الأفعال:
[ ٨ / ٢٩ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: فعل صاحب الشريعة: فالأفعال جمع واحدها فعل، وفعل صاحب الشريعة أحد وجوه السنن، وقسم من أقسام الحديث والسنة؛ لأن الحديث -ويرادفه السنة- ما أضيف إلى النبي -﵊- من قول أو فعل أو تقرير أو وصف، والمؤلف هنا ذكر الفعل والتقرير.
جرت عادة الأصوليين جمع وجوه السنن كلها القول والفعل والتقرير ..، الوصف يذكرونه في كتب الأصول وإلا ما يذكرونه؟ ما يذكرونه؛ لأنه لا يتعلق به مباحث تتعلق بالمكلفين، إنما الوصف هاه؟ الشمائل، نعم؟
وصفه -﵊- أوصافه الذاتية، للمكلف فائدة من ذكره في أصول الفقه وإلا ما له فائدة؟
هو أحد وجوه السنن وفيه كتب الشمائل، فيه كتب الشمائل يحتاج المكلف منه ما يدخله الاختيار، دون ما هو محض إجبار، أيش معنى هذا الكلام؟
إذا ذكروا في الشمائل طول النبي -﵊- وعرضه بعد منكبيه، كان شثن الكفين، ضليع الفم، حينما يذكر هذا هل للمكلف أن يقتدي به ويقلده في هذه الأمور؟
هذه أمور جبرية خلقية، نعم، ليس للإنسان مناص، كونه طويل، أزهر اللون، ماذا يعني المكلف من هذا؟ نعم، أوصافه تدخله في قلب السامع، بلا شك؛ لأنها أوصاف كمال بشري، نعم، يستفيد منها المكلف من هذه الحيثية، أما من حيث الاقتداء فلا، نعم أوصافه -﵊- التي يدخلها الاختيار كث اللحية، يحتاج المكلف إلى مثل هذا، لماذا؟ لئلا يتعرض للحيته بشيء، فنحتاج من الشمائل الأنواع الجبلي الجبري، وأيضًا الاختياري، وهذا موضوعه الشمائل.
عندنا القول وهو الأصل في الباب، وهو الذي له العموم -كما قرر أهل العلم- والفعل كما قالوا: لا عموم فيه؛ لأن العموم من خواص القول، ويذكر أيضًا التقرير، فالأصوليون يبحثون في مباحث السنة القول والفعل والتقرير، وهنا المؤلف قدم الفعل والتقرير، والأصل أن تجمع وجوه السنن من قول أو فعل أو تقرير في مبحث مستقل، كما يصنعه كثير من الأصوليين.
[ ٨ / ٣٠ ]
والمؤلف هنا أردف الأفعال ذكر الأفعال وأردفها بالإقرار وكان الأولى بالمصنف جمعها كغيرها، كغيره؛ لأن التفريق تشتيت للدارس، يعني لما الطالب يدرس الأفعال والتقرير ثم تترك السنة إلى مباحث أخرى، نعم، تشتيت للدارس لا سيما المبتدئ الذي من أجله أُلِّفت هذه الورقات.
هنا يقول: فعل صاحب الشريعة: يعني النبي -﵊- مفاده أن فيه تفصيل، مفاد كلامه أن فعل النبي فيه تفصيل؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون فعل هذا الفعل على وجه القربة والطاعة -والقربة والطاعة بمعنى واحد- أو لا يكون -يعني فعله- على وجه القربة والطاعة؛ إن كان النبي -﵊- فعل عملًا هذا العمل متقربًا به إلى الله -﷿- هذا له حكم، إذا كان فعله لا على وجه التقرب والطاعة هذا له أيضًا حكم، فإن كان على وجه القربة والطاعة، فلا يخلو إما أن يدل الدليل على كونه من خصائصه -﵊- أو لا يدل الدليل على الاختصاص، فإن دل الدليل على كونه من الخصائص، لا بد من الدليل للحكم بالخصوصية، إن دل الدليل على كونه من الخصائص كجمعه بين أكثر من أربع نسوة، ووصاله في الصيام، حمل على ذلك، نقول: هذا خاص بالنبي -﵊-، وجاء في قضاء فائتة راتبة الظهر بعد صلاة العصر ما يدل على أنه من خصائصه، فإذا دل الدليل قلنا: هذا خاص بالنبي -﵊- ولا نقتدي به فيه.
يعني لو قال شخص: الرسول -﵊- تزوج اثنا عشر، ومات عن تسع وأنا أريد أن أقتدي، نقول: لا؛ هذا من الخصائص؛ دل الدليل على أنه من الخصائص، لكن إذا كان مجرد الحكم بأنه من الخصائص، مجرد استرواح وميل ودفع تعارض بين نصوص، هل يكفي أن يحكم بأنه من الخصائص، أو لا بد أن يدل الدليل على أن هذا من الخصائص؟ فمثلًا: كشف الفخذ في الصحيح من حديث أنس: "حسر النبي -﵊- عن فخذه"، وجاء في حديث جرهد: «غطِّ فخذك؛ فإن الفخذ عورة» نعم؟ قالوا: حسر الفخذ من خصائصه -﵊- بدليل أنه أمر غيره بتغطية الفخذ، يكفي لأن يحكم بأن هذا من الخصائص؟ يكفي مثل هذا الرفع للتعارض بين النصين أن نقول: هذا من الخصائص، أو لا يكفي؟ نعم؟
[ ٨ / ٣١ ]
طالب:. . . . . . . . .
قال به جمع من أهل العلم، قالوا: هذا من الخصائص؛ لرفع التعارض بين النصوص.
نقول: تغطية الفخذ أكمل أو حسره أكمل -بالنسبة للبشر- أيهما أكمل؟
التغطية أكمل، الستر أكمل، كل كمال يطلب من الأمة النبي -﵊- أولى به، لا يمكن أن يتصور أن يطلب من الأمة كمال أكمل من نبيها -﵊- ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟
يعني حينما يقال في النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها ببول أو غائط: جاء النهي: «لا تستقبلوا ولا تستدبروا ولكن شرقوا أو غربوا»، فيأتي حديث ابن عمر قبل أن يقبض النبي -﵊- بعام ويرى النبي -﵊- يقضي حاجته مستدبرًا الكعبة، يقول بعضهم: هذا من خصائصه -﵊- والنهي للأمة وهو له أن يفعل ذلك، نقول: احترام وتعظيم شعائر الله –كالكعبة- كمال وإلا نقص؟
كمال، إذن النبي -﵊- أولى به، وإن قال بعض أهل العلم: إن هذا من الخصائص، ظاهر وإلا ما هو بظاهر، إذن نبحث عن جمع آخر في النصين وهكذا.
وإن لم يدل الدليل على الاختصاص به -﵊- كالتهجد وصيام النوافل وغير ذلك من أفعاله -﵊- فالأصل الاقتداء به -﵊- والائتساء، كما قال -جل وعلا-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [(٢١) سورة الأحزاب]: أي قدوة صالحة، والإسوة والأُسوة -بكسر الهمزة وضمها- لغتان قرئ بهما في السبعة.
اختلف العلماء في مقتضى الفعل المجرد عن القول: مقتضى الفعل، النبي -﵊- عمل عملًا -فعل فعلًا- على وجه القربة والطاعة، وقلنا: إن هذا يقتدى به -﵊- في هذا الفعل، يقتدى به لكن على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب؟
[ ٨ / ٣٢ ]
إذا فعل النبي -﵊- فعلًا على سبيل التقرب إلى الله -﷿- والطاعة عرفنا أنه يُقتدى به؛ لقول الله -جل وعلا-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: أما إذا فعل الفعل لا على وجه القربة والطاعة فلا يقتدى به فيه -﵊- على ما سيأتي تفصيله في كلام الشوكاني، وإن عمله ابن عمر رضي الله تعالى عنه.
ابن عمر -﵄- في هذا الباب لم يتابع عليه، على فعله، فعل أفعالًا اقتدى بها في النبي -﵊- وهي مجرد أفعال عادية، يفعله النبي -﵊- لا على سبيل التقرب، وذكر ابن عبد البر وغيره عنه أنه كان يكفكف دابته من أجل أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؛ أن تطأ أقدامها على موطئ أقدام دابة النبي -﵊- هذا من شدة اقتدائه وائتسائه بالنبي -﵊- لكنه لم يوافق على ذلك، لم يوافق على ذلك، أي مكان يبيت فيه أو يجلس فيه النبي -﵊- يذهب إليه ويجلس فيه، وكبار الصحابة -علماؤهم فقهاؤهم سلف الأمة قاطبة- لم يفعلوا مثل هذا الفعل، فدل على أنه ليس بمحلٍ للائتساء ولا للاقتداء.
على كل حال إذا كان فعله -﵊- على سبيل القربة والطاعة -وهو الذي يهمنا- هل اقتداؤنا به على سبيل الوجوب واللزوم، أو على سبيل الاستحباب؟
العلماء اختلفوا في مقتضى الفعل المجرد عن القول، فذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يحمل على الوجوب في حقه -ﷺ- وفي حقنا؛ لأنه الأحوط.
فعل النبي -﵊- فعلًا متقربًا به إلى الله -﷿- لا بد أن تفعل، إن لم تفعل أثمت، قالوا: هذا هو الأحوط في حقنا، وبذلك قال مالك وبعض الشافعية ورواية عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- دليلهم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [(٧) سورة الحشر].
[ ٨ / ٣٣ ]
واستبعد إمام الحرمين هذا القول في البرهان وحملوا الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ على الأمر، يعني ما أمركم به النبي -﵊- فخذوه؛ بدليل: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [(٧) سورة الحشر]، ﴿مَا آتَاكُمُ﴾: يعني أمركم به، ما أمركم به؛ بدليل المقابل، ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.
ذهب بعض العلماء إلى أنه يحمل على الندب، وهو قول أكثر الحنفية والظاهرية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد، ورجحه إمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المنخول، والشوكاني في إرشاد الفحول.
وذهب جمع من أهل العلم إلى التوقف؛ لعدم معرفة المراد ولتعارض الأدلة، لعدم معرفة المراد حينما فعل النبي -﵊- هذا الفعل متقربًا به إلى الله -﷿- ولم يأمر به، لم يأمر به، ولم يثبت لنا دليل يدل على أنه من خصائصه -﵊- بل فعله على سبيل القربة والطاعة، وقلنا: إن هذا هو محل اقتداء وائتساء، لكن ليس فيه أمر، ولو كان واجبًا لطلبه النبي -﵊- ما اكتفى بفعله، وهذه حجة من يقول بأنه ..، بأن الفعل المجرد عن القول إنما هو للندب.
وذهب بعض أهل العلم إلى التوقف؛ لعدم معرفة المراد، بعض أهل العلم يقول: نتوقف؛ لأننا لا ندري هل هو للوجوب أو للندب، وصرنا لا ندري نفعل وإلا ما نفعل، يقول: نتوقف حتى نجد دليلًا يدل أنه للوجوب، أو يدل على أنه للندب.
لكن أقل الاحتمالات أنه على الندب، والندب مطلوب الفعل أو مطلوب الترك؟
مطلوب الفعل، إذن لا وجه للتوقف هنا، ولذا يقول الشوكاني: وعندي أنه لا معنى للوقف في الفعل الذي قد ظهر فيه قصد القربة؛ فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها والمتيقن مما فوقها الندب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وما فعله النبي -ﷺ- على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا خص زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه تلك العبادة سنة" [هذا كلام شيخ الإسلام].
وإن كان فعله -﵊- على وجه القربة والطاعة ..، على غير وجه القربة والطاعة ..، انتهينا مما يقصد به التقرب من قبله -﵊- جاء الاحتمال الثاني.
[ ٨ / ٣٤ ]
الاحتمال الثاني: وهو فعل النبي -﵊- لا على وجه القربة والطاعة، كالقيام والقعود والأكل والشرب والنوم، هذا يحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا، ويستوي في ذلك الأفعال الجبلية -التي منها القيام والقعود والأكل والشرب وما فعله -﵊- موافقًا للعادات، اللي يسمونها التقاليد كلباسه -﵊- فكلها من نوع المباح؛ الآن الألبسة مما يتعبد بها أو هي راجعة إلى الأعراف والتقاليد؟
طالب:. . . . . . . . .
ما ورد فيه النص عبادة، يعني ما ورد النص بتحديده كلونه وطوله هذا عبادة لا يجوز أن نتعداها، وما لم يرد فيه النص يرجع فيه إلى العرف، ولذا لم يغير النبي -﵊- لباسه عن لباس قومه.
طالب:. . . . . . . . .
لا، هو إذا لم تكن المخالفة موقعة في شهرة –مثلًا- فلا بأس؛ لأن المسألة ..، الألبسة أعراف وعادات، نعم؟
طالب: إذا تبين لك أن هذا الفعل على وجه القربة. . . . . . . . . ونجعل هذا الأصل في أفعاله أم العكس؟
تعمل بالأحوط حينئذ، حينئذ تعمل بالأحوط، ما لم يوقعك هذا الاحتياط في فعل محظور أو يجر إلى محظور، أو يجرك إلى ترك مأمور، حينئذ تعمل بالأحوط، ما لم يجرك هذا الاحتياط إلى فعل محظور أو ترك مأمور، وحينئذ يكون الاحتياط في ترك هذا الاحتياط.
عُلم مما ذكره المصنف انحصار أفعاله -﵊- في الوجوب والندب والإباحة فلا يقع منه -ﷺ- محرم، لا سيما بعد البعثة؛ لأنه معصوم، ولا مكروه، ولا خلاف الأولى على خلاف في ذلك، فإن خلاف الأولى وقع وإلا ما وقع؟
يفعل خلاف الأولى لبيان الجواز، يفعله تشريعًا لبيان الجواز؛ لئلا يحمل الأمر على الوجوب، أو الفعل على ذلك.
الشوكاني قسم أفعال النبي -﵊- إلى سبعة أقسام، في إرشاد الفحول ماذا يقول؟
يقول: "البحث الرابع: في أفعاله -ﷺ-: اعلم أن أفعاله -ﷺ- تنقسم إلى سبعة أقسام: القسم الأول: ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية، كتصرف الأعضاء وحركات الجسد، فهذا القسم لا يتعلق به أمر باتباع، ولا نهي عن مخالفة، وليس فيه أسوة، ولكنه يفيد أن مثل ذلك مباح .. ".
[ ٨ / ٣٥ ]