أجمعت الأمة على أنهم مخاطبون بالإيمان، واختلفوا في خطابهم بالفروع، قال الباجي وظاهر مذهب مالك خطابهم بها خلافًا لجمهور الحنفية وأبي حامد الإسفرائيني،
لقوله تعالى حكاية عنهم «قالوا لم نك من المصلين» (١) ولأن العمومات تتناولهم، وقيل مخاطبون بالنواهي دون
_________________
(١) ٤٣ المدثر.
[ ١٦٢ ]
الأوامر، وفائدة الخلاف، ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعينه الإمام أو على غير ذلك، وبسطه في غير هذا الكتاب.
في خطاب الكفار بالفروع ثلاثة أقوال، ثالثها: الفرق بين النواهي والأوامر كما تقدم، وسبب الخلاف يحتمل أن يكون عند من منع أن التقرب بالفعل فرع اعتقاد صدق المخبر بالتكليف به، ومن لم يصدق تعذر عليه أن يتقرب، فلا يكلف بالتقرب، وعلى هذا المدرك تكون هذه المسالة من فروع مسألة منع التكليف مما لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك تكون هذه المسألة من فروع مسألة منع التكليف مما لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك إنما هو أن الله تعالى لا يقبل الفروع منهم لأجل كفرهم، فلا يكلفهم بها، لأن الله تعالى لا يقبلها، والاحتمال الأول هو الظاهر من احتجاجات العلماء في هذه المسألة ومن أقوالهم، ومنه يظهر سر الفرق بين النواهي والأوامر.
فإن النواهي يخرج المكلف عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بها فضلًا عن القصد غليها، فإذا لم يعتقد التكليف وترك خرج عن عهدة العقوبة.
وأما الأمر فلا يخرج عن عهدته حتى يعتقد وجوبه، وهذا أيضًا سر إلزام القائل بعدم التكليف أن الدهري مكلف بالإيمان بالرسول ﵊، وذلك متعذر عليه حتى يعتقد وجود الصانع، وأن المحدث مكلف بالصلاة حالة الحدث مع تعذرها في تلك الحالة، فإلزام هذين المتعذرين لمن نفى التكليف يقتضي أن مدرك العدم إنما هو التعذر، وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل، لأن الكفار أربعة اسم: منهم من كفر بظاهره وباطنه كجمهور الحربيين، ومنهم من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما يحكى عن أبي طالب أنه كان يقول إني لأعلم ما تقوله - يا ابن أخي - لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش على المغازل لاتبعتك، وفي شعره يقول:
لقد علموا أن ابننا لا مُكذَّب لدينا ولا يعزى لقول الأباطل
فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن، وكذلك من يقول من الكفار: إني لأعلم أن دين الإسلام حق ولكني أخاف من الإسلام فوات منصب
[ ١٦٣ ]
أو ميراث، فهو معترف بلسانه وجنانه، وكافر ببطانه دون ظاهره وهو المنافق وكافر بظاهره دون باطنه وهو المعاند كأحبار اليهود الذين قال الله تعالى فيهم وفي نظائرهم «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم» (١) .
إذا تقررت هذه الأقسام الأربعة فمن آمن بظاهره وباطنه منهم، أو بظاهره فقط، معتقد صدق التكليف فالتعذر في حقه ساقط، وكذلك من كان كفره بالفعل كلقي المصحف في
القاذورات أو باني كنيسة مريدًا للكفر فيها، أو كان كفره مجحده آية من كتاب الله تعالى فقط، أو يجحد سليمان النبي ﵊ فقط، فإن هؤلاء كلهم يعتقدون صحة الفروع، فلا يتعذر منهم التقرب بالفروع فلا يتجه التعليل بتعذر التقرب، ثم إذا فرعنا أيضًا على الفريق الذي كفره بظاهره وباطنه، فلا يتم المقصود أيضًا، لأن من الفروع ما اجتمعت الشرائع عليه نحو الكليات الخمس: حفظ الدماء والأعراض والأنساب والعقول والأموال، وأنواع الإحسان كإطعام الجوعان وكسوة العريان، وغير ذلك مما لم تختلف فيه الشرائع، فيصح منه التقرب به عادة، بناءً على اعتقاده إياه من دينه وإن كفر بديننا، فهذا وجه الإشكال في هذه المسألة.
وأما حجة الخطاب من حيث الجملة فقوله تعالى «ولله على الناس حج البيت» (٢) وهو عام فيتناول الكافر: الأمر بالحج، وإذا تناوله الأمر تناوله النهي، لأن كل من قال بالأمر قال بالنهي، بخلاف العكس، وكقوله تعالى «وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة» وكقوله تعالى «والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما» (٣) فقوله تعالى: ومن يفعل ذلك، يتناول جميع ما تقدم، فيكون القتل والزنا يعاقب عليهما كما يعاقب على دعوى الإله مع الله تعالى، ولولا الكافر مخاطب بفروع الشرائع وإلا لما انتظم هذا الكلام.
_________________
(١) ١٤ النمل.
(٢) ٩٧ آل عمران.
(٣) ٦٨ الفرقان.
[ ١٦٤ ]
وحجة عدم الخطاب أنه لو أمر بالفروع لأمر بها إما حالة الكفر وهو خلاف الإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يقال صل وأنت كافر، وإما بعد الكفر، وهو أيضًا خلاف الإجماع لقوله ﵊ «الإسلام يجبُّ ما قبله» .
وجواب هذه النكتة أن زمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، كما نقول المحدث مأمور بالصلاة إجماعًا ومعناه أن زمن الحدث ظرف للخطاب للصلاة والتكليف بها لا لإيقاع الصلاة، فلا نقول له صل وأنت محدث، بل يجب عليك أن تزيل الحدث وتصلي، وأنت الآن مكلف بذلك، كذلك نقول للكافر أنت الآن مكلف بإزالة الكفر ثم إيقاع الفروع، لا أنك مكلف بإيقاع الفروع في زمن الكفر؛ فزمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، فقوله أما أن يكلف حالة الكفر أو بعده، قلنا حالة الكفر قوله لا يصح منه، قلنا لم ندَّع أن ذلك الزمان ظرف لإيقاع المكلف به حتى نلزم صحته، أو نقول بعده على سبيل التسليم والحديث حجة على الخصم، لأن الجب القطع، وإنما يقطع ما هو متصل، فهذا يدل على أنه لولا القاطع اتصل التكليف فبقي التكليف مستمرًا.
وأما قولي: فائدة الخلاف ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعيّنه الإمام أو إلى غير ذلك، فمعناه أن الإمام فخر الدين أجاب عن هذه النكتة المتقدمة بأن فائدة التكليف إنما هو مضاعفة العذاب في الآخرة لا الوجوب قبل ولا بعد، واكتفى بهذا الجواب، وهو لا يتم له بسبب أن العقاب في الدار الآخرة إنما يتضاعف ويعذب الكافر عذابين أحدهما: وهو الأعظم لأجل الكفر، والثاني للفروع، إذا قلنا بتقدم التكليف في الدنيا، أما عقابه في الآخرة من غير تقديم تكليف فغير معقول، فإذا تعين تقدم التكليف فيتعين أن نختار أحد القسمين، وهو إما حالة الكفر أو بعد؛ ويذكر الجواب مفصلًا محررًا كما تقدم، فظهر أن جوابه - ﵀ - غير تام.
وأما أن فائدة الخلاف ترجع على غير مضاعفة العذاب فقد ذكرت وجوهًا كثيرة في شرح المحصول، وأذكر منها هنا نبذًا أحدها تيسير الإسلام عليه، فإنه إذا كان مخاطبًا وهو خير النفس بفعل الخيرات من الصدقات وأنواع البر وغيرها
[ ١٦٥ ]
كان ذلك سببًا في تيسير إسلامه استنباطًا من قوله ﵊ «إن المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه» فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة إحسانه وحسناته، وإن أجمعنا على أنه لا يثاب عليها في الآخرة إلا أنه ورد الحديث الصحيح، أنه يطعم بها في الدنيا، ولم يرد دليل على أنها لا تكون سببًا لتيسير الإسلام فبقي استنباطه لا مانع منه. وثانيها: الترغيب في الإسلام، فإنه إذا كان كثير القتل والفتك والفساد وقيل إن الإسلام من شرفه أن يهدم جميع آثام هذه الأفعال كان ذلك أوقع في نفسه، من قولنا إن الإسلام لا ينهض إلا بالكفر وحده. ثالثها: تخفيف العذاب في الدار الآخرة؛ فإن الدليل ما دل إلا على تخليد الكافر في العذاب وأما مقداره في الكمية فالتفاوت واقع فيه قطعًا، لذلك قال تعالى «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» (١) واليهود أسفل من النصارى كما جاء في الحديث الصحيح من ترتيب طبقات النار - أجارنا الله منها - فإذا قلنا هو مخاطب وفعل ذلك كان سببًا لتخفيف العذاب عنه مع الخلود، فهذه فوائد تظهر من ثمرة الخلاف في كونهم مخاطبين.
فائدة: القاضي عبد الوهاب في الملخص الخلاف في هذه المسألة في فصلين: أحدهما أن العموم هل هو صالح لتناول الكافر كتناوله للمسلم؟ خلاف كما جرى في صلاحية العموم للعبد، الفصل الثاني: أنهم هل يتناولهم التكليف بالفروع أم لا؟ فقال: منهم من فرق بين المرتد فيخاطب، وبين غير المرتد فلا يخاطب، فيتحصل من نقله ونقل الإمام فخر الدين في المسألة أربعة أقوال. ثالثها: الفرق بين النواهي وغيرها، ورابعها الفرق بين المرتد وغيره، ومر بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن لكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، فالجهاد خاص بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافرًا، وهو
متجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنى من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكفار، أو يقال إن الله تعالى حيث ذكر الجهاد لم يذكر صيغة يندرج فيها الكفار، بل «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين» (٢) ويا أيها
_________________
(١) ١٤٥ النساء.
(٢) ٧٣ التوبة.
[ ١٦٦ ]
الذين آمنوا فقط، ويمكن أن يقال: لنا عمومات تتناولهم كقوله تعالى «يا أيها الناس اتقوا ربكم» (١) والتقوى يندرج فيها جميع الواجبات وكذلك قوله تعالى «وما أتاكم الرسول فخذوه» (٢) ومن جملة ما أتى به الجهاد، وهذه العمومات كثيرة فيمكن اندراج الكافر فيها، وأما حصول المصلحة منه. فجوابه: أنا لم نكلفه بالجهاد وهو كافر، بل كُلف بأن يسلم ثم يجاهد، كما قلنا في الصلاة؛ فإذا لم يسلم عوقب في الآخرة على الكفر وعلى ترك الجهاد مع جملة الفروع.
_________________
(١) ١ النساء.
(٢) ٧ الحشر.
[ ١٦٧ ]