى الكلامِ اللفظيِّ، والبَحثُ في هذا العلم إِنما يَقَعُ في القسمِ الثاني؛ إِذِ الدلالةُ به.
وينقسم إلَى مستعمَل ومُهْمَل:
فالمُهمَلُ: ما لَم يُوضَعْ للدلالة، وليس من غرضنا.
والمستعملُ: ما وُضِعَ للدلالةِ، وهو موضوعُ بَحثِنَا في هذا العِلْمِ.
[ ١ / ١٤٤ ]