وهو عندنا التحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر.
نظير تلك المذاهب السبعة هنا أن نقول إنه موضوع: للتحريم، للكراهة، للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الترك، اللفظ مشترك بينهما، هو موضوع لأحدهما لا يعلم بعينه، موضوع للإباحة، الوقف. فهذه سبعة مذاهب في الأمر والنهي، وحكى القاضي عبد الوهاب في الملخص أن من العلماء من فرق بين النهي فحمله على التحريم، وبين الأمر فحمله على الندب، لأن عناية العقلاء وصاحب الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بالمصالح، والنهي يعتمد المفاسد، والأمر يعتمد المصالح؛ فإذا جمعت البابين قلت ثمانية أقوال، الثامن الفرق بين الأوامر والنواهي.
واختلف العلماء في إفادته التكرار وهو المشهور من مذهب العلماء وعلى القول بعدم إفادته وهو مذهب الإمام فخر الدين لا يفيد الفور عنده.
قال القاضي عبد الوهاب: واختلف في النهي المعلق بما يتكرر، فمن قال إن
[ ١٦٨ ]
النهي لا يقتضي بمجرده الدوام والتكرار، قال به أيضًا إذا علق بما يتكرر، وقيل يتكرر، قال وهو آكد من مطلقه، وهو الصحيح بخلاف الأمر.
قلت للشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يومًا إن القائل بأن النهي لا يقتضي التكرار يلزمه أن لا يوجد عاص البتة في الدنيا بمنهي، وذلك أن النهي عنده لا يقتضي إلا مطلق الترك كما أن الأمر لا يقتضي إلا مطلق الفعل، فكما يخرج عن عهدة الأمر فعل ما في زمن ما، كذلك يخرج عن عهدة النهي بمطلق الترك في زمن ما، وأشد الناس عصيانًا وفسوقًا لا بد أن يترك تلك المعصية في زمن ما فيخرج عن عهدة النهي بذلك الزمن الفرد، فلا يكون عاصيًا أبدًا، وما رأينا أحدًا في العالم واظب على معصية فلم يفتر عنها إلى أن مات، بل لا بد من فترات ولو لضرورات الحياة من النوم والاغتداء وغير ذلك، فلزم السؤال.
قال لي - ﵀ - هذه المسألة تتخرج على قاعدة، وهي أن القاعدة أنه قد يكون
عام في مطلق، نحو أكرم الناس كلهم في يوم، أو مطلق في عام نحو أكرم زيدًا في جميع الأيام، أو عام في عام نحو أكرم الناس في جميع الأيام، أو مطلق في مطلق نحو أكرم رجلًا في يوم، إذا تقررت هذه القاعدة فالقائل بأن النهي يقتضي التكرار يقول هو عموم في عموم أمر بجميع التروك في جميع الأزمان، والذي يقول النهي لا يقتضي التكرار يقول المطلوب ترك واحد في جميع الأزمان [فهو مطلق في عام] (١) فلا يجوز أن يلابس المنهي عنه في زمن ما فيتحقق العصيان حينئذ بملابسة المنهي متى وقعت، فهذه صورة هذه المسألة.
ثم بعد وفاته - ﵀ - رأيت أن هذا الجواب لا يتم لوجهين.
أحدهما: أن هذا التقدير يقتضي أن لا يتحقق مذهب القائل أنه يقتضي التكرار بسبب أن القائل بالتكرار لا يمكن أن يقول بجمع بين تركين في زمن
_________________
(١) ساقطة من المطبوعة.
[ ١٦٩ ]
واحد، لأن الجمع بين المثلين محال، بل يقول: إن الثابت في كل زمان إنما هو ترك واحد، وهذا هو مذهب القائل بعدم التكرار على تفسير الشيخ؛ فإن المطلق إذا عممناه في الأزمان لا بد أن يحصل في كل زمن من فرد غير الفرد الحاصل في الزمن الآخر، فهي أمثال تتوالى، فلا يبقى إلا مذهب واحد، فلا يتحقق المذهبان.
وثانيهما: أن القائلين بعدم التكرار قالوا في حجتهم إنه ورد للتكرار كالسرقة والزنا ونحوهما، وورد أيضًا لعدم التكرار كقول الطبيب للمريض لا تأكل اللحم ولا تقصد، أي في هذا الزمان، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو مطلق الترك، وهذا يدل منهم على أنهم لا يستوعبون الأزمنة بمطلق الترك، لأن المشترك بين بعض الأزمنة المعينة والتكرار يجب أن يكون مساويًا لأحد القسمين، وهو ذلك البعض المعين، فتفسير الشيخ - رحمه الله تعالى - لا ينطبق على مذهبهم بمقتضى حجتهم وظواهر ألفاظهم.
والذي أراه في دفع هذا الإشكال العظيم أن نقول مطلق الترك مشترك بين جميع الأقسام ولنا أخص منه، وهو مشترك أيضًا، وهو مطلق الترك بقيد كونه لا يقع إلاّ في أحد هذين النوعين، فكونه بقيد لا يتعدى النوعين، وهو إما التكرار أو الزمن المعين، كما في مثال الطبيب، فوجب كون هذا المشترك أخص من مطلق الترك. والقاعدة: أن كلّ مشترك ليس له إلاّ نوعان، إذا فقد أحدهما تعين الآخر، كالعدد ليس له إلاّ الزوج والفرد، فإذا تعذر
الزوج تعين الفرد، أو الفرد تعين الزوج، كذلك هنا إذا فرعنا على عدم إفادته التكرار يكون موضوعًا لهذا المشترك الخاص بهذين النوعين، لا أنه موضوع لمطلق الترك، وحينئذ تصح جميع هذه المباحث، ويذهب الإشكال بأن نقول إن وجد دليل يدل على وقت معين كان التكليف خاصة به، ومتى خالف فيه عصى، ومتى لم يوجد ذلك تعين النوع الآخر بدليل بعينه، وحينئذ يتعين استغراق الأزمنة، فيعصى بملابسة المنهي عنه في أي زمان كان، وإذا عرى عن دليل على هذا وعلى النوع الآخر كان محتاجًا
[ ١٧٠ ]
للبيان، ويجب تعجيل البيان قبل وقت العمل، فصح المذهب وتحقق العصيان من كلّ عاص في العالم، وانتظم الاستدلال الذي قالوه من مثال الطبيب والمنجم، كما قالوا بقول المنجم: لا تخرج إلى الصحراء، ولا تفصل جديدًا، أي في هذا اليوم، واندفعت الإشكالات كلها.
وإذا فرَّعنا على التكرار اقتضى الفور قطعًا، لأن الزمان الحاضر يندرج في التكرار، وإن فرعنا على عدم التكرار لا يتعين اقتضاؤه للفور فيجري فيه قولان، فقيل يتعين الترك بذلك المعين في الزمن الحاضر، وقيل لا يتعين إلاّ بدليل منفصل، وهو موضع مشكل جدًا فتأمله.
حجة القائلين بالتكرار أن النهي يعتمد المفاسد، واجتناب المفسدة إنّما يحصل إذا اجتنبها دائمًا، كما إذا قلت لولدك لا تقرب الأسد فمقصوده لا يحصل إلاّ بالاجتناب دائمًا، ولأن النهي منع من إدخال الماهية في الوجود، وذلك إنّما يتحقق إذا امتنع منها دائمًا، ولأنه يصح استثناء أي زمن شاء، والاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى في الحكم، فيندرج جميع الأزمنة في الحكم وهو المطلوب.
وأما حجة عدم التكرار فقد تقدمت.
ومتعلقة فعل ضد المنهي عنه، لأن العدم غير مقدور، وعن أبي هاشم عدم المنهي عنه.
منشأ الخلاف في هذه المسألة النظر إلى صورة اللفظ وليس فيه إلاّ العدم، فإذا قال له لا تتحرك فعدم الحركة هو متعلق النهي عند أبي هاشم، أو يلاحظ أن الطلب إنّما وضع لما هو مقدور، فما ليس بمقدور، لا يطلب عدمه، فلا يقال للنازل من شاهق لا تصعد إلى فوق فإن الصعود غير مقدور، فلا ينهى عنه، والعدم نفي صرف، فلا يكون مقدورًا، لأن القدرة لا بد لها من أثر وجودي، فلا فرق بين قولنا ما أثرت القدرة أو أثرت عدمًا صرفًا إلاّ في العبارة، وإذا لم يمكن جعل العدم أثرًا لا يكون العدم مقدورًا فلا يتعلق به الطلب، فيتعين تعلق الطلب بالضد، وإذا قال له لا تتحرك فمعناه اسكن، فملاحظة المعنى
مدرك الجمهور. وملاحظة صورة اللفظ هو مدرك
[ ١٧١ ]
أبي هاشم، والمعنى أتم اعتبارًا من صورة اللفظ. احتج أبو هاشم بأن من دعاء الداعي إلى القتل فلم يفعل أجمع العقلاء على مدحه، وتعليل ذلك المدح بأنه لم يفعل، ولا يذكرون الضد. جوابه: أنهم إنّما يمدحون بما هو من صنعه، والعدم الصرف ليس من صنعه، فلا يمدحونه به.
سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم النهي عن الشيء أمر بضده، فإن هذه هو كقولكم متعلق النهي ضد المنهي عنه؟
جوابه: أن الأمر والنهي متعلقان - بكسر اللام - والمنهي وضده متعلِّقان - بفتح اللام - فإذا قلنا النهي عن الشيء أمر بضده هو بحث في المتعلقات بكسر اللام -، هل هو ذاك أو غيره، ثم إذا تقرر بيننا شيء من المتعلِّقات بكسر اللام من اتحاد أو تعدد أمكننا بعد ذلك أن نختلف في المتعلِّقات - بفتح اللام - هل المتعلق نفس العدم أو الضد، فهذه مسألة أخرى وليست عين المسألة الأولى. فهذا هو الفرق.