هو عندنا يقتضي الفساد خلافًا لأكثر الشافعية والقاضي أبي بكر هنا، وفرق أبو الحسين البصري والإمام بين العبادات فيقتضي وبين المعاملات فلا يقتضي، لنا أن النهي إنّما يكون لدرء المفسدة الكائنة في المنهي عنه، والمتضمن للمفسدة فاسد، ومعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء الذمة مشغولة بها وفي المعاملات عدم ترتب آثارها عليها، إلاّ أن يتصل بها ما يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يدل على الفساد مطلقًا ويدل على الصحة لاستحالة النهي عن المستحيل.
هذا الفصل في آثار النهي، وأثر الشيء لازم له، فلذلك قال في لازمه،
[ ١٧٣ ]
ويتحصل في اقتضائه للفساد أربعة مذاهب: يقتضي الفساد، لا يقتضيه، الفرق بين المعاملات والعبادات، يفيد الفساد على وجه تثبت مع شبهة الملك وهو مذهب مالك.
حجة اقتضائه للفساد مطلقًا أما في العبادات فلأنه أتى بالمنهي عنه، والمنهي عنه غير المأمور به؛ فلم يأتي بالمأمور به، ومن لم يأت بالمأمور به بقي في عهدة التكليف، وهو المعنى بقولنا: النهي يقتضي الفساد في العبادات، وأما في المعاملات فلأن النهي يعتمد وجود المفسدة الخالصة أو الراجحة في المنهي عنه، فلو ثبت الملك والإذن في التصرف لكان ذلك تقريرًا لتلك المفسدة، والمفسدة لا ينبغي أن تقرر، وإلا لما ورد النهي عنها. والمقدر ورود النهي عنها، هذا خلف، وقياسًا على العبادات.
حجة عدم اقتضائه مطلقًا، أما في العبادات فإنه لا تنافي بين قول صاحب الشرع نهيتك عن الصلاة في الدار المغصوبة، وإذا أتيت بها جعلتها سببًا لبراءة ذمتك، كما حكى فيها الإجماع، وعن الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الثوب المغصوب، والحج بالمال المغصوب، وإذا أتيت بهذه العبادات جعلتها سببًا لبراءة ذمتك، فإن مصالح العبادات حاصلة في تلك الصور، وإنما قارنتها مفسدة، ومقصد البراءة حصول المصلحة لا عدم مقارنة المفسدة، لأنه لو أعطاه دينه وضربه لم يقدح ذلك في براءة الذمة من الدين، ولا في مصلحة الدراهم المأخوذة.
وأما الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ - فقد طرد أصله وأبطل العبادات في هذه الصور كلها، فيتعذر القياس معه، ويبقى الاستدلال بحصول المصلحة. وأما في المعاملات فلأن الأسباب الشرعية ليس من شرط إفادتها للملك أن تكون مشروعة في نفسها، فالسرقة محرمة، وهي سبب القطع والغرم وسقوط العدالة غير ذلك، وكذلك الزنا والحرابة والقذف محرمات. وهي أسباب لأحكام إجماعًا، وكذلك الطلاق في زمن الحيض حرام، ويترتب عليه أثره الذي هو إزالة العصمة، فقد يكون السبب حرامًا، وقد يكون واجبًا كالزواج في حق من وجب عليه، ويكون ذلك سببًا لوجوب النفقة وغيرها، والإعتاق واجب للولاء وغيره، وقد
[ ١٧٤ ]
يكون مندوبًا كالزواج المندوب والعتق المندوب، وقد يكون مباحًا كالزواج المباح، وقد يكون مكروهًا كالزواج المكروه. فقواعد الشريعة تشهد أنه ليس من شرط السبب أن يكون مشروعًا ولا مساويًا لمسببه في الحكم، بل يكون السبب حرامًا وللمترتب عليه واجبًا.
وبهذا يظهر بطلان التشنيع على المالكية حيث جعلوا ترك السنة في الصلاة سببًا لوجوب السجود، فقل لهم كيف يكون ترك المندوب سبب الوجوب، وكيف يكون الفرع أقوى من أصله وجوابهم ما تقدم.
حجة الفرق: أن البراءة تعتمد الإتيان بالمأمور به ولم يأت به، فتبقى العهدة، وإذا كان المندوب لا يجزئ عن العبادة الواجبة فأولى المحرم، فلو صلى ألف ركعة ما نابت عن صلاة الصبح، وأما المعاملات فهي أسبا، والسبب ليس من شرطه أن يكون مأمورًا به، حجة شبهة الملك مراعاة الخلاف، وأما ما يتصل به على أصولنا فلأن البيع المحرم إذا اتصل به عندنا أحد أمور أربعة تقرر الملك فيه بالقيمة: وهو تغير الأسواق أو تغير العين أو هلاكها، أو تعلق حق الغير بها على تفصيل مذكور في كتب الفقه.
وأما قول أبي حنيفة في الصحة فحجته أن الصحة لو كانت مفقودة لامتنع النهي، لأنه لا يقال للأعمى لا تبصر، ولا للزمن لا تطير، وما ذاك إلاّ لعدم صحة ذلك منهما، فدل على أن النهي يدل على حصول الصحة، والصحة عبارة عن ترتب الملك والآثار والمكنة من التصرفات، فلهذه القاعدة قالوا إنه إذا باع درهمًا بدرهمين أو غيره من الربويات متفاضلًا حصل الملك في أحد الدرهمين ورد الدرهم الزائد، وكذلك إذا اشترى أمة شراءً فاسدًا يجوز له وطئها ابتداءً، ويجوز له أكل الطعام وغير ذلك مِمّا اشتراه شراءً فاسدًا، بناءً على حصول الصحة المفسرة بالإذن في التصرف.
القاعدة: الصحة ثلاثة أقسام: صحة عقلية، وهو إمكان الشيء وقبوله للوجود
والعدم في نظر العقل، كإمكان العالم والأجسام والأعراض، وصحة عادية كالمشي
[ ١٧٥ ]
أمامًا ويمينًا ويسارًا دون الصعود في الهواء. وصحة شرعية وهو الإذن الشرعي في جواز الإقدام على الفعل، وهو يشمل الأحكام الشرعية إلاّ التحريم، فلا إذن فيه، والأربعة الباقية فيها الإذن.
إذا تقررت هذه القاعدة فالنزاع مع الحنفية إنّما هو في الصحة الشرعية، وهو الإذن في جواز الإقدام، واستدلُّوا بحديث الأعمى والمقعد، وذلك إنّما يوجب اشتراك الصحة العادية وهي مجمع عليها، اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق إلاّ وفيه الصحة العادية، وكذلك حصل الاتفاق أيضًا على أن اللغة لم يقع فيها طلب وجود ولا عدم إلاّ فيما يصح عادة، وإن جوزنا تكليف ما لا يطلق فذلك بحسب ما يجوز على الله تعالى لا بحسب ما يجوز في اللغة، فاللغات موضع إجماع؛ فعلى هذا دليلهم لا يمس صورة النزاع.
قال الإمام فخر الدين - ﵀: سلمنا أن دليلكم يدل على الصحة الشرعية لكن تلك الصحة متقدمة على النهي لا متأخرة عنه. وتقرير ذلك أن الموكل إذا عزل وكيله بقوله لا تبع هذه السلعة التي وكلتك على بيعها، فيكون هذا النهي عزلًا له ونسخًا لتلك الصحة السابقة، وكذلك الخلائق وكلاء الله في أرضه، لقوله تعالى: «ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» (١)، وقوله تعالى: «وأنفقوا مِمّا جعلكم مستخلفين فيه» (٢)، وإذا ورد النهي بعد ذلك عليهم كان ناسخًا لتلك الصحة السابقة، وأنتم تطلقون على أنه يدل على صحة لاحقة حتى تثبتون الملك في عقود الربا بناءً على النهي.
تنبيه: قال مالك الشافعي وابن حنبل: «إن النهي يدل على الفساد»، وقال أبو حنيفة: «ويدل على الصحة» فالكل طردوا أصولهم إلاّ مالكًا. فقال أبو حنيفة: «يجوز التصرف في المبيع بيعًا فاسدًا ابتداءً وهذا هو الصحة» . وقال الشافعي ومن وافقه: «إن الملك لا يثبت أصلًا ولو تداولته الأملاك وهذا هو الفساد» . وقال مالك
_________________
(١) ١٣٩ الأعراف.
(٢) ٧ الحديد.
[ ١٧٦ ]
بالفساد في حالة عدم الأمور الأربعة المتقدم ذكرها وبعدمه، وتقرر الملك إذا طرأ أحدها، فلم يطرد أصله.
ويقضي الأمر بضد من أضداد المنهي عنه.
قد تقدم أن النهي أمر بأحد الأضداد، والأمر بالشيء نهي عن جميع الأضداد، كقوله اجلس في البيت؛ فإنه نهى عن الجلوس في السوق والحمام وجميع البقاع، وكقوله لا تجلس في البيت، أمر بالجلوس في أحد المواضع، أما جميع المواضع المضادة للبيت فلا؛ لأنه نهي.
[ ١٧٧ ]