وهي أن وإذا ولو، وما تضمن معنى إن (فإن) تختص بالمشكوك فيه وإذا تدخل على المعلوم والمشكوك (ولو) تدخل على الماضي بخلافهما.
المتضمن لمعنى (إن) نحو أين تجلس أجلس، ومهما تصنع أصنع، ومتى تخرج أخرج معك، وأنى تخرج أخرج، وكيفما صنعت صنعت، ومن دخل داري فله درهم، وما تقدم من خير فهو لك، وأي رجل دخل داري فأكرمه، فهذه كلها متضمنة الشروط، وأصل الشرط هو لفظة (إن) فلذلك تضمن معنى إن، ولم أقل غيرها.
وخصصت العرب (إن) بما شأنه أن لا يعلم، فلا تقول إن زالت الشمس ائتني أو إن طلعت غدًا من المشرق، فإن ذلك معلوم بالعادة، وتقول إن جاء زيد؛ فإن مجيئه غير معلوم بالعادة، ونظيرها (متى) لا يستفهم بها إلاّ عن الزمان المجهول فلا تقول متى تطلع الشمس، وتقول متى يقدم زيد؛ وأما (إذا) فتقول فيها إذا طلعت الشمس فائتين، وإذا جاء زيد فائتني.
سؤال: مقتضى هذه القاعدة أن لا تقد (إن) في كتاب الله البتة لأنه تعالى بكل شيء عليم، وهي لا تدخل إلاّ على المشكوك فيه.
وجوابه: أن القرآن عربي، وكل ما كان يجوز أن ينطق به العربي جاز في
[ ٢٥٩ ]
كتاب الله تعالى، وكل ما لا يجوز لو نطق به عربي لم يجز في كتاب الله تعالى، وخصوص وضع الربوبية لا يدخل في اللغات، فما دخلت إن إلا (١) على ما لو تكلم بها عربي كان شأنها في تلك الحالة أن تكون داخلة على مشكوك فيه جازت في كتاب الله تعالى، وكذلك نجوزها وإن كان المتكلم من العرب والسامع عالمين بما دخلت عليه، إذا كان شأنه أن يكون
مشكوكًا فيه، ولا يقدح في حقها حصول العلم لذينك نظرًا إلى العادة، وكذلك في حق الله تعالى.
وأما (لو) فتدخل على الماضي، نقول لو جاءني زيد أمس أكرمته اليوم، أو كنت أكرمته، فيكون الكلام كله ماضيًا وهو عربي، وهذا لا يتحقق في غيرها من أدوات الشرط، وإن وقع شيء كان مؤولًا؛ كقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵊: «إن كنت قلته فقد علمته» (٢) فقد علق على (إن) ماضيًا، قال ابن السراج معناه أن يثبت في المستقبل أني قلته في الماضي، فالشرط ثبوته في المستقبل، وكل ما وقع من هذا الباب فهو مؤول بالمستقبل.
وأما (لو) فلا تأويل فيها، ولذلك قال بعض الفضلاء إنّما سميت حرف شرط مجازًا لشبهها بالشرط من جهة أن فيها ربط جملة بجملة كما في الشرط، فسميت شرطًا لذلك، وإلا فليست شرطًا لأجل المضي، وهو ينافي الشرط من جهة أن معنى الشرط ربط توقع أمر مستقبل بأمر متوقع مستقبل، والواقع لا يتوقع ولا يتوقف دخوله في الوجود على دخول أمر آخر، لأنه قد دخل في الوجود. وأما الزمخشري في المفصل في أقسام الحرف فقد قال: ومن أقسام الحرف حرفا الشرط وهما (إن) و(لو) فسماهما حرفا شرط.
فائدة: (إذا) تخالف (إن) من جهة أن إذا اسم وظرف والشرط لها عارض و(إن) على العكس في هذه الثلاثة، وقد تستعمل ظرفًا لا شرط فيه كقوله تعالى:
_________________
(١) في نسخة مخطوطة حذفت إلاّ.
(٢) ١١٦ المائدة.
[ ٢٦٠ ]
«والضحى والليل إذا سجى» (١)، «والليل إذا يغشى» (٢) أي أقسم بالليل حالة غشيانه وحالة سُجوِّه، لأنهما أعظم حالات الليل، وحينئذ يحسن القسم بهما. فهي هنا ظرف محض بغير شرط و(إن) أيضًا تستعمل غير شرط نحو قوله تعالى: «إن يتبعون إلاّ الظن» (٣) معناها هنا معنى ما النافية، أي ما يتبعون إلاّ الظن، ولها أقسم كثيرة مذكورة في كتب النحو، غير أن أصلها الشرط وغيره عارض، وأصل (إذا) الظرفية وغيرها عارض.