قال القاضي منا والغزالي هو خطاب دال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. وقال الإمام فخر الدين الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الثابت بطرق لا يوجد بعده متراخيًا عنه، بحيث لولاه لكان ثابتًا، فالطريق يشمل سائر المدارك: الخطاب وغيره، وقوله مثل الحكم، لأن الثابت قبل النسخ غير المعدوم بعده، وقوله متراخيًا عنه لئلا يتهافت الخطاب، وقوله لولاه لكان ثابتًا، احتراز من المغيات نحو الخطاب بالإفطار بعد غروب الشمس فإنه ليس نسخًا لوجوب الصوم.
يرد على الأوّل أن النسخ قد يكون بالفعل كما تقدم فلا يكون الحد جامعًا وكذلك ينتقض بالإقرار أو بجميع المدارك التي ليست خطابًا، وكذلك يبطل بجميع ذلك اشتراطه في الحكم السابق أن يكون ثابتًا بالخطاب، فإنه قد يكون ثابتًا بأحد هذه الأمور، فلذلك عدل الإمام لقوله طريق شرعي ليعم جميع هذه الأمور، فإن قلت أنت شرعت نحد النسخ والطريق ناسخة لا نسخ، والمصدر غير الفاعل فقد خرج جميع أفراد المحدود من الحد فيكون باطلًا.
[ ٣٠١ ]
قلت الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى: «ما ننسخ من آية» (١) فأضاف تعالى فعل النسخ غليه، وفعله تعالى هو هذه المدارك وجعلها ناسخة، فالمصدر في التحقيق هو هذه الأمور المدارك فاندفع السؤال، وقولي مع تراخيه عنه لأنه لو قال افعلوا لا تفعلوا لتهافت الخطاب، وأسقط الثاين الأوّل، وكذلك لو قال عند الأوّل هو منسوخ عنكم بعد سنة، كان هذا الوجوب مُغيَّا بتلك الغاية من السَّنة فلا يتحقق النسخ، بل ينتهي بوصوله لغايته، وحينئذ يتعين أن يكون الناسخ مسكوتًا عنه في ابتداء الحكم. وقولي: على وجه لولاء لكان ثابتًا، احتراز مِمّا يجعل له غاية أول الأمر، فإنه لا يكون ثابتًا إذا وصل إلى تلك الغاية، فلا يقبل النسخ إلاّ إذا كان قابلًا للثبوت ظاهرًا.
وقال القاضي منا، والغزالي الحكم المتأخر يزيل المتقدم. وقال الإمام والأستاذ وجماعة هو بيان لانتهاء مدة الحكم - وهو الحق - لأنه لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله تعالى دائمًا، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم، وكذلك الكلام القديم الذي هو خبر عنه.
قال القاضي: النسخ كالفسخ، فكما أن الإجازة إذا كانت شهرًا يستحيل فسخها إذا انقضى الشهر، ويمكن فسخها في أثناء الشهر، لأن شأنها أن تدوم، فكذلك النسخ لا يكون إلاّ فيما شأنه أن يدوم، والجماعة يمنعون هذا التشبيه، ويقولون إن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائمًا في نفس الأمر لعلم دوامه، ولو علم دوامه لتعذر نسخه، فإن خلاف المعلوم محال في حقنا، فكيف في العلم القديم، وكذلك كلّ ما علمه الله تعالى فهو مخبر عنه بالكلام النفساني، وخبر الله تعالى صدق يستحيل الخلف فيه، فلو أخبر عن دوامه تعذر نسخه، وكذلك لو شرعه دائمًا لكان تعالى قد أراد دوامه لأنه من جملة الكائنات، ولو أراد دوامه لوجب الدوام، وحينئذ يتعذر النسخ، ولو وقع النسخ لزم مخالفة ثلاث صفات لله تعالى، وذلك محال.
_________________
(١) ٧٢ يوسف. البقرة.
[ ٣٠٢ ]
فهذه مدارك قطعية توجب حينئذ أن الحكم كان دائمًا في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مزيل للدوام في اعتقادنا لا في نفس الأمر، وحينئذ يكون النسخ كتخصيص العام، ولذلك قيل النسخ تخصيص في الأزمان، وهذا التفسير يحسن فيما يتناول أزمانًا أما ما لا يكون إلاّ في زمن واحد كذبح إسحق ﵊ (١) فلا يكون تخصيصًا في الأزمان، بل رافعًا لجملة الفعل بجميع أزمانه.