الخاص وأنواعه، المجمل - الظاهر - النص - البيان - فعل صاحب الشريعة
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين -رحمه الله تعالى-: ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق: قول الله تعالى، وقول الرسول -ﷺ- والمجمل: ما يفتقر إلى البيان، والبيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي.
والنص: ما لا يحتمل إلا معنىً واحدًا، وقيل: ما تأويله تنزيله وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي، والظاهر: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى ظاهرًا بالدليل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تقدم الكلام في حقيقة العام والخاص، وأن العام: ما يشمل أفرادًا، والخاص: ما يخص ويخرج بعض هذه الأفراد من النص العام.
وهنا يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب: يعني يجوز أن يأتي في الكتاب الذي هو القرآن نص عام، ويأتي المخصص له في الكتاب نفسه -في القرآن الكريم- ولا يعني هذا أن النص العام الذي يشمل أفرادًا يأتي في الكتاب التنصيص على فرد من أولئك الأفراد، إنما يأتي بلفظ هو في الحقيقة عام، إلا أنه أخص من النص الأول، يعني هل في الكتاب تخصيص شخص بعينه من بين أفراد العام؟ نعم؟
[ ٨ / ١ ]
لا يوجد، إنما يأتي بالكتاب ما هو أخص من اللفظ الأعم، فإذا نظرنا إلى قول الله -﷿- ..، ولنعلم أن تخصيص الكتاب بالكتاب أمر مجمع عليه بين أهل العلم، والسبب في ذلكم أن نصوصه كلها قطعية، فإذا تقابل عام وخاص فالواجب الجمع بين الدليلين بإعمال العام فيما عدا الخاص، وإعمال الخاص في محله، فمثلًا قوله -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [(٢٣٤) سورة البقرة]: هذا عام في الزوجات كلهن، فيشمل الحاملات والحائلات، المدخول بهن وغير المدخول بهن؛ لأن الحامل زوجة، والحائل التي ليست بذات حمل، زوجة، والمدخول بها زوجة، وغير المدخول بها -المعقود عليها- أيضًا زوجة، هذا النص عام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ما الذي يخرج من هذا النص؟ نعم؟
هذا عام من وجه حيث يشمل جميع الزوجات الحوامل وغير الحوامل، المدخول بهن وغير المدخول بهن، لكنه خاص من وجه فهو خاص بالمتوفى عنهن، يخرج من هذا النص الحوامل؛ في قوله -جل وعلا-: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [(٤) سورة الطلاق]: فنخص ذوات الأحمال -وهن الحوامل- من عموم الآية الأولى، فكل متوفى عنها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام -وعشر ليال- ما عدا الحوامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل، نخص عموم الأولى بخصوص الثانية، كما أننا نخص عموم الثانية بخصوص الأولى، كيف؟
﴿أُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: هذا عام من وجه، فيشمل المطلقات والمتوفى عنهن، يشمل المطلقات والمتوفى عنهن، لكن هل يشمل المدخول بهن وغير المدخول بهن؟ هاه، يشمل وإلا ما يشمل؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم.
طالب:. . . . . . . . .
لا يتصور، كيف تكون من ذوات الأحمال وهي غير مدخول بها؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، أيش معنى الدخول؟ هل معناه المسيس؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٨ / ٢ ]
﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [(٤٩) سورة الأحزاب]: يعني أورد على ذلك المرأة إذا تحملت مع زوجها، هل نقول: عدتها بوضع الحمل؟ أو نقول -والمسألة متصورة-: امرأة غير مدخول بها، عقد عليها ولما يدخل بها، فزنت فحملت من غيره، ثم طلقها ماذا تكون عدتها؟ عليها عدة وإلا ما عليها عدة؟
طالب:. . . . . . . . .
بالنسبة لزوجها الذي عقد عليها ليس له عليها عدة؛ لأنه غير داخل بها -لم يدخل بها- وبالنسبة لها لا يجوز لها أن تتزوج حتى تضع الحمل، نسأل الله السلامة والعافية.
على كل حال هذا المثال الذي أوردناه في هاتين الآيتين من العموم والخصوص اللي يسمونه أيش؟
وجهي، عموم وخصوص وجهي، فعرفنا أن الآية الأولى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ شامل لكل الزوجات: الحوامل والحوائل، المدخول بهن وغير المدخول بهن، لكنه خاص بالمتوفى عنهن.
الآية الثانية: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هذا عام في الفرقة، سواءً كانت بموت أو طلاق، يشمل المطلقات والمتوفى عنهن، لكنه خاص بأولات الأحمال، وهنا نستطيع أن نحمل عموم الأولى على خصوص الثانية، وعموم الثانية على خصوص الأولى، وعلى هذا يكون المتوفى عنهن كلهن يتربصن أربعة أشهر وعشرًا ما عدا ذات الأحمال؛ الحامل فهي تعتد بوضع الحمل.
هناك رأي لبعض الصحابة: أنها تعتد بأبعد الأجلين، بأبعد الأجلين، أيش معنى هذا؟
[ ٨ / ٣ ]
أنها إذا توفى عنها زوجها وهي حامل فوضعت بعد شهرين، تعتد كم؟ أربعة أشهر وعشرًا، لا تعتد بوضعا الحمل، إذا توفي عنها زوجها وهي في الشهر الأول، مكثت ثمانية أشهر ما وضعت تعتد بوضع الحمل؛ لأنه أبعد الأجلين؛ وذلكم للتعارض الظاهر بين الآية الأولى والثانية؛ لأن الآية الأولى تشمل جميع من توفي عنهن أزواجهن، سواءً كانت من ذوات الأحمال، أو حوائل -ليست بذات حمل- والثانية، خاصة بذوات الأحمال لكنها عامة في كل مفارقة بطلاق أو موت، وعرفنا أن هذا من العموم والخصوص الوجهي.
الآية الأولى: تقتضي بعمومها أن الأجل أربعة أشهر وعشرًا، والثانية: تقتضي بخصوصها في أولات الأحمال أن أجلهن وضع الحمل، وانفردت الآية الثانية بحكم عدة المطلقات الحاملات ووضع الحمل كما انفردت الأولى بعدة المتوفى عنهن الحائلات وهي أربعة أشهر وعشرًا.
هذا بالنسبة بالعموم والخصوص الوجهي، أما بالنسبة للعموم والخصوص المطلق نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [(٢٢٨) سورة البقرة]: هذا لفظ عام في جميع المطلقات المدخول بهن وغير المدخول بهن، أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [(٤٩) سورة الأحزاب]: هذا خاص يغير المدخول بها، فخرجت غير المدخول بها من عموم الآية الأولى، فلا عدة عليها؛ لهذه الآية، هذا عموم وخصوص يسمونه أيش؟ وجهي وإلا مطلق؟ نعم؟ وجهي وإلا مطلق؟ الأول وجهي والثاني؟ متى نتصور العموم والخصوص الوجهي؟
إذا كان في كل من الآيتين، أو في كل من النصين عموم، وفيهما في الوقت نفسه خصوص، إذا تقابلا عمومان وخصوصان في نصين هذا عموم وخصوص وجهي، لكن إذا كانت أحدهما أو إحداهما أعم من الأخرى من كل وجه فهو عموم وخصوص مطلق.
[ ٨ / ٤ ]
إذن لو نتأمل في النصين عرفنا أيضًا أن النص الثاني فيه عموم وإلا ما فيه عموم بالنسبة للآية الأولى؟ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾: هذا عام في كل مطلقة مدخول بها وغير مدخول بها، لكنه من وجه آخر خاص بذوات الأقراء، بذوات الأقراء اللوات يحضن.
الآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾: هذا خاص بغير المدخول بها، لكنه يشمل ذات الأقراء والصغيرة والآيسة، لكن هل هذا الخصوص له أثر أو ليس له أثر؟ عموم الآية الثانية له أثر وإلا ما له أثر؟
ليس له أثر؛ لأنه ليس لها عدة، ليس عليها عدة أصلًا، فكيف ننظر فيها هل هي ذات أقراء أو آيسة أو صغيرة، هي ليس عليها عدة أصلًا، فلعدم اعتبار ذلك العموم وعدم ترتب الأثر عليه لم ينظر إليهن، وحكموا بأن الآية بين الآيتين عموم وخصوص مطلق.
جمهور الأصوليين على تخصيص العام مطلقًا، على تخصيص العام في الخاص مطلقًا سواءً علم تقدم العام أو الخاص أو جهل التاريخ، سواءً علم تقدم العام أو الخاص أو جهل التاريخ.
وقال أبو حنيفة وإمام الحرمين -مؤلف الورقات-: إن عُلم التاريخ وكان الخاص متأخرًا خصص به العام، وإن كان العام متأخرًا نسخ الخاص، وإن جهل التاريخ تساقطا في موضع المقابلة؛ لاحتمال تأخر العام فيكون ناسخًا للخاص، فيكون مخصصًا للعام، فيتوقف في محل الخاص ويتطلب دليل آخر، أيش معنى هذا الكلام؟
إذا تقدم العام وتأخر الخاص، فيه مشكلة؟
[ ٨ / ٥ ]
ما فيه إشكال، لكن الإشكال لو تقدم الخاص ثم تأخر العام، لو افترضنا أن الآية ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾: الخاص بغير المدخول بهن، هذا متقدم على قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾: على قول أبي حنيفة وإمام الحرمين، تكون الآية هذه نسخت الآية، دل على أن كل مطلقة تعتد سواءً كان المدخول بها أو غير المدخول بها، والجمهور على أنه إذا وجد العام والخاص فإنه يحمل العام على الخاص بغض النظر سواءً تقدم العام أو تأخر، ظاهر؟ طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
ولو علم التاريخ؛ هو ما يمكن أن نعرف أن هذا متقدم أو متأخر إلا بالتاريخ.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
عرفنا أن الآية الأولى عامة والثانية خاصة بغير المدخول بها، وحينئذ حملنا العام على الخاص فأخرجنا غير المدخول بها من العدة؛ لأنه ليس له عليها عدة سواءً تقدمت الآية الأولى أو تأخرت ما عندنا فرق، هذا في قول الأكثر، في قول الجمهور.
أبو حنيفة وإمام الحرمين يقول: إن كان العام هو المتقدم وتأخر عنه الخاص ما فيه إشكال؛ عرفنا أن الخاص مقصود بالإخراج، لكن إذا تقدم الخاص ..، جاء النص في غير المدخول بها وأنه لا عدة عليها، ثم جاء بعده النص العام يقرر العدة على كل مطلقة، دل على أن حكم غير المدخول بها ارتفع فينسخ، والجمهور على أنه لا فرق تقدم العام أو تأخر فيحمل العام على الخاص، وحمل العام على الخاص نوع من أنواع الجمع، نوع من أنواع التوفيق بين الأدلة، نعم، ولا يصار إلى النسخ إلا إذا لم يمكن الجمع، والجمع حينئذ ممكن بحمل العام على الخاص، لماذا؟
لأن النسخ حكم بإلغاء المنسوخ بالكلية، حكم بإلغائه بالكلية النسخ، والجمع حكم بالعمل بالخبرين معًا، وإعمال النص أولى من إهماله.
[ ٨ / ٦ ]